السبت، 25 أبريل 2020

كورونا.. كورونا.. أين المفر؟


عندما وقعت تفجيرات سبتمبر 2001 أصبح حديث الصحافة هو هذا الحدث الذي أصبح يشار إليه بالتاريخ المقلوب (من اليسار إلى اليمين) “11/9”، أي في الحقيقة 11 سبتمبر. وكل من لم يكتب عن أي شيء له علاقة بالإرهاب الدولي أو الحروب والصراعات المسلحة طوال حياته، كتب عن 11 سبتمبر وقال وأفتى وأبدع وتوسع.
الآن أصبح موضوع وباء فايروس كورونا هو حديث الساعة، وكل ساعة. فهو الموضوع الذي صار مقرّرا علينا. تطالع أي صحيفة في العالم فتجد الغالبية العظمى من المقالات والأخبار مخصّصة لذلك الوباء الجائحي الذي اجتاح العالم.
وتفتح أي قناة تلفزيونية عربية أم أجنبية، لتجد “خبيرا” من الخبراء يقدّم لنا تحليلاته ونصائحه وتوقعاته، سواء كان هذا الخبير له صلة بالطب أم أن صلته به مثل علاقتي باللغة الصينية؟
أما الصين فقد أصبحت عند الكثيرين مجالا للصراع، خاصة بعد أن امتلأت شبكات التواصل الاجتماعي باللغات المختلفة، بالأقوال والأقوال المضادة بشأن مسؤولية الصين أم عدم مسؤوليتها عن تفشي الوباء القاتل من الأصل والأساس.
فهناك من جهة، من ينفي عن الصين أي اتهام بالتسبّب في انتشار المرض، ويميل لاتهام المخابرات المركزية الأميركية بالوقوف خلف هذا الفايروس الجديد، غالبا متأثرا بما جاء في كثير من الأفلام الأميركية. والمفارقة أنها فعلا “أميركية” وجهت الاتهام للمؤسّسة العسكرية والاستخباراتية الأميركية. وهو أمر لو حدث في أي جمهورية من جمهوريات “قشر الموز” التي نعرفها جيدا، لاعتقل جميع صناع الأفلام والمسلسلات وأغلقت دور السينما والمسرح وألعاب خيال الظل وألعاب السيرك، إلى أجل غير مسمى خشية من انتشار الوباء، وباء انتقاد الأجهزة “السيادية” التي تتسيّد ليلا ونهارا على الشعوب. لكنها تقف عاجزة تماما عن مواجهة فايروس صغير!
المدافعون عن الصين والمعجبون كثيرا بالتجربة الصينية، يمنون أنفسهم بأن يبرز دور العملاق الأصفر في عالم ما بعد كورونا، ليصبح قادرا على ردع الغطرسة الأميركية، وهو بالطبع شعور نابع من إحباط ترسّخ عبر عشرات السنين نتيجة انحياز السياسة الأميركية إلى جانب الأقوياء ضد الضعفاء والمستضعفين في العالم.
فكثير منا يعتقدون أن “الحكومة الأميركية” مؤسّسة رعاية اجتماعية، تنطلق من مبادئ الحب والخير والإحسان، وليست واجهة لمصالح اقتصادية تحميها الجيوش والأساطيل والقواعد العسكرية التي انتشرت في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في حين انكفأت الصين على نفسها في الداخل وآثرت الابتعاد عن المواقف السياسية أو التدخّل الفعّال بأي شكل من الأشكال، في الصراعات الدولية، ولها بالطبع مواقفها الشهيرة بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، تجنبا للمشاكل والمنغّصات، فقد آثرت التركيز على التنمية الاقتصادية عن طريق استغلال “الطبقة العاملة” أبشع استغلال بشكل أقرب إلى الاستعباد، لإنتاج أجهزة وأدوات ومنتجات وملابس، رخيصة رديئة معروف أنها لن تصمد للزمن، وستسقط عند أول اختبار حقيقي.
أين ستذهب الصين -سياسيا وعسكريا- بعد أن تنتهي أزمة كورونا؟ أغلب الظن أنها ستواصل الانكفاء على الذات لحماية نظامها السياسي الاستبدادي الشمولي، الذي يعتقد أنه وراء ذلك التستّر المذهل على حقيقة ما وقع في ووهان. ولعل الأنباء الأخيرة تؤكّد وجود شيء ما غامض تتستّر عليه السلطات الصينية، وهو إصدارها قرارات تحظر أي محاولة للبحث في أسباب انتشار الفايروس من الأصل والأساس.
وهو موضوع سيتيح بكل تأكيد الفرصة مُجدّدا لمدمني نظريات المؤامرة، والذين يرون أن الصين هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن انتقال المرض إلى العالم وخاصة إلى البلدان الأوروبية المفتوحة في الغرب، خاصة تلك التي تستقطب أكبر عدد من السياح في العالم: إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة.
بدوري وجدت نفسي في هذا المقال أتورّط في مناقشة موضوع كورونا في حين أنني بدأته بنوع من التساؤل: هل يتعيّن على الكاتب، كل كاتب، أن يدلي بدلوه في الموضوع حتى لو لم يكن متخصّصا في الأمراض المعدية أو الفايروسات؟
 
"بعد 28 يوما" فيلم لداني بويل استشرف الوباء
أعرف أن البعض سيجيب بأن الحديث عن الوباء لا يقتصر فقط على الجانب العلمي والطبي بل يشمل مجالات الاجتماع والاقتصاد والثقافة والفنون. وهذا صحيح. ولكن هل من الطبيعي أن يفرض علينا الفايروس اللعين أن نتخلّى عن اهتماماتنا الأصلية بالأدب والفن والشعر والمسرح والموسيقى والسينما؟ ونتفرّغ لدراسة الآثار المحتملة على كل هذه الفنون؟
أعرف أن رئيس تحرير صحيفة “العرب” التي أكتب لها، أبدى ضيقه من وجود كلمة كورونا في عناوين الغالبية العظمى من المقالات التي تنشر في الصحيفة، إلاّ أن هذا هو ما يحدث حتى الآن، فالكتاب والصحافيون، بمن في ذلك زملاؤنا من نقاد الأدب والفن التشكيلي، تورطوا مثلي أيضا في “المسألة الكورونية”. وقد تفرّغت شخصيا، مضطرا، لإعادة مشاهدة الأفلام السينمائية التي تناولت الأوبئة والفايروسات القاتلة، الحقيقي منها أو الخيالي، وبعض هذه الأفلام يعتبرها البعض بمثابة “نبوءة” بظهور كورونا، في حين أن السينما لا تتّبع بالطبع، خطى العرّافين والمنجّمين.
ولكن لنفرض أن كورونا استمر لسنتين أو ثلاث سنوات فما العمل؟ هل يمكن أن تعيش الصحافة على موضوع واحد تتغذّى عليه وتغذّيه للقراء؟ أم أننا لا يجب أن نهمل اهتماماتنا الأخرى التي أراها بالضرورة “اهتمامات إنسانية” تهم الجميع وليس من الممكن الاستغناء عنها؟ وهل يمكننا استئناف الكتابة عن الحب والخير والجمال والإبداع والتأملات الروحية والفلسفية، من خلال أعمال الفن بكل أشكاله؟ أم أننا يجب أن نستسلم لما يفرضه علينا هذا الوباء البشع ونقصر اهتمامنا عليه؟
الإجابة بالطبع عند رئيس التحرير.. أليس كذلك!

الأحد، 1 مارس 2020

مهرجان برلين السينمائي..التجديد ليس بتحريك الكراسي

 إدارة ثنائية بلا جديد يذكر

 يمكن القول تمخضت الإدارة الجديدة التي عيّنت العام الماضي لمهرجان برلين السينمائي فولدت فأرا كبيرا. فقد بدا أن نظرتها إلى التجديد تتعلّق بتحريك بعض الكراسي والجالسين عليها، وتحريك بعض الأماكن التي اعتاد السينمائيون والنقاد التعامل معها ونقلها من مكان إلى مكان آخر.
الإدارة الجديدة لمهرجان برلين السينمائي في دورته السبعين، والتي تنقسم حاليا بين مدير فني إيطالي، ومديرة إدارية هولندية المولد ألمانية الثقافة، تعتقد أن تقليل عدد الأفلام التي يعرضها المهرجان من حوالي 500 فيلم أو أكثر إلى ما يقرب من 400 فيلم، والإعلان عن إلغاء بعض الأقسام (رغم إضافة أقسام أخرى بديلة لها) سيصنع فارقا كبيرا يجعل المهرجان أقوى وأكثر صلابة والاختيارات السينمائية للأفلام أفضل وأكثر تعبيرا عن الحالة السينمائية الحالية في العالم.
لكن الحقيقة أن تقليل العدد اختيار أرغمت عليه الإدارة الجديدة بعد أن فقدت هذا العام موقعين رئيسيين لعرض الأفلام من ذوي الشاشات المتعددة، بسبب التجديدات، ممّا اضطرها مثلا إلى نقل عدد كبير من العروض الصحافية التي يحضرها أكثر من ثلاثة آلاف صحافي، إلى دار عرض بعيدة عن مكان إقامة المهرجان في القسم الشرقي من المدينة.

انحياز مضاد

أما الاختيارات الفنية نفسها، فهي الآن محلّ رصد وتقويم من جانب الصحافة الألمانية. وكانت مارييت ريسينبيك المديرة المسؤولة عن الجوانب الإدارية قد أعلنت أن الغالبية العظمى من مديري أقسام المهرجان أصبحوا الآن من النساء. وهو وما يعكس في الحقيقة انحيازا في الاتجاه المضاد، وليس رغبة في تحقيق المساواة.
أما المدير الفني كارلو شاتريان فقد أعلن أن الأفلام التي وقع عليها الاختيار للعرض في برامج المهرجان، ليست بالضرورة هي الأفلام المفضلة أو “أفضل الأفلام” بل الأفلام التي تعكس “الحالة السينمائية القائمة حاليا في سينما العالم”.
وهو زعم لا صلة له بالواقع، فليس من الممكن أن يُقدّم فيلمان من الأفلام التي سبق عرضهما في مهرجانات أخرى في العام الماضي، لتمثيل السينما الأميركية التي تعتبر الأهمّ في العالم والتي تتمتع بالحيوية والقدرة على التجديد وتزخر بعدد كبير من المخرجين الموهوبين.
فهل فشلت الإدارة الفنية في إقناع شركات التوزيع الأميركية بعرض أفلامها الجديدة في برلين؟ هذا السؤال يجب تقديم إجابة واضحة عنه. أما إذا كان الأمر كذلك فيجب معرفة أسباب إحجام الموزعين الأميركيين؟ وهل البديل للحضور الأميركي الذي يضمن أيضا حضور نجوم السينما الكبار إلى برلين، أن يدرج في المسابقة فيلم فرنسي محدود القيمة هو فيلم “ملح الدموع” لمجرد أن مخرجه هو فيليب غارديل المخضرم؟ وهو نفس ما يمكن أن يقال عن إشراك فيلم المخرج المخضرم الآخر أبيل فيرارا في المسابقة في حين كان يمكن عرضه للتعريف في قسم البانوراما بسبب طابعه التجريبي.
من ناحية أخرى بدا أن الخضوع للعامل السياسي في الحكم على الأمور ليس في صالح المهرجان. فكيف يمكن على سبيل المثال، شطب تاريخ رجل مثل ألفريد باور مؤسّس مهرجان برلين نفسه، بكل بساطة وإلغاء الجائزة التي كانت لسنوات طويلة، تمنح باسمه في المهرجان، خضوعا لابتزاز بعض الصحف التي أصبحت تشم رائحة النازية في كل ما يتعلق بالذين عاشوا قدرهم خلال الحقبة النازية.
والمؤسف أن القرار صدر من قبل التأكد من ضلوع الرجل في رسم أي سياسات تتعلّق بالنشاط الثقافي والفني تحت إدارة وزير الدعاية النازية جوزيف غوبلز. فقد أعلنت الإدارة أنها كلّفت باحثا تاريخيا بتحري تاريخ ألفريد باور وموافاتها بتقرير عنه سيستغرق إعداده ثلاثة أشهر.
وبعد أن كان الحضور العربي في مهرجان برلين قويّا وملموسا خلال السنوات الأخيرة، تم تهميش وجود الأفلام العربية والاكتفاء بعرض بعض الأفلام القصيرة والتجريبية التي لا تقدّم صورة حقيقية للنشاط السينمائي في العالم العربي، ولا لما يصنعه السينمائيون من أصول عربية في أوروبا.
ولكن في الوقت نفسه، يواصل مهرجان برلين اهتمامه الدائم بالسينما الإيرانية، ففي المسابقة الرسمية فيلم جديد للمخرج محمد رسولوف مع فيلمين آخرين في البرامج الموازية. وهو ما يشير أيضا إلى دافع سياسي محدّد وراء هذا الاهتمام، في سياق السياسة المعتدلة التي تتبعها ألمانيا عموما في ما يتعلق بموضوع الملف النووي الإيراني.
بشكل عام تبدو الدورة السبعون التي كان يفترض أن تكون احتفالية وتتميز كثيرا عن سابقاتها، دورة أقلّ من عادية بسبب الضعف العام لأفلام المسابقة التي تستقطب عادة الأضواء.
وكلّما ذهب المرء وهو يملؤه الأمل في العثور على التحفة السينمائية المنشودة يخيب أمله، فلا توجد في مهرجان برلين تحف سينمائية، رغم وجود عدد من الأفلام الجيدة والمتوسطة الجودة، مع تشابه كبير في المواضيع التي تدور معظمها حول المرأة، في عذابها بسبب علاقتها بالرجل، كما أن صورتها في هذه الأفلام صورة امرأة قوية، تمتلك الرغبة في الاستقلال والتحقّق بعيدا عن العلاقة مع الرجل.
ولعل أفضل ما عرض من أفلام حتى الآن في هذا السياق هو الفيلم الأميركي “ليس نادرا بل أحيانا دائما”، فهو عمل متماسك شديد البراعة والتأثير.
وحتى الآن يبرز أداء الممثلة الألمانية المخضرمة نينا هوس في فيلم “أختي الصغيرة” وهي الممثلة الأهمّ في السينما الألمانية عموما، وزميلتها الأصغر سنّا بولا بير في فيلم “أوندينه”.
أما الدور الأكثر بروزا للممثل الرجل في أفلام المهرجان حتى الآن فيرجع دون شك إلى أداء الممثل الإيطالي أليو جيرمانو في دور الرسام الإيطالي توني ليغاوبي في فيلم “مخبأ بعيدا”. والفيلم نفسه يظل أيضا أفضل ما شاهدناه. لكن لا يزال هناك ثمانية أفلام في المسابقة لم تعرض بعد. وبعدها يكون لكل حادث حديث!

العبقرية الألمانية ومهرجان برلين في زمن كورونا


يخطئ خطأ فادحا كل من يؤمن بما يسمى بـ”العبقرية الألمانية”. فمهرجان برلين السينمائي الذي ستفتتح دورته الجديدة الأسبوع المقبل، وهو مهرجان قديم أقيم لأول مرة عام 1951، قام قبل سنوات بإحلال اسم مضحك لا يفهمه سوى سكان المدينة محل اسمه التاريخي.
فبعد أن كان الاسم المعروف هو “مهرجان برلين السينمائي الدولي” أصبح يطلق على نفسه اسم “برليناله”، وهي كلمة غريبة وأنا شخصيا لم استخدمها ولا استخدمها أبدا في كتاباتي عن هذا المهرجان، فهو يبقى بالنسبة لي كما بالنسبة للغالبية العظمى من نقاد السينما في العالم “مهرجان برلين السينمائي”.
ولكن هناك من يستخدمها من الصحافيين العرب ربما تأثرا بما تنقله قناة “دويتش فيلله” الألمانية أو موقعها على شبكة الإنترنت باللغة العربية، وأشك كثيرا أن يفهم الكلمة القراء العرب بالطبع وأولهم حضرتي، بل ولا يهمني أن أفهمها أصلا، فالكلمة يجب أن تكون ذات معنى في سياق اللغة التي توجد فيها وإلاّ صارت مجرد لغو.
وقد اقتضى الأمر من المهرجان نفسه أكثر من عشرين عاما إلى حين أن أدرك القائمون عليه (هناك إدارة جديدة هذا العام) أنه لا يصح أن توجد أفلام في البرنامج يطلقون عليها “داخل المسابقة- خارج المسابقة” بدلا من “البرنامج الرسمي- خارج المسابقة” كما تفعل المهرجانات التي تدرك أهمية اللغة!
وربما أكون أنا الوحيد الذي أبدى اعتراضا من قبل على هذه المسألة وتحدثت فيها مع المسؤولين عن المكتب الصحافي، ولكن دون جدوى بالطبع، فالتغيير شبه مستحيل في ألمانيا والبيروقراطية أبشع كثيرا من البيروقراطية الإنجليزية، وكنت أتصوّر أن الألمان أقل تمسكا بالتقاليد القديمة مثل الإنجليز، ولكني اكتشفت أنهم يخضعون لها بشكل غريب حقا.
وعندما كنت أناقش مسألة التناقض في عبارة “في المسابقة- خارج المسابقة” مع بعض النقاد الأجانب الأقدم مني حضورا لهذا المهرجان، كانوا يتوقّفون ويفكّرون طويلا وكأنهم اكتشفوا فعلا أمرا غريبا للمرة الأولى لم ينتبهوا له من قبل. ولكنهم أيضا قالوا إنهم لا يفهمون معنى أن تكون هناك أفلاما في المسابقة ولكن خارج المسابقة. لكن الحمد لله أن بعض الألمان من المديرين الجدد، فهموا أخيرا هذا التناقض المحيّر الذي كان يؤدي إلى أخطاء كثيرة في التقارير التي تنشر عن مسابقة المهرجان.
مهرجانا كان والبندقية هما الأرقى في العالم، بسبب وضوح الأقسام وعددها وعدم تفرعها إلى تسميات من دون هدف
أما ما يبقى عصيا على الفهم فيما يتعلق بأسرار “العبقرية الألمانية” أنه بعد أن كان للمهرجان موقع على شبكة الإنترنت، جذّاب وجيّد التصميم ويسهل التعامل معه، ويتيح لنا الفرصة لخلق حساب يمكن من خلاله عمل “أجندة” خاصة للتعامل اليومي مع أفلام المهرجان وأحداثه وفعالياته، ويمكن للمرء ربطها بهاتفه المحمول لتسهيل الدخول إلى الموقع وتحديد ما يريد مشاهدته، قاموا هذا العام بإلغاء الموقع كله وإلغاء الأجندة وإلغاء إضافة الأفلام إلى جدولك الخاص بعد أن أنشأوا موقعا جديدا أقل جاذبية وفعالية من الموقع القديم. ومرة أخرى وقفت أتساءل عن كيف تعمل هذه “العبقرية”!.
ولا يقتصر الأمر على هذا فقط، بل إنك إن أردت مثلا أن تعثر على قائمة أفلام المسابقة التي أعلن عنها بالفعل، داخل موقع المهرجان ودخلت على قسم بعنوان “المسابقة الرسمية” لن تجد سوى تعريف بالمسابقة وجوائزها وتاريخها، لكنك لن تجد قائمة الأفلام المتسابقة هذا العام. وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الأقسام.
العبقرية الألمانية أيضا ابتكرت أقساما فارغة المعنى مثل: الملتقى، الملتقى الممتد أو امتداد الملتقى، جيل، جيل 14.. وأقساما عديدة أخرى مربكة ومحيرة تماما، مع أعداد هائلة من الأفلام. لذلك يظل مهرجانا كان وفينيسيا هما الأفضل والأرقى في العالم في رأيي الشخصي، بسبب دقة التقسيم (ولننس الآن مسألة التنظيم فهو مفروغ منه في المهرجانات الأوروبية بوجه عام)، أي وضوح الأقسام وعددها وعدم تفرعها إلى أقسام من داخل أقسام وتسميات من داخل تسميات دون هدف أو معنى.
أما أكثر الأمور مدعاة -لا للضحك- بل للاستياء الشديد، فهو ما أعلنه المسؤولون عن المهرجان أخيرا من أنه من أجل مكافحة انتشار وباء كورونا سيقومون بوضع علب تحوي مادة مطهرة في أماكن مختلفة من المهرجان. أما الوافدون والضيوف القادمون من الصين فسيوزعون عليهم بعض الإرشادات في المطار. وبالتالي أصبح وجودك داخل قاعات العرض التي تمتلئ عن آخرها بالمشاهدين، وكثيرون منهم من لا يتوقفون عن السعال والعطس.. الخ، مسـألة محفوفة بأشد المخاطر حقا.
وكنت أتوقع أن تكون إجراءات التأمين على القادمين من الصين مثلا، وغيرها من المناطق الموبوءة أشد حزما وصرامة. لكن “العبقرية الألمانية” ستظل تدهشك!
هل كان الأفضل مثلا أن يقوم مسؤولو المهرجان بتوزيع كمامات على المشاهدين بحيث تصبح العروض السينمائية الحديثة في واحد من أكبر مهرجانات الأفلام السينمائية من حيث عدد الأفلام وعدد الجمهور، عروضا بكمامات؟!
لا أعرف. سأكون في المهرجان لأكتب لـ”العرب” من هناك عن كل ما أراه من أفلام جديرة بالاهتمام، وكذلك عن كيفية تعامل “العبقرية الألمانية” مع هذه الظواهر الجديدة، كما سأراعي الابتعاد بقدر ما أستطيع، عن الذين يسعلون ويعطسون خلال العروض السينمائية. ولله الأمر من قبل ومن بعد!

الجمعة، 15 نوفمبر 2019

أبوية "كبير العيلة"!






من ضمن الملامح العتيقة في الثقافة العربية تلك النزعة الأبوية الاستعلائية التي تتلبس الكثيرين ممن يجدون أنفسهم على رأس السلطة، دون أن تكون ملائمة لشخصياتهم بالضرورة. ولاشك أنها نزعة تنحدر من الفكر القبلي العشائري، مهما اتسعت الدولة وتشعبت طبقاتها الاجتماعية. 
كان الرئيس أنور السادات مثلا يحب دائما أن يقال له "كبير العيلة المصرية" يقصد بالطبع "كبير العائلة"، الذي يجب أن ينحني الجميع لرغباته ويتفقوا معه فيما يقوله ويقرره، مهما اختلفوا. وكان يلح كثيرا في خطاباته على هذه الفكرة واضعا نفسه فوق التناقضات والخلافات السياسية، أي تكفي كلمة منه لحسم أي خلاف، وهي نزعة تعرف في الأدبيات السياسية بـ "البونابرتية" نسبة إلى لويس بونابرت، لكن استنساخها يقتضي توفر الكثير من الظروف والمعطيات السياسية بالطبع.
وقد تسببت تلك النزعة الأبوية في الكثير من المواقف المحرجة والمضحكة للرئيس السادات خلال مواجهات كانت تبث على الهواء مباشرة عبر شاشة التليفزيون. كان هناك مثلا من حاول السادات ممارسة أبويته عليه فما كان منه إلا أن واجهه قائلا إنه لا جيد مفرا سوى أن يشكوه إلى الله، فثار السادات وطالبه بأن يسحب "شكوته" قبل أن يغادر الجلسة!
كان السادات أيضا مغرما باستخدام كلمة "يابني"، يخاطب بها نواب الشعب خصوصا المعارضين لسياساته. أتذكر مثلا كيف أدار حوارا مباشرا مع أعضاء مجلس الشعب عقب انتفاضة يناير 1977 مباشرة، وكان يقاطع العضو الذي لا يعجبه حديثه ليقول له شيئا مثل: "طيب.. ياكمال يابني.. عشان نختصر الكلام.. اللي حصل ده انتفاضة شعبية أم انتفاضة حرامية؟". وبشكل عام كان الكثيرون يمتنعون عن الرد، سواء تأدبا أو خوفا من تالعواقب.
ويروي الناقد الموسيقي الراحل كمال النجمي في كتابه البديع "مطربون ومستمعون" كيف أن الموسيقار محمد عبد الوهاب اتخذ عام 1948 قرارا بعدم الغناء في الحفلات العامة، بعد أن شعر أنه لن يستطيع تلبية ما يطلبه منه جمهوره من أداء المواويل الطويلة الصعبة التي اشتهر بها في الماضي. ولكن جمال عبد الناصر أصر في عام 1954 على أن يغني عبد الوهاب في العيد الثاني لحركة الضباط التي كانت قد سيطرت على مقاليد الأمور في البلاد في يوليو 1952. ورغم مقاومة عبد الوهاب إلا أنهم أفهموه أنه ليس بوسعه عصيان "أوامر" عبد الناصر. وقد ذهب عبد الوهاب إلى الحفل وغنى أغنيته الشهيرة "كل ده كان ليه؟"، وأتصور أنه كان من ناحية يحتج احتجاجا لطيفا على هذا الاستدعاء الخشن، لكنه من ناحية أخرى، أخذ يعيد ويزيد، ويستطرد ويرتجل الكثير من المواويل الطويلة، مما جعل أعضاء مجلس قيادة الثورة يبقون في مقاعدهم حتى وقت متأخر من الليل. وبعد أن انتهى الحفل، صافح عبد الناصر محمد عبد الوهاب وبادره بقوله: "والله رجعت لنا شبابنا ياأستاذ عبد الوهاب"!
ويعلق كمال النجمي ساخرا: ترى ما الذي كان يقصده عبد الناصر، وعن أي شباب كان يتحدث، وهو الذي لم يكن قد تجاوز وقتها، السادسة والثلاثين من عمره، بينما كان عبد الوهاب قد اقترب من الخامسة والخمسين؟
إنها تلك النزعة الأبوية الاستعلائية لدى رجل السلطة، يريد دائما أن توحي للآخر بأنه يقف أمام "الأب"، "الزعيم"، "كبير العيلة". ألم يطلق الزعيم التركي مصطفى كمال على نفسه لقب "أتاتورك" أي "أبو الأتراك"، بينما لم يكن قد أكمل الثامنة والخمسين من عمره عندما توفي!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com