الجمعة، 15 نوفمبر 2019

أبوية "كبير العيلة"!






من ضمن الملامح العتيقة في الثقافة العربية تلك النزعة الأبوية الاستعلائية التي تتلبس الكثيرين ممن يجدون أنفسهم على رأس السلطة، دون أن تكون ملائمة لشخصياتهم بالضرورة. ولاشك أنها نزعة تنحدر من الفكر القبلي العشائري، مهما اتسعت الدولة وتشعبت طبقاتها الاجتماعية. 
كان الرئيس أنور السادات مثلا يحب دائما أن يقال له "كبير العيلة المصرية" يقصد بالطبع "كبير العائلة"، الذي يجب أن ينحني الجميع لرغباته ويتفقوا معه فيما يقوله ويقرره، مهما اختلفوا. وكان يلح كثيرا في خطاباته على هذه الفكرة واضعا نفسه فوق التناقضات والخلافات السياسية، أي تكفي كلمة منه لحسم أي خلاف، وهي نزعة تعرف في الأدبيات السياسية بـ "البونابرتية" نسبة إلى لويس بونابرت، لكن استنساخها يقتضي توفر الكثير من الظروف والمعطيات السياسية بالطبع.
وقد تسببت تلك النزعة الأبوية في الكثير من المواقف المحرجة والمضحكة للرئيس السادات خلال مواجهات كانت تبث على الهواء مباشرة عبر شاشة التليفزيون. كان هناك مثلا من حاول السادات ممارسة أبويته عليه فما كان منه إلا أن واجهه قائلا إنه لا جيد مفرا سوى أن يشكوه إلى الله، فثار السادات وطالبه بأن يسحب "شكوته" قبل أن يغادر الجلسة!
كان السادات أيضا مغرما باستخدام كلمة "يابني"، يخاطب بها نواب الشعب خصوصا المعارضين لسياساته. أتذكر مثلا كيف أدار حوارا مباشرا مع أعضاء مجلس الشعب عقب انتفاضة يناير 1977 مباشرة، وكان يقاطع العضو الذي لا يعجبه حديثه ليقول له شيئا مثل: "طيب.. ياكمال يابني.. عشان نختصر الكلام.. اللي حصل ده انتفاضة شعبية أم انتفاضة حرامية؟". وبشكل عام كان الكثيرون يمتنعون عن الرد، سواء تأدبا أو خوفا من تالعواقب.
ويروي الناقد الموسيقي الراحل كمال النجمي في كتابه البديع "مطربون ومستمعون" كيف أن الموسيقار محمد عبد الوهاب اتخذ عام 1948 قرارا بعدم الغناء في الحفلات العامة، بعد أن شعر أنه لن يستطيع تلبية ما يطلبه منه جمهوره من أداء المواويل الطويلة الصعبة التي اشتهر بها في الماضي. ولكن جمال عبد الناصر أصر في عام 1954 على أن يغني عبد الوهاب في العيد الثاني لحركة الضباط التي كانت قد سيطرت على مقاليد الأمور في البلاد في يوليو 1952. ورغم مقاومة عبد الوهاب إلا أنهم أفهموه أنه ليس بوسعه عصيان "أوامر" عبد الناصر. وقد ذهب عبد الوهاب إلى الحفل وغنى أغنيته الشهيرة "كل ده كان ليه؟"، وأتصور أنه كان من ناحية يحتج احتجاجا لطيفا على هذا الاستدعاء الخشن، لكنه من ناحية أخرى، أخذ يعيد ويزيد، ويستطرد ويرتجل الكثير من المواويل الطويلة، مما جعل أعضاء مجلس قيادة الثورة يبقون في مقاعدهم حتى وقت متأخر من الليل. وبعد أن انتهى الحفل، صافح عبد الناصر محمد عبد الوهاب وبادره بقوله: "والله رجعت لنا شبابنا ياأستاذ عبد الوهاب"!
ويعلق كمال النجمي ساخرا: ترى ما الذي كان يقصده عبد الناصر، وعن أي شباب كان يتحدث، وهو الذي لم يكن قد تجاوز وقتها، السادسة والثلاثين من عمره، بينما كان عبد الوهاب قد اقترب من الخامسة والخمسين؟
إنها تلك النزعة الأبوية الاستعلائية لدى رجل السلطة، يريد دائما أن توحي للآخر بأنه يقف أمام "الأب"، "الزعيم"، "كبير العيلة". ألم يطلق الزعيم التركي مصطفى كمال على نفسه لقب "أتاتورك" أي "أبو الأتراك"، بينما لم يكن قد أكمل الثامنة والخمسين من عمره عندما توفي!

الجمعة، 21 يونيو 2019

مشكلة الترجمة





بعض من يكتبون عن السينما لا يحترمون الترجمة، بل إن "المجتمع الثقافي" العربي بشكل عام، لم يعد يحترم الترجمة، فقد صارت الترجمة مهنة على المشاع، أي مهنة يمارسها كل من يعرف، ومن لا يعرف. والمقصود بالمعرفة ليس فقط معرفة اللغة الأجنبية التي يترجم عنها، أو أصول اللغة العربية التي يترجم إليها، بل معرفة وإلمام كاف بالمادة موضوع الترجمة، فترجمة كتاب في جانب من جوانب الفن السينمائي مثلا، ليس مثل ترجمة كتاب في العلوم الطبيعية. فلكل مادة المتخصصون فيها.

لم يعد هذا، بكل أسف، هو الحال، بل أصبحنا نرى الكثير من الكتب التي تصدر في الغرب، سرعان ما يتم تعليبها في ترجمات عربية سريعة، رديئة، استهلاكية، فيها قدر كبير من الضحك على ذقون القراء.

من هذه الكتب، على سبيل المثال، كتاب روجيه جارودي "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل" الذي صدرت منه فور صدوره في فرنسا، ترجمة عربية رديئة للغاية، معظمها كلام خاطيء أوغير دقيق، وكان الهدف انتهاز فرصة ما أثاره الكتاب من ضجة في فرنسا والعالم، لبيع أكبر كمية منه دون تدقيق بل ودون فهم لمادة الكتاب ممن تولى الترجمة. بعد ذلك، صدرت ترجمة جيدة من الكتاب نفسه، ولكن بعد ان كانت الترجمة الرديئة قد انتشرت وثرأها الكثيرون، فأدت الغرض منها، أي إفساد مضمون الكتاب وتقديم مادة مثيرة حراقة يريدها بعض القراء وينتظرونها، وتدفع من أجلها بعض دور النشر وترحب بنشرها، ولتذهب الأمانة والدقة العلمية إلىالجحيم!

وهناك أحيانا مترجمون من الكبار، أي من أساتذة الأدب الانجليزي، قد لا يعرفون جيدا المادة التي يترجمونها أو يقتبسون منها في كتبهم، رغم معرفتهم باللغة الإنجليزية وآدابها، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتوفرة لمن يبحث ويجتهد. وقد لمست بنفسي نموذجا لما أقوله، كتابا صدر منذ سنوات عن "الهولوكوست" مبني بكامله على ما يدعوه مؤلفه، وهو من أساتذة الأدب الإنجليزي طمحاكمة ديفيد إرفنج في لندن" عام 2000 في حين أن إرفنج لم يكن يحاكم بل هو الذي قاضى أساتذة الأدب اليهودية الأمريكية ديبور ليبشتادت، بسبب اتهاماها له علاية، بالكذب والتضليل.

ولعل من أجمل ما قرأت في معرض التعبير عن فوضى الترجمة والكتابة، ما قاله محمد حسنين هيكل ذات مرة: "نحن نؤلف ونحن نترجم، ونترجم بينما نؤلف"!

أما ترجمة الكتاب السينمائي فمأساة أخرى، فالكثير من المترجمين "الهواة" يتطوعون ويطرحون أنفسهم على بعض دور النشر باعتبارهم ضالعين في المجال، لكي يحصلوا على ترجمات لكتب السينما، لا تعكس أي فهم أو معرفة بعالم السينما، وفنها وأبجدياتها، بل تأتي كل أسماء الأفلام مضحكة، وأسماء المخرجين المرموقين، هزلية، والكثير من المعلومات التي تكتب تناقض الحقيقة تماما، فهناك- على سبيل المثال من ترجم تعبير "لا نوفيل فاج" ومعناها "الموجة الجديدة"، وهو تعبير فرنسي شهير يعرفه كل دارسي السينما في العالم، إلى "الرواية الغامضة". وهناك من يترجم مصطلح "الترافلنج" المقصود به حركة الكاميرا في متابعة لحركة شخصية أو أكثر، إلى "حركة الرحيل".. وهكذا!

والمشكلة أن لا أحد يهتم بأن يلفت النظر إلى هذا التهريج باسم الترجمة، فالمهم أن تتراص الكتب ويباع منها أكبر كمية بفعل العناوين الجذابة والصور المثيرة، ولا يهم أن تنتشر بين القراء مفاهيم مغلوطة، ومصطلحات لا معنى لها. فالسينما - كما يراها البعض في عالمنا العربي- مجرد رجز من عمل الشيطان!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com