الثلاثاء، 3 مارس 2026

“غزة تكافح من أجل الحرية”.. مسيرة العُزّل التي مهّدت للطوفان قبل سنوات

 



أمير العمري

في مارس عام 2018 اندلعت في غزة انتفاضة الغضب التي تمثلت في المسيرة الكبرى التي أطلق عليها “مسيرة العودة الكبرى”، وكانت تتخذ شكل مظاهرات ضخمة كل يوم جمعة، واستمرت حتى نهاية 2019. وخلال ذلك، سقط عدد من الشهداء، وأصيب عدة آلاف بجروح بعد أن أطلقت القوات الإسرائيلية الرصاص عليهم.

وقد حاولت الصحفية والناشطة الأمريكية “أبي مارتن” دخول غزة لتغطية الحدث، لكن السلطات الإسرائيلية منعتها، فقررت إخراج فيلم وثائقي عن الأحداث عبر الحدود، في تجربة جديدة وجريئة بالتعاون مع عدد من المصورين في الداخل. فكان الفيلم الوثائقي البديع “غزة تكافح من أجل الحرية” (Gaza Fights for Freedom) الذي أُنجز عام 2019.

من يشاهد الفيلم اليوم يجد أنه يوثق لفصل من الفصول المتعددة الممتدة التي تكشف بشاعة الاحتلال، وأن ما وقع في غزة في 7 أكتوبر 2023 لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكمات من القهر والعنف والتصفية والإبادة الجماعية التي كان ولا يزال جيش الاحتلال الإسرائيلي يمارسها على سكان غزة، وعلى الشعب الفلسطيني عموما.

في ذلك الوقت، عندما بدأت مسيرة العودة الكبرى كان قد مر 14 عاما على حصار غزة وعزلها عن العالم، ومعاقبة سكانها عقابا جماعيا بموجب السياسة الإسرائيلية المستمرة، ومع ذلك نرى في هذا الفيلم كيف تمكن هؤلاء السكان من الاستمرار في الحياة، في تدبير العيش بكل الوسائل، وبطريقة أدهشت العالم، فهؤلاء الذين يراهن العدو اليوم على انكسارهم لم ينكسروا في أي وقت، بل ظلوا يعثرون على وسيلة أو أخرى لتأكيد الانتصار للحياة على الموت، ولكسر شوكة الاحتلال وتحدي آلته العسكرية.

في بداية الفيلم نسمع صوت رجل يقول “إن غزة لم تعد غزة”، وإن الاحتلال يمارس كل شيء لتدميرنا منذ أن بدأ الحصار.

تتركز الكاميرا على أماكن من غزة، ثم ترتفع وتسير كما لو كانت من طائرة مسيرة، ترصد مظاهر الدمار والمنازل التي تحولت إلى أطلال وخرائب بفعل القصف الإسرائيلي، وهي صور لا تختلف كثيرا عما نشاهده اليوم، أي أن الصورة نفسها مع الكاميرا المتحركة التي تمتد وتتسع زاويتها لتشكل أماكن وأجزاء عديدة من القطاع، تؤكد على فكرة “الاستمرارية”، أي استمرار القهر والقمع وتسلسل القتل والتدمير.

ومن المباني المدمرة إلى البشر، تتوقف الكاميرا أولا أمام عدد من السكان المتفرقين، منهم من يقف حائرا تائها أمام ما بقي من بيته، ومنهم من يجلس فوق الأطلال، لكن في تناقض، مع استمرار الرجل الفلسطيني الذي يصف تدهور حياة الناس بسبب الحصار، أي في تناقض مع شريط الصوت، نشاهد مجموعة من الأطفال الفلسطينيين يتحدون الموت والدمار والحصار باللهو في البحر، يسبحون ويلهون على شاطئ غزة.

يقترب الفيلم من الإنسان أكثر، فنرى الرجل الذي سمعنا صوته على اللقطات السابقة، وقد حُرم من العمل عبر السياج الأمني مع انطلاق المسيرة الكبرى، فأصبح عاطلا عن العمل.

يقول لنا تعليق المخرجة الصوتي إن نسبة البطالة في غزة بلغت 70%، أما هذا الرجل فقد لجأ إلى التقاط المخلفات من البلاستيك والمعادن جراء القصف والدمار، ووضعها فوق عربة يجرها حمار لبيعها هنا وهناك، يساعده بعض أطفاله الصغار.

يشكو الرجل الذي يتابعه الفيلم من الحالة التي يعيشها مع أسرته المكونة من 16 فردا، فلا يمكنه إيجاد الطعام الكافي، بل يعيش الجميع على الكفاف، إنه لا يمتلك ثمن الوقود اللازم للطهي، أو بالأحرى لعمل الشاي، فالأسرة -كما يقول- تعيش على الأطعمة الجافة، وهو يشعل نار الموقد البدائي من حرق الورق، فأسطوانة الغاز تكلف نحو 20 دولارا.

تتحدث المخرجة في تعليقها من خارج الصورة عن مشكلة مياه الشرب النقية في غزة التي يعاني منها السكان، بسبب تدمير إسرائيل لمحطة المياه، ويحدثنا الرجل عن الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي الذي لا يستمر أكثر من 4 ساعات يوميا فقط، وهو ما يزيد الأمور صعوبة، فتتوقف مضخات رفع المياه إلى الأسطح، ويفسد الطعام الموجود داخل المبردات، وتتحكم إسرائيل في كمية الأطعمة التي تدخل القطاع، بحيث تبقي السكان على حافة الجوع باستمرار في سياسة معلنة 


.

أما طموحات هذا النموذج لإنسان غزة المعذب، فهو يتلخص في الحصول على دخل يسمح له بأن يوفر لأبنائه وبناته فرصة التعليم في المدارس والحياة الكريمة، وبالشعور ولو مرة واحدة فقط بالفرح الذي لا يشعر به قط كما يقول.

يتوقف الفيلم أمام تزايد عدد حالات الإصابة بالسرطان، وتناقص التصاريح الإسرائيلية بالسفر للعلاج بدرجة كبيرة، وارتفاع نسبة الوفيات جراء الأمراض المزمنة والخطيرة.

وتستخدم المخرجة الأسلوب التعليمي لأنها توجه فيلمها أساسا إلى المشاهدين في الغرب، فهي تتوسع في الشرح والتعليق والتوقف أمام القضية الفلسطينية من جذورها الأولى، كما تستخدم الصور الحية المباشرة لجموع الفلسطينيين في المسيرة الكبرى أو في صلاة الجمعة في الفضاء المفتوح، وتستخدم أيضا لقطات الأرشيف والرسوم التوضيحية والتشكيلية لفنانين فلسطينيين.

في تصوير حي معاصر، تنتقل المخرجة إلى نموذج آخر لشاب من بيت لاهيا يتحدث عن الحلم المستمر بالحرية، نراه جالسا يُمدّد ساقه الموضوع في الجبس فوق مقعد، فقد أصيب بكسور وتمزق في العضلات والأوتار أثناء مشاركته في إحدى تظاهرات مسيرة العودة. وقال له الأطباء في المستشفى إنه في حاجة إلى العلاج بالخارج، وإن تأخر علاجه فسوف يتعين بتر ساقه، وقد تقدم مرتين للحصول على تصريح بالسفر، لكن سلطات الاحتلال رفضت منحه التصريح، مصنفة إياه “إرهابيا”.

يقدم الفيلم لقطة مدهشة لسكان إحدى المستوطنات في سديروت وهم يجلسون فوق سطح منزلهم، يتطلعون ويشيرون إلى تساقط القنابل فوق منازل الفلسطينيين في غزة وهم سعداء يضحكون.

ثم تروي لنا المخرجة على خلفية لقطات وثائقية قديمة من الأرشيف أن سديروت كانت بلدة فلسطينية نقية، ثم بدأ الاستيطان اليهودي هناك في زمن الانتداب البريطاني، ثم أفرغتها الجماعات الإرهابية الصهيونية من سكانها، فلجؤوا إلى قطاع غزة، شأنهم شأن 75% من سكان القطاع، فقد أرغموا على النزوح من مدن وبلدات فلسطينية أخرى.

من خلال هذا المونتاج الذي ينتقل بين الحاضر والماضي، وبين الصور المباشرة للعيش تحت الحصار والقصف في غزة، إلى صور من “النكبة” الكبرى وما أعقبها، من التهجير الجماعي وأعمال الترويع والتفتيش ورفض العودة، مع التوسع في الاستيطان الصهيوني، يؤصل الفيلم للقضية، بحيث يدرك المتفرج الغربي عندما يشاهد لقطات الصواريخ التي تنطلق من قطاع غزة تجاه مستوطنة سديروت (ونراها في الفيلم) أنها محاولة للتعبير عن الغضب والاحتجاج على ذلك الحصار، وعلى مسلسل القتل البطيء الذي تحوّل اليوم إلى شكل من أشكال الإبادة الجماعية.

وفي إحدى هذه الوثائق نقرأ ما ينص على ضرورة هدم منازل الفلسطينيين المرحلين، بحيث تصبح عودتهم مستحيلة، وهو تحديدا ما نشاهده اليوم على أرض الواقع في هذه الحملة الإسرائيلية المستمرة على القطاع والقصف الجوي الذي يرمي لهدم وإزالة أحياء كاملة من الوجود، ودفع الفلسطينيين إلى النزوح إلى جنوب القطاع، والعيش في مخيمات، تمهيدا لدفعهم إلى النزوح خارج القطاع، تماما كما حدث في 1948.

يتوقف الفيلم أيضا أمام ما تروج له أجهزة الإعلام الغربية التي نرى عدة مقاطع منها، تتفق كلها على اتهام فلسطينيي غزة بالخضوع لمنظمة حماس، وأن حماس هي التي دفعتهم دفعا إلى تحدي إسرائيل، والمخاطرة بحياتهم وعبور ما يسمى الجدار الحديدي الفاصل بين قطاع غزة وما يسمى أرض إسرائيل.

ويثبت الفيلم من خلال الشهادات التي يصورها أن المسيرة الكبرى التي انطلقت من هناك نحو هذا الحاجز الأمني الذي أقامته إسرائيل، كانت انتفاضة عفوية لم تشعلها حماس ولم تنظمها وتدفعها. ولعل من الملفت أن هذه المسيرة السلمية التي حدثت قبل سنوات قليلة، تحولت اليوم إلى عبور للمقاتلين بشكل صادم، ولا يزال يصيب بالصدمة العسكريين الإسرائيليين والمجتمع الإسرائيلي كله.

ولعل المقاربة بين ما يصوره الفيلم من أعمال القصف والقتل ونسف المنازل والعمارات السكنية وبين ما يحدث اليوم مذهلة حقا، فالصور التي نشاهدها في الفيلم عن قرب ومن زوايا قريبة جدا، تكشف مسلسل القتل المستمر 


.

لقد قتل الإسرائيليون خلال تلك الفترة التي يغطيها الفيلم 200 فلسطيني، وهو ما ينساه العالم اليوم ويذكرنا به هذا الفيلم، مع أن حجم القتل ودمار المنازل والأحياء السكنية الذي يحدث اليوم، يفوق كثيرا جدا ما وقع في تلك الفترة من 2018-2019.

كان منظم مسيرة العودة الكبرى هو أحمد أبو أرتيما، ويخبرنا في الفيلم أن فكرة المسيرة جاءته من مشاهدة الطيور التي خلقها الله وهي تتمتع بالحرية، وتستطيع الطيران فوق الحواجز والأسلاك الشائكة، فما الذي يمنع الإنسان الذي يحلم بالحرية من محاكاة الطيور.

وهو يشير إلى قرار الأمم المتحدة 194 الذي يقر حق الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم التي هجروا منها رغما عنهم، ولذا جاءت تلك المسيرة تعبيرا عن هذه الرغبة ورفعت هذا الشعار، وفي الوقت نفسه كانت ترد على قرار الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

سيقف كل مشاهد لهذا الفيلم مذهولا عندما يرى مراسلا لإحدى القنوات التليفزيونية، يسأل “ميشال مايان” الناطقة باسم الحكومة الإسرائيلية: لماذا تطلق القوات الإسرائيلية الرصاص على الفلسطينيين على حاجز العبور في غزة؟ فتقول: حسنا.. لأننا لا نستطيع وضع كل هؤلاء الناس في السجون.

••“انظر إنهم يهرعون لإسعافه”.. سخرية قناص الأطفال:

سيقف أي مشاهد للفيلم مذهولا وهو يشاهد النساء الفلسطينيات في الصفوف الأولى للتظاهرات، وهن يحاولن اقتحام الحاجز، ولا سيما النساء العجائز اللاتي يرفعن العلم الفلسطيني، ويرددن إنهن لسن خائفات من رصاصات العدو. ونرى قوات الاحتلال تطلق على المحتجين الغاز الذي يسبب الاختناق والهلوسة ثم الموت، كما يستخدم الرصاص المحرم دوليا الذي يخترق الأحشاء والأعضاء الداخلية.

ونرى في الفيلم أيضا لقطات استثنائية لقنص رؤوس الأطفال، وهناك أيضا لقطة فيديو مصورة من الجانب الإسرائيلي من وجهة نظر الجنود، وأحدهم يشجع زميله على التصويب، ويقتل أحد الأطفال، فيفعل ليهلل زملاؤه المحيطون به ويضحكون في سعادة وابتهاج، بينما يقول أحدهم “انظر إنهم يهرعون لإسعافه.. صوّر هذا.. أبناء العاهرات”.

يقول الفيلم إن الأمم المتحدة سجلت الانتهاكات التي وقعت خلال مسيرات العودة، مما يتنافى مع القانون الدولي، فمنها 183 إصابة قاتلة من نيران القناصة الإسرائيليين، وهناك 171 شخصا أصيبوا بالرصاص في الرأس أو العنق، كما أصيب نحو 8 آلاف شخص بجروح، وأصيب 21 بالشلل، و122 شخصا بُترت سيقانهم بينهم 20 طفلا. أما على الجانب الإسرائيلي فلم تسجل إصابة واحدة لجندي إسرائيلي.

••رزان النجار.. رصاصة غادرة تقتل مُسعفة الجرحى:

ترى المخرجة أن رزان النجار الفتاة الفلسطينية التي كانت أول متطوعة لإسعاف الجرحى، هي البطلة الحقيقية لفيلمها، ونرى رزان في الفيلم وهي تتحدث عن الدور الذي تقوم به دون أن تخشى شيئا، وسرعان ما نعرف أنها استشهدت في 18 جوان 2019، بعد أن أصيبت برصاصة قناص أُطلقت على رأسها أثناء إسعافها لبعض الجرحى من المتظاهرين السلميين.

رزان النجار الفتاة الفلسطينية التي كانت أول متطوعة لإسعاف الجرحى استشهدت

ولم يتوقف الإعلام الأمريكي أمام ما وقع، بل ظل يكرر مزاعم معاداة السامية، تبريرا لممارسات إسرائيل في غزة المستمرة حتى يومنا هذا.

لا يوجد فيلم وثائقي في قوة وتأثير هذا الفيلم الذي يشعر من يشاهده بأنه يمتد عشر ساعات، مع أنه لا يتجاوز في الحقيقة أكثر من 122 دقيقة، مضت كالدهر بكل هذا الألم والظلم والهدم والقتل الذي يمارس في حقول القتل في غزة.

 

الثلاثاء، 27 مايو 2025

في مهرجان كان: “نسور الجمهورية”.. فرعون الشاشة لا يخيف أحدا!

 أمير العمري

من العناصر الرئيسية التي تجعل أي فيلم عملا متماسكا جيدا أن يتمتع بوحدة الأسلوب، إلا لو كان صانع الفيلم يريد أن يتجاوز الأسلوب، ويحلق بعيدا عن المألوف والسائد، ليصنع أسلوبه الخاص الذي قد يكون قائما على ما يعرف بـ"Eclecticism" أي الانتقائية، بمعنى الاستلهام من مصادر وأفكار وسياقات متعددة. وليس هذا بالتأكيد ما كان يرمي إليه المخرج السويدي- المصري طارق صالح وهو يكتب ويخرج فيلمه الجديد "نسور الجمهورية" الذي عرض بالمسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الـ78.

وبينما يمتلك الفنان الباحث عن مصادر وسياقات متعددة القدرة على تضفيرها معا بحيث يخلق أسلوبه الخاص أو يتحرر كلية من قيود الأسلوب، يبدو طارق صالح وقد ضل طريقه بين الأساليب المختلفة، بعد أن جذبته الرغبة في تقديم سردية سينمائية تتناول أولا عالم السينما المصرية بنجومها الكبار، وكيف يمكن أن يصبح "النجم" ضحية لنفسه، أولا حينما ينساق وراء نزواته معتقدا أنه قد أصبح شخصية لا يمكن تطويعها أو السيطرة عليها، ناهيك بالطبع عن تسخيرها واستخدامها، ثم كيف تدار العلاقة بين النظام في مجتمع شمولي، وبين المنظومة الإعلامية والفنية، وكيف تتداعى الأمور لكي نصل أيضا إلى وضع أكثر تعقيدا بالنسبة لذلك الممثل- النجم- البطل الذي يصبح شاهدا على ما لم يكن يخطر له على بال.

طارق صالح انطلق، وهو يكتب نصه السينمائي، من الكوميديا إلى الميلودراما ومنها إلى الفيلم السياسي، ثم إلى أسلوب الفيلم البوليسي، أو فيلم الإثارة "ثريللر" من دون أن يحدد هدفه بدقة، لذا فإنه يحيد في النهاية عن الهدف، ليأتي فيلمه في النهاية يعاني من الترهل والثرثرة والأحداث المبتورة، ومن ناحية أهم، من عدم المصداقية، أي أننا لا نستطيع تصديقه. ومن أولى مبادئ الفن السينمائي الذي يعتمد على تجسيد الفكرة بالصورة والحركة والتمثيل أن يجعل المستحيل قابلا للتصديق. أما في فيلم "نسور الجمهورية" فإن العلاقات والمواقف تتداعى وتتراكم دون أن تخلق سياقا مقنعا، أو تجسد شخصيات يمكنك أن تتفاعل معها وتصدقها أو تصدق ما تقوم به، فتبقى مجرد أنماط مصنوعة صنعا للتعبير عن رسالة سياسية غاضبة.

طارق صالح يكمل بهذا الفيلم ثلاثيته السياسية عن مصر، أو بالأحرى، عن القاهرة، التي بدأها بفيلم "حادث النيل هيلتون" (2017) الذي يتناول فساد مؤسسة الشرطة، ثم "ولد من الجنة" (2022) الذي يتناول العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية متمثلة في الأزهر، والآن في "نسور الجمهورية" يريد أن يسبر أغوار العلاقة بين السلطة والسينما.

وهو يبدأ فيلمه بملصقات (أو أفيشات) من أفلام الماضي في عصر السينما المصرية بأمجادها الخالدة من الخمسينيات والستينيات، لكنه يضع على جانبها، ملصقا لبطله ذي الأنف الطويل، النجم السينمائي الشهير الذي يطلق عليه الإعلام المصري - فرضا بالطبع- "فرعون الشاشة"، وهو ما يولد السخرية أكثر مما يمكن أخذه على محمل الجد. فمن هو "فرعون الشاشة" المفترض؟

إنه النجم السينمائي "جورج فهمي" (يقوم بدوره الممثل اللبناني الأصل فارس فارس بطل الفيلمين السابقين) الذي سنعرف أنه مسيحي، وأنه منفصل عن زوجته، غالبا بسبب خياناته المتكررة لها، وأنه يعيش مع فتاة تصغره كثيرا في العمر هي "دنيا" (الجزائرية لينا خضري)، وهي ممثلة مبتدئة من الواضح أنها غير موهوبة، لكنها أيضا غير سعيدة في علاقتها مع "الفرعون"، لأسباب ليس أقلها بالطبع أنه يجد صعوبة في إرضاء رغبتها الجنسية. ونحن نراه في مشهد طريف يذهب إلى صيدلية ليلا متخفيا، لكي يشتري حبوب "الفياجرا" لكن الصيدلي يتعرف عليه ويسعد بحضوره، ويريد أن يلتقط صورة معه أيضا بينما صاحبنا يريد أن يُبقي الأمر سرا.

من الواضح أن سبب شهرة هذا الممثل في السينما المصرية وأنه قد أصبح "سوبر ستار"، يرجع إلى نوعية أفلامه وهي من الأفلام الشعبية الرائجة التي تحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، أي من أفلام التسلية، لذلك لا يبدو جورج مقنعا في احتجاجه غضبه وانفعاله عندما يصبح مطلوبا منه القيام بدور في فيلم تموله الدولة، للترويج لصورة الرئيس عبد الفتاح السيسي تمهيدا لترشيحه للرئاسة في عام 2014 (زمن أحداث الفيلم).

وما يزيد الأمر سوءا أن رجلا يدعونه الدكتور منصور (عمرو واكد) هو الموفد الخاص من الرئاسة مباشرة، مكلف بالإشراف على تنفيذ الفيلم حسب ما يريده الرئيس تحديدا وطبقا للصورة المراد ترويجها، وبالتالي فمنصور هذا يصبح رقيبا على أداء جورج.

ثورة وغضب جورج تأتي في البداية مع رفضه القيام بالدور، بدعوى أنه أكبر من أن يعمل في فيلم دعائي، وأنه لا يقبل التوجيه والوصاية، وأن أفلامه تتمتع بمستوى محترم، وكلها تداعيات وثرثرة لا تقنع أحدا، لأنه لا يوجد ممثل في مصر لا يستجيب إلا لو تمرد وخرج عن النظام، أي أن يكون لديه موقفا سياسيا معارضا وعلى استعداد للتضحية بعمله، أما نموذج جورج فهمي فهو نموذج "ممتثل" غارق حتى أذنيه في "الهلس"، يغشى الحفلات، يتعرف على كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين أيضا (لدينا هنا وزير الداخلية، ووزير الدفاع، ومدير المخابرات.. إلخ) لذا فمن المستبعد أن يرفض، والأكثر سذاجة وافتعالا أن السلطات تهدده بطريقة شديدة السذاجة، باعتقال ابنه، وهلي ترغمه على الامتثال، إلا أنه يظل مصرا على ضرورة أن يتمتع الفيلم بالمستوى الفني المتماسك، لذا يأتي بمخرجه المفضل، لكنه لن يستطيع سوى الاستجابة لما يطلب منه. وعندما يقوم جورج بالدور، يحاول أن يبتعد عن فكرة محاكاة "الرئيس" خصوصا أنه يختلف في شكله كثيرا عنه.

لا شك أن العلاقة بين السلطة الشمولية والفنان المستقل أو الذي يعتقد أن قوته تكمن في موهبته وأنه يستطيع أن يقاوم أي ضغوط بسبب شعبيته، هي فكرة جيدة، كان يمكن أن تنتج عملا فنيا كبيرا يتمتع بالمصداقية والتأثير كما رأينا مثلا في حالة فيلم "ميفستو" للمخرج المجري الكبير اشتيفان زابو (فاز بجائزة الأوسكار عام 1982)، لكن هذا كان يقتضي وجود سيناريو متماسك وشخصيات ناضجة، واضحة المعالم. أما جورج فهمي فهو لا يبيع روحه مقابل أن يتمتع بالصعود والشهرة والمجد والبقاء في دائرة الظل لينتهي إلى الدمار التام، بل هو من البداية شخص فاسد لا يقيم اعتبارا لأي شيء: لا لزوجته أو لابنه (الذي يقاطعه بسبب إهماله له)، ولا لصديقته الممثلة "رولا" (الفلسطينية شيرين دعبيس) ولا لعشيقته الشابة، ولا حتى لفنه. هو إذن لا يصلح كنموذج لسقوط فنان في أحابيل السلطة، فأمثاله يرحبون عادة بتقديم كل ما يطلب منهم، لكي يبقوا في دائرة الضوء، ومن هنا غياب المصداقية!

سيتخلى جورج عن صديقته الممثلة "رولا حداد" عندما تواجه موقفا صعبا من الناحية المادية بعد أن توقف المنتجون عن التعامل معها بتدخل من السلطة التي تريد أن تعاقبها، دون أن نفهم لماذا، هل بسبب صداقتها معه ومن أجل الضغط عليه لقبول القيام بالدور؟ ولماذا تستمر معاناتها بعد أن يكون قد قبل الدور بالفعل؟ لكن هنا تكمن نقاط الضعف في سيناريو الفيلم.. ومما يزيد الأمر سوءا، أن وزير الدفاع بمجرد أن تأتي سيرة رولا أمامه في إحدى الحفلات وهو بصحبة جورج، يطلب من جورج في لهفة رقم تليفونها، وكأنه لا يستطيع الحصول عليه بسهولة تامة، ونعرف فيما بعد أنه أقام معها علاقة لا نرى منها شيئا، لكننا نرى رولا فيما بعد وهي تشكو كيف كان الرجل متوحشا معها!

ولكن جورج فهمي من ناحيته سيوقع في شباكه زوجة الوزير "سوزان" المتعلمة في السوربون (المغربية زينب تريكي)، وستستسلم هي له من دون مقاومة دون أن نعرف سبب هذا الانجذاب المفاجيء، ثم تتخفى لكي تقابله سرا في غرفة أحد فنادق الدرجة الأولى، ثم سيأتي وقت يعترف لها جورج من دون أي تمهيد- بأنه واقع في حبها فعلا- ويريدها أن ترحل معه (لا نعرف إلى أين)، ولا يتضح موقف زوجها الوزير الذي يعرف بالأمر بل ويضبطها وهي تغادر الفندق.. ولكن الفيلم لا يهتم بمتابعة القصة التي خلقها من داخل الفيلم من دون أن تخدم الموضوع الأساسي، وسينتقل فجأة إلى تصوير مشهد حشد له الكثير من الإمكانيات لكنه جاء أشبه بمشاهد الإعلانات: أثناء الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر 1973 في الكلية الحربية، تقع محاولة انقلاب يدبرها كبار المسؤولين، لا تنجح، ولا نعرف كيف وقعت ولماذا، وما هو الدافع المحرك، ومن الذي كشف المؤامرة. وكيف انتهت، وكما بدأ الحدث فجأة، ينتهي فجأة على نحو مبتور.. ولا يتضح موقف جورج فهمي أو علاقته بهذا الحدث.

من ناحية أخرى، فالشخصيات النسائية في الفيلم، كلها شخصيات سطحية وضعيفة وكان يمكن الاستغناء عن معظمها، دون أن يفقد الفيلم شيئا، فشخصية الممثلة رولا حداد، تختفي من الفيلم مبكرا، ثم تختفي العشيقة الشابة "دنيا"، ثم لا نعرف مصير الزوجة العاشقة الخائنة "سوزان"!

فارس فارس مع المخرج طارق صالح والممثلة- المخرجة الفلسطينية شيرين دعبيس

 طارق صالح ينسى فكرته الأصلية عن الفنان والسلطة، ولا نعرف ماذا تم في الفيلم داخل الفيلم، ولا كيف انتهى تصويره، ويكتفي عمرو واكد بالتحديق بنظراته المتنمرة من وراء الستار، لكي يؤكد لنا الفيلم باستمرار أنه "الولد الشرير" the bad guy ولا يبقى من الفيلم شيء في النهاية، فلا الممثل فارس فارس كان مقنعا في دور نجم سينمائي مصري "سوبر ستار"، حتى من ناحية ملامحه الخارجية الشكلية البحتة، فهو متقدم في العمر، منحي الظهر، صاحب أنف منفر. أما من ناحية الأداء فأداؤه هنا أقل عما كان في الفيلمين السابقين والسبب يكمن في ضعف تصوير الشخصية في السيناريو.

ويعاني الفيلم بطبيعته، خصوصا أمام المشاهد المصري والعربي عموما، من تخبط في نطق اللهجة المصرية، فالممثلات (الجزائرية والفلسطينية والمغربية) يفتقدن إجادة اللهجة المصرية بطريقة واضحة. لكن الناقد الأجنبي "الخواجة" لن يدرك هذا لأنه يتابع من خلال الترجمة المطبوعة على شريط الفيلم. وهذا الناقد لا يهمه المستوى الفني بقدر ما يهتم عادة بالرسالة السياسية: وجود فساد وديكتاتورية وتصدع وتسلط.. إلخ

 


وبسبب تعدد الأساليب وتداخل القصص التي لا يتم إشباعها، وغياب شخصيات، وظهور شخصيات أخرى لا تضيف شيئا، والنهاية المبتورة الغامضة، يعاني الفيلم من هبوط الإيقاع خاصة في النصف الثاني منه الذي كان يقتضي بالضرورة إيقاعا أسرع، وتبدو اللقطات القليلة الملتقطة سرا، غالبا من داخل سيارات لشوارع القاهرة، عابرة ومنقوصة وغير متصلة جيدا مع باقي مشاهد الفيلم، ولا يبدو أن هناك أي معنى لجعل شخصية جورج فهمي، رجلا مسيحيا.. ومع ذلك يمكن القول إن هناك مشاهد محددة متفرقة من الفيلم، مصنوعة جيدا أو على الأقل، تتمتع بقيمة ما، مثل مشهد التحقيق الذي تجريه هيئة الرقابة على المصنفات الفنية (ثلاث نساء محجبات متزمتات) يلفتن نظر جورج إلى ضرورة الحفاظ على قيم المجتمع وأن أمثاله وأمثال ما يقدمه من أعمال فنية هي ما يفسد المجتمع، وطبعا نفهم أن الأمر يتعلق بفيلمه الأخير الذي رأينا منه مشهدا في البداية يدور بينه وبين رولا حيث يشتركان معا في قبلة.

لا يحقق فيلم "نسور الجمهورية" (وهي تسمية يطلقها رجال حماية النظام على أنفسهم في الفيلم) هدفه، فهو عمل مضطرب، يريد صانعه أن يلعب في المساحة بين الفيلم الجاد والفيلم الهزلي، بين الكوميديا والتعليق السياسي والفوضى العامة داخل أوكار السلطة، لكنه يظل بعيدا كل البعد عما يحدث حقا في مصر.. بل أقرب ما يكون إلى مسلسلات أوبرا الصابون "السوب أوبرا"!

الاثنين، 5 مايو 2025

أعتقد أن أعظم وأرقى فيلم سينمائي صور الصراع بين القديم والجديد داخل الفاتيكان وقدم صورة رائعة للبابا فرانسيس الذي رحل اليوم عن عالمنا، وهو يتجادل بكل عقلانية وحكمة ورقي مع البابا بنيديكت، هو فيلم "البابوان" The 2 Popes الذي أخرجه البرازيلي فرناندو ميريلس، من دون أن يكون عملا تسجيليا، بل يعتمد على الخيال الخصب المستد من تكوين كلا الشخصيتين، ويناقش الأفكار بكل جرأة ويتطرق لأدق التفاصيل الذهنية والمعتقدات الدينية في علاقتها بالعصر، ومن دون أن يواجه بالقمع والرفض والاحتجاج والمطالبة الفظة بالمنع والمصادرة والعقاب والتكفير من جانب الفاتيكان.. فحتى هذه المؤسسة الكاثوليكية العتيدة نجحت في اللحاق بالمنهج الوحيد الذي ثبت، صلاحيته لكل العصور، وهو منهج "التطور"... فكل شيء في العالم يتطور ولا يبقى أبدا على حاله منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا، ما عدا عند أصحاب الفكر الجامد الذين لا يريدون الاعتراف بأنهم هزموا شر هزيمة أمام العلوم الحديثة والفلسفات والأفكار العصرية التي عصفت ومازالت تعصف كل يوم بأفكارهم التي توقفت عند القرن الثالث عشر، من دون أن يقروا بضرورة التغير والتطور...
المشاهدة الثانية للفيلم البرازيل يالبديع "أنا مازلت هنا" I am still here جعلتني أكتشف اشياء لم أتوقف عندها عندما كتبت عن الفيلم بعد مشاهدته بمهرجان فينيسيا 2024. ولكني خرجت أيضا بانطباع آخر ربما يكون آهم من النقد ومن المستوى السينمائي الممتاز للفيلم، هو أنهم كانوا رغم رغم كل ما حدث عندهم خلال "ديكتاتوريتهم" التي استمرت من 1964 الى 1985، ظلوا جزءا من تاريخ العالم.. يهتم بهم الآخرون في الخارج، ويحافظون على حد أدنى من القدرة على "المحاسبة" و"التساؤل" و"السعي والتماسك من أجل الوصول الحقيقة" فقد ظل هناك متنفسا.. أما نحن فقد أخرجنا أنفسنا من التاريخ.. بل ودخلنا الثقب الأسود الذي لا قاع له!
وفيلم "أنا مازلت هنا" ليس فقط عن الديكتاتورية العسكرية في البرازيل، ولا فقط عن كيف واجهت أم وزوجة شجاعة اعتقال واختفاء زوجها الى الابد، وواصلت الحياة مع ابنائها الخمسة وظلت صامدة لعشرات السنين تبحث عن حقيقة ما وقع لزوجها وتواجه جلاديه بكل صلابة، ولكنه أيضا فيلم عن الصورة، وقوة الصورة، ودور الصورة في الابقاء على الذاكرة حية مشتعلة.. انه بهذا المعنى احتفال خلاب بالصورة. ولكن هناك دروسا أخرى كثيرة يمكن ان يتعلمها المرء من الفيلم البرازيلي الكبير "أنا مازلت هنا" الذي ذكرته في منشورين سابقين.. ومن اهم هذه الدروس ما يتعلق بالسؤال التالي: لماذا تنهار وتفشل وتتلاشى الديكتاتوريات في بلدان كثيرة في العالم، بينما تظل قائمة وممتدة لمئات السنين في بلدان أخرى نعرفها وتعرفنا؟ وما يمكن للمرء أن يخرج به من قلب هذا الفيلم نفسه هو أن اول واهم سبب في هزيمة الديكتاتورية هو المقاومة الصلبة المنظمة التي لا تتفسخ ولا تتفكك بل تظل تعمل سواء من فوق الارض او من تحتها في كل الظروف بل ومهما بدا ان الصورة قاتمة… المقاومة حتى بمحرد الاستمرار في التشبث بالأمل والابداع بشتى اشكاله وصوره… عنصر المقاومة المنظمة هو ما يفيب عن مجتمعات اخرى في منطقة نعرفها جيدا ويشعر العالم انها اصبحت عالة عليه بأمراضها المزمنة التي لا شفاء منها
!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger