الجمعة، 31 أكتوبر، 2008

مهرجان قرطاج السينمائي 5

مع المخرج قاسم عبد

شئ ما غامض في هذا المهرجان

أستوحي في هذا العنوان اسم فيلم شهير للمخرج الإسباني الراحل لوي بونويل الذي تعلمنا من أفلامه كيف نرى الدنيا بنظرة مختلفة عما هو سائد، نظرة فيها الكثير من السخرية والدعابة والمداعبة أيضا، فأنت تداعب الدنيا لكي تخفف من غلوائها عليك في الكثير من الأحيان.
الشئ الغامض في المهرجان يتمثل في اختفاء الكثير من ضيوفه الذين اعتادوا التردد عليه طوال الدورات الخمس الأخيرة (التي غبت أنا عنها).. هذا طبعا حسبما سمعت من صديق مقرب مني يحضر الدورة الحالية كما حضر إلى قرطاج بانتظام طوال 20 عاما.
السبب لا يمكن أن يكون كما يشيع البعض، أن مهرجان دمشق السينمائي "ملتحم" في مهرجان قرطاج، فسيبدأ يوم 1 نوفمبر أي في نفس يوم اختتام قرطاج!
كثيرون من الذين سيذهبون إلى المهرجان السوري موجودون لكن كثيرين أيضا غائبون خصوصا من الذين اعتادوا ان يلقوا معاملة "خاصة" هنا.
صديق روى لي الكثير عن تلك المعاملة الخاصة وأسرارها وقيام بعض الكهنة بتقديم القرابين وحمل الشموع، لا أعرف لماذا إلا إذا كانت هناك منافع متبادلة سرية لا نعرف عنها شيئا!
أما غياب أنصاف الحاكمين بأمرهم فلا يزال غامضا حتى إشعار آخر، فسوف تتضح كل الحقائق لاحقا.

· الناقد المصري صبحي شفيق الذي كان مفترضا أن يكون هنا ممثلا لجمعية نقاد السينما لم يحضر، وقيل في تبرير ذلك أنه ذهب إلى مهرجان الاسماعيلية (رايح جاي.. حسب تعبير الناقد مصطفى درويش- خارج السجل طبعا!) وهناك نسى صبحي أن هناك مهرجانا آخر في قرطاج يفترض أن يحضر إليه للمشاركة في الاجتماع السنوي للجمعية العمومية لاتحاد النقاد الدولي (الفيبريسي) الذي يستضيفه قرطاج بكرم حقيقي كما يستضيف لجنة تحكيم من الاتحاد. وكان مهرجان الاسماعيلية أيضا قد قرر الالتحام مع قرطاج والاتصال مع أبو ظبي أو ما يسمى بمهرجان الشرق الأوسط الذي تديره مذيعة برامج المنوعات التليفزيونية نشوى الرويني.
·السينما التونسية، أو بالأحرى الأفلام التونسية الثلاثة في المسابقة، خذلت الجميع هنا بقوة، فهناك ضعف واضح في سيناريوهات الأفلام الثلاثة، وبؤس في الصورة وتشتت في الإخراج وفقدان للسيطرة على الموضوع وعلى الممثلين. والأفلام الثلاثة تقليدية تماما، لا توجد فيها أي اكتشافات جديدة من أي نوع، أقصد اكتشافات فنية طبعا. والمشكلة أنها ترتد إلى ما كانت عليه السينما التونسية في الماضي، أي منذ 20 عاما، أي إلى سيطرة اللغة الفرنسية، وفيلمان من الثلاثة هما في الحقيقة من الانتاج الفرنسي. ويستنكر كثيرون هنا أن يكون المخرج مقيما في فرنسا ويصنع فيلما من الانتاج الفرنسي ومكتوبا باللغة الفرنسية ويدور شطر من أحداثه عند "ماما فرنسا"، ويأتي مخرجه ليحصل على دعم مالي من الدولة في تونس!
· السينمائيون الأفارقة كالعادة يشعرون بنوع من الغربة هنا وأنا شخصيا متعاطف معهم كثيرا، فالعرب يبدون كعادتهم أكثر اهتماما بأنفسهم من اهتمامهم بالآخرين. ولاشك أن أحد أهم الأفلام المعروضة في المهرجان الفيلم الاثيوبي "تيزا" لهايلا جيريميا وربما يفوز بجائزة أساسية، يستبعد كثيرون أن تكون التانيت الذهبي.. لا أعرف لماذا.. هل لأنه أفريقي، أو لأن العرف جرى أن يكون الذهب من نصيب العرب، والفضة من نصيب الأفارقة!
· أود تصحيح خطأ فادح ارتكبته هو أن عزت العلايلي ليس رئيس لجنة التحكيم للأفلام الروائية السينمائية الطويلة بل مجرد عضو في لجة يرأسها الكاتب الجزائري محمد مولسهول الذي عرف باسم ياسمينة خضرا أي باسم امرأة كان يستخدمه فترة طويلة ككاتب كنوع من تكريم كل نساء الجزائر كما علمنا.. وهو مصر على استخدامه حتى الآن بشكل رسمي، وللناس فيما يعشقون مذاهب. ياسمينة إذن ليست كاتبة جزائرية بل كاتب، والعلايلي عضو في اللجنة وليس رئيسا لها. ولذا وجب التنويه والاعتذار عن الخطأ.
· خطأ آخر ورد في اسم الفيلم الجزائري الذي اطلق عليه مخرجه مسخرة كما على شريط الفيلم نفسه بينما ذكرت كل المطبوعات أن اسمه مسخرات، وبالفرنسية ماسكاراد Mascarade.. ولا نفهم السبب في كل هذا التناقضات.. وكنت أظن أنه يقصد لابسي الأقنعة أو المشاركين في حفل تنكري لكن اتضح أنه يقصد مسخرة (أو جمع مسخرة!) ووضعها باللغة العربية على شريطه فلماذا يتم توزيع اسم آخر لا علاقة له باسم الفيلم بالعربية.. ولاعجب إذا عرفنا أن اسم الصديق المخرج العراقي قاسم عبد كتب في برنامج المهرجان بالعربية المترجمة عن الفرنسية "كسيم عبيد"!

الخميس، 30 أكتوبر، 2008

يوميات مهرجان قرطاج السينمائي 4

محمد بكري مع المخرجين العراقيين محمد توفيق وقاسم عبد


* كل النقاد والصحفيين والسينمائيين يختلفون عادة حول الأفلام، أيها أفضل وأيها أسوا، ولكل رأيه الخاص فيما يتعلق بتنظيم المهرجان ومستوى المسابقة ومصداقية لجان التحكيم، غير أن الجميع يتفقون على أن الميزة الأساسية للمهرجانات السينمائية العربية أنها تجمع الناس، وتقرب بين السينمائيين والنقاد، وتعيد تجديد الصداقات القديمة، وقد تساهم في تصفية "العداوات" القديمة أيضا.
كان الشاعر العراقي السيريالي عبد القادر الجنابي يصدر مجلة جريئة في باريس في أوائل التسعينيات بعنوان "الرغبة الإباحية" أو النقطة الممنوعة، كانت مجلة جادة تماما بالمناسبة وليست من نوع مجلات الاثارة الرخيصة. وكان يتخذ لها شعارا يبدو أيضا سيرياليا لكنه يعكس "موقفا" تشاؤميا قليلا من الحياة وإن لم يكن بعيدا تماما عن الواقع. وكان الشعار يقول ببساطة وبحسم "نحن لا نريد أصدقاء، فلدينا من الأعداء ما يكفي"!
أستخدم أنا هذا القول أحيانا في سياق التعبير عن المرارة بسبب الصدمات واللطمات الكثيرة التي تعرضت لها صداقات كانت فيما مضى تبشر ببعض الأمل في ظروف عالم مختلف. لكن الصداقات القديمة الحقيقية بين البشر الأسوياء الذين لا تربطهم مصالح مؤقتة أو منافع عابرة، تبقى عادة وتقوى وتتواصل رغم الغياب والبعد.
ورغم أنني لم ألتق بالصديق العزيز القديم (ربع قرن من الصداقة) المخرج العراقي قاسم عبد منذ 7 سنوات إلا أنه في الذهن والخاطر، وعندما التقينا مجددا في تونس حيث يشارك فيلمه التسجيلي الطويل "الحياة بعد السقوط" في مسابقة أفلام الفيديو، بدا أن الحوار بيننا كان متصلا، وكنا ببساطة نكمل ما بدأناه من حوارات وتبادل آراء منذ أن بدأت علاقتنا في لندن عام 1984.
قاسم يقضي معظم وقته حاليا في العراق حيث أسس مدرسة لتعليم السينما والتليفزيون، وهو مشروع طموح وإن كنت أشفق عليه كثيرا من "خطورة" التجربة. وقد فقد شقيقا وتعرضت أسرته لأزمات عديدة إلا أنه صامد ويواصل مهمته ببسالة حقيقية. وفيلمه يروي قصة معاناة أسرته فيما بعد سقوط نظام كان ينظر إليه على أنه أس البلاء وسبب الاضطهاد والمعاناة، فماذا جلب النظام التالي الذي خلفه!
* تجولت مع قاسم والمخرج العراقي الصديق محمد توفيق الذي يقيم في كوبنهاجن منذ سنوات طويلة في الشتات مثلنا، وقابلنا في طريقنا الممثل الفلسطيني الكبير محمد بكري بشحمه ولحمه وسط جموع الناس في شارع الحبيب بورقيبة. شئ جميل بالمناسبة، أن يحافظ النظام التونسي الحالي، الذي جاء بعد نوع من الانقلاب على بورقيبة، على اسمه مرفوعا على أهم شارع في العاصمة التونسية أو "شانزليزيه" تونس.
* سألت المخرج التونسي رضا الباهي عن سبب غيابه عن الساحة فقال إنه أخرج 12 فيلما كل منها 26 دقيقة عن الشخصيات السينمائية العربية، وإنه بصدد الاستعداد لتصوير فيلم سينمائي جديد بطولة عمر الشريف.
* راودتني فكرة تأسيس معهد للسينما في جزيرة مالطا وأنا في تونس، على أن يستقبل المعهد طلابا من بلدان المغرب العربي الثلاثة ومن دول أخرى إذا أمكن مثل "الجماهيرية- بعد التغيير".. ولكن رغم براءة الفكرة واعتمادها على فكرة الحرية وإدخال أفلام العالم بعيدا عن سيوف الرقابة وسيوف قطع الرقاب وتأديب العباد، إلا أنها بدت لي مثل الذي قرر أن يذهب لكي يؤذن في مالطة!

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2008

يوميات مهرجان قرطاج السينمائي 3

يسري نصر الله
المخرج رشيد مشهراوي في المهرجان

* السينما التونسية في أزمة لاريب في ذلك. الفيلمان اللذن عرضا في المسابقة الرسمية حتى الآن متواضعا المستوى لدرجة كبيرة. ما الذي جرى لكي تصبح الأفلام التونسية ضعيفة وخاوية بهذا الشكل (دون الدخول في تفاصيل نقدية علمية لأن لكل مقام مقال). كان يجلس بجواري وأنا أشاهد فيلم "شطر محبة" للمخرجة كلثوم بورناز المخرج التونسي المخضرم محمود بن محمود الذي صنع عددا من أفضل الأفلام التونسية مثل "عبور" و"شيشخان". وقد أخذ طيلة الوقت يتنهد بألم وتحسر بل ويصيح أحيانا صيحات استنكار ولم يتمكن من اخفاء رفضه للفيلم وضعفه وتهافت مستواه الفني. كان محمود يشاهد الفيلم بعين مخرج، لكنه مخرج يعرف أيضا الواقع التونسي الذي تدور فيه الأحداث، على العكس مني، فقد كنت حريصا كالعادة، على اخفاء المشاعر والانفعالات السلبية تجاه الفيلم لأن المسألة بالنسبة لي ليست "تصحيح" الفيلم بل التأمل في تفاصيله ثم التعامل معه نقديا إذا استطعت أو إذا وجدت مدخلا يضيف جديدا في تناول الموضوع. أما إذا كانت الكتابة لمجرد أن يثبت المرء أنه شاهد هذا وذاك من الأفلام، فليس له محل في قاموسي الشخصي. وأحيانا يصبح تجاهل الكتابة عن عمل ما موقفا مقصودا مرادفا للتجاهل السلبي بالطبع، وهو ما يمكن أن يكون أكثر إيلاما لدى المخرج الحساس من النقد السلبي التفصيلي.
* في مهرجان قرطاج تحدث أشياء غريبة بمقاييس المهرجانات الدولية التي أحضرها، وقد حضرت منها هذا العام 4 مهرجانات هذا العام. إلا أنها ليست غريبة أو لم تعد كذلك في عرف المهرجانات العربية أو التي تقام في العالم العربي (الذي يعيش بلاشك أزهى عصوره لكننا لانريد الاعتراف بهذا لأغراض "شخصية" شريرة بالطبع!).
أنت مثلا يمكن أن تتوجه هنا كما حدث بالفعل، في الموعد المحدد تماما لمشاهدة فيلم ما حسب البرنامج لكنك تفاجأ بأن عرض الفيلم بدأ بالفعل قبل موعد عرضه الأصلي، وأن القاعة ممتلئة عن آخرها. وقد تذهب لمشاهدة فيلم آخر كما حدث معي اليوم، قبل الموعد بنصف ساعة كاملة حتى تضمن مقعدا وسط الجمهور الغفير الذي يتجمع أمام دار السينما بحماس شديد لمشاهدة كل الأفلام، بما فيها الأفلام الوثائقية التي تناول موضوعات غريبة وهو أمر يجعلك أحيانا تتساءل: هل هذا الاقبال اختبار حقيقي لشعبية هذا النوع من الأفلام؟ أم أنه زحام المحتفلين بالعيد.. عيد السينما الذي يحل كل سنتين في تونس، أي أنه مجرد تعبير عن الحرمان، وأن هذه الأفلام نفسها في حالة توزيعها لن تجد جمهورا يدفع ثمن استيرادها وتكاليف عرضها!
أعود إلى لب الموضوع وهو ذهابك قبل نصف ساعة من العرض وانتظارك طويلا طويلا، لكي تفاجأ بأنه لا يمكنك الدخول حتى قبل عشر دقائق من الموعد ولا قبل خمس دقائق، ويحل موعد عرض الفيلم دون أن يسمح لك بالدخول لأن هناك جمهورا مازال داخل السينما.. إلى أن تضج من الزحام والتدافع والحرارة والعرق والتصاق الأجساد والثرثرة وعمال السينما والمهرجان كله والذين أتوا بك إلى هنا، فتحاول أن تشق طريقك بصعوبة وسط الكتلة البشرية لكي تهرب إلى حيث الهواء النقي وتتنفس الحرية.. بعيدا عن أي فيلم، فرأيي أن "الكفاح والنضال" من أجل مشاهدة فيلم، أي فيلم، أصبح أمرا منتهيا، فلا يوجد ما يستوجب التوتر والصداع والارهاق الجسماني، وإلا لأصبح الاستمتاع بالفن والجمال والإبداع والفكر مرادفا للأشغال الشاقة مثلا والعياذ بالله.. أليس كذلك؟
* الممثل الفلسطيني محمد بكري بطل فيلم "عيد ميلاد ليلى" لرشيد مشهراوي وصل إلى تونس لحضور عرض فيلمه في المهرجان.
* يسري نصر الله غائب عن المهرجان، وآخر ما سمعته أنه يستعد لاخراج فيلم عن سيناريو لوحيد حامد.. وضع مائة علامة تعجب أمام هذا الخبر وبدون تعليق.
* أخبرني ابراهيم البطوط اليوم أن الأخ علي أبو شادي المسؤول عن جهاز الرقابة على السينما والفنون والفكر في مصر (وهذا هو الإسم الصحيح للجهاز كما ينبغي أن يكون) توصل أخيرا وبعد الكثير من الإحراج، إلى تسوية نهائية بشأن فيلم "عين شمس" وقرر معاملته كفيلم مصري.. ما الذي حدث بالضبط لكي تغير الرقابة رأيها؟ ربما رفض المغرب اعتبار الفيلم منتجا مصريا!
* صورة لا تنسى ولا يمكن أن تنسى بل ولا يجب أن تنسى: لفتت نظري ونظر الناقد الليبي رمضان سليم والمخرج المصري ابراهيم البطوط، ولابد أنها لفتت نظر كل الناس، فالمقصود أن تلفت أنظار كل الناس على وجه التحديد. هي صورة "الزعيم" موضوعة في أعلى منصة عرض الأفلام والمنصة المسرحية في قاعة المسرح البلدي في تونس حيث نشاهد بعض العروض وحيث تم الافتتاح. الصورة موضوعة في مكان واضح تماما يفرض نفسه عليك، والأكثر إثارة ومتعة للعين والنظر أن العبقري، مدير المسرح، أمر بتسليط إضاءة خاصة عليها مصدرها مصباحان من أعلى اليمين الخلفي واليسار الخلفي، وهما مصدران مخفيان يصعب رصدهما، فهي تبدو وقد أضيئت بقبس من النور، تشد أنظار الجميع وهم يتابعون أي عرض، سينمائيا كان أم مسرحيا، وتجعل الزعيم يبدو رسولا وأميرا للمؤمنين.. إذا آمنوا بالطبع!

الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2008

يوميات مهرجان قرطاج السينمائي 2


خميس الخياطي

اليوم الثالث في المهرجان الاثنين 27 اكتوبر. ذهبنا إلى قصر ثقافة ابن خلدون الذي يعد المقر الصحفي الرسمي للمهرجان، وهو وضع لم يتغير منذ 1980 أي منذ أن وعيت على هذا المهرجان وبدأت أتردد عليه. وهناك تجري المناقشات حول الأفلام المعروضة. كانت هناك عند وصولي وأصدقائي مناقشة للفيلم اللبناني "دخان بلا نار" لسمير حبشي في حضور المخرج وخالد النبوي وممثلة لبنانية لا أتذكر اسمها.
لا أفهم كيف يستمر قصر الثقافة بامكانياته الفقيرة المحدودة وجفافه وسلالمه العالية وقاعته الضيقة التي يرن فيها الصوت ويتردد صداه، يستضيف مناقشات الأفلام، في حين أن لدى المهرجان قاعات فخمة وفسيحة ومناسبة أفضل بكل تأكيد سواء في فندق افريقيا أو فندق الانترناشيونال. لقد كنت أحضر المناقشات في قصر ابن خلدون في الثمانينيات عندما كان الجو العام يسيطر عليه النشطاء الطلابيون أصحاب الخطاب السياسي المباشر الذين يرجمون الأفلام بالحجارة، أو يحولونها إلى نماذج لتطبيق نظرية الثورة من عدمه!
وقد انقضت هذه الأيام، وآن الأوان في رأيي أن يتغير مهرجان قرطاج قليلا ويعدل في اتجاهاته وبنيانه نفسه. لازلت مثلا لا أفهم كيف يترك أعضاء لجان التحكيم المختلفة يتصارعون مع الصحفيين وضيوف المهرجان وجمهوره على "اقتحام" قاعات العرض التي تعرض أفلام المسابقات. وفي كل مرة نسمع كلة "كومبليه" ولماذا لا تخصص قاعة للصحفيين والنقاد، ولماذا لا يشاهد أعضاء لجان التحكيم الأفلام في عروض خاصة بهم بعيدا عن الجمهور!
لقد شاهدت عزت العلايلي يشق طريقه بصعوبة من أعضاء لجنته لكي يتمكن الجميع من الدخول بصعوبة بالغة وبعد تدخل درة أبو شوشة مديرة المهرجان، إلى قاعة المونديال لمشاهدة الفيلم الجزائري "مسخرة".
أول من التقيت داخل قصر الثقافة كان صديقي الناقد التونسي الكبير خميس الخياطي الذي لم أره منذ سنوات. وقد حكي لي خميس كيف أنه كان يدير المكتب الصحفي في دورات سابقة وكيف تم استبعاده هذا العام بدون أي سبب. لكنه سعيد بما يصدره من كتب جيدة تثير الكثير من القضايا والنقاش.
جذبني خميس من يدي إلى ركن مهمل تماما من أركان القصر لكي يريني كيف أن المسؤولين أهملوا تماما عشرات اللوحات التشكيلية لفنانين تونسيين مرموقين. هذه اللوحات من مقتنيات الدولة لكنها أصبحت مركونة في الركن المهمل يعلوها التراب وفي حالة بالغة السوء!
التقيت الناقد التونسي الهادي خليل واشتريت كتابه المهم "من مدونة السينما التونسية: رؤى وتحاليل" الصادر حديثا في اكثر من 400 صفحة وفي طباعة أنيقة.
* أصدقاؤنا أعضاء لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد (الفيبريسي) أو الأعضاء الذين يشاركون في حضور الجمعية العمومية للاتحاد يبدون في غاية الحركة والنشاط. لكني لم ألتق حتى الآن بالناقد صبحي شفيق رئيس جمعية نقاد السينما المصريين الذي يفترض أنه يحضر الجمعية العمومية. لا أعرف ماذا جرى لصبحي؟ لكني التقيت أكثر من مرة بالمخرج السينمائي التسجيلي محمود سامي عطا الله، وتمنيت أن يتمكن من الحركة في وسط المدينة الذي يعج الزحام والحركة في حين أن سامي أصبح في سن لا يسمح، وفي حالة مرضية لا تيسر له السير في الشوارع وتسلق السلالم.
* عرفني المخرج المصري ابراهيم البطوط على الناقدة السينمائية من مونتنجرو مايا بوجونيتش وهي شخصية تتمتع باللباقة والفهم والثقافة العالية لما يحدث في العالم. تحدثنا عن فيلم "حلم كاليفورنيا" المعروض في المهرجان في قسم بانوراما العالم، وهو فيلم رائع في سخريته السوداء، وفي لغته وأسلوبه وطاقة الخيال الكامنة فيه. وقد توفي مخرجه ومصوره قبل الانتهاء تماما من تصويره لكنه استكمل بشكل ما وظلت نهايته مفتوحة. وتحدثنا أيضا عن الفيبريسي وما يجري فيه، وضحكنا عندما تذكرنا كيف أن كلاوس ايدير الأمين العام للفيبريسي استقال قبل 8 سنوات ثم أخذ يمدد وجوده بشكل مؤقت إلى أن اصبحت الحكاية أقرب إلى النكتة. مايا علقت قائلة: إن كلاوس مستمر في استقالته طول الوقت لكنه لا يختفي بل موجود ويمارس سلطاته.
* في المساء تبادلت حديثا وديا مع مدير مهرجان روتردام العربي خالد شوكات في بهو الفندق مع عدد من أصدقائه منهم المخرج سعد الوسلاتي مخرج الفيلم الوثائقي "ذاكرة امرأة" الذي سأشاهده اليوم.، وقد عاد لتوه من مهرجان سان فرنسيسكو.
خالد يبدو مهتما كثيرا بالقسم العربي في بي بي سي وما يجري فيه من تحديث بعد انطلاق الخدمة التليفزيونية. الصحفي المصري اشرف البيومي شعلة نشاط كالعادة. موجود في كل مكان، ويلتقي بأناس كثيرين.
* مرة أخرى التقي عزت العلايلي واقول له انني نشرت ما دار بيننا من حديث قصير دون أن انشر انتقاداته الشديدة للمسؤولين عن الثقافة والسينما في مصر وبألفاظ حادة. قال بدهشة: ولماذا لم تنشر.. إنشرها ولايهمك. قلت له إنه عظيم كما كان دائما.

الاثنين، 27 أكتوبر، 2008

يوميات مهرجان قرطاج السينمائي 1

مع رمضان سليم

المنصف بن عامر


* وصلت ليلة أمس في وقت متأخر، لم ألحق حفل الافتتاح، وهو أمر لم أكن أصلا أتوق إليه، فهو لا يخرج عادة عن بعض المراسم والكلمات ثم عرض فيلم كان هذا العام فيلم يوسف شاهين وخالد يوسف "هي فوضى" الذي سبق بالطبع أن شاهدته ونشرت موضوعا تفصيليا عنه عندما عرض في مهرجان لندن العام الماضي.صباح الأحد 26 اكتوبر، التقيت بالصديق القديم الناقد الليبي رمضان سليم الذي لا يخلع أبدا قبعته الصغيرة التي أصبحت مثل العلامة المسجلة. ولم ألتق رمضان منذ سنوات طويلة بعد أن توقفت عن الذهاب إلى المهرجانات العربية لأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن.
جلست مع رمضان والمنصف بن عامر الكاتب العام للمهرجان سابقا من أيام الزمن الرائع في الثمانينيات. المنصف رجل شديد الأدب والتهذيب ودماثة الخلق. وهو محب حقيقي للسينما وليس مجرد موظف "يستفيد من، ويتعيش على السينما مثل بعض النقاد الميديوكر- آسف لا أجد كلمة أخرى في العربية أكثر مناسبة لوصف المعنيين!".
في المكتب الصحفي للمهرجان الأمور سارت سيرا جيدا بالنسبة لي وليس بالنسبة لرمضان الذي تعين عليه الانتظار عدة ساعات إلى أن تمكن أخيرا من الحصول على البطاقة الصحفية، والسبب أنهم لم يكونوا قد "أنتجوا" البطاقة البلاستيكية بعد ويبدو أن هناك أيضا عددا كبيرا من الصحفيين لم تصنع بطاقاتهم واضطروا للانتظار!
ابراهيم البطوط

* في المكتب الصحفي التقيت بالكاتب والناشط في مجال حقوق الإنسان خالد شوكات، وهو تونسي يقيم في هولندا وأراه بشكل عابر أحيانا عندما أزور روتردام لحضور مهرجانها السينمائي الدولي (وليس العربي الذي يديره خالد).. خالد كعادته مجامل ولبق، وهو طبعا أكثر مجاملة في حديثه لأننا في تونس بلده.
* جاء رشيد مشهراوي العائد من اليابان مع فيلمه "عيد ميلاد ليلى" حيث كرمه مهرجان طوكيو السينمائي. مشهراوي صديق قديم رائع ومتألق دائما ورجل بمعنى الكلمة فقد قرر توزيع مبلغ 75 الف دولار (جائزة حصل عليها من مهرجان الشرق الاوسط) على كل العاملين بفيلمه وعددهم 40 شخصا.
* بحثت عن الصديق المخرج ابراهيم البطوط الذي قضيت معه أمسية جميلة في لندن قبل أيام عندما كان يحضر بفيلمه البديع "عين شمس" المهرجان. وقد لقي الفيلم استقبالا جيدا جدا من جانب جمهور مهرجان لندن، كما نوقش بعد عرضه مرتين، مناقشة ممتازة. وقد قمت بإنتاج قطعة تليفزيونية (أكثر قليلا من 3 دقائق) عن الفيلم وأصدائه وما أثاره من جدل عرضت على شاشة تليفزيون بي بي سي العربي يوم 22 اكتوبر كما ظهرت بعد بثها للحديث عن الفيلم وما واجهه من مشاكل في مصر لمدة 5 دقائق على الهواء مباشرة.
ابراهيم غير موجود في غرفته بالفندق. سأعود للاتصال به فيما بعد إن لم نل تق الليلة.

رضا الباهي


* ذهبت إلى المسرح البلدي في الثالثة بعد الظهر لمشاهدة فيلم تسجيلي عن "محمود درويش" شاعر العرب الراحل الكبير، ولدهشتي الشديدة وجدت القاعة ممتلئة عن آخرها وقد
بدأ عرض الفيلم بالفعل. وقد تمكن المشرفون على المسرح الكلاسيكي الجميل من العثور على مقعد لي بصعوبة.
الفيلم من اخراج سيمون بيتون الاسرائيلية الفرنسية الأصل التي غادرت اسرائيل واستقرت في فرنسا منذ سنوات لأنها لن تكق العيش في دولة عنصرية، واتخذت مواقف مؤيدة للفلسطينيين وصنعت بعض الأفلام الوثائقية المهمة عن الموضوع ولها في قرطاج أكث من فيلم.
الفيلم بديع ورقيق ومخلص تماما لموضوعه، ويعكس صورة انسانية حقيقية لمحمود درويش، الشاعر الفذ الذي كان انطباعي عنه دائما أنه لا يجيد الظهور الإعلامي، وأنه رغم شهرته الكبيرة ووقوفه مئات المرات أمام الجمهور لإلقاء شعره، إلا أنني كنت أشعر أن هناك جانبا "خجولا" في تكوينه الشخصي، وحزنا خاصا دفينا يغلفه بكبرياء قد لا تمنحه صورة المتحدث الجذاب كثيرا أمام عدسات التليفزيون. لكنه في هذا الفيلم يتحدث ببساطة وبشاعرية عن كل شئ. أعجبني محمود كثيرا وهو يروي كيف كان يشعر عندما انتقل من حيفا إلى القاهرة، وكانت تلك المرة الأولى في حياته التي ينتقل فيها من مدينته الفلسطينية إلى عاصمة عربية كبرى. ويقول محمود إنه فتح النافذة في الليل لكي يتأكد من أنه في القاهرة حقا، ورأى أمامه نهر النيل وكان النيل هو الذي أكد له أنه في القاهرة، ووجد نفسه يشعر شعورا غريبا: إنها المرة الأولى التي يرى نفسه في مدينة عربية تماما، كل من فيها عرب يتكلمون العربية، هنا أدرك مسألة اللغة، وكتب قصيدة شهيرة عن اللغة العربية باعتبارها مرادفا للهوية العربية. وهل أصبح لنا غيرها يامحمود.. عليك ألف رحمة.

فريد بوغدير

* في مطعم فندق افريقيا العتيد ألتقي عزت العلايلي رئيس لجنة التحكيم. عزت شديد الغضب على ما يجري في مصر من "تسلط" ثقافي أدى إلى نوع من التدهور. أتذكر معه بصعوبة يوم أن ذهبنا قبل 21 عاما مع المخرج الصديق خيري بشارة إلى منزل علي رستم، الذي كان يرغب في الاقدام على الانتاج السينمائي، وكان لدى خيري وقتها مشروع طموح لكن الفيلم لم ينتج ابدا.
الغريب أن عزت يسألني بدهشة عما أفعله في لندن؟ وكأنه لا يوجد في لندن ما يمكن لرجل مثلي أن يفعله، وكأن عزت لايزال يفكر بعقلية الفلاح المصري القديم (ربما من دوره في فيلم الأرض مثلا) كيف يمكن أن يستقر المصري في بلد مثل لندن، وكأن عزت أيضا لا يعرف كيف أصبحنا غرباء في بلادنا منذ دهور طويلة، بل وكيف أصبحت لندن وغيرها أكثر قدرة على احتواء وفهم غضبنا وثورتنا وتمردنا وقلقنا!
وهذا على أي حال، موضوع طويل طويل.. بطول الرحلة الطويلة المستمرة التي يبدو أنه لن يقطعها سوى الموت.. والموت، لو تعرفون، يقف على ناصية الطريق!
زميلة عزت العلايلي في لجنة التحكيم الممثلة الفرنسية ايمانويل بيير تبدو أقل جمالا بكثير جدا من صورتها السينمائية بل أقصر كثيرا عما تخيلتها من قبل. أما نوري بوزيد عضو اللجنة أيضا، فقد بدا عليه تأثير الزمن بشدة.

نادية كامل

* التقي أيضا بالصديق القديم المخرج التونسي رضا الباهي. رضا كعادتي به دوما، رجل باسم مرحب حميمي، قال وهو يقدمني للمخرجة المصرية نادية كامل (مخرجة فيلم "سلطة بلدي" الذي أثار ضجة في كل مكان لكني لم أشاهده حتى الآن): إننا نرتبط بصداقة عمر.
وحقا صدق، فقد التقيت رضا الباهي للمرة الأولى مع فتحي فرج عندما جاء إلى القاهرة لعرض فيلمه الأول البديع "العتبات الممنوعة" أظن عام 1974 أو 1975 لا أتذكر بالضبط الآن. وقد عرض الفيلم وقتذاك في نادي القاهرة للسينما. وكان قد واجه المنع في تونس لأنه صور اغتصاب سائحة أجنبية في مسجد بتونس. رضا أخرج بعد ذلك أفلاما كثيرة، وكان دوما مشغولا بفكرة تقديم أفلام ناطقة بالانجليزية من بطولة ممثلين وممثلات من العالم العربي وأمريكا وأوروبا. وقد عملت معه جولي كريستي وعزت العلايلي ومحمود مرسي وبن جازارا وربما شون كونري أيضا كما أعتقد.

* فجأة يظهر صديقنا القديم المخرج التونسي فريد بوغدير.. بشحمه ولحمه: أقول له إنه لم يتغير على الاطلاق بل ظل بنفس شبابه الدائم وابتسامته الرائعة. نتذكر بحزن زمن التألق: تألقه الشخصي ونشاطي الكبير في أوائل التسعينيات. وكنا نلتقي كثيرا في المهرجانات الدولية.
وقد قضينا معا يوما مجنونا بكل ما تعنيه الكلمة من جنون في مهرجان فالنثيا الاسباني، وخرجنا إلى الشوارع وكنا نعبر أثناء سير السيارات، ونضحك ولا يهمنا ما يحدث. كنا سعداء باحتضان العالم. وكان فيلمه "عصفور السطح" أو الحلفاوين قد حقق نجاحا كبيرا ودار على عدد من المهرجانات وحصل على الكثير من الجوائز. أين أفلامك الآن يافريد؟ لا أتلقى اجابة واضحة.. أعلق بأن العالم أصبح كئيبا بعد 11 سبتمبر. يوافقني تماما. ولكن ما سر السعادة؟ يقول فريد إن السبب أنه يعيش دائما مثل "عصفور السطح"!
أتوجه في الموعد تماما إلى قاعة المونديال لمشاهدة الفيلم التونسي في المسابقة "سفرة يامحلاها" لخالد غربال. المقاعد كلها امتلأت عن آخرها. لا توجد أماكن مخصصة للصحفيين والنقاد.. آسفون.. لا يمكنك الدخول!
لا تعليق!

السبت، 25 أكتوبر، 2008

يوميات مهرجان تطوان السينمائي 2005


اليوم الأول السبت 26 مارس
* يومي الأول هو اليوم الثاني في المهرجان. لماذا؟ السبب يرجع إلى عدم توفر أماكن شاغرة على الطائرات من أوروبا إلى طنجة بسبب عطلة عيد الفصح في أواخر مارس.
* الطريق من مطار طنجة إلى تطوان يستغرق ساعة ونصف الساعة تقريبا. تعرفت في السيارة على المخرجة سيمون بيتون، وهي إسرائيلية- فرنسية هجرت إسرائيل ضيقا من عنصريتها، وتخصصت في إخراج أفلام تسجيلية عن الفلسطينيين، وقد حضرت إلى مهرجان تطوان للمشاركة بفيلمها الجديد "الجدار" عن الجدار الفاصل الذي شيدته إسرائيل في الضفة الغربية.
سيمون ودودة وتمتلك الكثير من روح المرح، والأهم أنها تفهم روح السخرية irony، وبدون ذلك ليس من الممكن إجراء أي حوار حقيقي في رأيي مع أي إنسان متحضر!

* عرفت من مرافقي أثناء الرحلة من مطار طنجة إلى تطوان أن أعضاء الوفد المصري وصلوا في اليوم السابق لكنهم فشلوا في اللحاق بحفل الافتتاح بسبب تأخرهم داخل مطار الدار البيضاء (قبل انتقالهم بالسيارات إلى تطوان) لعدة ساعات، ربما بسبب إنهاء مشاكل التأشيرات أو ما إلى ذلك من مظاهر التخلف العربي الضارب بأطنابه.
وصلنا إلى الفندق وهو حديث البناء ممتاز. إلا أنه بعيد جدا عن المدينة حيث يوجد المهرجان (حوالي 40 كيلومترا)، وهو خطأ سنظل جميعا ندفع ثمنه يوميا حتى النهاية. وأظن ان هذا أبعد فندق نزلت به في حياتي عن أي مهرجان حضرته، فهو في واد والمهرجان في واد ىخر تماما. وكانت ابعد نقطة اتصورها عن موقع مهرجان ما هي عندما نزلت خلال حضوري مهرجان فارنا في بلغاريا عام 1987 في فندق على شاطئ يدعى "الرمال الذهبية" (بالمناسبة كل بلد في العالم تطل على بحر لديها رمالها الذهبية!) كان يبعد عن وسط مدينة فارنا حيث "هيصة" المهرجان حوالي 22 كيلومترا. أما فندق مهرجان تطوان (ذو النجوم الخمس) فهو يبعد حوالي 40 كيلومترا!

اليوم الثاني الأحد 27 مارس
* في مطعم الفندق ألتقي بالصديق القديم العتيد جدا.. "بريان دي بالما- مصر" كما أطلق عليه أو المخرج "الكبير جدا" محمد خان، ومعه هذه المرة زوجته الجديدة الشابة كاتبة السيناريو الموهوبة وسام التي كتبت فيلم "أحلى الأوقات". إنسانة رقيقة عذبة وحالمة، لا أعرفها من قبل فهي تنتمي للأجيال الجديدة التي نشأت وترعرعت وأنا خارج مصر. مهرجان تطوان يكرم محمد خان وهو تكريم يستحقه بالتأكيد. لم يفكر فيها أصحابنا إياهم في مهرجانات مصر ربما لأنهم لا يعتبرونه مصريا أصلا حسب تصنيفهم العنصري المحدود!
* الممثلة بوسي موجودة بحكم عضويتها في لجنة التحكيم. كنت قد التقيت بها من قبل مع نور الشريف في لندن قبل 16 سنة. صعب أن تتذكر.
* ألتقي أيضا بالصديق "التاريخي" محمد كامل القليوبي الذي تمتد معرفتي به إلى أكثر من 34 عاما.. هل هذا ممكن!
* هناك كذلك الصحفي الموهوب وائل عبد الفتاح، والناقدة الصحفية علا الشافعي (من الأهرام العربي) التي كنت قد قابلتها مرات معدودة في مصر، والمذيعة بسنت حسن من التليفزيون المصري.. لا أدري ماذا تفعل هنا حيث لا كاميرا ولا فريق تصوير ولا يحزنون. وكان هناك أيضا المخرجة هالة خليل التي أسعدني التعرف عليها كثيرا بسبب حلاوة روحها وشخصيتها القوية الطبيعية دون افتعال أو ادعاءات. وقد حضر أيضا المخرج سعد هنداوي والمخرج أسامة فوزي ولمها فيلمان في المهرجان داخل وخارج المسابقة.
* الموسيقار العراقي الموهوب نصير شمة موجود أيضا بدماثته وخلقه الرفيع ضمن أعضاء لجنة التحكيم الرسمية التي تضم اثنين من المغرب: ناقد ومخرج، جريا على عادة مهرجانات العالم العربي.
* الوفد المصري أجمع على اختيار "الأستاذ" فوزي سليمان رئيسا له.. يالشجاعة فوزي وشبابه وقدرته العظيمة على أن يقطع أرجاء الأرض، لا يستسلم للتقدم في السن أبدا.. وهو دائما ذلك الإنسان الرائع المحب للسينما، المخلص لها دون طمع في جاه أو نفوذ أو شهرة تقوم على الأكاذيب والادعاءات.
* في المقر الصحفي للمهرجان: أعرف من صديق مغربي بالخبر المأساوي: توفي أحمد زكي أخيرا فجر اليوم. مهرجان تطوان يبدأ وتنتهي حياة أحمد زكي كما كنا جميعا نتوقع لكن كنا نتشبث بالأمل. انتهت معاناته الآن مع المرض اللعين. خسارة فادحة للسينما المصرية والعربية دون أدنى شك.. هذا هو شعور كل الحاضرين هنا في تطوان.
* أحمد حسني مدير المهرجان يطلب أن يتحدث معي على انفراد. يخبرني أن علي أبو شادي رئيس المركز القومي للسينما – طلب أن يدعى للمهرجان لمصاحبة الوفد المصري، فأرسلوا له الدعوة، لكنهم فوجئوا به يطالب بضرورة إرسال تذكرة الطائرة على الدرجة الأولى متذرعا بأنه وكيل وزارة، وقال أحمد حسني إن أبو شادي كان عنيفا في حديثه معه، فأضطر إلى تذكيره بأن المهرجان لا يرسل تذاكر على الدرجة الأولى. بعد ذلك عرف أحمد حسني أن أبو شادي أخذ يضغط على السينمائيين والنقاد المصريين لحثهم على إلغاء سفرهم، وقد وصل إلى المهرجان بالفعل اعتذار من ليلى علوي وكذلك من بوسي ومحمود حميدة بل ومحمد خان وغيره، إلا أن جماعة تطوان تمكنوا من شرح الأمر لهم وإقناعهم بالمشاركة في المهرجان، باستثناء حميدة الذي تعلل بأنه مشغول، كما علموا أن أبو شادي أرسل أيضا للسفارة المصرية في الرباط يتنصل من مسؤوليته عن الوفد المصري والأفلام، ودفع السفارة لإرسال "فاكس" تطالب بتذاكر درجة أولى لكل أعضاء الوفد وإلا قاطعت مصر المهرجان!
أضاف أحمد حسني أنه اتصل غاضبا بعلي أبو شادي وقال له إنه إذا كان من حقه ألا يحضر إلا أنه ليس من حقه على الإطلاق تحريض الآخرين على مقاطعة المهرجان، وسأله: لماذا لا تدفع لك وزارته فرق السعر!
وقد انتهت الأزمة وأعلنت ليلى علوي أنها ستحضر غدا الاثنين، ثم سيحضر أيضا هاني سلامة ثم هند صبري في الختام. أما علي أبو شادي فلم يحضر.

* "فيلم "الجدار" تسجيلي كلاسيكي لكنه شديد التعاطف مع القضية الفلسطينية. لا بأس إذن.
* سعدت جدا بوجود الناقد الصديق صلاح هاشم المقيم في باريس والذي لم أره منذ لقائنا في مهرجان كان 2003. صلاح لا يزال يحتفظ بحماسه للسينما الجميلة، وحرارته التي تجعلني أغفر له هفواته الصغيرة دائما، وهي بالفعل صغيرة، فهو يعدك بأمر ما ثم قد يختفي عنك سنوات فتظن أنه يقاطعك لأمر ما، ثم تلتقيه فتكتشف أنه كما هو ببراءة الأطفال.. فقط هذا تكوينه كفنان أصلا.
* فيلم "الأمير" التونسي للمخرج محمد زرن فيلم جديد قديم. جديد بمعنى أنه يحاول "تطبيع" السينما التونسية مع الرومانسية، وقديم لأنه لا يضيف شيئا إلى التراث الرومانسي القديم.

اليوم الثالث الاثنين 28 مارس:
* في المكتب الصحفي: العادة العربية المزمنة واضحة.. إهمال تام للخدمات الصحافة والاتصالات لحساب حفلات الطعام.
* مشوار طويل عريض من السينما إلى المطعم في الغذاء، ونذهب و"نعيش" في المطعم إلى أن تلقي بنا الحافلات مرة أخرى في وسط المدينة أمام السينما. وهكذا إلى ما بعد منتصف الليل.
* أتذكر أنني أيضا عضو في لجنة تحكيم النقاد المكونة من خمسة نقاد من مصر والمغرب وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا. لكن الايطالي أمبرتو روسو لم يحضر بسبب إجراء عملية جراحية له، والناقدة الأسبانية لن تستمر حتى الختام، ومنسق اللجنة غير متفرغ، لذا فشلنا حتى الآن في عقد اجتماع تمهيدي، بل اكتفيت بتبادل الرأي مع الناقد المغربي.
طلب مني أحمد حسني قبل فترة طويلة من انعقاد المهرجان- تقديم ندوة عن المشهد الحالي للنقد السينمائي العربي، أقارن فيها بين ما عرضته قبل عشر سنوات في ندوة مشابهة، وما هو قائم اليوم. لكن المشكلة أنهم لم يعلنوا عن الندوة، لا في الكتالوج ولا في البرنامج.
نبهت أحمد حسني لهذه المشكلة متسائلا عما إذا كانت قد ألغيت فربما يكون هذا أكثر وضوحا. أحمد - الذي يبدو كالمسحور - أصر على أن الندوة قائمة وأنهم سيخبروني بموعدها في أقرب وقت!
* عرض فيلم "بحب السيما" في المساء بحضور بطلته ليلى علوي التي تستقبل استقبالا هائلا حقا مع المخرج أسامة فوزي. ترحيب علني قبل عرض الفيلم بمعظم أعضاء الوفد المصري.
نجح عرض الفيلم الذي يعتبر أحد أهم ما قدمته السينما المصرية في السنوات الأخيرة.
اليوم الرابع الثلاثاء 29 مارس:
* الناقد خليل الدمون رئيس جمعية نقاد السينما في المغرب وهو صديق قديم أيضا، موجود وحاضر من خلال مجلة "سينما" التي يصدرها مع الصديق أيت عمر المختار وآخرين عن الجمعية وبدعم من المركز المغربي للسينما باللغتين العربية والفرنسية. وهي مجلة ممتازة الطباعة وليست كراسة متواضعة مثل مجلة "السينما الجديدة" التي كنا نكافح لإصدارها وقت رئاستي لجميعة نقاد السينما المصريين.
* الناقدة الأسبانية تقول لي أنها تفضل منح جائزة النقاد لفيلم عربي، تشجيعا لسينما في حاجة إلى تشجيع. نتفق معها على ذلك.
* مناقشة فيلم "بحب السيما" في ندوة عامة تبدأ على استحياء كالعادة. يتكلم بعض الصحفيين من المغرب. يركزون على الطابع "المسيحي" للفيلم –كما يقولون- وعلى نقده للكنيسة. أسامة فوزي يحاول الرد. ليلى علوى تتكلم كلاما جميلا أيضا لكنها تشير إلى فكرة العالمية وإلى أننا لا نقل عالمية عن غيرنا. أقرر أن أتكلم فأقول إن الفيلم لا يتناول موضوعا دينيا بل فكرة القهر والحرية من خلال عدد من الثنائيات في بناء متعدد المستويات. أتحدث بانفعال حقيقي وأنفى المفهوم السائد للعالمية: تستطيع أن تكون عالميا إذا نجحت في غزو شبكات التوزيع في السوق الأمريكية (أكثر من 20 ألف دار للعرض).
* أحمد حسني مدير المهرجان يخبرني أن الندوة "الموعودة" ستنعقد غدا في الثانية عشرة وأنهم أعلنوا عنها.
* فيلم "ليلة حب" لسعد هنداوي يثير الأسى والحسرة. هذا مخرج كان يبشر بتفجر موهبة لا تقبل المساومة لكنه يقبل صنع عمل أقرب إلى "الفيديو كليب" لكي يصبح مخرجا للأفلام الروائية الطويلة. فيلم من أفلام الوجبات السريعة "تيك أواي" بكل أسف، غير أنني لا أستطيع أن أمنع تعاطفي مع سعد. قسوة الظروف، والسينما ليست وحدها التي تدهورت. في مناخ آخر يمكن أن يجد سعد هنداوي نفسه بالتأكيد، أما المناخ الفاسد الحالي فنحن جميعا في انتظار أن يرحل الكابوس عن القصر!
* حديث طويل عن السينما المصرية وأزماتها المزمنة مع ليلى علوي وسعد هنداوي في بهو الفندق. ليلى تقول إن كلامي في ندوة "بحب السيما" غير مسار الندوة بالكامل. أنجح في إثارة شهيتها لحضور ندوة النقد السينمائي غدا.

اليوم الخامس: الأربعاء 30 مارس:
* ندوة النقد تتأخر ساعة كاملة بسبب انشغال القاعة. أصعد إلى المنصة وأقول ساخرا إن العالم العربي يعيش "أزهى عصوره" ولذا فقد تأخرت الندوة ساعة فقط ولم تلغ تماما ويتم طردنا من هنا، وعلينا بالتالي أن نكون شاكرين. لست واثقا تماما أن السخرية التي تحملها الكلمات قد وصلت إلى الجميع حقا!
لم يحضر أكثر من نصف الصحفيين والنقاد المصريين، بل ولا حتى محمد خان والقليوبي، وهو أمر لم يدهشني على الإطلاق فقد فضلوا الذهاب للتسوق. وهو أمر يحدث دائما في أحسن المهرجانات!
* حضر - باهتمام شديد - فوزي سليمان وسعد هنداوي وصلاح هاشم، كما حضر الصحفي أشرف بيومي.
فجأتني ليلى علوي وحضرت فعلا بعد بداية الندوة بقليل وظلت حتى النهاية. غريب أن النجمة تحضر ويغيب "المثقفون" أو ليس غريبا!
خضت في قضايا النقد والصحافة والتوزيع وأكدت على أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، وأهمية التكنولوجيا الجديدة في تقدم السينما (الكاميرات الرقمية، والنقد عبر الانترنت).
* أكثر الأسئلة صعوبة سؤال يتعلق بسلطة الناقد. قلت إنني لا أحب كلمة سلطة. أفضل مسؤولية. ربما تكون السلطة في القدرة على دفع الناس لمشاهدة فيلم والاعراض عن فيلم آخر، وهو ما لا يتوفر لأي ناقد عربي حتى الآن.. ربما لحسن الحظ أيضا وإلا لأصبح البعض ممن يجيدون استغلال هذه "السلطة من أصحاب الملايين!
* أثار ما أعلنته في الندوة من تحد للحكومات العربية أن تعلن عن خطة حقيقية لبناء "سينماتيك" دهشة الحاضرين.
* فيلم "أحلى الأوقات" مصنوع برقة وبلمسة خاصة ومن خلال سيناريو محكم، إلا أنني كنت أتمنى أن تتمكن مخرجته الموهوبة هالة خليل من التوقف في لحظات للصمت لكي تتيح لنا بعض لحظات للتأمل خلال المتابعة اللاهثة لمصائر الشخصيات الثلاث الرئيسية.

اليوم السادس: الخميس 31 مارس:
* صلاح هاشم أصر على ضرورة إجراء مقابلة صحفية صاخبة وطويلة معي للمرة الأولى في تاريخ علاقتنا في ضوء تصريحاتي المدوية في ندوة النقد. صلاح يبدو شديد الحماس.. هل يستمر حماسه طويلا أم يفتر كعادته بعد أن نفترق!
* تكريم المخرج محمد خان. محمد ينتهز الفرصة لكي يحول التكريم إلى تأبين لصديقه أحمد زكي بطل ستة من أفلامه. لمسة إنسانية جميلة ومؤثرة.
* أتفق مع الناقد المغربي نجيب الرفايف على ترشيح "بحب السيما" و"طرفاية أو باب البحر" المغربي لجائزة النقاد. الاسبانية ماريا لوس رشحت "طرفاية" و"معارك حب". أما الناقد الفرنسي ميشيل سيرسو فقد رشح فيلمين أوروبيين وهجر الأفلام العربية. "طرفاية" يكسب بالأغلبية إذن وهو يستحق بالفعل!
* أذهب لمشاهدة فيلم "كليفتي" لمحمد خان لكني أجده (أي خان طبعا وليس كليفتي) واقفا على باب دار الثقافة التي يفترض أن يعرض فيها الفيلم. لقد فشل المنظمون في العثور على جهاز عرض من نوع ديجيتال فيديو عرض الفيلم. محمد ليس ساخطا، بل هو قلق أكثر على زوجته التي تأخرت عن موعدها معه. أنتظر معه. ألتقي بمندوبة مهرجان مونبلييه الفرنسي. لقد جاءت أيضا لمشاهدة الفيلم. أسألها: هل يحدث لديكم أمر مشابه لما حدث الآن مع فيلم محمد خان؟ تنفي ببساطة. أعود لسؤالها: ولماذا؟ لا تعرف بم تجيب، ربما شعورا منها بالحرج. أقول لها إن السبب ربما يرجع إلى أنهم يعيشون في"شمال المتوسط" بينما نعيش نحن في جنوبه، العيب إذن في البحر المتوسط الذي يفرق بيننا وبينهم، واسألها ما رأيك في اختفاء المتوسط؟ ترد ضاحكة إنها تفضل بقاء المتوسط. لديها كل الحق بكل تأكيد!

اليوم السابع: الجمعة 1 أبريل:
* جولة مع القليوبي في الحي القديم من تطوان. نفس الأزقة والطرق الملتوية المبلطة والمنازل المتلاصقة والدكاكين الضيقة التي تستطيع أن تتكهن بأنها تؤدي إلى البيوت من الخلف. شاهدت نفس المعمار في أصفهان ودمشق وفي الجزائر وتونس والرباط. لم يشيد الأوروبيون شيئا مشابها إلا في فينيسيا. القليوبي رأيه أن هذا التصميم قصد منه تسهيل الدفاع عن المدن.
*على طعام الغذاء تحضر الممثلة المتألقة هند صبري التي وصلت من القاهرة اليوم لحضور الختام.
* حفل الختام: يتصف كالعادة بالطول والاستطرادات وكلمات المسؤولين الكثيرة المليئة بالشعارات. وزير الإعلام المغربي يتعهد في كلمته بتأسيس معهد للسينما في تطوان.
يبدأ تقديم لجنة التحكيم على المسرح. أفاجا بأنهم ينزلون بسرعة. ومن سيوزع الجوائز؟ انتظر وسترى.
ينادون على هاني سلامة الذي غادر تطوان عائدا للقاهرة لتقديم جائزة ما. وينادون على محمد خان مرتين. ولدهشتي ينادون علي للصعود إلى المنصة مع أعضاء لجنة تحكيم النقاد لا لتقديم جائزتنا بل للفرجة على الناس وإتاحة الفرصة للناس لكي يتفرجوا علينا.
* نفس الأخطاء المعتادة في المهرجانات التي تقام في "جنوب المتوسط" (إذا استدعينا تعبير عبد الرحمن منيف): اعلان الجوائز كتب بالفرنسية دون العربية وتعلثمت ليلى علوي ومحمد خان في القراءة، والرقص البلدي الشعبي بدون داع في مهرجان سينما، وبينما يتعرف كل الحاضرين في المسرح الجميل على هند صبري التي تجلس أمامي ، لا يتعرف عليها مقدما الحفل ولا منظمو المهرجان، لذلك لا يطلب منها الصعود على المسرح لتحية الجمهور أو لتقديم إحدى الجوائز.. لماذا دعوها للحضور إذن؟
* المفاجأة فوز الفيلم المغربي "الذاكرة المعتقلة" بالجائزة الكبرى، وخروج "بحب السيما" من المولد بلا حمص رغم مستواه الفني الذي لا شك فيه.
* المفاجأة الثانية هي أن لجنة التحكيم تمنح جائزة التمثيل النسائي لممثلة فرنسية بدلا من أن تحصل عليها ليلى علوي الحاضرة بقوة: في الفيلم وفي المهرجان، في حين تمنح اللجنة محمود حميدة جائزة أفضل ممثل عن دوره في "بحب السيما" وهو الذي غاب عن الحضور.
* أشعر بالأسف لأسامة فوزي. لقد سبق أن خرج من قرطاج أيضا دون الجائزة التي يستحقها. وقد فاز "الذاكرة المعتقلة" أيضا بجائزتي الشباب ودون كيشوت، وهو ما جعلني أداعب أصدقاءنا المغاربة بقولي: جوائزنا عادت إلينا.. أليس كذلك!
* أجمل ما في حفل الختام ذلك العرض الجميل الذي صاحبه العزف الحي الجميل من نصير شمة – لصور ولقطات من حياة وأعمال الراحل أحمد زكي، وكان ينبغي الاكتفاء بذلك وشطب كل الخطب الرنانة وتقديم المسؤولين وغير ذلك من تفاهات المهرجانات العربية "الفولكلورية".
* انتهى إذن المهرجان، وعلينا الآن أن نحتفل بالفائزين ونفرح معهم في قاعة حفل العشاء الكبير الذي أقيم في نهاية الليلة وامتد حتى الثانية صباحا أو بعد ذلك.
وعلينا أيضا أن نقنع أنفسنا بأن المهرجان نجح وأصبحت السينما العربية في طريقها إلى العالمية.
* في اليوم التالي. معاناة ما بعدها معاناة في انتظار الحافلة التي ستقل الوفد المصري إلى مطار طنجة. لا تأتي إلا متأخرة كثيرا. طائرتي أنا بعدهم بثلاث ساعات تقريبا فلماذا اذهب معهم. أكدت على القائمين على المهرجان أكثر من مرة ضرورة ارسال سيارة (المطار على بعد ساعة ونصف من الفندق). غادرت حافلة الوفد المصري مكتظة لا مكان فيها لليلى علوي ولا لبوسي أو اسامة محمد فحملهم السفير المصري معه في سيارته وغامر في الطريق اسلحلي في صبيحة ممطرة.
* السيارة التي يفترض أن تنقلني لم تأت. وبعد تحطيم أعصاب وعشرات المكالنات التليفونية التي لا يرد عليها أحد فأصحاب مهرجان تطوان أرهقهم التعب فاستغرقوا في نوم عميق ونسوا امر ضيوفهم.
* وصل أخيرا الأخ محمد ضياء السوري مسؤول العلاقات العامة في المهرجان لاصطحابي بسيارته. أخبرني الخبر المشؤوم أن سيارة السفير سقطت في هوة جبلية وعرة وأصيبت بوسي اصابات شديدة وكذلك ليلى علوي واسامة فوزي إلا أنهم جميعا نجوا بأعجوبة من موت محقق!
* نصل إلى المطار متأخرين بعد أن تكون الطائرة قد أقلعت إلى لندن. تكون النتيجة أن أعود لقضاء ليلة سيئة في طنجة ثم أستقل طائرة في الصباح الباكر إلى الدار البيضاء لاجلس لمدة 7 ساعات فوق مقعد في المطار حتى تقلع طائرة أخرى من الدار البيضاء إلى لندن. رحلة الأهوال التي لن تعود أبدا..
ألم أقل لكم أن العالم العربي يعيش حقا أزهى عصوره!

الجمعة، 24 أكتوبر، 2008

لا جديد في فيلم أوليفر ستون الجديد



شهد مهرجان لندن السينمائي العرض الأول لفيلم "دبليو W" للمخرج الأمريكي الشهير أوليفر ستون خارج الولايات المتحدة تمهيدا لتوزيعه في الأسواق العالمية.
وأوليفر ستون معروف بمواقفه السياسية المتأرجحة، فقد بدأ حياته مؤيدا متشددا لليمين الأمريكي ولفكرة تطهير المجتمع بالعنف (يمكن مثلا مراجعة فيلم "عام التنين" لمايكل شيمينو الذي كتب له السيناريو) إلى أن فاجانا عام 1973 بفيلمه القوي "السلفادور" الذي يتجه بقوة ناحية اليسار ويدين السياسة الأمريكية في أمريكا الوسطى، ويوجه انتقادات حادة للادارة الامريكية ويتهمها بدعم الديكتاتوريات.
وقبل عامين قدم ستون فيلمه الخاص أو "رؤيته" المثيرة للجدل حول ما وقع في 11 سبتمبر في فيلم "مركز التجارة العالمي"، من زاوية للرؤية اعتبرت أولا غير كافية، لأنها كانت تحصر الحدث في حدود "الوطنية الأمريكية"، وهو ما انتهى ثانيا إلى تصريحات ستون الصادمة في مهرجان فينيسيا 2006 بأنه "يتفهم لجوء أمريكا لاستخدام القوة في أفغانستان، ويرى أنه أمر مبرر لأن الأمريكيين كانوا يطالبون بالانتقام. وكان لابد من الانتقام لما حدث في 11 سبتمبر".
واليوم يعود ستون فيتقلب مرة أخرى ناحية اليسار ليقدم رؤية لا تضيف أي جديد للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الذي يقضي أيامه الأخيرة في البيت الأبيض.
رؤية ستون لبوش رؤية ساخرة، قدمته كشخص يعاني من الاحساس بالدونية وسط عائلته، كان مدمنا للخمر قبل أن يتحول إلى الإيمان المسيحي ويتخيل نفسه صاحب رسالة، كما يصور علاقته التي يزعم الفيلم أنها كانت دائما متوترة، مع أمه ووالده الرئيس الأسبق جورج بوش الاب.
وينطلق الفيلم من الاجتماعات التي عقدها بوش في البيت البيض مع أعضاء حكومته وسبقت الحرب على العراق، ويعود في مشاهد من نوع الفلاش باك إلى الماضي، على فترة الدراسة الجامعية ويصور المشاكل التي واجهها جروج الإبن في الجامعة وادمانه على المخدرات وولعه الشديد بلعبة البيسبول، ويعقد قمارنات دائمة ومتكررة بين رغبة بوش الإبن في التمتع بالشعبية كلاغعب للبيسبول وحلمه الخاص في الصعود السياسي أولا كعضو كونجرس ثم كرئيس للبلاد.
ولا جديد في كل ما يقدمه ستون في فيلمه، فقد اصبحت تفاصيل قصة حياة بوش معروفة للجميع، وقد أكلت الصحافة الأمريكية عليها وشربت كثيرا، كما أن المشاهد المتخيلة التي يقدمها ستون لما يمكن ان يكون قد دار من مناوشات ومشاكسات داخل عائلة بوش، وتفضيل الأب والأم شقيق بوش الصغير عليه لاعتقادهما أنه الأفضل والأكثر قدرة على "تشريف الأسرة"، لا تضيف أي جديد ولا تبدو حتى "طريفة" او مسلية كما كان يامل ستون.
ويعاني الفيلم من فشل واضح في اختيار الممثلين ربما باستثناء الممثل الرئيسي جوش برولين، الذي لعب دور الرئيس بوش، في حين جاء أداء باقي الممثلين الذين يقومون بأدورا دونالد رامسفيلد وزير الدفاع وقت غزو العراق، وديك تشين نائب الرئيس، وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي، وكولين باول، باهتة ونسخا كاريكاتورية سطحية للشخصيات الرئيسية وبعيدة بشكل مثير للرثاء عن النسخ الأصلية في حين أن الهدف كان المحاكاة وليس تقمص الشخصية.
ولا يتوقع أن يحقق الفيلم أي نجاح يذكر بعد أن طرح في الأسواق قبيل الانتخابات الأمريكية القادمة (التي لا يشارك فيها بوش اصلا بسبب انتهاء فترتي ولايته) وانشغال الامريكيين بالمشاكل الاقتصادية.
الفيلم أساسا محاولة للسخرية من بوش وتصوير لعدم قدرته على اتخاذ القرارات، وعقدة والده، وتخبط قراراته خصوصا فيما يتعلق بالحرب على العراق. ويستخدم ستون مشاهد تسجيلية في الفيلم ويمزجها بالمشاهد الخيالية، كما يدخل الممثل الذي يؤدي الشخصية على بعض المشاهد التسجيلية الحقيقية ولكن دون نجاح وبطريقة مفتعلة لا تثير في المتفرج أي خيال كما لا تقدم أي جديد، بل يبدو الفيلم بأسره، خارج الزمن والتاريخ، فالاهتمام بحقبة بوش التي توشك على الغروب، تضاءل حاليا إلى حد التلاشي.

الخميس، 23 أكتوبر، 2008

مهرجان قرطاج السينمائي الـ22

مع درة أبو شوشة في مهرجان فينيسيا الأخير


أرتبط بصداقة قديمة مع السيدة الفاضلة درة أبو شوشة مديرة مهرجان قرطاج السينمائي التي أعرفها منذ سنوات طويلة. وقد قبلت دعوة كريمة منها لحضور الدورة الثانية والعشرين من المهرجان الذي لم اشارك فيه منذ أكثر من عشر سنوات لأسباب مختلفة بعضها معلن.
ولمهرجان قرطاج عندي ذكرى خاصة، فقد كان أول مهرجان دولي على الإطلاق أشارك فيه. وكان هذا عام 1980. وكان الزمن غير الزمن، والعصر غير العصر، والناس غير الناس أيضا.
وهو أعرق المهرجانات التي تقام في العالم العربي، والمهرجان العربي الأول الذي قام على أسس واضحة: فكرية وجمالية، فقد ركز اهتمامه على السينما العربية والافريقية، وضرب عرض الحائط بشروط اتحاد المنتجين التي يفرضها على المهرجانات الدولية، فلم يهتم بعرض الأفلام الأمريكية التجارية، ولم يدخلها إلى مسابقته، كما لم يول اي اهتمام باستقدام نجوم هوليوود، والتقاتل مع غيره من أجل عيون نجم من الدرجة الثالثة في السينما الأمريكية. وبالتالي لم يحصل على الاعتراف الدولي، وفرضت عليه شركات هوليوود عبر اتحاد المنتجين، المقاطعة، فلم يبال أو يهتم، وقال لهم اشربوا من البحر، سنقيم مهرجانا له ملامحه الخاصة بنا وبثقافتنا، ولتذهبوا إلى الجحيم!
ومهرجان قرطاج السينمائي أو (أيام قرطاج السينمائية كما يطلق عليه منظموه) مهرجان أساسه الاهتمام بالثقافة السينمائية. وصحيح أن تونس لم تكن عند ولادة المهرجان قد عرفت الإنتاج السينمائي بشكل حقيقي، إلا أن ظهوره في 1966 كان محصلة حركة هائلة لنوادي السينما التونسية انتظمت في شبكة تغطي البلاد بطولها وعرضها، وكانت تضم أكثر من 35 ألف عضو، إلى جانب حركة فعالة لسينما الهواة. ومن هذه وتلك خرجت السينما التونسية بأفلامها التي نعرفها اليوم، وبنجومها في الإخراج.


المهرجان سيفتتح مساء السبت 25 أكتوبر بفيلم "هي فوضى" تحية إلى روح السينمائي الكبير الراحل يوسف شاهين، ويعرض 18 فيلما في مسابقته المخصصة للأفلام العربية والأفريقية. إلا أنه سيعرض أيضا عشرات الأفلام الأخرى في برامجه وأقسامه المختلفة ومن أهمها مسابقة لأفلام الفيديو أو الأفلام الطويلة المصورة بكاميرا الفيديو، ومسابقة للأفلام القصيرة وسيتضمن تكريما للسينما التركية والجزائرية، وقسما لأفلام العالم وبانوراما للسينما التونسية.
وسيكون لنا وقفات مع مهرجان قرطاج وأحداثه وفعالياته وأفلامه، هنا في هذه المدونة، وعلى موقع بي بي سي العربي.

الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2008

من مخزن الذاكرة



الصورة العلوية لي مع المخرج الراحل صلاح أبو سيف في مهرجان قرطاج السينمائي (1986) ومعنا على اليسار المخرج التونسي الطيب لوحيشي، والصورة المنشورة تحتها مع المخرج الصديق خيري بشارة في الدورة نفسها من المهرجان المذكور.
كان صلاح أبو سيف قد جاء إلى مهرجان قرطاج ضمن وفد مصري يضم خيرة السينمائيين، تصور في تلك السنة، أنه صنع عددا من أفضل الأفلام، وجاء بها للعرض داخل وخارج المسابقة.
كان هناك فيلم "البداية" لصلاح أبو سيف وكان يعرض خارج المسابقة ضمن تكريم خاص للمخرج الكبير، وكان هناك فيلم "الجوع" لعلي بدرخان داخل المسابقة، وهو بلاشك من افضل ما أخرجه بدرخان، وآخر أفضل فيلم لسعاد حسني.
وجاء خيري بشارة بتحفته السينمائية "الطوق والإسورة" عن رواية يحيي الطاهر عبد الله وسيناريو يحيى عزمي.
وربما أصبحت الأفلام الثلاثة حاليا من الأعمال الكلاسيكية في السينما المصرية والناطقة بالعربية بوجه عام. ولكن كان هناك أيضا إلى جانب هذه الأفلام الثلاثة فيلم "اليوم السادس" للمخرج الراحل يوسف شاهين، وقد عرض في افتتاح مهرجان قرطاج في تلك الدورة (أعود لحضور المهرجان هذا العام الذي يفتتح بفيلم "هي فوضى" ليوسف شاهين.. آخر أفلام الراحل الكبير).
وقد خرج الفيلمان المصريان من المسابقة دون الحصول على أي جوائز. وفاز بالطانيت الذهبي الفيلم التونسي "ريح السد" الذي اثار وقتها ضجة كبرى في العالم العربي، كما تعرض لحملة هجومية قاسية في الصحافة المصرية بدعوى أنه يفتح الباب للتطبيع مع اسرائيل، أو بسبب تصويره الشخصية اليهودية في صورة ايجابية، والعربية في صورة سلبية- كما قالوا وقتها.
وقد تحدثت في إذاعة بي بي سي وكتبت ونشرت وقتها أكثر من مقال دافعت فيها بشدة عن هذا الفيلم، أقصد فيلم نوري بوزيد واعتبرته عملا فنيا بديعا (المقالات موجودة طبعا في أرشيفي الشخصي)، كما عدت فأرسلت إلى مهرجان القاهرة السينمائي الذي عرض الفيلم في أواخر العام نص مقابلة طويلة أجريتها في مهرجان قرطاج (اكتوبر 1986) مع نوري بوزيد تحدث فيها بإسهاب عن فيلمه، وقدمته باعتباره عملا كبيرا في السينما العربية، وكان هذا رأيي ولايزال. ونشرت المقابلة في النشرة الرسمية للمهرجان باعتبارها حوار بين "الناقد والمخرج". ولعل أبو زيد لا يعرف أنني بسبب نشر هذه المقابلة في القاهرة، نالني هجوم شديد أو وجه بالأحرى، اتهام من ناقدة مصرية معروفة، بأنني صرت من "المدافعين عن اليهود" وبأنهم "خدعوا في"!
إلا أن هذا لم يمنع نوري بوزيد من شن هجوم مضاد على كل النقاد المصريين، واتهامهم بأنهم "يشعرون بالغيرة من كون الأفلام التونسية تحقق نجاحا". وتجاهل تماما وجود "ناقد مصري" (لم يكن وحده على اي حال) دافع عن فيلمه أينما عرض، حتى بعد ذلك حينما منع عرض الفيلم ضمن 5 أفلام تونسية أخرى من العرض في مهرجان دمشق عام 1991. وقد كتبت وانتقدت ما وقع من حظر، على الفيلم وغيره مثل "الحلفاوين" للمخرج فريد بوغدير.
غير أنني عندما عدت بعد سنوات لمشاهدة فيلم نوري بوزيد المسمى "بزناس" في مهرجان كان 1992 كان لي تحفظات كثيرة على مضمونه وطريقة معالجته، واستسلامه للأشكال والكليشيهات التي يغرم بها الممولون والموزعون الفرنسيون والغربيون عموما، وكان هذا رأي اتفق فيه مع معظم النقاد العرب الذين كتبوا عن هذا الفيلم. وكان أهم ماخذ عليه افراطه في استخدام القوالب التي يحبها الغرب أي أنه استسلم لمقتضيات التمويل الأجنبي. والغريب أن بوزيد نفسه عاد بعد سنوات طويلة لكي يعترف بما قدمه من تنازلات في هذا الفيلم بالذات.
إلا أن نوري بوزيد في ذلك الوقت من التسعينيات اعتبر ما نشرته (في نفس المطبوعات التي نشرت فيها من قبل عن ريح السد) "حقدا مصريا" و"رغبة في إخراجه من السينما ودفعه إلى التوقف عن الإخراج" وغير ذلك من الكلمات الكبيرة الصغيرة المضحكة.
وعندما التقيت به مصادفة أمام مدخل الفندق بينما كنت أحضر دورة 1996 من مهرجان قرطاج، استوقفني لكي يقول لي إنه "لايزال موجودا وإنه ماض رغم كل محاولات إخراجه من المجال السينمائي" أو شيئا ساذجا بهذا المعنى!
ولم أحاول أن أشرح له أو أن أبرر، بل شكرته وانصرفت، فليس من الممكن أن يتخيل أي إنسان في العالم أن هدف أي ناقد أن يجعل مخرجا ما يتوقف عن الإخراج السينمائي فهذا كلام لا يصدر إلا بدوافع أخرى. وأنا أفهم الحساسية المرضية عند بعض السينمائيين العرب لما يكتبه النقاد الذين لا حسابات لهم، فبعضهم عندما يفشل تماما في العثور على دوافع "خاصة" تتفق مع تصوراته عن النقاد، يذهب إلى إيهام نفسه بأنهم يكتبون انطلاقا من اعتبارات الجنسية والتعصب القومي. ولو كان هذا صحيحا، لكنت قد اشتركت مع من شاركوا في حملة هائلة ضد مهرجان قرطاج واتهموه بتجاهل السينما المصرية عمدا ومحاولة عزلها، وكان لهم فيما صدر عنهم بعض العذر وقتذاك بسبب ما حدث في المهرجان من خروج الأفلام المصرية الأفضل من أفلام كثيرة غيرها، من سباق الجوائز بل إن الممثلة فردوس عبد الحميد حرمت بشكل ظالم لاشك في ذلك، من جائزة أحسن ممثلة. وقد وقعت مهزلة هناك عندما نودي على فردوس لكي تصعد لاستلام الجائزة لكنها عندما صعدت أمام الجماهير التي حيتها بقوة (وكانت وقتها في عز مجدها) فوجئت بذهاب الجائزة إلى ممثلة أخرى لا أتذكرها الآن!
كان هناك صراع متخلف وقتذاك يغذيه البعض، بين ما اطلقوا عليه سينما المشرق وسينما المغرب، أو تحديدا بين السينما المصرية، والسينما في المغرب العربي. وقد كتبت في هذا الموضوع، وكنت أميل إلى معارضة كلا الطرفين، اللذين كانا يستندان إلى مفاهيم متخلفة، فلم تكن "التقسيمة" صحيحة أصلا، بل الصحيح القول إن السينما الفنية المتميزة في مصر وغير مصر تواجه الكثير من العقبات والمشاكل، وليس صحيحا أن الفيلم المصري مرادف للفيلم التجاري السائد على إطلاقه، وإلا كيف نصنف أفلام محمد خان وعاطف الطيب ويسري نصر الله ورأفت الميهي وخيري بشارة وابراهيم البطوط وأسامة فوزي (والخلط بين الأجيال مقصود تماما).. هل نضعها في نفس الخانة مع أفلام تعرفونها أنتم جيدا؟
في الوقت نفسه ليس صحيحا على إطلاقه أن كل فيلم ينتج في تونس أو سورية أو المغرب هو فيلم فني بالضرروة، بل هناك أفلام مصنوعة أيضا بغرض الوصول إلى الجمهور العريض، أي أفلام تغازل ذلك الجمهور وتتصور أنها تقدم له ما يريده، وليس ما يريده السينمائيون الطموحون أصحاب الرؤية والخيال!
الموضوع خرج قليلا عن إطار الذكريات التي تستدعيها صور من هذا النوع.. لكن ربما يكون من المهم أن أختم بالقول إنني توقفت تماما عن الكتابة عن أفلام نوري بوزيد منذ ذلك الحين، ما أعجبني منها وما لم يعجبني.. ولعل ذلك أفضل له.. وأكثر راحة لي طبعا!

الأحد، 19 أكتوبر، 2008

لوي بونويل و"سحر البورجوازية الخفي"


عالم سينمائي لم يكشف كل أسراره بعد

لوي بونويل Luis Bunuel علم من أعلام السينما في العالم. عاش حياة مليئة بالتقلبات والتجارب. عمل في بلدان وظروف مختلفة: في المكسيك والولايات المتحدة واسبانيا وفرنسا، وعاصر كبار الفناني والسينمائيين والمفكرين والشعراء في عصرنا. كتب وأخرج خلال 50 سنة 35 فيلما.
من أهم أفلامه "تريستانا"، و"يوميات خادمة"، و"حسناء النهار" و"سحر البورجوازية الخفي"، و"شئ ما غامض عن الرغبة"، و"شبح الحرية".
صدرت مذكرات بونويل بعنوان "النفس الأخير Mon Dernier Soupir " عام 1983، بعد أشهر قليلة من وفاته، وتضم سيرته الذاتية وذكرياته الخاصة وعلاقاته والشخصيات المشهورة التي قابلها، ما كان يحبه وما كان يكرهه، تجربته في الحرب الأهلية الإسبانية وعلاقته بسلفادور دالي، وموقفه من الكنيسة والأسرة، في نوع من "أدب الاعترافات" الصريح والجرئ والممتع حقا. وقد ترجم المخرج والناقد السوري مروان حداد مذكرات بونويل عن الطبعة الإنجليزية التي حملت عنوان My Last Breath وصدرت عن منشورات مؤسسة السينما السورية عام 1991.

العلاقة بالسيريالية
التحق بونويل مبكرا بالحركة السيريالية التي ظهرت في الفن كرد فعل غاضب تجاه الواقع في أوائل العشرينيات من القرن الماضي أي بعد الحرب العالمية الأولى وما تركته من إحساس بسقوط القيم القديمة والمفاهيم الاجتماعية التي كان يعتقد أنها ثابتة، عن الحب والأسرة ومؤسسة الزواج وعلاقة الإنسان بالدولة..إلخ.
واشترك بونويل مع صديقه سلفادور دالي في كتابة سيناريو فيلم "كلب أندلسي" (1928) Un Chien Andalou وهو فيلم روائي قصير (26 دقيقة) يصور بشكل خارج كثيرا عن المألوف وصادم للعين، رؤية كابوسية للعلاقة بين الرجل والمرأة. ولا يتضمن الفيلم قصة أو سياقا سرديا واضحا ومحددا بل يقفز من مشهد إلى آخر ومن زمن إلى زمن أخر، دون أي شروح أو حتى تغير في شكل الشخصيات المحدودة التي تظهر فيه. وقد عرض الفيلم للمرة الأولى في باريس عام 1928.
ويقول بونويل في مذكراته إنه وسلفادور دالي كانا يخشيان من رد فعل الجمهور الغاضب إزاء الفيلم الذي كان يتضمن مشهدا يقطع فيه الرجل بالموسى عين المرأة فيخرج منها آلاف النمل.. غير أنهما فوجئا بإعجاب الجمهور بالفيلم.
من عالم الأحلام والهواجس والكوابيس والتحليل النفسي والرعب من المجهول، ومن تخيل ما يمكن أن يكون كامنا فيما وراء الطبيعة، صنع بونويل عالما خاصا يتبدى في معظم أفلامه، خاصة أفلامه الخمسة الأخيرة، التي تظل حتى يومنا هذا، شاهدة على عبقريته الفريدة.
وقد عاد الاهتمام بأفلام بونويل إلى الأوساط السينمائية الشابة في أوروبا خلال العقد الأخير، فأقبل الكثير من شباب نوادي السينما وجمعيات الأفلام وهواة جمع التحف السينمائية على اسطوانات رقمية dvd على الاهتمام بمشاهدة وتحليل أفلامه والاستمتاع بها، والتعلم مما يكمن فيها من أسرار: بصرية وذهنية وفلسفية، ومحاولة الكشف عن أسرارها الخافية التي تطويها اللغة السينمائية الخاصة التي ميزت أسلوبه.

مصادر الرؤية
وربما يمكن رصد المصادر الفنية والفكرية التي ساهمت في تشكيل عالم بونويل السينمائي في النقاط التالية:
1- البيئة الإسبانية بخلفيتها الثقافية: الأساطير، الأدب الخيالي، عالم سرفانتيس، رسوم جويا وفيلا كروز، وأشعار لوركا، وصولا إلى تجربة الثورة والتمرد العام والحرب الأهلية الإسبانية التي شارك فيها بونويل إلى جانب الجمهوريين الذين هزموا على أيدي قوات الجنرال فرانكو مما اضطر بونويل للهرب والعيش في المنفى.
2- الحركة السيريالية بكل تمردها وسخطها على ثوابت عالمنا وجموده، التمرد على الواقعية والكلاسيكية كمذهبين يحدان كثيرا من التعبير الفردي لدى الفنان عما يحس به دون أن يملك مفاتيح لتحليله بشكل منهجي.
3- الدين: المسيحية الكاثوليكية بتقاليدها الصارمة، والرغبة في التمرد عليها، مع إيمان دفين وعميق بالوجود، والرغبة الدائمة في طرح التساؤلات المقلقة حول مغزى الوجود، وعلاقة الإنسان بالله.

لوي بونويل بريشة سلفادور دالي

4- التحليل النفسي والعلاقة بين الكبت الاجتماعي والكبت الجنسي، وعلاقة الاثنين بعالم الأحلام، وما يؤدي إليه البحث في هذا الجانب بالضرورة، إلى البحث في مغزى اللذة وعلاقتها بالألم وبفكرة الإثم أيضا. هناك تأثر واضح عند بونويل بكتابات الماركيز دي صاد فيلسوف الحرية المطلقة الذي عرف بكتاباته عن الجنس والعنف واللذة والألم، ورفض كل القيود التي تحد من المتعة الخالصة المطلقة مثل الدين والقوانين والتقاليد. وقد أخرج بونويل فيلمه الروائي الطويل الأول "العصر الذهبي" عام 1930 (63 دقيقة) وكتبه مع سلفادور دالي عن رواية الماركيز دي صاد "120 يوما في حياة سادوم".
5- الطبقة الوسطى بتقاليدها الشكلية الزائفة ومؤسساتها: الزواج والعلاقات الجنسية وقيمة العمل، مع طرح فكرة الظلم الاجتماعي والتمرد على الانتماء الطبقي دون الوقوع في التبسيط الكلاسيكي. هناك أيضا تأثر بونويل بالماركسية (كان لفترة عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي ثم طرد منه) لكن مع مزجها بالتحليل النفسي- وليس بالفرودية فقط- وبالسيريالية. وهناك تناول فريد لفكرة أن الإنسان سجين لأحلامه وكوابيسه وهواجسه الشخصية، وهي رؤية شديدة الثراء عند التعبير عنها بصريا، غير أنها من زاوية التفسير الماركسي، مرفوضة تماما.
إن عالم بونويل محكوم بنسق دقيق من تناقض الثنائيات على نحو جدلي، مما يجعل قراءة أفلامه قراءة أخلاقية مبسطة أمرا مستحيلا. إننا نجد مثلا، أن بونويل يكرر في كل أفلامه اللعب على ثنائيات مثل الخيالي والواقعي، الفردي والاجتماعي، الرقة والخشونة، اللذة والألم، الحب والتمرد. هذه الثنائيات، تدور في مزيج من الفوضوية السياسية والاجتماعية، والسيريالية كمذهب فني، إلى جانب العناصر الرئيسية الثابتة في سينما بونويل، التي يبرز من خلالها هجومه الحاد وهجائيته الشديدة وسخريته من "الثالوث المقدس": الجنس والدين والسياسة.
أفلام بونويل التي أخرجها في المكسيك وفرنسا، منعت من العرض تماما في وطنه إسبانيا طوال عهد الجنرال فرانكو، فقد اعتبرتها الرقابة الإسبانية أفلاما "منافية للآداب"، و"هدامة اجتماعيا"، وهي المفاهيم التي يكررها كل الفاشيين والقمعيين في كل مكان عبر التاريخ.

ا لسحر الخفي
ويكفي أن نتناول فيلما واحدا من أفلام بونويل هو فيلم "سحر البورجوازية الخفي" لندرك لماذا يتحفظ البعض على أفلامه حتى يومنا هذا، ولماذا يعتبرها البعض مغرقة في الغموض، مستغلقة على الفهم، ولنعرف من ناحية أخرى، لماذا يعتبره الكثير من النقاد، ومنهم كاتب هذه السطور، رائدا لتيار الحداثة في السينما العالمية مع قطب آخر من أقطابها البارزين هو الفرنسي جان كوكتو رغم الفارق الكبير بينهما في الأسلوب.
أخرج بونويل "سحر البورجوازية الخفي"Le charm discret de la bourgeoisie عام 1972 وكتبه بالاشتراك مع الكاتب الفرنسي جان كلود كاريير الذي رافق رحلة إبداع بونويل واشترك معه في كتابة سيرته الذاتية بعد اعتزاله الإخراج عام 1977.
ويعتبر هذا الفيلم أكثر أفلام مخرجه كمالا وتعبيرا عن رؤيته الشاملة للعالم، كما أنه يحتوي على كل مفردات سينما بونويل. ومشاهدة الفيلم اليوم بعد أكثر من 35 عاما على ظهوره، تكشف لنا عبقرية صاحبه، وتؤكد قدرة أفلامه على الصمود في وجه الزمن، فمن يشاهد الفيلم يدرك أنه لايزال عملا أصيلا، متميزا، بجدته وجرأته، سواء في موضوعه أو في طريقة عرض موضوعه.
ما الموضوع إذن؟ ستة من أفراد الطبقة الوسطى (البورجوازية) هم ثلاثة من النساء وثلاثة من الرجال، يرغبون في قضاء أمسية يتناولون خلالها طعام العشاء معا، لكنهم يفشلون مرة تلو الأخرى، لأسباب مختلفة، ويربط بين مقاطع الفيلم المختلفة مشهد واحد يتكرر ظهوره طوال الوقت، لأفراد المجموعة وهم يذرعون طريقا ريفيا على غير هدي، ربما يسعون نحو تحقيق رغبة لا تتحقق أبدا ففي كل مرة يوشكون على تناول الطعام يحدث شئ أو يأتي أحد الأشخاص أو يستدعى شخص ما حلما من أحلامه يروها لهم، مما يحول دون تناول الطعام: المتعة الأساسية لدى البورجوازية (الفرنسية بشكل خاص) والتي يجري خلالها تبادل الحديث في شتى المواضيع.
من الخارج، ومن حيث المظهر العام، تبدو ثقتهم شديدة في أنفسهم. هناك سحر خاص غامض يجذبنا إليهم، لكن ما يزيح عنه بونويل الستار، يصيبنا بالفزع والنفور. إنه يعريهم ويهتك أسرارهم من خلال عالم الأحلام الذي يصوره بكل تفاصيله كما لم نره من قبل.
في البداية يحل أربعة منهم، بينهم فيليب، هو سفير لدولة "ميراندا"، وهي دولة خيالية بالطبع من دول أمريكا اللاتينية، ضيوفا على الثنائي الأول: رجل وزوجته (تقوم بدور الزوجة الممثلة ستيفان أودران التي عادت لكي تتألق في فيلم "وليمة بابيت" بعد 15 عاما).. لكن الزوجين يرغبان في ممارسة الحب في غرفة النوم. الخادمة تطرق عليهما باب الغرفة لكي تعلن وصول الضيوف الأربعة. يطلبان منها تقديم المشروبات إلى حين نزولهما لاستقبال الضيوف. لكن الأمر يصبح هزليا تماما عندما يقرر الرجل وزوجته، تحت إلحاح الرغبة، الهرب من الغرفة والتسلل مثل اللصوص عبر النافذة والنزول إلى حديقة المنزل، لاستكمال ما بدآه بين الأدغال.
الضيوف يشعرون بسأم من الانتظار الطويل. وعندما تخبرهم الخادمة أن مخدوميها هربا، يخشى السفير وزميله أن تكون الشرطة على وشك مداهمة المنزل فيهربان مع المرأتين، والسبب أن الرجال الثلاثة ضالعون في تجارة المخدرات، والسفير يقوم بتهريبها في الحقيبة الدبلوماسية.
الأحداث كلها تدور في إحدى ضواحي باريس الريفية. أجواء بداية السبعينيات واضحة في الفيلم: التمرد والحروب الشعبية المسلحة في غابات أمريكا اللاتينية انتقلت إلى شوارع باريس. هناك فتاة ثورية من "ميراندا" تطارد سفير بلادها، تريد أن تغتاله بسبب دوره القذر في تمويل العمليات العسكرية التي تشنها الحكومة ضد الثوار، لكنه يتمكن حسب "الأصول" البورجوازية، من إغوائها واصطيادها داخل بيته في باريس، حيث يجردها أولا من سلاحها، ثم يغازلها ويحدثها عن جمالها وتفتح جسدها، ثم يتركها ويهرب، ولكنه يشير بيده إشارة خاصة عبر النافذة يلتقطها حارسان مسلحان تابعان له، فيقبضان على الفتاة عند نزولها ويصطحبانها بطريقة وحشية لكي تلقى مصيرها.

حلم ودماء
في محاولة للاجتماع على مائدة العشاء في قصر أحد البورجوازيين الستة يحضر ضابط ومجموعة من الجنود. يعتذر الضابط للمجموعة بأن مناورات عسكرية على وشك أن تبدأ في المنطقة العسكرية القريبة من القصر. تلح عليه سيدة القصر لكي ينضم للمجموعة على العشاء. يقبل الضابط أن يتناول كأسا من الشراب فقط. يجلس مع جنوده الذين يدخنون الحشيش. يدور حوار حول الحشيش. يقول أحد البورجوازيين إن الجنود الأمريكيين أدمنوا تدخين الحشيش في فيتنام لذا كانوا يقصفون مواقع قواتهم بدلا من مواقع العدو. يحضر جندي شاب يحمل أمرا للضابط القائد بضرورة العودة إلى القيادة فورا. لكن الجندي يرغب في أن يقص على الحاضرين أولا حلما شاهده الليلة الماضية. يوافق الضابط. ودون تردد يقص الجندي الشاب عليهم كيف أنه رأى في المنام أمه المتوفية منذ مدة، وقد عادت لتشكو له خيانة والده لها. يتناول الشاب سكينا ويقتل والده. الدماء تغرق كل شئ، ثم ينتهي الحلم.
الداخل والخارج
الضابط يدعو المجموعة لتناول طعام العشاء في منزله الأسبوع القادم. وفي الموعد المحدد نراهم وقد التفوا حول مائدة الطعام. يقدم لهم جندي طعاما بلاستيكيا، وفجأة ينزاح ستار لكي نكتشف أنهم يجلسون فوق خشبة مسرح أمام جمهور يسخر منهم بسبب عدم حفظهم لأدوارهم!
يقوم ضابط شرطة باعتقال أفراد المجموعة في أمسية ثانية بتهمة حيازة المخدرات. في قسم الشرطة يروي ضابط لزميله قصة الضابط الذي كان يقوم بتعذيب ضحاياه بوحشية إلى أن بدأ يشعر بتأنيب الضمير فانتحر، لكن شبحه وهو ينزف دما يتبدى – كما نرى- كل عام ليلة الرابع عشر من يوليو (عيد سقوط الباستيل).
وفي مشهد سيريالي نرى الضابط المنتحر أمام بيانو، يفتح غطاءه، تظهر الأسلاك، يضع الجنود شابا من الفوضويين متهما بتفجير قنبلة في عمل من أعمال الإرهاب الثوري، فوق أسلاك البيانو البيضاوي. يدير الضابط ذراعيا آليا، تنتشر الكهرباء في الأسلاك ويرتفع الدخان، ويتلوى الشاب من شدة الألم ويصرخ.
في المشهد التالي نكتشف أن أحدهم كان يحلم مرة أخرى، وأن الضابط الدموي الذي يمارس التعذيب مازال يعمل في قسم الشرطة.
تأتي مكالمة هاتفية لمفتش الشرطة الذي اعتقل السفير وأفراد المجموعة. المتحدث على الطرف الآخر هو وزير الداخلية نفسه (يقوم بالدور الممثل ميشيل بيكولي). يأمر الوزير المفتش بإطلاق سراح الجميع فورا لما في اعتقالهم من إضرار بمصالح الدولة العليا. يحاول المفتش أن يتيقن مما يقوله الوزير، لكن صوت طائرة تعبر المجال فوق المنطقة تشوش على كلام الوزير.. ويتكرر السؤال، وفي كل مرة يتكرر صوت الطائرة، ولا يسمع المفتش ما يقوله الوزير على الطرف الآخر. وأخيرا يقول له المفتش إنه فهم دون أن يكون قد فهم شيئا بالطبع، ويأمر بإطلاق سراح المجموعة.
القس والانتقام
يحضر أسقف الضاحية إلى منزل الثنائي البورجوازي الأول بعد أن يرتدي ملابس منسق الزهور. يقول لهما إنه قس ولكنه يرغب في العمل لديهما في تنسيق وتنظيف حديقة قصرهما لكي يمر بتجربة روحية في التقشف والعمل اليدوي حتى يشعر بمعاناة الفقراء ويتقرب إلى الله. صاحب المنزل لا يبدو أنه يصدق هذه القصة فيطرده شر طردة.يعود القس بعد قليل وهو يرتدي ملابسه الرسمية فيلقى استقبالا مختلفا تماما. يستجيب صاحبا القصر لرغبته بعد تردد، ويسندان له مهمة تنسيق الزهور في الحديقة.
ذات يوم يمرض رجل مسن في القرية المجاورة ويصبح مشرفا على الموت. تأتي زوجة الرجل إلى القصر البورجوازي، تسأل عن القس الذي اختفى من الكنيسة. تقول لها سيدة القصر إن زوجها المريض في حاجة إلى طبيب وليس إلى قس، لكن المرأة تؤكد لها إنه في حاجة إلى قس بغرض الاعتراف، فهو يحتضر بالفعل. يقول القس (في زي منسق الزهور)، إنه يصلح للقيام بالمهمة. يقوم بتبديل ثيابه ويصحب المرأة إلى الخارج. يعترف له الرجل الفقير الموشك على الموت أنه قتل في شبابه مخدوميه السابقين لأنهما كانا يسيئان معاملته ويقومان بتعذيبه. يطلعه على صورة لمخدوميه السابقين وبينهما يقف ولدهما. يتعرف القس في الصورة على والديه. يكظم غيظه. يبارك الرجل قبل وفاته. وفي طريقه إلى الخارج يلمح بندقية معلقة على الجدار. يتناولها ويصوب ويطلق النار على الرجل فيقتله.
هذا المشهد ربما يكون أحد المشاهد القليلة في الفيلم الذي لا يتداخل فيه الواقع بعالم الأحلام، فهو مشهد واقعي تماما. لكن معظم مشاهد فيلمنا هذا تنطلق من الواقع لكي ترتد إلى عالم الحلم، والحلم من داخل الحلم أيضا، وإلى أشكال أقرب إلى الكوابيس السيريالية المرعبة.
غير أن أسلوب بونويل في السخرية يجعله يتمكن من تحويلها إلى مشاهد كوميدية تفجر ضحكاتنا من المفارقات المستحيلة التي نشاهدها، ومن التفاصيل العبثية التي يجيد التلاعب بها.
ويلعب الحوار الساخر العابث الذي كتبه جان كلود كاريير، دورا بارزا في تجسيد التناقضات. ولا يستخدم بونويل وسيلة للانتقال بين المشاهد واللقطات سوى "القطع" cut لأنه لا يريد أن يفصل بين عالمي الحلم والواقع، فهو يرى كلاهما امتدادا للآخر.
ويجسد المشهد الأخير خلاصة أسلوب بونويل العبقري: أثناء حفل العشاء يقتحم عدد من الثوريين من ميراندا القصر ويعتقلون البورجوازيين الخمسة بينما يختبئ السفير الأجنبي تحت المائدة. وفجأة تمتد يده من تحت المائدة يرغب في التقاط قطعة من اللحم يقبض عليها بيده، إن معدته تفضحه. وعلى الفور يطلق زعيم الثوريين النار عليه.
بونويل مع هيتشكوك في هوليوود

هجاء الطبقة
هناك لاشك علاقة واضحة في الفيلم بين السلطة السياسية والعسكرية والبوليسية (الوزير ورجل الشرطة وقائد الجيش) وبين السلطة الدينية (الأسقف) والسلطة الاجتماعية (الطبقة البورجوازية ورموزها). ويكشف الفيلم من خلال عالم الأحلام، عن عجز وسطحية وتفاهة الطبقة التي تتشبث بقيم ظاهرها الوفاء والاخلاص والتضحية: في محيط العمل والعلاقات الزوجية والصداقة وغيرها، في حين أنها تخون كل ذلك بانتظام: هناك خيانات زوجية، وقسوة وتعال بل وعنصرية في النظر إلى الآخر والتعامل معه، وتذبذب وسطحية في المفهوم الديني عن التسامح.
ويوجه بونويل كعادته، نقده الساخر إلى الكنيسة، وإلى السلطة الغاشمة التي تستخدم الدين ستارا، كما تستخدم أقصى درجات القمع ضد معارضيها، وتتستر على مخالفات "السادة" أعيان الطبقة.
وهو يجعل رموز البورجوازية تبدو عاجزة عن تناول الطعام ولو لمرة واحدة، إشارة إلى عدم التحقق، كما يستخدم مشهد الرغبة الملحة في ممارسة الجنس ولو في أدنى صوره، أي في زاوية مظلمة وسط أحراش الغابة، تعبيرا عن غياب الحب، وسخرية من ادعاءات الطبقة عن التمسك بـ"التقاليد" الرفيعة المتحضرة.
ويسبق هذا المشهد مباشرة مشهد الضيوف وهم يتناولون الشراب. ويقوم السفير باعداد كوكتيل خاص ويدعو سائقه إلى تناول كأس معهم قبل أن ينصرف. السائق يتناول المشروب على جرعة واحدة ثم يختفي. هنا ينتقد أحد أفراد المجموعة طريقة السائق (من طبقة أدنى بالطبع) في تناول المشروب. وبونويل بالطبع يريد أن يسخر من ازدواجية المعايير، لأننا نشاهد في الوقت نفسه الزوجين وهما يتسللان عبر النافذة لممارسة الجنس في الحديقة وهو ما يخالف تماما التقاليد البورجوازية!
ويرقى مستوى التمثيل في الفيلم إلى أعلى الدرجات، دون أي افتعال أو مبالغات لفظية أو حركات جسدية زائدة. هناك تلميحات واضحة إلى علاقة فرنسا ببلدان العالم الثالث، وإشارات إلى العنصرية الفرنسية تجاه ابناء الشعوب الأخرى من خلال الحوار الطريف الذي يدور بين الضابط وسفير دولة "ميراندا" الخيالية، التي يفترض أنها إحدى دول العالم الثالث.
ويكشف الحوار عن احتقار البورجوازية الفرنسية للسفير لكونه أجنبيا أو من دولة يعتبرونها "أدنى". لكنهم لا يمانعون من استخدامه لتحقيق مصالحهم، فهو يستخدمهم لتسهيل عملياته "القذرة" في تصفية المعارضة في بلادهم، ويستخدمون هم غطاءه الدبلوماسي لتهريب الكوكايين، وعلى مستوى ما يروى في الحلم يتحفظون على سجل بلاده السئ في حقوق الإنسان، أما على مستوى الواقع فيتعاملون معه وينافقونه كواحد منهم.
إن تعدد المستويات في "سحر البورجوازية الخفي" هو ما يجعل منه تحفة سينمائية من الطراز الأول، سواء على مستوى السرد وحيله المتعددة، أو على مستوى المخيلة البصرية والأداء التمثيلي المنسجم مع السيطرة المدهشة على كل خيوط وتفاصيل وشخصيات الفيلم.

الخميس، 16 أكتوبر، 2008

"الدماء المقدسة" لأليخاندرو خودوروفسكي



محور الجنس والدين وأغوار النفس

في هذا المقال أعاود السباحة الحرة مجددا، في عمل آخر من أعمال المخرج العظيم أليخاندرو خودوروفسكي (صاحب "الطوبو" و"الجبل المقدس") لعله يساعدنا على فهم رؤية هذا السينمائي العبقري وفلسفته الخاصة.
أخرج خودوروفسكي فيلم "الدماء المقدسة" Santa Sangre عام 1989 وهو من الإنتاج الإيطالي وصوره بأكمله في المكسيك. وقد كتب خودوروفسكي القصة، واشترك في كتابة السيناريو مع روبرتو ليوني وكلاوديو أرجينتو، وقام بدور البطولة في الفيلم أكسل خودوروفسكي ابن المخرج الكبير، وشارك فيه بالتمثيل أيضا والده أدان وبرونتيس خودوروفسكي.
ويعتمد الفيلم على قصة حقيقية نشرت تفاصيلها الصحف، عن قيام شاب أمريكي كان يعمل في السيرك، بقتل ثلاثين امرأة في المكسيك. هذه الحادثة يتخذها خودوروفسكي فقط إطارا عاما لفيلمه، لكنه يتيح لنفسه الحرية لتقديم رؤيته الخاصة "الخيالية" أو المتخيلة، لما يمكن أن يكون قد أدى إلى وقوع تلك السلسلة من جرائم القتل البشعة، وما يمكن أن يكون كامنا خلف قناع شخصية القاتل الشاب من مأساة عميقة الجذور.
إنه فيلم عن التطرف الديني، وعن الشهوة وارتباطها بالعنف، وعن الأوديبية الفرويدية ونتائجها المدمرة، وارتباط الماضي بالحاضر، وتأثير الطفولة على مرحلة الشباب طبقا للتحليل النفسي الفرويدي الذي يبدو أن خودوروفسكي مولعا به، وهو الذي خبر العمل في مسرح السيكودراما.

مأساة فينكس
يبدأ الفيلم بشاب يدعى "فينكس" يعالج في إحدى المصحات النفسية. يبذل الأطباء جهودا كبيرة من أجل إعادة ثقته بنفسه. نشاهده في البداية داخل غرفة مجردة من الأثاث متجردا من ملابسه، يتصرف مثل قرد في الغابة، وقد وضعوا له في الغرفة ديكورا خاصا: شجرة وبضعة أحجار وحبل. الشاب يتسلق الشجرة فزعا عند دخول الطبيب، وينكمش على نفسه رافضا أن يتبادل الحديث مع أحد.
من هذا المشهد ينتقل الفيلم بطريقة القطع إلى "فلاش باك" أو عودة للماضي، إلى مرحلة الطفولة لنجد بطلنا وهو في العاشرة من عمره، يعمل في سيرك بالمدينة مع أمه "كونشا" التي تقدم الاستعراضات الصعبة "الترابيز"، ومع أبيه "أورجو" الذي يجيد لعبة رشق السكاكين. الأم مكسيكية (لاتينية) مسيطرة، متسلطة، والأب أمريكي، ضخم الجثة، فظ، غليظ القلب، لا يأبه لمشاعر زوجته. وهو يقوم بعرض يومي يتلخص في إلقاء السكاكين حول جسد فتاة الاستعراض اللعوب التي تتلوى أمام لوحة رشق السكاكين.
أما الأم فهي "مهووسة" دينيا، تتزعم مجموعة من النساء اتخذن لأنفسهم من فتاة اغتصبت وقتلت وهي في عمر الزهور، قديسة يتبركن بها، بل وأقمن معبدا خاصا لها لممارسة شعائر تلك الديانة الجديدة الغريبة. رجال الشرطة يحيطون بالمعبد، يريدون تدميره بصحبة قس يعتبر أن النساء من أتباع تلك الديانة الجديدة قد انحرفن عن المسيحي الحق، والأم تصرخ ملتاعة وتتصدر مظاهرة لنساء ديانتها، وتواجه باستماتة رجال الشرطة لمنعهم من تدمير المعبد الذي أقيم داخل كنيسة استولوا عليها.

الهوس الديني
النساء يتحصن داخل المعبد، ونرى حوضا مليئا بالدماء، ونموذجا للفتاة التي أصبحت مقدسة، وتلقي فتاة شابة بنفسها وسط الدماء وهي تردد في هستيرية "الدماء المقدسة.. الدماء المقدسة".. إنه الانسياق الأعمى وراء فكرة القربان أو الضحية التي يتعين على الإنسان تقديمها لكي يحصل على الغفران.
القس يحاول التوصل إلى حل سلمي لانهاء الموقف.. أي تصفية المعبد الذي يعتبره وثنيا خارجا على الكنيسة وانسحاب النساء وتجنب المواجهة مع الشرطة. وهو يحاول إفاقة النساء من سيطرة الأكذوبة، فيقول إن ما يوجد داخل الحوض الكبير ليس دماء وإنما ماء ملون بالصبغة الحمراء.. أي أنهن يخدعن أنفسهن أو تخدعهن كونشا التي تتزعم أتباع تلك الديانة، وإن الفتاة التي قتلت لاقت مصيرها طبقا لارادة الله ولا يجب أن نجعل منها قديسة. تصرخ كونشا في وجهه وتنهى النساء عن الاستماع إليه. وأمام التعصب والإصرار والرغبة المستبدة في الانتحار الجماعي لدى مجموعة النساء المهووسات دينيا ينسحب القس.
يقوم رجال الشرطة بهدم المعبد باستخدام جرافة ضخمة. وترفض الأم الانسحاب بل تحاول التشبث بأي طريقة بأطلال المعبد بعد هدمه. ويندفع ابنها فينكس لإنقاذها قبل أن تلقى مصيرها.

الإغراء والعقاب
ننتقل بعد هذا إلى أجواء السيرك. الأب "أورجو" مفتون بامرأة الاستعراض التي يرشق حول جسدها السكاكين. هذه المرأة يقدمها خودوروفسكي كنموذج للإغواء الأنثوي الصارخ أو للفتنة الشيطانية، جسدها يمتلئ بوشمات عديدة تحمل إشارات وثنية خاصة، وهي ترتدي ملابس شفافة تلتصق بجسدها وتكشف عن مفاتنها، ويتلوى جسدها الملئ بالوشم في ارتجافات متتالية، وتقوم باغواء أورجو بينما تشاهد زوجته كونشا ما يحدث بينهما من مكانها في أعلى السيرك حيث ترقص على السلك، وينتهي الأمر بقيام كونشا بإخصائه في مشهد صادم، فهي تلقي مادة كاوية على عضوه الذكري فتحرقه، ويتحامل الرجل على نفسه بصعوبة شديدة، وينهض ويطارد زوجته ثم يقوم بالانتقام منها بطريقة بشعة باستخدام سكينين يضعهما تحت ابطيها وفي حركة واحدة يقوم بقطع ذراعيها بوحشية ثم يقتل نفسه، وتتفجر الدماء انهارا من جسد المرأة الملقى على الأرض. تتجمع الكلاب تلعق الدماء في أحد أكثر المشاهد وحشية في تاريخ السينما.
تتطور القصة بسرعة. امرأة الاستعراض الشهوانية الموشومة تهرب بصحبة الفتاة البكماء الجميلة التي ترتبط بعلاقة صداقة مع بطلنا الصغير "فينكس"، والأخير يشاهد هروب المرأة الموشومة دون أن يستطيع أن يفعل شيئا، فقد حبسه أبوه داخل شاحنة صغيرة أغلق أبوابها عليه. بعد موت الأب، تعثر الشرطة على فينكس فيودعونه مصحة نفسية، ويخرج ذات يوم في جولة تنظمها المصحة بصحبة مجموعة من المرضى المتخلفين عقليا، يشاهد اثناء ذلك المرأة الموشومة ويرصد مكانها، فتعود إليه ذكرى المأساة.
تظهر أمه المقطوعة الذراعين أمام المصحة تناديه من الشارع. يتسلق هو الجدار إلى أن يصل إلى النافذة ثم يتدلى منها بحبل ويلحق بأمه، ويصبح منذ تلك اللحظة لصيقا بها بل بديلا عن ذراعيها.

ثنائية الأم والإبن
ويأتي وقت الانتقام من المرأة التي كانت سببا في مأساة حياته. يعرف أنها تعمل قوادة، تحاول أن تدفع الفتاة البكماء إلى الدعارة. وفي مشهد دموي آخر يهاجمها داخل حجرتها ويسدد لها طعنات متتالية ولا يتركها إلا بعد أن يمزق جسدها. ونحن لانرى وجهه، بل يده فقط التي تطعن، وربما تكون الأم هي التي تقتل وهو مجرد أداة، وربما أيضا أنه قد أصبح متوحدا مع امه بشكل يجسده الفيلم على صعيد مادي ونفسي. وتقدم الأم نفسها في بعض مشاهد الفيلم كما لو كانت "بديلا" عن المرأة عموما، في حياة ابنها "فينكس"، ويقبل هو سيطرتها عليه بمتعة خاصة. ونلمح إشارات إلى علاقة أوديبية لاشك فيها.
الأم تقوم بتقديم عرض خاص يومي في أحد الملاهي الليلية في المدينة، والشاب يشترك معها في العرض، فيلتصق بجسدها من الخلف ويدخل النصف الأعلى من جسده داخل نفس الملابس التي ترتديها ويستخدم ذراعيه كما لو كانا ذراعان لها. هي تعزف على البيانو بيديه، وعندما تريد أن تحك ذقنها يقوم هو بذلك، أو تشير بيدها أن يتوقف.. هذه الحيلة تبدو في الفيلم شديدة الإقناع، ولاشك أن الممثلين تدربا طويلا على الأداء بهذه الطريقة حتى وصلا إلى هذا الحد من الدقة المطلقة.
تسيطر كونشا على فينكس سيطرة تامة، ويبدو هو منقادا لها، تحت تأثير التنويم الإيحائي الذي تستخدمه. إنها تعتمد في القيام بكل صغيرة وكبيرة عليه وعلى يديه، حتى في القيام بأعمال التطريز، لكن الأهم أنها توحي له بما يتعين عليه القيام به، فهي تدفعه إلى قتل أي امرأة تقترب منه، بعد أن رسخت في ذهنه فكرة أن الإغواء شيطان، وأن العاطفة تؤدي إلى الوقوع في الإغواء بالضرورة، وهذه الإشارات كلها تصل إلينا في الفيلم من خلال النسيج العام وليس بشكل مباشر. وكلما كاد "فينكس" يخضع لرغبات الشباب أو لنداء العاطفة، تقوم هي بتحريضه على الخلاص من المرأة التي تثيره أو تثير عاطفته بقتلها ودفنها، وهكذا تتكرر جرائم القتل.
تفقد الأم السيطرة على ابنها فقط بعد ظهور الفتاة البكماء "ألما" مرة أخرى في حياة البطل. هذه الفتاة هي رمز للنقاء والبساطة والصدق.. إنها "الحقيقة" الوحيدة في حياة فينكس. لكن أمه لا تطيق أن يرى ابنها الحقيقة الأخرى الخارجة عنها وعن سيطرتها فتطلب منه أن يقتل "ألما"، لكنه يرفض ويتمرد بل ويتجه لكي يقتل الأم نفسها ثم يحرق المنزل الذي أقامت في داخله معبدا صغيرا لممارسة شعائر ديانتها الشيطانية، وبذلك يتخلص من الأم (السيطرة بالوراثة)، والدين (السيطرة بالاكتساب).

رؤية مرعبة
خودوروفسكي الذي عاش وعمل في تشيلي والمكسيك والولايات المتحدة واسبانيا وفرنسا، يقدم هنا رؤيته الخاصة للإنسان وللعالم، وهي رؤية شديدة القسوة والعنف. هناك تحرر كبير في طريقة السرد السينمائي تتناسب مع الرؤية السيريالية المخيفة التي يصورها خودوروفسكي، فالبناء الدرامي لا يخضع للمنطق التقليدي في الحكي بل يعتمد على التداعي الحر، وتداخل الأزمنة، والقفز بين الأمكنة، والمزج بين الأحلام والخيالات والرؤى، وبين الواقع والخيال.
هناك ثلاثة عناصر واضحة في هذا الفيلم من حيث الدلالات والإشارات: الدين والجنس ودخائل النفس البشرية. هذه العناصر تتكرر في كل أفلام جودوروفسكي. إن فينكس مثلا يظهر في اللقطة الأولى من الفيلم على هيئة المسيح، لكنه داخل زنزانته المقفرة، يتسلق شجرة وينزوي عاريا أعلاها. وتتردد في الفيلم أيضا فكرة الإثم والخيانة والخضوع للإغواء بالمفهوم الديني، ولكن في المقابل هناك أيضا الخضوع لما يعتبره خودوروفسكي نوعا من الأساطير والقصص الأرضية التي يحولها الإنسان إلى معتقدات "سماوية" كما في حالة الفتاة التي تغتصب وتقتل فتتحول إلى "قديسة" ولكن بدماء مقدسة مزيفة.
الرغبة الجنسية العارمة ترتبط بالخيانة، ويتم القضاء عليها بالإخصاء، ثم بالقتل في أبشع أشكاله وصوره بعد ذلك على يدي فينكس أو يدي أمه، التي تدفعه إلى قتل كل فتاة تثير فيه الرغبة. والقتل هنا مادي تماما، حسب رؤية خودوروفسكي، لكنه يريد أن يصور لنا كيف يقمع الإنسان رغباته بأقوى ما يمكن، تحت دوافع الدين والعرف.
أما النفس البشرية فهي شديدة التعقيد. وقد تكون شديدة الاختلاف في الداخل عما يبدو من الخارج. وقد تتحول في لحظة ضعف أو انهيار إلى قوة مدمرة، يمكن توجيهها وقيادتها والسيطرة عليها.
ولعل جمال الفيلم وجاذبيته تكمن في أن مخرجه يقدم لنا كل هذه العناصر الفنية والفكرية والجمالية وينتقل فيما بينها، دون أن يفقد القدرة على "رواية قصة" مشوقة أيضا ومثيرة للخيال والفكر، ودون أن يفلت منه الإيقاع العام لحظة واحدة.

عناصر سيريالية
وتتبدى معالم أسلوب جودوروفسكي السيريالي في الكثير من مشاهد الفيلم وأجوائه. هناك مثلا مشهد جنازة الفيل: فيل السيرك الصغير ينزف إلى أن يموت. يقومون بوضع جثته داخل صندوق كبير أي نعش خاص ثم يضعونه فوق شاحنة بعد أن لفها بعلم السيرك. وتتحرك الشاحنة تحمل نعش الفيل وتمر بشوارع المدينة، ويشارك أصدقاء الفيل الراحل، من مهرجي السيرك ولاعبيه وأهل المدينة، في الجنازة المهيبة، حتى أن يصل الموكب الغريب إلى حافة الجبل. ويلقون بالنعش اسفل الجبل، وهنا يهجم حشد من مشردي المدينة ويبدأون في تحطيم النعش، ويستخرجون قطعا من جسد الفيل المسكين يوزعونها على أنفسهم تمهيدا لالتهامها كي تقيهم شر الجوع!
وهناك المشهد الذي نرى فيه فينكس وهو يتأهب لدفن إحدى ضحاياه داخل حفرة ويقوم كما يفعل عادة، بطلاء الجزء الدامي الذي ينزف من جسد الضحية بالطلاء الأبيض. وفجأة تنشق الأرض، وتنبثق من جوفها جثث عشرات الضحايا من النساء، يرفعن أيديهن في تضرع ولوعة وعذاب، بينما يغمغم البطل في ألم وأسى: إغفروا لي.. إغفروا لي!
ويحيط خودوروفسكي فيلمه بأجواء السيرك، سواء في استخدامه للموسيقى أو في طريقة تحريك الممثلين أو استخداماته للإضاءة التي قد تبدأ داخل المشهد من بقعة محدودة ثم تتسع على طريقة الإضاءة في السيرك.
ويستخدم حركة الكاميرا، ليس فقط من أجل استعراض تفاصيل الديكورات الخيالية المرعبة التي يدور فيها التصوير، بل من أجل إضفاء دلالات درامية على المشهد. عند قيام فينكس مثلا بقتل ضحيته الأولى، لاعبة السيرك الموشومة الجسد، لا نرى البطل نفسه، بل يعيدنا المخرج لاستقبال حادث القتل، ونعرف أن فينكس سيقوم بقتلها، وتتحرك الكاميرا بشكل حر محمولة على اليد من وجهة نظر القاتل الذي لا نراه، ومن مستوى ارتفاع جسده، وتسير داخل ممرات معتمة ودهاليز كئيبة لبيوت المتعة السرية في مكسيكو سيتي، إلى أن تخترق غرفة المرأة. وفجأة تتوالى طعنات السكين وتتدفق الدماء في تفاصيل مرعبة. وقد تكون الأم هي التي تقود فينكس وتستخدم ذراعه في القتل.
ومن المشاهد السريالية الأخرى في الفيلم المشهد الذي نرى فيه الفتاة البكماء "ألما" وهي تهرب من حي الدعارة، ولكن رجلا من العالم السفلي يحاصرها ويوقفها. يبتسم لها ثم يضع يده على أذنه اليمنى وينزعها في هدوء كأنه ينزع قشرة عن بصلة، ويحاول أن يضع الأذن المقطوعة داخل فم الفتاة بالقوة لكنها تتمكن من الهرب.
وفي الفيلم مشاهد كثيرة يؤديها فينكس على المسرح، مستوحاة من خبرة خودوروفسكي وابنه أيضا في العمل مع رائد فن التمثيل الصامت الفرنسي مارسيل مارسو، وقد عمل الاثنان معه في باريس لسنوات.
وتتمثل عظمة أفلام خودوروفسكي في أنها تحيلنا إلى قراءة علم النفس الحديث، ومراجعة تقاليد مسرح السيكودراما، ومدرسة الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية، مع مراجعة تطور السينما كفن بصري بالدرجة الأساسية، فن يستفيد حقا من المسرح ومن الأدب والشعر وغيرهما، لكنه على مستوى السينما الخالصة، لا يشبه أيا من كل هذه الوسائط الفنية.

هذا المهرجان

السطور التي ستقرأونها هنا ليست من "تأليفي" ولا من تأليف أحد من "أعداء الخليج" وهي الألفاظ التي يحب بعض الموتورين والمرضى العقليين استخدامها، فلا يوجد هناك "عداء" لخليج ولا لمحيط بل للفكر المتخلف عموما في أي مكان، كما أنها ليست من المعادين لثقافة التصحر العقلي والبداوة الفكرية والإرهاب النفطي، بل كتبها تحديدا الصحفي السوري حكم البابا الذي يحرر صفحة السينما في موقع "العربية نت" التابع للسعودية، في مجال تعليقه على مهرجان أبو ظبي السينمائي المسمى بـ"مهرجان الشرق الأوسط".
وإليكم ما نشره بالحرف موقع العربية عن المهرجان الدولي الذي جندت كل وسائل الإعلام لانجاحه والتطبيل له دون أي تعليق من جانبي:
* قد يقال الكثير في مشكلات المهرجان الأخرى من الأفلام العربية المتواضعة المستوى المشاركة في مسابقته، والتي تعكس ليس فقط تدني مستوى الإنتاج السينمائي في العالم العربي، وإنما أيضا الطريقة التي تم بها اختيار هذه الأفلام للمشاركة في المهرجان، إلى اختيار عنوان تقليدي لندوة المهرجان حول واقع صناعة السينما في العالم العربي والتي تعيد اكتشاف العجلة للمرة المليون، ويستعاد فيها كلام قيل مرارا وتكرارا في جميع المهرجانات السينمائية العربية، مرورا بنقل حالة الشللية التي تتحكم بمجموعات النقد السينمائي العربي إلى مهرجان أبوظبي، عبر خيارات مستشار المهرجان الناقد المصري سمير فريد التي اعتمدت معيارا وحيدا لنوعية وأسماء ضيوف المهرجان من النقاد والباحثين، وصولا إلى خلطة غريبة من النجوم استضافها المهرجان تجمع بين نجوم تلفزيونيين عرب ونجوم غربيين يكادون يكونون منتهيي الصلاحية، وانتهاء بالارتجال الذي حكم مطبوعات المهرجان الصحفية.


* لم أفهم سرّ إصرار مديرة المهرجان نشوى الرويني على ذكر المائتي ألف دولار قيمة الجائزة الكبرى في مسابقة الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة، في كل مرّة قدّمت فيها فيلمًا من أفلام المسابقة، وبطريقة تذكّر بجوائز قسائم المشتريات في المراكز التجارية، أكثر مما تليق بمهرجان سينمائي، كما لو أنها تقول وبالعربي الفصيح بأن صنّاع الأفلام السينمائية المشاركة في مسابقة المهرجان كل هدفهم هو الحصول على هذه المائتي ألف دولار!


* بعد المشكلة المالية التي أثارها الناقد اللبناني إبراهيم العريس مع المهرجان والتي أدت إلى توقف ندوة (صناعة السينما في الوطن العربي) مؤقتًا إلى أن حلّت مسألة النقود فهمت سر إصرار مديرة المهرجان على ذكر المائتي ألف دولار باستمرار!


• أنا حزين فعلا على الجهد الذي بذله السينمائي العراقي قيس الزبيدي في سبيل إنجاز برنامج (60 عاما على تقسيم فلسطين) والذي لم يتواجد في أي عرض من عروضه مشاهدين يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين!


• أنا على ثقة بأن مهرجان الشرق الأوسط السينمائي سيصبح دوليًّا فعلا ويتحول إلى عالمي وواقعي فيما لو استطاعت عروض أفلامه السينمائية أن تحظى بجمهور يصل عدده إلى عدد الذين واظبوا على حضور سهراته الليلية العامرة بما لذ وطاب.* الشعور الرئيس والوحيد الذي يحس به متابع الأفلام التي مثّلت الإنتاج السينمائي العربي في مسابقة المهرجان هو الاكتئاب!


* بين أعضاء لجنة تحكيم المهرجان أشخاص يمكن استبدال أسماءهم وسيرهم الذاتية بعدد من إشارات الاستفهام والتعجب، من دون أن يؤثر هذا الاستبدال عليها!* سمعت كلاما مختلفا من الضيوف والإعلاميين الذي تابعوا المهرجان، لكن الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الجميع هو أن المهرجان مناسب للراحة والاستجمام عشرة أيام، ورغم ذلك فأنا على ثقة أني سأقرأ بعد أيام كلاما لكل هؤلاء يتحدثون فيه عن نجاح المهرجان وأهمية فعالياته، لكي يعودوا في العام المقبل للاجتماع في دورته الثالثة!

مهرجان لندن السينمائي

إقرأ المقال بالضغط على هذه الوصلة
أفلام على محور السياسة والتاريخ والذاكرة

الأربعاء، 15 أكتوبر، 2008

الصحفيون ومهرجان القاهرة

تعجبت كثيرا من أمر الدعوة القائمة التي أطلقها صحفيون مصريون لمقاطعة مهرجان القاهرة السينمائي لسبب بسيط هو أن وزير الثقافة فاتروق حسني قرر عدم السماح للصحفيين بحضور حفل الافتتاح.
وهذه هي المرة الثانية التي يدعو "بعض" الصحفيين إلى مقاطعة المهرجان لنفس السبب، أي لسبب أناني جدا ولا يمكن التعاطف معه على الإطلاق، رغم خلافنا التام والمعلن مرارا، مع سياسات فاروق حسني ووزارته التي نالت عن جدارة لقب "وزارة الفساد الأولى" في مصر.
لا يوجد أي مهرجان "كبير" ومحترم في العالم يدعو الصحفيين لحضور حفلات الافتتاح، فإذا فعل فربما امتلأت القاعة بالصحفيين، مما يحول دون دخول الضيوف من السينمائيين وأعضاء لجان التحكيم وغيرهم.
وعادة ما يتابع الصحفيون في العالم حفلات افتتاح المهرجانات الكبرى من خلال شاشات كبيرة في قاعة خاصة بالصحفيين (وأظن أن هذا تكريما لهم). ولكن المشكلة أن فاروق حسني ومهرجانه لم يهتم طوال تاريخه كله بتخصيص قاعة للعروض الصحفية تقتصر عروضها على الصحفيين والنقاد فقط، لمتابعة اهم الأفلام المعروضة في كل أقسام المهرجان قبل يوم من عرضها الرسمي المفتوح في المهرجان نفسه. والفكرة بالطبع تتلخص في اتاحة الفرصة للنقاد للكتابة عن الأفلام ونشر مقالاتهم في نفس يوم عرض الفيلم رسميا.
ولا أعرف أي مهرجان "عربي" يخصص قاعة للعروض الصحفية لا يدخلها المحاسيب والمناسيب وموظفو الوزارة واصدقاء مدير المهرجان وصديقاته..وغيرهم، وهو ما يعكس ازدراء للنقد وللصحافة كان هو الأجدر في رأيي بالدعوة إلى المقاطعة.
ولا أعرف أن الصحفيين في العالم، خارج العالم العربي بالطبع، يهتمون بالكتابة عن فقرات حفلات الافتتاح و"كيف كان الاستعراض الراقص ناجحا" أو كيف تعثر هذا الراقص أو تلك المذيعة، فهذه أشياء لا قيمة لها، بل ما يهمهم أساسا هو فيلم الافتتاح، وهذا عادة ما يعرض على الصحفيين قبل يوم من عرضخ في الافتتاح.
والدعوة إلى المقاطعة لهذا السبب تظهر الصحفيين المصريين وكأن كل ما يرغبون فيه هو حضور الحفلات والجلوس جنبا إلى جنب بجوار النجوم، بينما الصحفي الحقيقي، والناقد الحق، لا يهتم إلا بأداء عمله في ظروف جيدة، ليس أفضلها على الإطلاق حفلات الافتتاح.
وكانت هناك عشرات الأسباب التي تدعو الصحفيين إلى مقاطعة هذا المهرجان وهي أسباب فنية جدا وثقافية جدا وتتعلق بسمعة بلد بأكمله وثقافة هذا البلد، لكن أحدا لم يهتم. فقد أصبح المهرجان حفلا كبيرا، أو وليمة كبرى، تجمع شمل الأحباب والأصحابن ولتذهب السينما إلى الجحيم!

الأحد، 12 أكتوبر، 2008

المهرجانات والمسابقات

يعتقد الكثيرون أن المهرجانات التي تنظم مسابقات هي أفضل بالضرورة من تلك التي تكتفي بتنظيم عرض الأفلام. وكنت شخصيا من أصحاب الرأي الأول في السابق، غير أنني أدركت تدريجيا كم من الألاعيب والتحايلات و"التكتيكات" والتحيزات تلعب دورا في تحديد الأفلام التي تشارك في مسابقات المهرجانات الكبرى، وكم من المناورات التي تدور من وراء الستار، تحد أيضا إلى من تذهب الجائزة.
وقد شاركت في لجان تحكيم، محلية ودولية، وأعرف تماما ما أقول، بل وسأروي في مناسبات قادمة تفصيلا تجربتي في أكثر من لجنة تحكيم لعلها تسلط بعض الضوء على ما يحدث عادة.
غير أنني أصبحت حاليا أدرك أن المهرجانات التي لا تنظم مسابقات أفضل من غيرها، فهي أولا تخلق المناخ الملائم للمشاهدة الحقيقية وتترك الحكم على الأفلام للجمهور.
وهي ثانيا: تتحول إلى مهرجانات جماهيرية أساسها هو جمهور المدينة التي تنظم المهرجان، وليس بضعة عشرات أو مئات الاشخاص الذين قدموا من خارج المدينة بدعوات خاصة لإحياء ليالي المهرجان في حين يتم تهميش جمهور المدينة أو يحظر دخولهم العروض من الأساس.
أما المهرجانات التي أرادت الجمع بين تنظيم مسابقات والاهتمام بالجمهور على حد سواء فلم تنجح كثيرا.
ولعل من أكثر المهرجانات التي لا تنظم مسابقات مهرجانات روتردام وتورنتو ولندن.
ومهرجان لندن افتتحت أخيرا دورته الثانية والخمسين. وهو يعرض عددا كبيرا من الأفلام تصل إلى ما يقرب من 300 فيلم من الأفلام الطويلة والقصيرة.
وميزة هذا المهرجان، الذي لا يهتم به العرب رغم اهتمامه، أكثر من غيره، بسينماهم، أنه لا يدعو نجوما على شاكلة شارون ستون أو جين فوندا (بعد أن تقدم بهن العمر وفقدن كل اهتمام في الغرب) أنه يدير مناقشات حقيقية ساخنة حول ما يعرضه من أفلام مع مخرجيها مباشرة بعد عرضها.
ويمكن القول إن مهرجان لندن أيضا مهرجان مخرجين، وليس مهرجان منتجين أو تجار أفلام، فلا يكاد يوجد فيلم من أفلامه، طويلا كان أم قصيرا، إلا ويدعى مخرجه للمشاركة في مناقشته مع الجمهور.
ولعل مما يدعو للسعادة أيضا أن مهرجان لندن يوفر على جمهور مدينته الكثير حينما يعرض أهم الأفلام التي عرضت في كان وفينيسيا وبرلين وموسكو وغيرها من المهرجانات السينمائية الكبيرة في العالم بما في ذلك الأفلام التي لم تجد موزعا يعرضها في بريطانيا بعد لعل أحدا يتحمس لشراء حقوق توزيعها وهو ما يحدث بنسبة أكثر من 45 في المائة.
والسؤال هو: وماذا يستفيد الجمهور العربي أو أصحاب الأفلام العرب من المهرجانات التي تقام في العالم العربي!

إطلالة جديدة على فيلم "الجبل المقدس"




عذابات المعرفة ولغة الشعر الصوفي


كانت آخر دورة حضرتها من مهرجان كان السينمائي دورة عام 2006. وربما كان أهم أحداث تلك الدورة، هو عرض فيلمي "الطوبو" و"الجبل المقدس" للمخرج الأسطوري أليخاندرو خودوروفسكي Jodorowssky بعد أكثر من ثلاثين عاما من وقف توزيع الفيلمين من طرف المنتج آلان كلاين بسبب غضبه على خودوروفسكي بعد خلاف شديد بينهما.
وقد عدت أخيرا لمشاهدة الفيلمين على قرصين من الأقراص الرقمية DVD بعد أن أصبحا أخيرا متوفرين في طبعة أنيقة تحتوي على تفاصيل تتعلق بكيفية استعادة الألوان وردها إلى حالتها الطبيعية الأولى بعد أن كانت قد فقدت الكثير من رونقها وأصالتها.
وأود الآن التوقف أمام فيلم "الجبل المقدس" The Holy Mountain والدخول معه في تأملات حرة بمستوى يليق بهذه التحفة التي أرغب في تقديمها لقراء هذه المدونة المتخصصة من عشاق السينما الحقيقية المختلفة، والساعين إلى دراسة تطور أبجديات هذا الفن.
هذا ليس فيلما كسائر الأفلام الفنية الرفيعة التي تتعامل مع أغوار النفس البشرية، وتسعى إلى تفسيرها وتجسيدها بالصور واللقطات، بالحركة والموسقى، وبالتكوين والتشكيل والضوء والظلال والألوان. لكنه "مغامرة" كبيرة في السينما التي تستمد من الفن التشكيلي ومن مسرح البانتوميم الذي كان خودوروفسكي رائدا من رواده، ومن العروض الاستعراضية spectacle، بل ويمكن القول إن مخرجه وصانعه هو "رجل استعراض" حقيقي بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معان، كما أن له أيضا فلسفته الخاصة في الحياة، فهو يرفض محدودية الجسد، كما يرفض الحدود القائمة بين الدول أو تقسيم البشر إلى جنسيات وأجناس، بل إن ما يشغله حقا هو ما يوجد داخل الكائن البشري، أعماقه وخيالاته ومشاعره الحقيقية مهما بلغت من جموح وتوحش.

ولاشك أن المرء يخرج بعد مشاهدة فيلم "الجبل المقدس" وهو أكثر إدراكا لطبيعة السينما وحقيقة الحياة. أخرج خودروفسكي هذا الفيلم البديع بعد ما حصده فيلمه الأول "الطوبو" El Tobo من نجاح كبير. فقد تكلف إنتاجه أقل من 400 ألف دولار عام 1970، وحقق أكثر من 10 ملايين دولار من عروضه في شتى أرجاء العالم، وهو رقم كبير بمقاييس تلك الفترة من أوائل السبعينيات.
وقد شجع هذا النجاح المنتج نفسه، آلان كلاين، مدير فرقة البيتلز، على العودة إلى الاستثمار في موهبة خودروفسكي الكبيرة، فرصد في البداية 750 ألف دولار، إلا أن الميزانية النهائية للفيلم بلغت 1.5 مليون دولار، واعتبرت بالتالي في ذلك الوقت، أكبر ميزانية في تاريخ السينما المكسيكية التي ينتمي إليها هذا الفيلم الذي صور بأكمله في المكسيك واستعين فيه بطاقم مكسيكي.


إشارات ورموز
ليس في فيلم "الجبل المقدس" قصة بالمعنى المتعارف عليه، ولا يوجد أيضا سياق قصصي أو narrative يسير نحو ذروة أو عقدة معينة. وشأنه شأن كل أفلام كبار المبدعين من "مؤلفي" السينما، أي أصحاب الرؤية السينمائية: البصرية والفلسفية، لا يحتوي الفيلم على "موضوعة" يمكن تبسيطها وبسطها، لكنه يتضمن سياقا من نوع آخر مختلف عن السياق القصصي المألوف في الدراما المعتادة.

هناك "توليفات وتنويعات" من اللقطات التي تعكس ولع صاحبها بفكرة الطوطميات أو النقوش التي رسمها الإنسان منذ فجر التاريخ، على الأحجار والكهوف والأرض، مسجلا عليها إشارات ورموز معينة، يرى خودوروفسكي أنها ترتبط معا في علاقة ما دفينة تعكس معان محددة لها علاقة ربما، بالبحث عن اصل الكون، وعن سر الوجود.
ويبدأ الفيلم بمشهد يعكس ذلك الولع. إمرأتان شقراوتان ترتديان ملابس بيضاء متشابهة: فستانا يكشف عن الصدر وعن الذراعين. نراهما أولا معا في لقطة قريبة (كلوز أب) تظهر الوجه والصدر، ثم في لقطة متوسطة من نفس الزاوية، ثم في لقطة عامة للمكان كله حيث نراهما مع راهب أو رجل دين قد يكون بوذيا، يرتدي قبعة سوداء ضخمة تغطي وجهه، وملابس سوداء. وهو يجلس على الأرض على خلفية من بلاط حائط أبيض منقوش بصلبان سوداء.
يتناول الراهب ابريقا فضيا من على يسار الكادر، يصب منه الماء ببطء في إناء فضي على الجهة الأخرى من الكادر، ثم يضع الابريق على الأرض ويخرج من الإناء قطعة قماش بيضاء يطويها ويعصرها ثم يفردها ويمكسها بيده. إنها فوطة صغيرة مبللة. وفي اللقطة التالية مباشرة نرى الراهب (من ظهره) يضع فوطتين كل منهما على وجه امرأة من المرأتين، ثم لقطة عكسية من الأمام، ثم في لقطة أخرى متوسطة نراه وهو ينزع إظفر احدى المرأتين ثم الخاتم الذهبي من أحد أصابعها، ثم ينزع عن المرأتين في لقطة أخرى ملابسهما من أعلى الجسد. ويمسك المقص ليقص شعرهما.. إلى أن تصبحا حليقتين تماما. في لقطة متوسطة يقترب من رأسيهما الحليقتين، تتحسس يداه جسديهما، ثم يهبط برأسه يغطي جزءا من رأسيهما بقبعته الضخمة السوداء.


وتتراجع الكاميرا في "زووم أوت" إلى لقطة عامة، ثم يقطع على لقطة أخرى تتحرك فيها العدسة "زووم أوت" إلى الوراء نرى فيها نقوشا زرقاء تصطبغ باللون الأحمر.. خرزات زرقاء.. رسما لعين كبيرة.. رسما لخرزة في يد.. رسما لمفتاح فضي.. جثثا ملتفة في ملاءات بيضاء.. أشكالا غريبة ورسوما وشكلا كبيرا مضلعا. هنا، مرة أخرى يستخدم خودوروفسكي النقوش القديمة التي تحمل رموزا مثل المفتاح أو رءوس الحيوانات أو الحيوانات نفسها (الثور والعنزة والجمل ذو الصنمين) التي سيعود إلى إظهارها بشكل كامل في مشاهد أخرى.

اللص والتوبة
إن بطل هذا الفيلم البديع، إذا جاز ان هناك بطلا، هو لص يجعله المخرج-المؤلف قريب الشبه من المسيح. هذا اللص يمر عبر الجزء الأول من الفيلم، بشتى أنواع الاختبارات والمحن والتحديات التي يكتوي خلالها بنيران العالم الحديث وقيمه: الجشع والغش والانتهازية والقمع والتدهور الأخلاقي واستخدام الدين للتضليل بدلا من التنوير، وإساءة استخدام السلطة. ذنبه أنه يشبه المسيح مما يجعل مجموعة من الأطفال العراة يقومون بصلبه ثم يأخذون في قذفه بالأحجار، لكنه يتمكن من تخليص نفسه من الصليب ثم يطاردهم بدوره ويقذفهم بالأحجار ويلعنهم. قزم مبتور الساقين والذراعين (يتكرر ظهوره في أفلام خودوروفسكي الثلاثة "الطوبو" و"الجبل المقدس" و"الدماء المقدسة") يصادقه، يدخن معه الحشيش ثم يصحبه إلى المدينة. في المدينة نرى جثثا عارية غارقة في الدماء فوق شاحنة.

اللص يحمل القزم وهو يضحك، وفي الجزء الثاني يلتقي اللص بـ"المُخلِص" أو الساحر (الذي يلعب دروه خودوروفسكي نفسه) الذي يقوده إلى رحلة يتعرف خلالها على سبعة من الرجال المتنفذين في المجتمع: السياسيين والصناعيين كما يقول له أي "لصوص مثلك بطريقة أخرى" منهم صاحب مصنع للأسلحة، وتاجر للعاديات، ومستشار مالي لرئيس الجمهورية، ورسام يصنع الفن الهابط الاستهلاكي، ومعماري يعمل من أجل ان يحقق المقاولون الملايين من الأرباح على حساب الناس الذي يكفيهم كما يقول "أن نبيع لهم مأوى وليس مسكنا".
سر الأبدية
الأشخاص السبعة (بينهم امرأة) من رجال الصناعة والمال والسياسة والفن، يمثلون الكواكب السبعة. ورغم نفوذهم وقوتهم إلا أنهم يذهبون إلى الساحر لكي يمنحهم سر الحياة الأبدية، ومن أجل الوصول معه إلى "الجبل المقدس" والحصول على السر العظيم هم على استعداد للتخلي عن كل شئ: المال والسلطة والنفوذ والشهرة. ولكن يتعين عليهم الآن التجرد ونبذ كل شئ من أجل الوصول إلى الخلود والتغلب على الموت، أقدم فكرة تعذب الإنسان منذ بدء الخليقة. يطلب منهم الساحر التخلص من رغباتهم: الشهوة والجنس والأسرة والمال الذي يلقون به أكواما داخل محرقة تدور فتقضي عليه دون أي أثر. وعندما ينتهون من حرق المال، يكون مطلوبا منهم أيضا التخلص من الصورة التي صنعوها لأنفسهم، فيحرقون دمى عارية تشبههم تماما.


الطريق إلى الخلود
في الجزء الثالث من الفيلم يتجهون بصحبة الساحر- المخلص، نحو الأعلى، إلى حيث الجبل المقدس الذي يخفي سره. ويقول لهم الساحر إن تسعة رجال يقيمون هناك في أعلى الجبل بعد ان عثروا على السر وأصبحوا محصنين من الموت، وعاشوا حتى الآن 40 الف سنة. وعندما يصلون إلى قمة الجبل لا يجدون هناك إلا مجموعة من الدمى تجلس متحلقة حول مائدة غريبة الشكل، يكشف عن حقيقتها لهم الساحر الذي يكون قد سبقهم إلى هناك ويضحك ضحكة عالية ساخرة ثم يوجه حديثه لهم: "لقد وعدتكم بالعثور على السر.. وقد جئنا إلى هنا من أجل الحصول على الحياة الأبدية مثل الآلهة.. لكننا لانزال مجرد بشر، ولكن إذا كنا لم نحصل على الأبدية فعلى الأقل حصلنا على الحقيقة، ولكن هل هذه الحياة التي نحياها هي الحقيقة.. كلا.. إنها فيلم.. زووم للخلف.. إننا صور، أحلام، خيالات. يجب ألا نبقى هنا سجناء. سنحطم اللغز. وداعا للجبل المقدس، الحياة الحقيقية في انتظارنا".
وتتراجع الكاميرا إلى الوراء بالفعل ونكتشف أن المشهد كله يدور في مكان تصوير فيلم سينمائي.. أبطالنا فيه مجرد ممثلين.. وأجهزة الإضاءة منصوبة.. ومعدات الصوت ظاهرة، وطاقم التصوير والمساعدين يحدقون نحو الساحر. إنه يكشف سحر عالم السينما بعد أن جعلنا نعيش داخل ذلك "الوهم اللذيذ" الذي ندخله بإرادتنا ونندمج فيه، لكن الانتقال بين الحقيقة والوهم يظل يستهوينا.. فهل سنكف عن التسلل إلى داخل الوهم؟
المؤكد أن خودوروفسكي يلهو ويتلاعب بالوسيط السينمائي من خلال هذا الفيلم لكي يسوق لنا رؤيته عن العالم: الشر الكامن في الخارج، والخوف والجزع الكامن في الداخل.. داخل النفس. إنه الخوف من الغامض، المجهول، الموت. لكن "الرؤية" تعكس أفكار صاحبها، وتدور أساسا حول "المقدس". إن فكرة المسيح والمخلص، المخطئ والقديس، تتردد بقوة هنا.

هنا أيضا تتجسد فكرة أن أكثر الجميع إغراقا في الخطيئة، قد يكون هو أقربهم إلى الإيمان والرغبة في الوصول إلى اليقين. هذه الأفكار "الدينية" الطابع تتردد أصداؤها هنا بصورة أقوى كثيرا عما كانت في "الطوبو". إن اللص الذي يطابق صورة المسيح، يتسلل خلال النصف الأول من الفيلم إلى داخل الكنيسة، وهو يحمل تمثالا على صورته، أي على هيئة المسيح. ويضع التمثال في مكان بارز في الكنيسة، لكنه يفاجأ بوجود القس تحت الغطاء في فراش واحد يحتضن تمثال المسيح الأصلي وكأنه يضاجع التمثال. وعندما يرى القس التمثال الذي أتى به اللص في موضع تمثاله، يصرخ فيه بما معناه أن مسيحه هو هذا.. الذي كان معه في الفراش وليس هذا الذي أتى به، ويقوم بطرده ويلقي به خارج الكنيسة مع تمثاله. يسقط اللص على الأرض مع التمثال ثم يبدأ في أكل رأس التمثال، يقطع منه قطعا مثل كعكة شهية ويأكل بشراهة!
بعد تلك الإدانة الشديدة الموجهة للنفاق الديني، سيصبح هذا اللص أكثر الجميع استعدادا للتوبة والوصول للحقيقة. وفي مشهد هائل نراه يتسلق بحبل رفيع برجا تاريخيا مرتفعا إلى أن يتمكن من الوصول إلى قرب قمته حيث يتسلل من كوة إلى الداخل. إنه يريد الوصول إلى الساحر- الكاهن. وعندما يرغب في قتل الساحر للاستيلاء على الذهب، يتغلب عليه الساحر ثم يقوم بتنويمه مغناطيسيا أو شل حركته بالكامل. وبعد ذلك تأتي فتاة سمراء أو راهبة موشومة الجسد تحمل خنجرا تقطع به نتوءا في رقبة اللص من الخلف فيخرج منها سائل ازرق بدلا من الدم، ثم تنزع كائنا بحريا غريب الشكل من داخل رقبته. ويعيده الساحر إلى اليقظة. لقد قام بتخليصه من طاقة العنف. والآن يسأله ببساطة: هل تريد ذهبا؟ يقول له اللص: نعم. يطلب منه الساحر أن يتبرز ثم يحول البراز إلى ذهب. وبذلك ينزع عنه غريزة الجشع.
إنها عملية التطهير اللازمة قبل أن يندمج مع الآخرين في الرحلة الروحانية نحو الجبل السحري. رؤية معاصرة غير أن خودوروفسكي لا يغفل في فيلمه عن العالم وما يحدث فيه من عنف وقهر وقمع واستغلال. وفيلمه من هذه الناحية معاصر تماما أي ابن عصره وبيئته.
في الجزء الثاني من الفيلم نتعرف على الشخصيات السبع من كبار السياسيين والصناعيين، كل على حدة في مملكته التي يمارس فيها أبشع أنواع الاستغلال والقهر، ويغرق في التدهور بشتى صوره واشكاله حتى اقصى درجات السيريالية. وخلال الجزء الأول نرى كيف يسير الجنود استعدادا للتصدي للمتظاهرين (في المكسيك أو في أي دولة من دول العالم الثالث).. ثم وهم يطلقون النار عليهم.. وبعد أن تسقط جثث الثائرين نرى ثقبا في صدر أحدهم، مكان اختراق الرصاص وقد انشق وبدأت تخرج منه العصافير.. إنها السيريالية الأصيلة في اسلوب ولغة خودوروفسكي السينمائية. ويقوم حشد من السياح الغربيين بتصوير اطلاق النار والجثث الساقطة على الأرض باستمتاع. ويجذب أحد الجنود زوجة سائح لكي يغتصبها فترحب وتقدم له نفسها في الشارع، بينما زوجها يراقب المشهد باستمتاع. إنه التدهور والسقوط الأخلاقي في عالمنا المعاصر كما يراه خودوروفسكي.

الجنود يحملون ذبائح تصطبغ بالدم يرفعونها على أسنة البنادق ويسيرون في مسيرة استعراضية في الشارع. ربما تكون معادلا رمزيا لفكرة التضحية أو القربان. الرهبان القريبون من الكنيسة يقبضون على اللص، يضعونه داخل قالب خشبي ثم يصبون كتلا من الجبس السائل فوق جسده ووجهه يريدون أن يصنعوا قالبا مماثلا له تماما في الشكل.. لصنع تماثيل للمسيح. وبعد أن ينتهوا من أمره، يلقون به فوق كومة من حبات البطاطا. تنهضه راهبة تسقيه، ثم ينظر حوله فيفزع من التماثيل، فيأخذ في تحطيمها بعنف وهو يصرخ، ثم يحمل تمثالا واحدا للمسيح ويتجه نحو الكنيسة. في طريقه يقابل مجموعة من العاهرات يرتدين ملابس تكشف عن صدورهن وسيقانهن، وبينهم طفلة صغيرة يحمل وجهها كل براءة العالم. ونرى رجلا يتأمل العاهرات بشهوة، وعندما يرى الفتاة يستوقفها.. يقبل يدها برقة ثم يمد يده وينزع عينا من عينيه ويضعها في يد الفتاة، ثم يغمر يدها بالقبلات.


الشعر والحقيقة
هذه المفردات هي مفردات الشعر السينمائي التي تميز أسلوب خودروفسكي الذي لا يرى أن الحقيقة التي نراها امامنا هي بالضرورة الحقيقة، وهو يلجأ كثيرا إلى استخدام العنف كأحد المكونات الأساسية في الإنسان كما يراها هو، في تعبير الإنسان عن نفسه، عن رغباته، عن شهواته، عن اندفاعه المجنون نحو الاستحواذ. إن العنف بهذا المعنى في أفلام خودوروفسكي ليس عنفا مجانيا، بل عنف يحمل دلالاته الفلسفية والشعرية.

في مشهد آخر يدور داخل الكنيسة نرى الجنود وهم يرتدون الأقنعة الواقية من الغاز وهم يرقصون مع شباب يرتدون ملابس عادية، ربما يكونون من العمال أو من الثائرين المعتقلين المرغمين على تلك الرقصة. وعندما يدلف اللص إلى الكنيسة نلمح في أحد الأركان جنديا يختلي بشاب في أحد الأركان، إشارة إلى السلطة العسكرية الغاشمة التي لا تتورع حتى عن تدنيس الأماكن المقدسة.
وليس من الممكن الإحاطة بكل ما في هذا الفيلم من مفردات وتفاصيل تشكيلية داخل لقطاته وصوره البديعة. فهناك عشرات الأشكال والرموز التشكيلية واللقطات المبتكرة التي قد تحتاج إلى دراسة خاصة مستقلة للكشف عن مغزاها في الثقافة الخاصة لصاحبها في علاقتها بأفلامه الأخرى بل وبأعماله المسرحية أيضا.
ويمكن القول أيضا أن خودوروفسكي يستخدم الصمت لإضفاء دلالات ذات طابع أسطوري على فيلمه، مع الاستعانة بشريط صوت شديد الحيوية والثراء. إن الجزاء الأول من الفيلم (تقريبا ثلث الفيلم) لا أثر فيه للحوار. وهو يستخدم مزيج من المؤثرات الخاصة الموحية، على سبيل المثال، في المشهد الذي يقوم فيه الساحر بمقاومة اللص الذي حاول الاعتداء عليه نسمع أولا أصوات تراتيل دينية غامضة، ثم إيقاعات سريعة بدقات طبول ودفوف وموسيقى هندية مصاحلة، وأصوات أقدام خيول تجري، ونرى جملا ذي صنمين، ثم نجمة ذهبية كبيرة. واثناء تسلل اللص نرى عددا من الرهبان والراهبات على الطريقة البوذية وقد رسمت على أجساد الراهبات إشارات دينية بالعبرية والعربية تحمل كلمات مثل الله، محمد.. وغيرهما.

وفي مشهد سقوط اللص على الأرض داخل الكنيسة نرى لقطة قريبة لكتاب الانجيل مفتوحا على صفحة قديمة تتسلل الديدان السمينة من خلالها. وعندما يريد الساحر- الكاهن - الإله اختبار قوة عزيمة اللص- المسيح يناوله سيفا ويشير إليه أن يقتله، ولكن اللص يضرب ليجد نفسه وقد هوى على جسد عجل فمزقه. إنه شئ اقرب إلى فركة الضحية أو القربان أو الكبش الذي يفتدي اسماعيل. وهي كلها أفكار تعكس سيطرة الهاجس الديني عند صاحب هذه الرؤية السينمائية المدهشة.

ولعل من أبرز مشاهد الفيلم وأكثرها سيريالية وغرابة وكمالا أيضا من ناحية الإضاءة والتصوير، ذلك المشهد الذي يحاكي فيه الحاوي في السوق، غزو الإسبان للمكسيك باستخدام عدد من الضفادع والحرباء بعد الباسها بثياب المحاربين والمتخفين في ثياب رجال الدين. وعندما تصاب احدى الضفادع التي ترمز للشعب المكسيكي يجعلها خودوروفسكي تتطاير إلى أعلى وتلتصق بسطح أحد الديكورات ثم نرى دماء غزيرة حمراء قانية تتسلل لتصبغ الديكور كله. ويستخدم خودوروفسكي موسيقى نشيد عسكري نازي لكي يصاحب المشهد الفانتازي الغريب.

إن "الجبل المقدس" رحلة ذهنية وروحانية داخل الصورة السينمائية من أجل المعرفة والاستنارة، ومشاهدته مغامرة لا تقل عن مغامرة الصعود إلى قمة الجبل المقدس، ولعل المفاجأة التي تأتينا في النهاية بعد أن تضاء الأنوار، هي أننا كنا نشاهد فيلما، ولكن هل سنعود ببساطة نمارس حياتنا كما كنا نفعل قبل مشاهدته.. لا أظن.


شاهد مشهد الساحر واللص بالفيديو


video

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com