السبت، 2 يونيو 2018

الثقافة العربية لا تعترف بالسينما





كان اعتقادي دائما، منذ أن بدأت الكتابة، أن السينما فن "عير معترف به" في العالم العربي. وهو اعتقاد لايزال قائما حتى يومنا هذا. وعندما أقول أنه "غير معترف به" فالمقصود أنه لا يعد جزءا من "الثقافة العربية"، على الرغم من وجود أعداد متزايدة باستمرار من دارسي السينما في عدد محدود من مدارس السينما، وظهور العشرات من ورش العمل السينمائي، بل وإقامة عدد من المهرجانات السينمائية المحلية والدولية.

إن كل هذه "الكيانات" لا تعني أن هناك "إعترافا" بالسينما كفن مستقل قائم بذاته، وكجزء أساسي من الثقافة العربية، ثقافة المجتمع والناس والمؤسسات العلمية والتعليمية بل والدينية أيضا، فوجود "أفلام" تنتج- سواء بالجهود المحلية وتتوجه أساسا للسوق الداخلية، كما في الحالة المصرية، وهي الوحيدة التي يمكن الحديث عن "صناعة سينمائية" لديها، أو من خلال التمويل الأوروبي والإنتاج المشترك كما في حالة المغرب العربي ولبنان وفلسطين وغيرها من التجارب التي لم تؤسس بعد لـ "صناعة"، وتتوجه أفلامها عادة إلى المهرجانات العالمية وبعضها قد يجد طريقه للعرض في قنوات التليفزيون الفرنسية مثلا، لا يعني اعترافا مجتمعيا ومؤسساتيا بالسينما كفن.
المقصود بـ"الثقافة العربية" الأفكار المستقرة الراسخة لدى المؤسسات التعليمية والدينية والسياسية والاجتماعية عن السينما، فهي ما زالت تنظر بتوجس إلى "ثقافة الصورة"، فقد ترسخ في العقل الجمعي أن "ثقافة الكلمة" أعلى مرتبة من ثقافة الصورة، بل إن الصورة أي السينما وأخواتها، عند الكثيرين وقد تفرقت دماؤها، بين أجهزة الإعلام، والتصوير الفوتوغرافي والصحفي والتليفزيوني الإخباري، والرسم الذي يعد فنا للنخبة، والفيديو ميوزيك الذي لا يلقى أصلا أي نظرة جدية في التعامل معه، بسبب شيوعه فيما يطلق عليه "الفيديو كليب" أو الأغاني المصورة الراقصة ذات المناظر المثيرة. بل ويمكنني أيضا القول إن الصورة ربما تنحصر عند كثيرين من أصحاب الميول "العملية" أيضا في تلك الصور التي تقوم بتسجيلها كاميرات المراقبة الليلية، لحساب أجهزة الأمن.
الاعتقاد السائد أن السينما ليست فنا، بل وسيلة من وسائل التسلية، أي أقرب إلى الكباريه، وهي ترتبط في أذهان معظم القائمين على المؤسسات الثقافية من حملة الدكتوراه، بالرقص والغناء والمغامرات والتهريج، ومازالت هناك "فتاوى" تحرم السينما، استنادا الى تصور خاطئ بأن الصورة يمكن أن تكذب،  دون النظر إلى ما تردده "الكلمة" يوميا من أكاذيب!
ومن دلائل غياب الاعتراف بالسينما كفن جاد، عزلة النقد السينمائي، والنظرة المتدنية إليه من قبل المؤسسات الثقافية حتى التقدمية منها في العالم العربي، التي تعترف بكل أنواع الفنون والآداب، باستثناء السينما، فالنقد العلمي لقضايا السينما الفكرية والجمالية والدراسات التي تؤصل لهذا الفن، وتبحث في تاريخ تطوره وتطور نظرياته الجمالية، غائب حتى الآن عن الدراسات الأكاديمية في الجامعات العربية ناهيك عن نظم التدريس في المدارس العامة. ولذلك تغيب تماما عن دراسي الأدب مثلا، كيفية قراءة فيلم، أو فهم جماليات الصورة، ومازال حتى استقبال الأفلام يحدث على مستوى بدائي، أي يقرأ الفيلم كقصة ذات مغزى أخلاقي أو اجتماعي.
وتخصص المؤسسات الثقافية العربية جوائز في كل فروع المعرفة، باستثناء النقد السينمائي، الذي ينظر إليه بتعالٍ، ويُستبعد من دائرة الأدب والفكر، رغم وجود الكثير من الاجتهادات البارزة في هذا المجال، بل إن مهرجانات السينما التي تقام في العالم العربي وتخصص جوائز مالية كبيرة لكل أنواع الأفلام، لا تخصص جائزة واحدة للنقد السينمائي. وتعتبر مؤسسات الفكر ونشر الثقافة العربية نقد القصة القصيرة أهم من نقد الأفلام الطويلة، التي تؤثر في ملايين البشر. ومن دون الصحافة العامة التي يخصص القليل منها مساحات محدودة للنقد السينمائي، وإصرار قلة من النقاد على مواصلة النقد، يموت النقد في العالم العربي ويتلاشى. وهي محنة ما بعدها محنة!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com