الأحد، 31 مايو، 2009

حوار حول السينما: ثقافة أم تسلية؟

إحياء للمناقشة التي دعا إليها الصديق ليث الربيعي حول طبيعة السينما في عالمنا ودورها الثقافي المهم، أنشر هنا مداخلة بعث بها الصديق عمر منجونة من القاهرة، وفي انتظار ورود مزيد من المداخلات، من كل أصدقاء هذه المدونة، خاصة من السينمائيين الشباب الذين يتطلعون إلى صنع سينما مختلفة في المشرق العربي والمغرب العربي.
أستاذى العزيز / أمير العمرى
بما أن هذه هى المرة الأولى التى أراسل حضرتك فيها عن طريق البريد الالكترونى فاسمح لى أن أسجل أولا احترامى لكل ما تكتبه ولكل مجهودك فى سبيل نشر ثقافة السينما.
قرأت رسالة الأستاذ ليث الربيعى ورد حضرتك عليها وبناء عليه اسمح لى بتدوين بعض الآراء أو ربما الهواجس بشأن الموضوع المطروح:
- السينما ثقافة أم صناعة ؟ ولماذا علينا المقارنة أصلا، لازلت لا أفهم سبب الاصرار على تقسيم السينما فنى وتجارى، جماهيرى ونخبوى، وكل تلك الاشياء التى لا تخدم بالأساس الا المنتجين وما يسمى بنجوم الشباك. واذا خصصنا الحديث عن دولنا العربية نضيف طرفا ثالثا وهم المتطرفون الذين يستمرون بادعاء تفاهة السينما أو حرمانيتها أو... نعود للموضوع - لا أتخيل أبدا أن أرى يوما ما تلك المذيعة الشقراء، بجسدها النحيل جالسة أمام الدكتور يوسف زيدان - على سبيل المثال- تحدثه عن عدم تجارية روايته الأخيرة "عزازيل" أو أن شخصية هيبا كانت قاسية جدا على (الناس) أو أن لغته الشعرية غير مفهومة على العوام ومع ذلك فـ(عزازيل) مستمرة فى (البوكس أوفيس) بنجاح ... لكنى بكل بساطة (وسخافة) يمكننى أن أجد نفس المذيعة تتحدث مع المخرج - الأسطورى- عادل أديب يحدثنا عن أن فيلمه الأخير قد اختير فى أحد مهرجانات كندا من (أحسن عشرة أفلام فى العالم!) بل وكانت القائمة تضم أفلاما لوودى ألين وسكورسيزى، وزيادة من جرعة السخافة يتحدى (الأسطورة) أن يأتى بأكبر عشرة نقاد فى مصر وأن يكون هو فى الطرف المقابل وأن يأتى بلجنة تحكيم عالمية (على نمط أفلام جود نيوز) فتسأل كلا الطرفين عشرة أسئلة فى السينما - ونشوف مين اللى بيفهم أكتر.
- لا يمكننى بالطبع أن أنكر ظروف نشأة السينما كترفيه والهالة المحيطة (بصناعتها) منذ البداية وكل هذه الأمور لكن أعود وأجد هذا السؤال يسد طريقى : بدون برجمان و أنطونيونى وفيللينى وكوروساوا ومايك لى ويوسف شاهين وصلاح أبو سيف هل كانت ستوجد سينما بالأساس ؟ أقصد فن السينما فالسينما لم تحصل على اعترافها كفن الا من خلال عرق وفكر هؤلاء وغيرهم من أصحاب الرؤى الفنية لا أصحاب دور العرض ومن يبيع (الفشار) بداخلها فلماذا بحق الله ننسف كل مجهودات هؤلاء، ولماذا يصبح مروان حامد بين ليلة وضحاها مخرج عالمى (مع احترامى الشديد لتجربتيه الشابتين) ونتجاهل محمد خان ويسري نصر الله وداود عبد السيد.. لماذا يصرف على كرة القدم الملايين (والأساس أنها نشاط غير ربحى - يعنى الفلوس مش هترجع) بينما توفيق صالح محتجز فى منزله منذ ما يقرب من ربع قرن أو يزيد.. ولماذا لا تحقق أفلام هؤلاء المخرجين ما تحققه بعض الأعمال الأدبية حسنة الذكر؟ باعتقادى ان المسألة ليست مجرد عرض وطلب.
- صانع الفيلم هو الأساس، ولا أدعى أننى - فى الوقت الراهن- ارتكز على ما يكفينى من معلومات لمعرفة عدد العناصر التى تملك رؤية (الخلق) فى العمل السينمائى لكنى أجد نفسى بطريقة أو بأخرى منجذبا الى نظرية صانع الفيلم أو سينما المؤلف - مع عدم اغفال دور كاتب السيناريو بالتأكيد لكنهم على الأكثر شخصان مسؤولان عن تلك العملية (الخلق الفنى) ما أعنيه هنا هو: أن وجود فكرة ما يسمى بصنّاع الفيلم تقطع كل السبل المؤدية الى قيام علاقة بين المبدع والمتلقى ونظرية (المخرج المايسترو) لا تحقق المطلوب على غرار الرواية فمن يقرأ لشتاينبك يعلم أنه شتاينبك وكذلك من يقرأ لمحفوظ أما من يشاهد افتتاحية عصابات نيويورك لمارتن سكورسيزى (لاحظ أستاذ أمير اللام تدل على تبعية الفيلم لمخرجه) - أعنى (مشهد المعركة فى البداية) فأنه يتساءل ان كان سكورسيزى قد تخيل هذا المشهد البديع عند قراءته للسيناريو ونفذه بالشكل الذى تخيله أم أن الأمر مجرد مصمم معارك ومونتيره (شاطرين) وبالتالى فسكورسيزى هو مجرد المشرف الذى يجلس خلف (المونيتور) ويقول (أكشن - كات) ثم يحصد المجد وحده. بالطبع فان مثل تلك رؤية (لصنّاع الفيلم) تسبب عدم القدرة على احترام السينمائى (المخرج) من قبل الأوساط المختلفة بنفس قدر الاحترام للروائى - أو التشكيلى - أو الموسيقى (كخالقين لأعمالهم) بينما الابداع فى الفيلم لكاتب السيناريو والمنتج الجيد قادر على الصرف على الفيلم ليخرج (عالميا) والمخرج لا يقوم الا بتحريك الكاميرا (زاوية يمين - زاوية شمال على رأى شريف عرفة) والباقى فى يد الصنّاع ومن ثم كيف يمكن احترام تاركوفسكى بنفس قدر احترام دستويفسكى و كيف أقول أن الأول مسؤول عن (طفولة ايفان) بنفس مسؤولية الأخير عن (الجريمة والعقاب) وهلم جرا مع باقى أنواع الفنون.
أعتقد أنى قد أطلت كثيرا فى الحديث فأرجو أن أكون قد نجحت فى توصيل جزء من رؤيتى حول الموضوع المطروح.
تقبل منى خالص التحية.
عمر منجونة
* تعليق بسيط فقط على رسالة الأستاذ عمر منجونة أن الأموال التي تنفق على كرة القدم تعود بالربح كثيرا سواء من خلال دخل المباريات أم المتاجرة في اللاعبين. وقد أكون مخطئا لأنني لست خبيرا رياضيا. وفي انتظار مزيد من الآراء التي تثري الموضوع.

رسائل القراء 3

* وصلتني الرسالة التالية الوافية من الصديق "سامي" (من فلسطينيي 48) الذي نشرت له رسالة سابقة، وهو صديق وفي لهذه المدونة.
"لا أعتبر نفسي متخصصا ولكن الواقع الذي نصطدم به يوميا لا يترك لنا مجالا: تكوين وعي بذاتنا ولذاتنا أو الفناء (المجازي).
كنت قد قرأت عن كتابك سينما الهلاك على عجل في مدونتك ويبدو لي كتابا قيّما. عندما كتبت لك رسالتي السابقة أردت أن أكتب فقرة تتناول مسألة الهوية لكنني عدلت عن ذلك لعدم تشتيت الموضوع. أنت صادق ، في أن تعبير فلسطينيي
الداخل أفضل من عرب الداخل لكنني لا أحب كل هذه التسميات لأن في طياتها محاولة من العرب تجاهل واقع يبدو أنه لن يتغير قريبا. بعض الأشخاص مثلا يحبون استخدام تعبير عربي فلسطيني أعيش في فلسطين غير مدركين بأنهم بشكل غير مباشر يؤكدون الرواية الإسرائيلية بأن هذه البلاد هي إسرائيل.
شخصيا أفضل تعبير عربي فلسطيني حامل الجنسية الإسرائيلية. فثقافيا وشعوريا إننا ننتمي إلى العالم العربي ونرى أنفسنا جزءا من الشعب الفلسطيني. لكننا أيضا نحمل الجنسية الإسرائيلية ومن أموال الضرائب التي ندفعها يتم تمويل الجيش وبناء المستوطنات (التي نعارضها لكن هذا لا يغير هذه الحقيقة المؤلمة) وهي حقيقة يبدو أن مناضلي المكاتب المكيفة نسوها(أو فضّلوا تناسيها.. القضية معقدة!
هنا لا بد لي ان أذكر أنني من المؤمنين بالحل السلمي رغم انني لا أرى أنه ممكن في المستقبل المنظور... لكن يقال أن أحلك ساعات الليل هي تلك التي تسبق الفجر.
عذرا على طول رسالتي لذا سأختصر النقاط التالية بسرعة (مجرد شذرات خطرت ببالي):
بالنسبة لترجمة كتاب جورج خليفي فهنالك نائل الطوخي (أعرفه من مدونته فقط) وإمكانية أن يقوم أحد من عندنا بذلك. ربما لو توفرت منحة تفرغ لقام جورج خليفي بنفسه بالترجمة. على كل حال علينا أن ننتظر ونرى رأيت أنك تخطط لكتابة مقالة عن "زيارة الفرقة الموسيقية" وأردت لفت
انتباهك إلى أن عنوان الفيلم العربي (بحسب ما ظهر على الشاشة) هو العرض الأخير - ليس ترجمة حرفية للعنوان العبري.
قرأت أنك كنت رئيسا لنقابة النقاد المصريين. وقد سمعت عن مجلتهم "عالم السينما" التي تبدو لي مجلة جدية. لم أجد للمجلة موقعا على الشبكة. برأيي إن كنت تعتقد أن النقابة لا تمانع بنشرها على الإنترنت ولكن تتورع عن ذلك لأسباب تقنية.. أردت إعلامك بوجود برامج إدارة محتوى حرة، مجانية ومفتوحة المصدر.. هنالك مجموعة شباب مصرية تشجع البرامج المفتوحة المصدر وقد تسعد لمساعدة النقابة، منها مجموعة البطاريق تأكل الطعمية. لا علاقة لي معهم (من قريب أو بعيد) ولكنني من المتحمسين للبرامج والمحتوى الحرين. على كل يمكنني تزويدك بتفاصيل إضافية إن أبديت اهتماما.
تحياتي
=================================================
وصلتني الرسالة التالية من الزميل الناقد الأستاذ أحمد فايق من القاهرة:
أستاذ أمير ياريت تقرا جورنال "الفجر" على الانترنت الاسبوع القادم عمود خاص فى باب شبكة الاخبار لأنى كاتب عنك فى الفقرة التالية :
"الناقد أمير العمرى هو المصرى الوحيد فى الدورة الـ62 لمهرجان كان السينمائى الدولى الذى يشارك فى لجنة تحكيم جمعية النقاد الدوليين، أمير يعمل فى الـ"بى بى سى " وله كتابات هامة فى السينما ، تتمتع مقالاته بجرأة شديدة ومصارحة أهم نفتقدها كثيرا مؤخرا، ورغم ذلك لم نرى إحتفالا يستحق هذا الحدث الهام ، ربما لانه صريح وجرئ وليس مندوبا للعلاقات العامة!"
* شكرا ياعزيزي أحمد.. في العادة لا أنشر المديح الشخصي الذي يصلني ولا حتى المديح المباشر في مدونتي ما لم يتضمن إشارات محددة إلى بعض المواضيع المنشورة، لكن بما أنك نشرت ما كتبته على الملأ فقد خرج عن يدي وأصبح مشاعا.
===============================================
* الاستاذ امير العمري بعد التحية والسلام:
ارسل اليك هذه المقالات تباعا والتي امتنع الاستاذ صلاح عيسي رئيس تحرير جريدة القاهرة عن نشرها لأسباب لا افهمها حيث اعتبر هو والعاملون بالجريدة انني شتمتهم بمقالة امتدح فيها مقالا للاستاذ ايمن الحكيم رغم اني اوضحت انني اتحدث عن وصف عام لما آلت اليه الكتابة المصرية الان ولم أقصد اشخاصا بعينهم لكن البعض من اصحاب البطحة علي رؤوسهم استطاعوا تاليب رئيس التحرير ضد مقالاتي الاخري والتي سارسلها لكم فان رايتم انها تستحق النشر في مدونتكم او في اي مكان اخر ترونه اكون عاجزا عن الشكر.
علي عوض الله كرار

* رغم أن هذه المدونة ليست مفتوحة لكتابات الآخرين لكنني سأحاول نشر موضوعك عن المخرج والناقد الكبير الراحل أحمد كامل مرسي (كان أول رئيس لتجمع النقاد المصريين في 1972)، كما سأنشر مقالك المثير للجدا عن فيلم "واحد صفر". ولكن امنحني بعض الوقت. وشكرا على الثقة.
================================================
* مساء الخير أستاذ أمير
سعدت جدّا بالاطّلاع على مدوّنتك لأنّى فعلا أفتقد القراءه لناقد له رأى مستقل و محترم .. و بما أن المدوّنه -ما شاء الله- تحوى الكثير و الكثير ممّا أود الاطّلاع عليه بشكل منتظم و دائم كنت أتساءل هل تفكّر فى إصدار ما بها من مواد فى شكل كتاب يمكن شراؤه و الاحتفاظ به فما بها من مادة أولى كثيرا بالحفظ و الاسترجاع من كثير من المواد التى تنشر على أنّها نقد سينمائى لكنّها محبظه للغايه و مخيبه للآمال بشدّة سأكون فى غاية الامتنان لو تمكّنت من الرد على استفسارى فى الوقت الذى يناسبك .شكرا مرّه أخرى على ما تكتب.
منى محمود
* ردي على رسالة الأستاذة منى الذي أرسلته إليها مباشرة على بريدها الالكتروني:
عزيزتي منى:تحديدا بسبب استقلاليتي وآرائي الحرة أصبحت لا أجد حتى صحيفة تقبل نشر مقالاتي في بلدي مصر.. كانت "البديل" تنشر لي بانتظام إلى أن توقفت بكل أسف.. الآن أنت تفتحين موضوعا كالجرح العميق.. لدي ثلاثة كتب جاهزة للنشر تضم الكثير مما نشر في المدونة وما لم ينشر لكن هل لديك ناشر.. الأستاذ بلال فضل ارسل إلي منذ فترة يقول نفس كلامك ويبدي استعداده للمساعدة مع دار الشروق.. لكن هؤلاء لا ينشرون إلا لمن يعرفونهم شخصيا ولا يقبلون نشر كتب عن كتابات أو مقالات في السينما لأنها في رأيهم أدنى من الأدب، ويريدون دراسات عميقة موسعة نظرية مكتوبة بلغة غير مفهومة، وكلما كانت غير مفهومة كانت أهم وأرقى، خصوصا لو كان كاتبها أكاديميا أو من هؤلاء و(هاته) الذين كُتبت لهم رسائلهم العلمية في السينما وغير السينما.. النقد التطبيقي غير موجود عند هؤلاء (لكنهم يرحبون بنشر كل تفاهات الأعمدة الصحفية اليومية في كتب لأنها تمس الشأن السياسي العابر المباشر والأمثلة بالمئات) وهم يريدونك أن تقضي عشر سنوات من عمرك (كما فعلت أنا في كتابي الأول سينما الهلاك) تبحثين على نفقتك الخاصة ثم تسلميهم المادة (في نحو 400 صفحة) لكي يتباهوا بنشرها كما فعلت دار سيناء ثم لا تدفع لي مليما واحدا رغم العقد الموقع بيننا.وأضطر للذهاب إلى القضاء للمطالبة بالحق المفروغ منه الذي أتقاضاه بعد ثلاثة سنوات من التقاضي ونفقات المحاماة. أما النشر مجانا فهو أيضا يخضع لاعتبارات معينة.نحن لدينا في العالم العربي بكل أسف لصوص يسمون انفسهم ناشرين وأنا أفضل نشر دراسة مثل تلك (عن فيلم ايليا سليمان) التي نشرتها للتو في مدونتي على أن يتاجر بها اللصوص (في المجلات العربية وغيرها) ولا يدفعون مقابلا لها أو يؤجلون نشرها لعدة أشهر إلى أن تموت بالسكتة القلبية.. افضل نشرها مجانا للناس وأسعد فقط بأن أتلقى رسالة مثل رسالتك تؤكد لي أنني حر وأنني أقدم خدمة لقارئي المفترض وهو موجود..
مرة أخرى هل لديك اقتراح محدد بالنشر عن طريق ناشر محترم يقدر المادة حتى مجانا!!!السيدة فاطمة البودي الناشرة المعروفة (دار العين) ابدت اهتماما شديدا قبل فترة وبعد أن أرسلت لها مادة كتاب عن السينما العربية امتنعت عن الرد، لعل "عين" أصابتها!كفانا تضييع وقت وراء أوهام. أنا سعيد بما أفعله ولا أحتاج مالا من أحد..تحياتي
أمير العمري

السبت، 30 مايو، 2009

مشكلة الأفلام الفائزة بجوائز مهرجان كان

من فيلم "كيناتاي" الفليبيني

في مقال سابق أبديت اعتراضي على فوز عدد من الأفلام في مهرجان كان بجوائز، وقلت إن نتائج التحكيم، خصوصا في المسابقة الرئيسية للأفلام الروائية الطويلة، جاءت مخيبة للآمال، ويتعين علي أن أفسر لماذا كان موقفي هذا.
لقد سبق أن أبديت رأيي باختصار في فيلم "الشريط الأبيض"The White Robbon الحاصل على "السعفة الذهبية" وقلت إنني وجدته عملا تقليديا ثقيلا على النفس والعين، وإنه لا يحمل أي جديد فيما يتعلق باللغة السينمائية بل ولا يمكن اعتباره من أفلام الرؤية لأنه باختصار، لا يحمل أي طموح في الشكل أو حتى في طريقة السرد السينمائي. وبالمناسبة "الشريط الأبيض" عبارة كانت تشير إلى "النقاء"، وهنا يمكن أن تكون مقصودة في الاشارة للنقاء العرقي.
أما فيلم "كيناتاي" Kinatay الفلبيني (ومعناها "الذبح" أو المذبحة)، فهو قد يكون من أكثر الأفلام التي شاهدناها عنفا بل وإغراقا في العنف. إنه يصور فساد الشرطة في مانيلا وما وصل إليه هذا الفساد من إيغال في الجريمة والعنف، من خلال عيني فتى في بداية حياته العملية في سلك الشرطة السرية، يجد نفسه وسط مجموعة من عتاة الشرطيين أو بالأخرى، المحرمين الذي لا يتورعون عن ابتزاز مروجي المخدرات والعاهرات مثل "مادونا" التي يعتقلونها ويأخذونها بعيدا إلى بيت منعزل في بلدة أخرى، لتعذيبها بشتى الطرق بسبب تقاعسها عن دفع الإتاوة المطلوبة مقابل حمايتها من جانب وحدة الشرطة السرية، ثم ذبحها وتقطيع أوصالها إربا في مشاهد من أبشع ما صورته السينما.
الفيلم مصور باستخدام أسلوب السينما التسجيلية: كاميرا مهتزة متحركة، لقطات خافتة الإضاءة مصورة داخل ديكورات طبيعية، ممثلون يؤدون كما لو كانوا يقومون بأدوارهم في الواقع، ولقطات صادمة.
الفيلم الذي يعكس ملامح الصدمة على ذهن ونفسية الشرطي الشاب المبتديء، لا ينتهي بصاحبنا وقد خرج كما دخل إلى هذا العالم القاسي الغريب الذي يسبب له الدوار، بل بعد أن أصبح عمليا، أكثر صلابة وقدرة على التحمل، مما يشير إلى أنه سيصبح مثل الآخرين، خصوصا بعد أن نال مكافأة مالية من رئيس وحدة الشرطة الذي قدم في الفيلم كما لو كان رئيسا لعصابة من القتلة والمجرمين.
لا يوجد شيء جديد في كل هذا سوى القسوة الشديدة الواضحة في مشاهد التعذيب والتنكيل، أما أسلوب ولغة الإخراج وطابعه التسجيلي فلا جديد فيها.
وحصل فيلم "حمى الربيع" The Spring Fever الصيني للو يي على جائزة أحسن سيناريو، ولا ندري حقا أي سيناريو هذا الذي تشيد به لجنة التحكيم، فهو سيناريو بدائي يدور حول ثلاثي تقليدي: الحبيبان والزوجة، والحبيبان هنا اثنان من المثليين الصينيين الذين يرتبطون معا بعلاقة حسية حميمية ساخنة، ويصورهما الفيلم في مشاهد "جرافيكية" مباشرة شديدة الوضوح وهما يمارسان الجنس بل ولا يتورعان عن المضاجعة حتى في الأماكن العامة، كما يصور غيرة الزوجة على زوجها ورغبتها في إفساد العلاقة بينه وبين ذلك "الآخر".
ويدور الفيلم في أوساط الشواذ الذين يكشف عنهم في مشاهد شبه تسجيلية، تدور في أوكار الشذوذ في بكين. وهو بهذا التصوير "السري" الذي دار بعيدا عن عيون السلطات الصينية، أصبح فيلما سياسيا بدرجة اساسية، لأنه يعكس أجواء التخفي والمطاردة التي يعيشها المثليون في الصين.
وهو في هذا شأنه شأن الفيلم الذي يحمل اسم إيران، وهو في الحقيقة من الانتاج الفرنسي بالكامل، أقصد فيلم "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية" للمخرج بهمن قبادي، الذي صوره مخرجه أيضا سرا في العاصمة الإيرانية وضواحيها.
هذا المخرج تحديدا سبق لي أن كتبت عن فيلمه السابق البديع "نصف القمر" Half moon الذي يدور حول موسيقار كردي طاعن في السن هو "مامو" يرغب في الرحيل من كردستان ايران إلى كردستان العراق لتقديم موسيقاه هناك التي حرم من تقديمها منذ 35 عاما (أي منذ سيطرة البعث وصدام حسين على الحكم) في حفل كبير ينتظر أن يكون بحق احتفالا كبيرا بعودة الحرية.
غير أنه يتعين على "مامو" أولا أن يجمع شمل أبنائه العشرة، وهم في الوقت نفسه أعضاء فرقته الموسيقية، ويجد أيضا وسيلة تنقله إلى أعالي الجبال عبرالحدود، بمن فيهم "هشو" مغنيته الوحيدة التي تعرف ألحانه وتستطيع أداءها. غير أنه ليس مسموحا للمرأة بالغناء في إيران، ويتعين بالتالي أن يقوم مامو بإخفاء المغنية في مكان ما في الحافلة.

من فيلم "القطط الفارسية"

وفي الطريق تقع الكثير من الأحداث: يتعرض البعض للسرقة، وتقبض الشرطة على بعض الأبناء بعدهم إلى داخل البلاد بدعوى عدم حملهم تصريحا بالخروج معهم، ويصادر حراس الحدود الإيرانيين الآلات الموسيقية للفرقة ويحطمونها، ويقبضون على المغنية ويعيدونها من حيث أتت رغم توسل مامو واحتجاجه. ويلقى مامو مصيره قبل أن يحقق هدفه.
كان هذا الفيلم يعبر بصدق عن الثقافة الخاصة للمخرج ويعكس وعيه بقضية شعبه، تماما كما كان فيلمه الأسبق الرائع "زمن الجياد السكرانة" (2000).
أما فيلمه الجديد فقد أخرجه رغم منعه من العمل في إيران، لذا دار تصويره سرا، ولكن أيضا لأنه يصور كيف تسيطر موسيقى "الروك" الغربية على الكثيرين من الشباب الايراني، وتصبح قضية وجود، بل وحلما من أحلام المتشبثين بها، يرغبون بكل الطرق، اقامة حفلاتهم الخاصة في دولة تمنع مثل هذا النوع من الموسيقى والغناء بل وتحظر غناء النساء.
ولا يدعو الموضوع أصلا إلى التعاطف لأن "ابطال" هذا الفيلم الضعيف لا يعبرون عن تمسكهم بهويتهم بل يريدون بالأحرى، التخلي عن هويتهم التي تتأصل في الموسيقى الإيرانية والغناء الفارسي، لحساب التشبث بالموسيقى الغربية وايقاعاتها. وهي ليست في الحقيقة موسيقى أو أغاني "احتجاجية"، بل أحيانا أيضا تتردد كلماتها بالانجليزية وفي سياق عاطفي!
ويعاني الفيلم من الضعف الواضح في السيناريو بسبب فراغه واعتماده على ما وقع لشخصين في الواقع، دون اكسابه مادة درامية صلبة جيدة، ويختلق شخصية اليهودي "ديفيد" الذي كان يساعد البطلين على الهجرة إلى الخارج، إلى بريطانيا تحديدا، من أجل تقديم أغانيهما من نوع "الروك" أمام الجمهور اللندني، إلا أن السلطات الإيرانية تقبض على ديفيد، ثم تهاجم المنزل الذي يقيم فيه عشاق الروك الايراني حفلا موسيقيا مما يؤدي إلى انتحار البطل بعد ان يلقي بنفسه من النافذة.. فيالها من قضية تلك التي يموت من أجلها أولئك المناضلون من أجل الموسيقى الغربية والغريبة على الثقافة الإيرانية!
المشكلة الواضحة هنا لأي مشاهد هي أن قبادي خرج من بيئته الطبيعية في كردستان، ومنطقة الحدود مع العراق، وفقد بالتالي معرفته الوثيقة بجمالياتها: الضوء والتكوين والمحيط الطبيعي أي الفراغ والإيقاع الخاص بالمنطقة وسكانها بل واللغة أيضا، وبدا وكأنه يصنع فيلما دعائيا عن عالم لا يعرفه، وعن موسيقى لا يؤمن بها حقا. هذا الفيلم مصنوع صنعا من أجل إرضاء الدوائر الغربية في حملتها السياسية ضد الدولة الإيرانية، ولذلك فالفيلم يفتقد إلى الصدق الفني، ويبدو اطول كثيرا من موضوعه، بل ويشيع فيه أسلوب الإعلانات التليفزيونية والأغاني المصورة، والخلل في إيقاعه العام، بسبب الاستطرادات والتنويعات التي يقدمها على نفس النغمة طيلة الوقت. والغريب أن يفوز هذا الفيلم في كان بجائزة خاصة من لجنة تحكيم قسم "نظرة خاصة".
أما جائزة لجنة التحكيم فقد حصل عليها فيلم "حوض الأسماك" Fish Tank البريطاني وهو يستحقها دون شك، لكنه تقاسمها مع فيلم آخر هو "عطش" لبارك تشان ووك من كوريا الجنوبية، وهو فيلم اثار استياء الجميع، فهو يروي قصة تحول قس إلى مصاص دماء، ويبدو مثل "نكتة" طويلة سخيفة، واعتبر من أسوا أفلام المسابقة.
لكن "التوازنات" الضرورية داخل لجنة التحكيم التي ضمت خمس ممثلات أدت إلى اقتسامه الجائزة، وهكذا خرجت أفلام مثل "الانتصار" Vincere و"البحث عن إريك" Looking for Eric و"الحشائش البرية" Wild Grasses و"عناقات مهشمة" Broken Embraces من مولد كان بلا جوائز!
وخلاصة القول أن مسابقة مهرجان كان التي شهدت تنافسا ساخنا بين عدد من الأفلام الجيدة، انتهت بنتائج هزيلة بعيدة تماما عما هو متوقع ومنتظر.

الجمعة، 29 مايو، 2009

من رسائل الأصدقاء 2

* الصديق "سامي" وهو فلسطيني يعيش في بلده (التي أصبحت اسرائيل بعد 48) الذي كنت قد نشرت رسالة منه من قبل لم يذكر فيها اسمه (موجودة في مكان ما أسفل هذه الصفحة لأن النشر) بعث الرسالة التالية:
"أنا طالب جامعي ممن يطلق عليهم عرب الداخل... أحب السينما الجادة رغم أنني لا أعتبر نفسي ذي ثقافة سينمائية كافية... أحاول مشاهدة الأفلام كلما سنحت لي الفرصة. أنا مهتم بشكل عام بالسينما العربية الجادة (يوسف شاهين، توفيق صالح، ميشيل خليفي وغيره من المخرجون الفلسطينيون الجدد الخ...) أحاول قدر المستطاع أن أشاهد هذه الأفلام ولكن لا تسنح لي الفرصة دوما... مثلا فيلم المخدوعون (لتوفيق صالح وفيلم حيفا (لا أعلم المخرج.. ربما رشيد مشهراوي كان من بطولة محمد بكري) شاهدتهم في صغري في أحد المهرجانات المحلية وأحاول الحصول عليهم لإعادة مشاهدتهم دون جدوى. أفلام علي نصار (مثل درب التبانات) أحاول مشاهدتها -وهي كما سمعت أبسط من الناحية الفنية وتعد من صنف الواقعية الاشتراكية- ورغم كونها "عرضت تجاريا" في إسرائيل (ربما دار سينما واحدة لمدة قصيرة) لكن لا إمكانية للحصول على الدي في دي الخ...
على فكرة هنالك كتاب قيّم عن السينما الفلسطينية كتبه جورج خليفي (وهو أخو ميشيل الأكبر ويعمل في التلفزيون الفلسطيني على ما أظن) لكنه كتب في العبرية لأنه كتب خصيصا من أجل دورة عن السينما الفلسطينية في إحدى الجامعات الإسرائيلية. لنضع جانبا لبرهة قضية التطبيع والمقاطعة فالكتاب بحسب تقييمي ممتاز ومكتوب من وجهة نظر محايدة دون ان يكون متأثرا بالفكر الصهيوني أو اعتذاريا... به استعراض تاريخي وتحليل لتاريخ السينما الفلسطينية. ترجمة عنوان الكتاب مشهد في الضباب. برأيي سيفيد لو ترجم إلى العربية...
الآن بالنسبة لقضية التطبيع فلا شك بأنه أسلوب مشروع لمقاومة إسرائيل لكنني أرى أن تنفيذه يشوبه الأخطاء فتتم أحيانا مقاطعة فنانين من عرب الداخل مثلا بينما تقوم علاقات تبادل تجاري مع شركات إسرائيلية. على معارضة التطبيع التركيز بشكل أساسي على الاقتصاد (إذ أن هذا ما يؤثر على متخذي القرار) أما المقاطعة الثقافية فبرأيي يجب التعامل معها بحذر من ناحية نقاطع المؤسسة والمؤيدين للصهيونية (وأيضا اليسار الصهيوني) ولكن يجب العمل مع الجهات المعادية للصهيونية (على قلتها بين اليهود) ومحاولة إحداث تأثير داخل المجتمع الإسرائيلي. هذا رأيي على كل حال ولك رأيك بطبيعة الحال. يؤسفني أحيانا الجهل العربي بالمجتمع الإسرائيلي بل يؤسفني عدم وجود مثلا دورات عن السينما الفلسطينية في الجامعات العربية (ولذا أعتقد أن ترجمة كتاب جورج خليفي سيكون مفيدا).
أتمنى أن تعتبرني "صديقا للمدونة. وأنتظر المزيد من مقالاتك. تحياتي".
• عزيزي "سامي" أشكرك على هذه الثقة الغالية وأتمنى أن يستمر الحوار بيننا الذي كان قد بدأ بعد نشر مقال قديم لي هنا هن فيلم "عطش". سبق لي أن التقيت بجورج خليفي قبل حوالي 18 سنة في مهرجان قرطاج السينمائي وكان مشاركا فيه كمنتج لأحد الأفلام الوثائقية على ما أتذكر. لا أعرف كيف يمكن ترجمة كتابه الذي تشير إليه عن السينما الفلسطينية إلى العربية وإصداره. أتفق معك في أن هناك خلطا كثيرا يشوب موضوع مقاطعة التطبيع، وقد سبق أن كتبت تفصيلا في هذا الموضوع بصراحة لكن مقالي منع من النشر في أكثر من جهة من قبل الصحف المؤدلجة ثم من عرب الخيار السهل (أي الصراخ والاتهامات الجاهزة). وأعلنها من هنا بشكل مباشر وواضح: العداء يجب أن يكون للصهيونية أولا وأساسا، وضد كل ممارساتها. وهذا أساس كتابي "سينما الهلاك".
أهلا بك صديقا للمدونة وصديقا شخصيا لي أيضا، ولنستمر في الحوار.
=========================== ========================
* رسالة من قارئة تقول فيها إن تيم الحسن سيكون أفضل ممثل في السينما المصرية وإنه سيتفوق على كل نجوم مصر وإنه خليفة محمود مرسي وتبدي رفضها لما أبديته من رأي في أدائه في فيلم "ميكانو" الذي تناولته بالتحليل قبل فترة. أقول للقارئة المتحمسة أتمنى كل التوفبق لتيم الحسن وغيره من الممثلين المبتدئين الذين يشقون طريقهم في عالم النجومية في السينما المصرية، ولكن حماسك الشديد ليس معناه أنني سأقتنع بأن أداءه في "ميكانو" لم يكن باهتا وبلا أي ملامح خاصة.. ورحم الله محمود مرسي ألف رحمة!
========================= =========================
* رسالة من قاريء فلسطيني من داخل الخط الأخضر (لا يريد أن يذكر اسمه) يقول فيها:
"أتساءل هل تلعب الحسابات السياسية والتوازنات هذا الدور الكبير في الجوائز بمختلف المهرجانات الكبيرة؟ أم أن هذه حالة خاصة؟ ذكرت في تعليقك الأفلام الإسرائيلية وما فهمته من الإعلام أن إثنين منهم كانوا عن العرب (فيلم عجمي عن حي عربي في يافا وفيلم عن فلسطينيين في الخليل يحاولان التسلسل أثناء منع التجول).. ما تقييمك لهما فنيا أولا ثم سياسيا هل يقعا في خانة اليسار الصهيوني أم أن المخرجين تجاوزا الخطاب الصهيوني المجمل".
إجابتي على الشق الأول من السؤال أنه التوازنات عامل اساسي في كل لجان التحكيم (من خلال خبرتي الشخصية فيها) وهي في النهاية تعكس محصلة الذوق الخاص بأعضاء لجنة مكونة من سبعة أو تسعة اشخاص ومدى التوافق أو التنافر فيما بينهم، وتتميز الجوائز كلما كان أعضاء تلك اللجنة من السينمائيين المشهود لهم، وتنحدر مع انحدار مستواهم أو قلة خبرتهم السينمائية كأن يأتون لك بممثلة مبتدئة من هونج كونج لتقييم أفلام العمالقة مثلا. ولكن عموما التوازنات موجودة، وأحيانا أيضا التوجهات السياسية السائدة كأن يكون المناخ الشائع مثلا هو انتقاد السياسة الإيرانية (في الماضي كانت أفلام نقد الاتحاد السوفيتي يحتفى بها في مهرجانات الغرب).
أما بالنسبة لسؤالك الخاص بالأفلام الإسرائيلية في المهرجان فسأنشر قريبا جدا مقالا يتناولها بشكل ما فقد شاهدتها كلها.
========================== =========================
* الأستاذ محمود الطويل بعث يسألني عن أحدث كتبي. وهل انتهيت من الكتاب الذي أشرت إلى أنني أعمل فيه؟
أشكرك على اهتمامك بالأمر.. طبعا اضطررت لقطع العمل في الكتاب وهو سيستغرق بعض الوقت حتى يكتمل لكن هناك كتاب قادم في الطريق آمل ان يصدر قريبا وهو يضم الكثير من الذكريات الشخصية في دنيا السينما، وكشاهد على الكثير من الأحداث والأشخاص أيضا.
========================== =======================
* الصديق حسن سليمان يسأل: هل كانت جوائز النقاد في مهرجان كان بالترتيب: أولى وثانية وثالثة، وهل فيلم "أمريكا" حصل على الجائزة الثالثة؟ وهل يتم تقسيم النقاد أعضاء اللجنة حسب الأقسام؟
الإجابة على هذا السؤال هي أن جوائز النقاد ثلاثة جوائز في مهرجان كان لكنها ليست أولى وثانية وثالثة بل متساوية في قيمتها، لكنها تمنح حسب الاقسام المختلفة. وبالنسبة لتقسيم النقاد نعم يتم تشكيل ثلاث لجان داخلية مصغرة لكن من حق أي عضو في أي لجنة أن يتدخل ويقول رأيه في الأفلام التي تناقش في أي لجنة مصغرة أخرى بل ومن حقه أيضا التصويت. وهذا معروف لكل من سبق له الاشتراك في هذه اللجان الدولية للنقاد في المهرجانات الكبيرة التي تشكل فيها لجان مصغرة من داخل اللجنة الرئيسية بغرض تركيز جهد المشاهدة، ولكن لا أحد يمنع الرأي والتصويت على أي فيلم آخر يكون قد شاهده. وكل الأعضاء في النهاية يوقعون على كل شهادات منح الجوائز الثلاث ولا تعد الجائزة معتمدة إلا بتوقيع كل أعضاء اللجنة.
===================================================
*الصديق عمر منجونة بعث يقول: هناك شئ لا أفهمه بالنسبة لجوائز كان وربما المهرجانات بشكل عام: ان كان أحسن مخرج هنا هو (ميندوزا) وأحسن كاتب سيناريو هو (لو يى) فأى فرع بالضبط من فروع الابداع السينمائى هو المسؤول عن فوز مايكل هانيكه بالسعفة؟
بالطبع خالص التحية أستاذ أمير على مجهود حضرتك فى متابعة فعاليات (كان) هذا العام وعلى مقالاتك النقدية المثمرة.
عمر منجونة.
* عزيزيي عمر: سؤالك في محله تماما خصوصا بالنسبة لجائزة الاخراج
التي لا أجد لها أي مبرر في أي مهرجان وليس فقط في كان لأن من الطبيعي أن يكون أحسن اخراج هو أحسن فيلم والعكس صحيح أيضا، لأن الاخراج يفترض أن يسيطر على كل العناصر الفنية للفيلم. لكن منطق تقسيم الجوائز على هذا النحو في كان وغير كان (خصوصا في الأوسكار الأمريكاني الذي يمنح جوائز مضحكة مثل احسن مونتاج صوت ومكساج صوت ومؤثرات بصرية خاصة وما إلى ذلك كما لو كانت العناصر التقنية تقصد في حد ذاتها ولا توظف أساسا لخدمة الفيلم ككل وهو عمل المخرج. لكن عموما هذا التقسيم يعتمد على فكرة أن أحسن فيلم (السعفة الذهبية) يفترض أن يكون كامل المعاني من جميع النواحي الفنية، أما في حالة منح جائزة احسن اخراج فيفترض أن يكون الفيلم متميزا فقط في الاخراج (أو في السيناريو في حالة أحسن سيناريو) ولكنه ربما متوسط في العناصر الأخرى.. أو غير بارز تماما.
أنا شخصيا لا أفهم منح جوائز من هذا النوع وهي على أي حال مستحدثة على مهرجان كان تحديدا وغيره من المهرجانات الكبرى، فقد كانت الجوائز في الماضي تقتصر على أحسن فيلم وتمثيل وجوائز خاصة فقط للأفلام ككل. وعلى أي حال ولكل ما ذكرته من أسباب لا يمنح النقاد عادة جوائز سوى لأحسن الأفلام، ويشترط الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي) منح جائزة واحدة لأحسن فيلم في المسابقات المحلية التي تقام في الدول أعضاء الاتحاد من خلال جمعيات النقاد، وهو ما تسير عليه مثلا في مصر جمعية نقاد السينما المصريين، وإن كان الاتحاد يمنح ثلاث جوائز في كان بسبب تعدد الأقسام والمسابقات. ولكن هذا أيضا لا يمنع من أن هناك جهات كثيرة (منها جمعية الفيلم في مصر مثلا) تقوم بتقليد الأوسكار وتمنح جوائز متعددة حتى لأفضل الملصقات السينمائية. والجميع يفضل السير على منوال الدعاية وحشد أكبر عدد من الأسماء والنجوم وارضاء اكبر عدد منهم واتخاذ المهرجان أو المسابقة كظاهرة دعائية وليس كتقييم فني حقيقي. وهذا أمر يتعلق بصميم السؤال التالي الذي ورد في الرسالة التالية (أسفل هذا الكلام) حول هل السينما تسلية أم ثقافة. وأنا أنتمي لجيل حاول أن يجر السينما دوما إلى محيط الثقافة وأن يتعامل معها على هذا الأساس، ولكن هل نجحنا؟ لا أعرف!
=================================================
وصلتني الرسالة التالية من الأستاذ ليث الربيعي:
السلام عليكم..
رحلة موفقة الى مهرجان كان .. وعودا احمد.
اثارني كلام احد النقاد المفاجيء لك ولي وهذا تعليقي..
فعلا انها مفاجأة... فالسؤال الاثير الذي دائما ما كانت اجابته خاطئة.. السينما هل هي فن ام ثقافة؟
في الكلية ايامذاك دخلت نزاعات ونقاشات كثيرة وكبيرة حول اجابتي واصراري على ان السينما (ثقافة) بل عوالم ثقافية صارت تمتزج فيها كل اشكال التعبير الانساني وتقدم بصيغ وابداعات مختلفة ومادتها دائما الصورة والصوت (اللقطة والحوار).
السينما فعلا ثقافة.. وعالمنا العربي ينظر لها بعين قاصرة ويصنفها على انها فن حالها كحال الاغاني الهابطة والرقص الماجن ولا ترقى لللوحة التشكيلية او المسرح.
نحن بحاجة الى السعي لتغيير المفاهيم الصدئة التي تلبذ السينما وتعتبرها متعة او لذة وقتية تزول سرعان ما ينتهي الفيلم بل اننا بحاجة الى دعوة الجميع لارشفة انطباعاته عن الافلام.. ونحن مدعوين لتقريب المسافات بين المشاهد العادي والفيلم الغير عادي.
ادعوك استاذ امير لفتح نقاش عام عن (السينما..ثقافة).

تحياتي
ليث عبد الكريم الربيعي
==================================================
تعليقي على رسالة الأخ ليث أولا أن الذي أدلى بالتعليق الطريف ليس "ناقدا" بل من صحفيي المهرجانات الذين انتشروا كثيرا في الفترة الأخيرة لأسباب لا علاقة لها بالاهتمام بالسينما أو قضاياها أو مهرجاناتها، بل بالجري وراء صور النجوم. وقد عرفت صحفيين (اثنين) جاءا ذات مرة إلى مهرجان سينمائي عربي فقط من أجل متابعة أخبار الميلياردير إيهاب طلعت وزوجته المغنية شيرين وجدي وتصويرهما.
ثانيا: عن قضية السينما: هل هي ثقافة أم فن، رأيي أنها الاثنين معا، ثقافة وفن، بل وصناعة وتجارة. لكن دور الناقد السينمائي المشغول بقضايا السينما، والذي يتعامل معها بجدية (ليس فقط باعتبار أنها من وسائل التسلية) يتعين عليه أن يدافع عن دورها الثقافي، وأن يطالب بتغليبه على دورها كأداة للتسلية، فهذه هي وظيفة النقد: أن يكون جزءا من ثقافة المجتمع ويتعامل بالتالي مع السينما في علاقتها بالفنون الأخرى وبالمنتج الثقافي في المجتمع ككل: المسرح والرواية والشعر والموسيقى والفن التشكيلي، ويتعين عليه أيضا الاستفادة من كل هذه الفنون والآداب. ولكن بسبب تدني النظرة السائدة إلى السينما عموما في المجتمع العربي، لاتزال السينما تنحصر فقط في اطار "التسلية" أو "صناعة التسلية" وهناك من يروجون لذلك بقصد الاستفادة من أصحاب "المنتجات" السينمائية وصناعها، فهؤلاء بكل أسف، يتعيشون على تلك المنتجات الفارغة، ويوظفون بالتالي كتاباتهم من أجل تحقيق المكاسب الشخصية (المادية أساسا).
لكني أنتهز هذه الفرصة وأدعو من خلال هذه المدونة المتواضعة، إلى مناقشة قضية السينما: ثقافة أم تسلية باسم الفن؟
في انتظار مداخلات الإخوة والأصدقاء المهتمين، على أن ترسل المداخلات على بريدي الالكتروني amarcord222@gmail.com

الخميس، 28 مايو، 2009

"أمريكا" الفيلم الفائز بجائزة النقاد في مهرجان كان

كان فيلم "أمريكا" Amreeka للمخرجة الفلسطينية شيرين دعبس المقيمة في الولايات المتحدة، أحد ثلاثة أفلام حصلت على جوائز لجنة النقاد الدولية في مهرجان كان السينمائي. وقد أستحق الفيلم الجائزة عن جدارة كأحسن فيلم عرض في قسم "نصف شهر المخرجين"، فهو متعة للعين وللأذن، وتجربة تتمتع بالجدية والإتقان الحرفي إلى جانب الوضوح الفكري.
فيلم "أمريكا" يبدأ في مدينة رام الله بالضفة الغربية حين تتلقى "منى" وهي امرأة في منتصف العمر، مطلقة لديها ولد مراهق، البطاقة الخضراء التي تتيح لها الإقامة في الولايات المتحدة.
البطاقة الخضراء تعد فرصة من وجهة نظرها للإفلات من المتاعب اليومية المتكررة، نقاط التفتيش، واقع الاحتلال، التوتر الحاد الذي تشهده البلاد عشية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
"منى" مع "ابنها" فادي الذي يرفض في البداية السفر إلى الخارج، حتى لا يبتعد عن أصدقائه، يفترض أن يلتحقا بشقيقتها "رغدة" المتزوجة من طبيب فلسطيني يعمل في إلينوي ولديها منه ثلاثة أبناء.
وتدور أحداث الجزء الثاني وهو الأكبر من الفيلم، في الولايات المتحدة، مع وصولهما إلى مطار شيكاغو، ثم فقدان كل مدخرات منى بعد أن تصادر سلطات المطار علبة من المأكولات كان المبلغ (2500 دولار) موضوعا معها في نفس الكيس.

بداية متعثرة
وتصل منى من البداية إلى أمريكا مهزومة بعد فقدان مدخراتها، ثم سرعان ما تشعر بثقل العيش مع أسرة شقيقتها: الزوج يعاني من انحسار زبائن عيادته بسبب تأثير الأوضاع السياسية، وتفشي الاعتداءات العنصرية مما يجعله يتسلح بما يجعله متأهبا لمقاومة أي اعتداء على منزله.
وتفشل منى أيضا في العثور على عمل يتناسب مع وظيفتها الأصلية في بلدها كموظفة في أحد المصارف، فتضطر للعمل في مطعم للمأكولات السريعة. لكنها تخفي الأمر على شقيقتها وابنها وتتظاهر بأنها تعمل في المصرف المجاور.

الطابع السياسي
الجو السياسي واضح تماما في الفيلم: انعكاس الغربة على أسرة فلسطينية تعيش في المهجر، الاعتداءات العنصرية التي يتعرض لها فادي من جانب طلاب في المدرسة، المحيط المختلف الذي يهدد بتمرد "فادي" على والدته وانسحابه بعيدا إلى حيث يتعاطى المخدرات، والمناقشات السياسية الساخنة التي تدور في حجرات الدراسة بين الطلاب.
ورغم ذلك، تنجح شيرين دعبس، وهي نفسها كاتبة السيناريو، في دفع الأحداث بسلاسة، مضفية نوعا من المرح الذي ينبع من المفارقات الكوميدية والتناقض بين الشخصيات في سلوكياتها، مما يخفف كثيرا من ثقل الأحداث وإن كان لا يلغي جدية الموضوع.
الشخصيات واضحة وبسيطة، وخاصة شخصية "منى" التي تقدم كنموذج للمرأة العادية، فهي لا تتمتع بجمال خارق بل إنها أقرب إلى البدانة، وهي تتحدث عن بدانتها وحاجتها لإنقاص وزنها بصراحة، ودون خجل، كما تضفي تلقائيتها البسيطة صدقا خاصا على الشخصية. هي مثلا تتحدث عن زواجها السابق منتقدة سلوكيات زوجها، ردا على سؤال مسؤولة الهجرة في مطار شيكاغو، ثم مع موظفة البنك الذي ترغب في العمل به.

تميز الحوار
ويتميز الحوار بوجه خاص، بالتلقائية والسلاسة وخفة الظل: هناك مثلا حوار يدور بين منى وزميلها الشاب في العمل بالمطعم حول الشطرنج.

عالية ثابت التي قامت بدور ابنة الشقيقة

عندما تعرف منى أن اسم زميلها "مات" تقول له إن معنى اسمه بالعربية "ميت" أي أنه الآن شخص ميت. وعندما تلمح قطعة من قطع الشطرنج معه تقول له إن الشطرنج لعبة عربية في الأصل، وإن الغربيين يستخدمون كلمات عربية مثل "شيخ مات" أي "الشيخ مات" دون أن يعرفوا أنها كلمات عربية.
وخلال مكالمة هاتفية بين منى ووالدتها في رام الله تقول لها الأم إنها لا تريد أن تلحق بها في أمريكا بل إنها لا تحب أمريكا، وتطلب منها إبلاغ رسالة إلى الرئيس بوش، بأن يوقف حربه على العراق ويتوقف عن دعم إسرائيل. هذه الرسالة السياسية الواضحة تقدم بنوع من المرح في الفيلم وبحيث يستوعبها المشاعد الغربي الذي صنع هذا الفيلم أساسا من أجله.
وتبتكر منى أيضا مأكولات خاصة تطور بها ما يقدم من مأكولات سريعة في المطعم الأمريكي فتدخل خلطة خاصة فيها الفلافل العربية، وهي وجبة تلقى قبولا لدى "مات" أولا، ثم لدى مدير المدرسة، المطلق مثلها الذي يبدي إعجابا خاصا بها.
وسرعان ما يتضح أنه يهودي من أصل بولندي لأسرة من المهاجرين، وهو لهذا يتفهم معاناة الأسرة الفلسطينية في المحيط العنصري.
وينتهي الفيلم نهاية مفتوحة متفائلة رغم كل المعوقات، تشير إلى أن منى ستعثر على عمل في البنك، وأن فادي سيواصل تعليمه وسيتكفل الزمن وحده بأن يجعله يتكيف مع زملائه في المدرسة الذين ينعته بعضهم بـ"أسامة" في إشارة إلى أسامة بن لادن.

براعة الأداء
شيرين دعبس في تجربتها السينمائية الأولى تبدو واثقة من أدواتها: إخراج المشاهد بحيث لا يفلت إيقاعها منها، القدرة على التحكم في الحركة الحرة للكاميرا، والإضاءة التي تنبع من مصادر طبيعية تكسب الصورة الطابع الواقعي، والشريط الصوتي الذي يتميز بالأغاني والموسيقى العربية، تأكيدا على الهوية طيلة الوقت.
وتتحكم شيرين جيدا في أداء الممثلين وعلى رأسهم بالطبع نسرين فعور في دور منى، بكل تلقائيتها، وتعثرها في نطق اللغة الإنجليزية، وتناقض صراحتها وتلقائيتها في الحديث مع الطريقة الغربية المتحفظة، وعموما أدائها من ابرز عوامل نجاح الفيلم في توصيل رسالته.
ويتميز أداء هيام عباس كعادتها، في دور الشقيقة "رغدة" بخفة ظلها، وتعليقاتها التلقائية، الساخرة حينا من الصورة المحيطة، أو الداعمة حينا آخر لشقيقتها والمشجعة لها على الاستمرار في الصمود.
وفيلم "أمريكا" أخيرا فيلم لا يدعي ولا يتظاهر، بل يكتفي بتقديم تلك الصورة الإنسانية البسيطة الدافئة لأناس عاديين يريدون العثور على مكان لهم في الحياة، ويترك المشاهد لكي يتوصل إلى استنتاجاته بنفسه.
شيرين دعبس حصلت على عدد من الجوائز والتقديرات عن الأفلام القصيرة التي كتبت لها السيناريو، قبل أن تكتب وتخرج "أمريكا" وهو فيلمها الروائي الطويل الأول.

الثلاثاء، 26 مايو، 2009

حول جوائز مهرجان كان: لماذا لم يحصل "الزمن الباقي" على السعفة الذهبية

انتظرت أن تهدأ الضجة، وتنقشع العاصفة التي أثارها إعلان جوائز مهرجان كان الثاني والستين من لجنة التحكيم برئاسة الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير، قبيل أن أكتب رأيي في نتائج المهرجان.
كان رأيي المعلن، ولايزال – في يومياتي التي كتبتها من كان- أن فيلم إيليا سليمان "الزمن الباقي" هو الفيلم الأفضل بكل المقاييس بين كل أفلام المسابقة الرسمية، فهذا عمل أصيل، ممتع، متكامل تكامل اللوحة التشكيلية التي تعبر عن مبدعها، لا توجد فيه لقطة زائدة ولا لقطة ناقصة، أمتع كل ما شاهده بعين محايدة غير متعصبة. هنا نحن أمام "رؤية" بصرية هائلة لفنان، يتوقف أمام التاريخ ليعابثه، وأمام الجغرافيا، لكي يتشكك فيما تفرضه من "حتميات" تبدو وكأنها تكرس للتناقض المزري في منطقة شديدة الخصوصية، تفرض نوعا من "التعايش" بالسلاح، والبقاء للأفضل، ومن دون أي شعارات أو بيانات سياسية.
لقد جعل إيليا سليمان من الاحتلال "مسخرة"، دون أن يغفل نقد الوضع الفلسطيني بقسوة، ولكن بحب.
هذا هو الفيلم المتكامل المتماسك في بنائه، صاحب الصورة البديعة وشريط الصوت المبهر، الذي كان يستحق، بعيدا عن أي حسابات سياسية "السعفة الذهبية" أو في أدنى الأحوال، جائزة الإخراج. غير أن منح الفيلم السعفة الذهبية كان سيفسر على أنه "تأييد" لموقفه السياسي، وكل موقف سياسي في العالم مقبول حاليا: ضد إيران (كما في فيلم "القطط الفارسية التافه الشأن وأنا أعني كلمة"تافه" هنا، وضد الصين، وضد باكستان والعرب وحتى ضد الولايات المتحدة، أما موقف سياسي ينتقد "إسرائيل" فهذا رجز من عمل الشيطان، يستعيذ منه الأوروبيون والآسيويون، بل وأتذكر أيضا أن زميلي في عضوية لجنة تحكيم النقاد هذا العام أحمد جمال (ينطقونه أحمد زامال!) كان عضوا معي أيضا في اللجنة نفسها في 2002. وعندما منحنا (بالعافية) جائزتنا لفيلم ايليا سليمان السابق "يد إلهية"، وأثناء حفل توزيع الجوائز أسر لي أحمد جمال أنه لاحظ غضب الإسرائيليين الموجودين بالحفل، وكان يرتعد فزعا وخوفا، فقلت له إن الأمر لا يعنيني ولا شأن لهم بجوائزنا، وماذا تخشى أنت، وماذا سيفعلون لنا.. إلى هذا الحد بلغ الذعر من إسرائيل والاسرائيليين حتى في أوساط نقاد السينما، وحتى لو كان الناقد من بنجلاديش (المسلمة)!.

دور السياسة
إيزابيل أوبير صرحت قبل المهرجان بأنها لن تخضع الاعتبارات السياسية للجوائز منتقدة أداء سلفها شون بن رئيس لجنة التحكيم العام الماضي.
إلا أنني أستطيع القول إن السياسة طغت على نتائج لجنة ايزابيل أوبير بل والمقاييس الشخصية أيضا لأن فيلم "الشريط الأبيض" أولا فيلم سياسي تماما، بل إن فيه نوعا من الشطط عندما يعود ليدمغ ثقافة شعب كامل هو الشعب الألماني بالعنف والقسوة والميل إلى الصدام. وهو ليس أفضل أفلام مخرجه الكبير مايكل هانيكه، وأنا شخصيا من المعجبين بأفلامه السابقة مثل "مخفي" Hidden و"الشفرة مجهولة" Code Unknown و"ألعاب طريفة" Funny Games وغيرها.

وقد كتبت انطباعي عن فيلمه الجديد "الشريط الأبيض" The White Ribbon في يومياتي من المهرجان وقلت إنه عمل ثقيل الوطأة، تقليدي، يمتليء بالحوار الطويل المرهق. ولكن المفاجأة تمثلت في أن يحصل هذا الفيلم تحديدا، الذي لم يرشحه سوى ناقد واحد على السعفة الذهبية. ويبدو أن ايزابيل أوبير ردت الجميل لأستاذها هانيكه الذي منحها الفرصة في دور البطولة في فيلم "معلمة البيانو" The Piano Teacher الذي حصلت عنه على جائزة أحسن ممثلة في مهرجان كان 2001.
أما أن يحصل فيلم ضعيف ومفتعل وسخيف من كل النواحي هو فيلم "عطش" مناصفة على جائزة لجنة التحكيم مع فيلم متميز مثل البريطاني "حوض الأسماك" Fish Tank فهذا ليس سوى إرضاء أو ترضية لعضو اللجنة الكاتب والمخرج من كوريا الجنوبية لي تشانج جونج.
ويعد حصول فيلم "كيناتاي" Kinatay الفلبيني على جائزة أحسن إخراج ترضية ثانية للآسيويين الموجودين في اللجنة وليس أهمية الفيلم أو تميزه في الإخراج، وأين هذا الفيلم من أفلام آلان رينيه أو ألمودوفار أو كن لوتش!
ويعد ذهاب جائزة أفضل سيناريو لفيلم "حمى الربيع" The Spring Fever الفرنسي (الصيني) قمة المهزلة، فهذا عمل ضعيف مفكك لا يتمتع بأي قيمة خاصة، بل كل ما أثار اهتمام المهرجان به أن مخرجه ممنوع من العمل في الصين، وأنه صور فيلمه سرا على ما يبدو بكاميرا صغيرة، وفي أجواء معتمة قاتمة، ولأنه يخترق المحظور، حين يتناول علاقة عاطفية ملتهبة بين شابين من الشواذ جنسيا (يسمونهم المثليين). ومرة أخرى فهذه جائزة سياسية في المقام الأول.
فيلم "خريطة أصوات طوكيو" The Map of THe Sounds of Tokyo لا يستحق جائزة التميز الفني بل يستحقها عن جدارة فيلم "الانتصار" Vincere لبيللوكيو الذي كان يستحق أيضا أحسن إخراج أو الجائزة الكبرى للجنة التحكيم التي ذهبت إلى فيلم أقل في مستواه من "الانتصار" وإن كان ضمن الأفلام الجيدة هو الفيلم الفرنسي "نبي" A Prophet لجاك أوديار.
التمثيل
وفي رأيي أن أفضل أداء تمثيلي نسائي في كل أفلام المسابقة كان أداء الممثلة الإيطالية جيوفانا ميزوجيورنو في فيلم "الانتصار"، لكن الجائزة ذهبت للفرنسية شارلوت جينسبرج عن دورها في الفيلم الفضائحي "نقيض المسيح" Antichrist ربما لأنها كانت الممثلة التي وافقت على القيام بذلك الدور الذي يتضمن مشاهد جنسية عنيفة مقززة، بعد أن رفضه عدد من الممثلات.
ولعل جائزة أحسن ممثل هي الوحيدة التي أجدها في مكانها تماما هنا، فقد حصل عليها الممثل النمساوي العظيم كريستوف فالتز عن دوره في فيلم "أوغاد مجهولون" Inglorious Baserds لتارانتينو.
أما جائزة الكاميرا الذهبية فحصل عليها فيلم متواضع المستوى تماما هو "شمشون ودليلة" Samson and Dalila في حين أنه كانت هناك أفلام أكثر أهمية وقوة منه مثل الفيلم الكولومبي "رحلات الريح" Voyages of the Wind مثلا.
ومن العار أن يمنح المهرجان جائزة خاصة للإسهام الفني للمخرج آلان رينيه ولا يمنحه السعفة الذهبية عن فيلمه البديع "الحشائش البرية" الذي يتفوق بلا أدنى شك على فيلم "الشريط الأبيض" القاتم السوداوي الذي لا يضيف أي جديد، سواء على صعيد النص السينمائي، أم لغة الإخراج، بل إن كل شيء فيه تقليدي تماما.
توضيح حول جوائز النقاد
بخصوص جوائز النقاد التي كنت طرفا مباشرا فيها أود أو أوضح التالي:
أولا أنني لم أكن من الذين صوتوا لمنح أحسن فيلم من أفلام المسابقة إلى "الشريط الأبيض" بل عارضت ذلك وقلت بوضوح مستنكرا الفيلم "إن مهمة المتابع للفيلم من الذين لا يعرفون الألمانية تنحصر في متابعة الترجمة المصاحبة التي لا تتوقف، وأنه عمل ممل بسبب بطء إيقاعه، وغموض موضوعه، وطوله المفرط، وأساسا لأنه لا يتمتع بنفس اللغة السينمائية العالية والحساسية التي تميزت بها أفلام مخرجه السابقة. غير أن النتائج لا تصدر عن لجنة النقاد بإجماع الأصوات بل بالأغلبية، وبالتالي لم أستطع تغيير الاتجاه، خاصة وأنني كنت من أنصار منح فيلم "الزمن الباقي" الجائزة. وعندما اتفق على حصول الفيلم الفلسطيني (الأمريكي) الآخر "أمريكا" لشرين دعبس، وهو فيلم جيد، على جائزة أحسن فيلم في قسم "نصف شهر المخرجين" اعتبر هذا توازنا مقبولا.
أما فيلم "الشرطة: صفة" Police, Adjective الذي حصل على جائزة النقاد عن أفلام "نظرة خاصة" فهو عمل بديع غير مسبوق في لغته وبنائه وموضوعه أيضا، ولم يكن هناك أي خلاف عليه.
وقد كتبت رأيي فيما عرف بـ"أفلام العمالقة" في دورة كان الـ62، وانتقدت فيلم "الشريط الأبيض" حتى قبل أن نتوصل إلى الجوائز، وأرسلت بمقالي (بالإنجليزية) إلى الناشر المسؤول في اتحاد النقاد الدولي (فيبريسي) تمهيدا لنشره في موقع فيبريسي حسبما هو مطلوب من كل عضو من أعضاء لجنة تحكيم النقاد. ويتضمن مقالي (الذي لم ينشر بعد) انتقادا لأفلام المخرجين الكبار في المسابقة التي أرى أنها، بشكل أو بآخر، لم ترق إلى مستوى أفلامهم السابقة ربما باستثناء فيلم آلان رينيه "الحشائش البرية".

الاثنين، 25 مايو، 2009

فيديو من فيلم "الشريط الأبيض" الفائز بالسعفة الذهبية

المخرج النمساوي مايكل هانيكه

مشاهدة فيلم مثل "الشريط الأبيض" للمخرج النمساوي مايكل هانيكه الحائز على "السعفة الذهبية" في مهرجان كان الأخير تقتضي قوة احتمال من نوع خاص، خاصة إذا جاءت مشاهدته وسط طوفان من الأفلام، وفي نهاية يوم مرهق، فهذا الفيلم يحتاج إلى قدر كبير من التركيز والاسترخاء والتأمل، ولا يمنع أيضا أن يشاهده الناقد أو المتخصص مرتين إذا أراد استيعاب كل جزيئاته وأراد الكتابة عنه بشكل غير انطباعي، فالفيلم في مستواه العام لا يدور من على السطح، بل عمل كامن يمتلئ بالكثير من المساحات التي تقتضي التأمل على أكثر من مستوى.
أما موضوع المتعة، أي ما اذا كان المرء سيستمتع حقا بهذا الإيقاع البطيء، واللغة التعبيرية التي تخفي الكثير، والرؤية المغالية في تشاؤميتها وسوداويتها لدرجة جعل الأطفال أيضا منبعا للشر، وللشر القادم بعد ثلاث حقب، أي شر النازية والاعتناق الالماني الكاسح لها، فهذا أمر يمكن أن نختلف حوله.
الفيلم مرهق كثيرا خاصة وأن زمن عرضه يصل إلى الساعتين ونصف الساعة، ولا أعرف ما الذي حدث للأفلام في دورة كان هذا العام فقلما جاء فيلم يقل عن ساعتين، ووصل الكثير منها إلى ساعتين ونصف الساعة، كما أن معظمها جاء مصورا للشاشة العريضة دون أن تكون هناك ضرورة فنية ملحة، بل لخدمة التليفزيون الذي أصبحت الآن المقاييس الجديدة لشاشاته هي 16 إلى 9.
على أي حال هنا مقطع من فيلم "الشريط الأبيض" يمكن مشاهدته عن طريق الفيديو عبر الوصلة التالية.

الأحد، 24 مايو، 2009

جوائز مهرجان كان السينمائي 2009


* السعفة الذهبية: "الشريط الأبيض" لمايكل هانيكه (ألمانيا)
* الجائزة الكبرى للجنة التحكيم: "نبي" لجاك أوديار (فرنسا)

* أحسن ممثل: كريستوف فالتز عن دوره في فيلم "أوغاد مجهولون" لكوينتين تارانتينو.
* أحسن ممثلة: شارلوت جينسبرج عن دورها في فيلم "نقيض المسيح"
* أحسن سيناريو: لو يي عن فيلم حمى الربيع" (الصين- فرنسا)
* أحسن إخراج: بريلانتي ميندوزا عن فيلم "كيناتاي" (الفلبين)
* جائزة لجنة التحكيم: "فيلم "حوض الأسماك" لأندريا أرنولد (بريطانيا)
وفيلم "عطش" لبارك تشان ووك (كوريا الجنوبية)
* جائزة التميز الفني التقني: "خريطة أصوات طوكيو" لايزابيل كواكست (اسبانيا)
* جائزة الإبداع الفني مدى الحياة: المخرج الفرنسي "آلان رينيه"
* جائزة الكاميرا الذهبية: فيلم "شمشمون ودليلة" لثورنتون وارويك - استراليا

* أحسن فيلم قصير: "الحلبة" لخواو سلافيزا (البرتغال)

جوائز قسم "نظرة خاصة:
* أحسن فيلم: "سن الكلب" Dogtooth ليورغوس لانثيموس (اليونان)
* جائزة لجنة التحكيم الخاصة: "الشرطة: صفة" لكورنيلو بورومبيو (رومانيا)
* جائزة خاصة: "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية" لبهمن قوبادي (فرنسا- ايران)، و"والد أبنائي" لميا هاسن لوف (فرنسا).

السبت، 23 مايو، 2009

إعلان جوائز النقاد في مهرجان كان 2009

لقطة من الفيلم الفلسطيني "أمريكا" أحد الأفلام الثلاثة التي فازت بجوائز النقاد


فوز "أمريكا" الفلسطيني و"الشريط الأبيض" و"الشرطة صفة"


أعلنت مساء اليوم (السبت 23 مايو) الجوائز الثلاث التي تمنحها لجنة من النقاد باسم الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (الفيبريسي). وجاء أفضل فيلم من أفلام مسابقة المهرجان فيلم المخرج النمساوي مايكل هانيكه "الشريط الأبيض"، وأفضل فيلم من قسم "نظرة خاصة" الفيلم الروماني "الشرطة: صفة" للمخرج كورنيللو بورونبو، والجائزة الثالثة والأخيرة لأفضل فيلم عرض في قسم "نصف شهر المخرجين" وهو فيلم "أمريكا" للمخرجة الفلسطينية شيرين دعبس، وهو فيلم عربي ناطق باللغة العربية في الأغلبية العظمى من مشاهده، وقد أنتج في الولايات المتحدة حيث تقيم المخرجة بمساعدة مالية من الكويت.
وتم إعلان الجوائز وتوزيع الشهادات على الفائزين في حفل أقيم على شاطئ الكروازيت مساء اليوم وحضره حشد من الإعلاميين الموجودين في كان.
أعضاء اللجنة الدولية للنقاد التي منحت الجوائز هم: مايك جودريدج (أمريكا)، ونجيون ترونج ينه (فرنسا)، ويانوس فروبلوفسكي (بولندا)، ومايك نافس (هولندا)، ودومنيك وايدمان (فرنسا)، وأمير العمري (مصر)، وألينن تاشيان (تركيا)، وأحمد جمال (بنجلاديش)، وإيما جراي (السويد).
أمير العمري (كاتب هذه السطور) شارك في اللجنة للمرة الثانية (الأولى عام 2002 التي منحت جائزتها لأحسن أفلام المسابقة في تلك السنة للفيلم الفلسطيني "يد إلهية" لإيليا سليمان). وقد شارك باللجنة ممثلا لجمعية نقاد السينما المصريين، إحدى جمعيتين في العالم العربي في عضوية الاتحاد الدولي (فيبريسي)، والثانية هي الجمعية التونسية.
مساء غد الأحد 24 مايو، تعلن نتائج التحكيم الرسمية لمسابقة الأفلام الروائية وأفلام قسم "نظرة خاصة" ومسابقة الأفلام القصيرة.

يوميات مهرجان كان 11

* أود فقط أن أستدرك واضيف إسم الممثل النمساوي العظيم كريستوف فالتز الذي قام بدور الجنرال في المخابرات النازية في فيلم "أوغاد مجهولون" Inglorious Basterds لتارانتينو، منتقلا بين اللغات الثلاث الانجليزية والألمانية والفرنسية بطلاقة وقدرة هائلة على التلاعب باللغة، وبالشخصيات التي يستجوبها ويناور معها وهو بلا أدنى شك النجم الحقيقي الأكثر برزوا في الفيلم. إنني أضعه على قمة قائمتي لأفضل الممثلين في هذه الدورة. إن أداءه في هذا الفيلم الذي لا يتمتع بميزات كثيرة، نموذج للأداء الساحر الذي لا ينسى.
* انتهينا في لجنة التحكيم الدولية لنقاد السينما (9 نقاد) التي يشكها الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية(فيبريسي) من تحديد الجوائز الثلاث التي سيعلن عنها في حفل يقام مساء اليوم في بقعة ساحرة على شاطيء الكروازيت، ويصدر بهذه المناسبة بيان صحفي عن اللجنة يوزع على الصحفيين ووكالات الأنباء. لم يكن الأمر سهلا طوال فترة المهرجان، ولكننا توصلنا إلى النتائج باتفاق الجميع. لم تكن هناك مناقشات طويلة مفتوحة كما كانت تجربتي في اللجنة نفسها عام 2002، بل كانت تعتمد نظام تقسيم العمل والتوصل إلى التصويت السريع بعد أن استبعدنا الكثير من الأفلام التي لم تحصل على أصوات كافية. سأعلن النتائج بعد إعلانها رسميا.
* حضرت مساء أمس اختتام "نصف شهر المخرجين" وتأكدت بالفعل أن الفرنسيين لا يقلون ولعا بالكلمات الكبيرة والخطب العصماء وكلمات التحية والمجاملات والإسهاب في الثناء على دور المسؤول عن العرب. فالأخ أوليفييه بير مدير هذا البرنامج الموازي للمهرجان الرسمي والذي أكمل أربعين عاما منذ تأسيسه، أقصد البرنامج أو القسم وليس أوليفييه بالطبع، فالأخير أنهى ست سنوات في إدارة "نصف شهر المخرجين"، وانتهت مدته، وكان لابد من كلمات توديع وخطب تشكر وتثني، بل وكانت هناك أيضا دعوة لوقوف كل الحاضرين في القاعة (حوالي 1000 شخص) لتحية أوليفييه على جهوده، تماما كما لو كنا نحيي وزيرا في حكوماتنا الفاسدة!
المهم أن الوقت ضاع في التكريم والتحية، ومنح جهات فارغة تدعم هذا القسم ماليا، جوائز في حين أن القسم نفسه لا يمنح تقليديا أي جوائز بل يعتبر عرض الأفلام فيه بمثابة جائزة لأصحابها. لكن ماذا تفعل وأنت في حاجة إلى الدعم المالي من جهات مثل شركة فيات وشركة شمبانيا فرنسية وما شابه، وكل منها تود الظهور والدعاية لنفسيها وتشكيل لجنة تحكيم مصغرة، تصعد على المنصة وتعلن عن جائزتها!
بعد ضياع ساعة من الوقت، بدأ فيلم الختام أخيرا وهو الفيلم الإسرائيلي "عجمي" Ajamai الذي أخرجه مخرجان، الفلسطيني (من عرب الداخل) اسكندر قبطي، والإسرائيلي يارون شاني، و"عجمي" هو أحد أحياء مدينة يافا، يعيش فيه عدد كبير من العرب. وقد يكون لنا وقفة فيما بعد مع الفيلم الذي كان ثالث الأفلام الإسرائيلية التي عرضت في المهرجان والتي شاهدتها جميعا.
* إعلان الجوائز الرسمية لهذه الدورة سيكون غدا مساء، والتكهنات زادت، لكن لا شأن لي بها، والأفضل أن يتمسك المرء بالقول الصواب "كذب المنجمون ولو صدقوا"!

فيلم "الانتصار" مفاجاة سارة في مسابقة مهرجان كان



مفاجأة سارة تماما داخل المسابقة الرسمية من السينما الإيطالية العريقة لم نشهدها منذ سنوات، لأحد أبناء جيل المخرجين المخضرمين الذين عملوا في فترة الازدهار الكبير لهذه السينما في الستينيات والسبعينيات، أي المخرج الكبير ماركو بيللوكيو (70 عاما) صاحب "الأيدي في الجيوب" (1965)، و"الصين قريبة" (1967)، و"باسم الأب" (1972).
فيلم "الانتصار" فيلم سياسي أيضا من زاوية اهتمامه الكبير بإعادة تسليط الأضواء على الحقبة الفاشية في إيطاليا من خلال التركيز على شخصية موسوليني منذ بداياته الأولى وقت أن كان ينتمي في 1907 إلى الحزب الاشتراكي، ويقود مظاهرات العمال ثم تحوله مع إعلان قيام الحرب العالمية الأولى، من موقف المناويء للحرب ولدخول إيطاليا فيها، إلى تأييد الحرب تحت دعوى أنها ستخلق واقعا جديدا في أوروبا يمكن إيطاليا أن تلعب دورا بارزا في رسم سياسياتها.
ويصور الفيلم تحول موسوليني إلى الفاشية كحل "مناسب" لمواجهة حركة اليسار عموما، وتحت دعوى أنها كفيلة باستعادة دور روما التاريخي، والأمجاد الزائلة للامبراطورية الرومانية.
ويبدأ الفيلم بمشهد ينكر خلاله موسوليني وجود الله علانية، ويضطر للفرر من غضب المتدينين. ولكننا سنرى فيما بعد كيف يقيم موسوليني تحالفا قويا مع الفاتيكان ويستخدم الكاثوليكية لخدمة مآربه السياسية.
غير أن موسوليني رغم أهمية وبروز دوره في الفيلم، ليس هو الشخصية الرئيسية هنا، بل شخصية سيدة شابة حسناء تدعى إيدا داسلر، تعجب بالنجم الجديد الصاعد، وتقيم معه علاقة جنسية ملتهبة، ثم تبيع كل ممتلكاتها من أجل أن تساعده بالمال على افتتاح صحيفة "شعب إيطاليا" الناطق بلسان حزبه الجديد.
وتستمر علاقة إيدا بموسوليني حتى بعد أن يتزوج، ثم تنجب منه ولدا تطلق عليه بنيتو ألبينو موسوليني، يعترف بأبوته له رسميا عام 1915 إلا أنه يرفض أي اعتراف بزواجه منها بينما ستظل هي طوال حياتها تصر على أنه تزوجها بعقد سرقه أعوانه منها، ولكن دون أي دليل على صحة ذلك.
وعندما تبد في مطالبته بالاعتراف بها كزوجة والاعتراف بابنه يختفي موسوليني الإنسان من الفيلم ويبقى موسوليني الرمز السياسي والزعم، الذي لا نراه سوى من خلال لقطات الأرشيف القديمة، في خطاباته الصارخة التي يثير حماس الشعب الإيطالي من خلالها، وبتفاصيل قريبة لم يسبق استخدامها في السينما الروائية، حتى أن موسوليني يبدو في تلك اللقطات الحقيقية أقر إلى مهرج، يستخدم حركات وجهه، وطريقته الخاصة في مط شفتيه، ويهز يديه بطريقة مبالغ فيها تثير الضحك أكثر مما تثير الغضب. تستمر محنة إيد داسلر، التي توضع في بيت شقيقتها تحت الرقابة المشددة في البداية، ثم تتنقل إلى مصحة عقلية بينما يبعد ابنها إلى مدرسة كاثوليكية دخلية ويحرم من رؤية أمه.
وفي أسرها تكتب إيدا خطابات إلى البابا والملك ورئيس الحكومة والنائب العام والوزراء، تطالبهم بتحري الحقيقة اطلاق سراحها واسماح لها برؤية ولدها.
أحداث الفيلم تتصاعد في إيقاع هاديء لكنه متدفق بالحيوية، يسير في خطوط أقرب إلى حركات الأوبرا، خاصة مع الاستخدام المذهل لشريط الصوت والموسيقى التصويرية المصاحبة التي كتبها كارلو كريفيللي، والتصوير الذي يمزج جيدا النغمات البنية الداكنة مع الأبيض والأسود، ويستخدم المناطق المضيئة، والظلال، والضوء الخافت غير المباشر، لإضفاء جو خاص على الصورة يتناسب أولا مع أجواء الفترة، وثانيا يؤكد على تدهور الحالة العقلية للشخصية الرئيسية.
"إيدا داسلر" تضطرب نفسيا بالتدريج، لكنها تظل مصرة على روايتها، غير مستعدة لتراجع تحت أي ضغوط أو حرمان أو حتى تعذيب.
وفي الفيلم مشاهد لا تنسى مثل مشهد المشاجرة التي تنشب داخل إحدى دور العرض السينمائي بين مجموعة يشارية وجماعة فاشية بقياة موسوليني، بينما تعرض على الشاشة جريدة سينمائية تحتوي لقطات من المعارك، على نغمات البيانو المصاحبة للفيلم الصامت، ويظل عازف البيانو حتى اللحظة الأخيرة، مصرا على مواصلة العزف رغم شيوع الفوضى داخل السينما.
وهناك المشهد الذي يحمل دلالة خاصة داخل مصح الأمراض العقلية حيث نرى عددا من النساء اللاتي أدخلن المصحة لأسباب لها علاقة بنشاطهن السياسي المعارض، وإحداهن راقصة باليه تسر لإيدا أنها كانت صديقة مقربة من راقصة شهيرة في باليه البولشوي الروسي (وقت الحكم الشيوعي).
وهناك المشهد الذي تقوم لجنة قضائية باختبار قدرة إيدا على التعامل مع المجتمع والحياة والناس، وينتهي الاختبار بالتأكد من سلامتها العقلية، إلا أن القاضي المكلف باستجوابها ينصحها بنسيان قصة علاقتها بموسوليني. وينتحي بها طبيب في المصحة يقول أنه يريد أن يجعلها تغادر المسيتشفى وينصحها بأن تغير من سلوكها، وتتظاهر بأنها مثل كل النساء الفاشيات الطيبات، ربات البيوت اللاتي يدعمن قضية الفاشية.

ويقول لها إنه يتعين عليها أن تنحني للتيار، وإن الفاشية مرحلة لن تستمر في إيطاليا، وإنها يمكن أن ترى ولدها وتعيش معه في حالة قبولها بالاندماج في الواقع ونسيان ما مضى.
على صعيد آخر يعيش ابن موسوليني حياته ويكبر تحت الرقابة، ويكبر ويصبح طالبا لكنه يسخر من والده ويتخصص في محاكاته بسخرية أمام زملائه.
ويشير الفيلم من خلال لقطاته الموجزة البليغة إلى نهاية الحر ونهاية موسوليني (من خلال لقطة لتمثال ضخم للديكتاتور الإيطالي يتم سحقه بين فكي آلة عملاقة).
ونعرف أن إيدا توفيت قبل أن ينتهي موسوليني، كما فقد ابنها عقله ثم توفي أيضا قبل نهاية الحرب الثانية. لاشك في سيطرة بللوكيو المثيرة للإعجاب على كل فيلمه، وقدرته على التحكم في إيقاعه، وتوظيف كل صورة، وكل تفصيلة من تفاصيل الصورة لخدمة الموضوع: الفاشية التي تقود الأمة إلى الدمار، المرأة المعذبة المعتقلة الخاضعة، التي يمكن اعتبارها "معادلا" سينمائيا ودراميا لاعتقال الأمة.
وهناك أيضا استخدام رائع ومميز لإيقاعات الأوبرا سواء في توظيف الأصوات الطبيعية على شريط الصوت، أو في التحكم في الحركة والأداء في إطار المحيط بطريقة قد تشوبها بعض المبالغة المسرحية كما في مشهد محاكاة الإبن لوالده في طريقته في الخطابة.
أخيرا "الانتصار" كلمة مستمدة من أحد خطب موسوليني في إطار الشحن المعنوي للشعب الايطالي. الفيلم في النهاية أحد أفضل الأفلام في مسابقة كان 2009 ومن الممكن جدا أن يحصل على إحدى الجوائز الكبيرة.

الجمعة، 22 مايو، 2009

"الزمن الباقي": مفاجأة الفيلم الفلسطيني في مسابقة كان


استطاع المخرج الفلسطيني إيليا سليمان أن يقدم مرة أخرى، مفاجأة كبرى في مهرجان كان السينمائي بفيلمه الذي عرض أخيرا في مسابقة المهرجان ويحمل عنوان "الزمن الباقي: سيرة الحاضر الغائب".
وقد استقبل الفيلم من جانب النقاد والصحفيين الذين شاهدوه استقبالا حماسيا، واتفق الكثيرون على اعتباره "تحفة" حقيقية وعملا كبيرا من أعمال الفن السينمائي.
الفيلم يروي قصة حياة مخرجه ومؤلفه (إيليا سليمان) الذي سبق أن قدم مفاجأة بفيلمه السابق "يد إلهية" الذي حصل على جائزة خاصة من لجنة التحكيم في مهرجان كان 2002 كما حصل على جائزة اللجنة الدولية للنقاد.
إلا أن "الزمن الباقي" يتجاوز كثيرا ما حققه إيليا سليمان في فيلمه السابق، وفيه يعلو بلغته وأسلوبه ليقدم عملا سينمائيا حداثيا خالصا، يربط من خلاله بين قصة حياته الخاصة وحياة أسرته، وبين الأحداث التي شهدتها بلاده منذ عام 1948 حتى اليوم.

بناء الفيلم
يتكون الفيلم من عدة أجزاء، يتضمن كل منها مجموعة من الصور والمشاهد التي تلخص فترة زمنية معينة في حياة المخرج- المؤلف، يفصل بينها سليمان باستخدام أسلوب الإظلام التدريجي ثم الشاشة الخالية لبرهة، قبل ان يعود للضوء تدريجيا مع ظهور مشهد يدور في فترة زمنية أخرى تالية.
اللغة السينمائية التي يستخدمها تحمل ملامح أسلوب إيليا سليمان سواء في اعتماده على الصورة اعتمادا اساسيا، وعلى السخرية التي تتفجر من الجدلية الكامنة في العلاقة بين الصور واللقطات، أو من خلال التعليقات الموحية والأداء التمثيلي الذي قد يتخذ أحيانا أبعادا "كاريكاتورية".

الطابع الساخر
المشهد الأول في الفيلم يلخص أسلوب إيليا سليمان الساخر، ففيه يظهر جندي عراقي من المشاركين في الحرب في بلدة فلسطينية في الجليل، يتطلع إليه ثلاثة من الشباب الفلسطيني وهو يبحث عن طريقه، بينما تلقي طائرة إسرائيلية منشورات تحث السكان على الاستسلام والقاء السلاح.
الجندي لا يعرف إلى أين يتجه، وكلما ذكر اسم مدينة أو بلدة ما، يقول له الجالسون على المقهى في استرخاء وهدوء: لقد سقطت.
وفي مشهد هائل تطارد طائرة إسرائيلية سيارة بداخلها رجل يرتدي طربوشا، وشاب يلوح بعلم أبيض من خارج النافذة.
الطائرة تحلق فوق السيارة مباشرة، وتتابعها أثناء سيرها بسرعة شديدة في طريق ريفي إلى أن تصل إلى مبنى قديم لعله مبنى بلدية مدينة الناصرة.
وفي إحدى القاعات في الداخل، مجموعتان من الرجال: العسكريون الإسرائيليون على جانب، والعرب المدنيون على الجانب الآخر.
والرجل القادم ذو الطربوش هو رئيس البلدية، والإسرائيليون أعدوا وثيقة الاستسلام، ويطالبون بتوقيعها، ثم يطلبون التقاط صورة تذكارية للجميع معا في "هذه المناسبة التاريخية العظيمة"!
والد إليا، فؤاد سليمان، شاب في تلك الفترة، متزوج من نادية وهناك أيضا شقيقته أولجا، أما شقيقة نادية ثريا فقد لجأت إلىة الأردن.
ولكن فؤاد لا يريد الاستسلام ولا الفرار، ويخفي سلاحا لديه، ويتعرض للاعتقال والتنكيل به، بل والقائه من فوق ربوة عالية بغرض قتله إلا أنه ينجو.
مقاتلون فلسطينيون يفرون أمام الهجمات الإسرائيلية بالمصفحات والمدافع، يخلعون ملابسهم العسكرية ويلقون بها ويفرون.
الإسرائيليون الذين يراقبون المشهد من بعيد، يتقدمون ويستولون على الملابس الفلسطينية بما فيها الحطة التي يخفون بها وجوههم.
امرأة فلسطينية تراهم قادمين تطلق زغاريد النصر. يطلقون عليها الرصاص ويواصلون تقدمهم.
يتمكنون من خداع باقي المقاتلين ويقبضون عليهم، ونراهم وقد تراصوا بجوار أحد الجدران تمهيدا لإطلاق النار عليهم.
الإسرائيليون يصادرون بعض محتويات منزل سليمان بما في ذلك الجرامافون وحتى صورة كبيرة وساعة الحائط.
فؤاد يراقبهم من مكمنه على أنغام أغنية ليلى مراد (أنا قلبي دليلي) التي سيعود إيليا سليمان لاستخدامها أكثر من مرة في فيلمه.

واقع الاحتلال
القسم الأول من الفيلم يعكس الوضع الذي نشأ فيه المخرج: واقع احتلال، تشتت الأسرة، الرسائل المتبادلة بين فرعي الأسرة في عمان والناصرة.
لقطات التنكيل الذي يتعرض له فؤاد سليمان (والد المخرج) حينما يضربه جنديان إسرائيليان بكعوب البنادق بقسوة، يبدو في تفاصيله (مصور من زاوية بعيدة) وكأنه لقطة حديثة من تلك التي نشاهدها كثيرا في نشرات الأخبار اليوم للوضع في الأراضي المحتلة.
وبين حين وآخر، وعبر أجواء الفيلم، يحاول فلسطيني كبير متقدم العمر أن ينتحر بإشعال عود ثقاب، أحيانا بعد أن يصب الكيروسين على جسده، وحينا آخر بعد أن يضع وعاء مملوء بالكيروسين إلى جواره. لكنه يفشل دائما في إشعال عود الثقاب.
فؤاد يراقبه هو وغيره من الجيران في صمت، ثم يقوده من يده بعيدا، والرجل مستسلم له تماما.

إنها صورة بليغة موجزة تلخص العجز عن تحقيق الخلاص حتى ولو بالانتحار! وفي مدرسة ابتدائية بالناصرة حيث نشأ بطلنا، نشهد كيف تنشد التمليذات الفلسطينيات الأناشيد التي تمجد دولة إسرائيل، بالعبرية تارة وبالعربية تارة أخرى. مسؤول إسرائيلي يثني على "كورس" الأطفال ويمنحهم جائزة خاصة.
المدرس في الفصل يتحدث عن قدرة الديمقراطية الاسرائيلية على استيعاب الأقلية العربية.
إيليا يراقب في صمت، حالة الاغتراب تتصاعد. مدير المدرسة يوقفه في الممر ويعنفه بشدة: من قال لك أن أمريكا دولة إمبريالية؟
هذا المشهد بين المدير وإيليا يتكرر عدة مرات في سياق الفيلم، والمقصود منه تصوير تمرد الصبي مبكرا على الأفكار السائدة حوله. شخصية الجار العبثي شخصية أخرى تضيف إلى النسيج اللامنطقي- اللاواقعي، الذي يغرم به إيليا سليمان ويستخدمه في التلاعب بالموضوع، وروايته بحيث يفجر أكبر شحنة من السخرية، ويقدم تعليقا سياسيا بليغا وموجزا بلغة السينما الخالصة، بعيدا عن الخطابة، وبعيدا عن لغة البيانات والبلاغات السياسية التي سادت السينما الفلسطينية طويلا. الجار يخرج بين أونة وأخرى، يخاطب فؤاد أولا، ثم يتكرر ظهوره بعد أن يكبر إيليا، أو لعله يصبح جارا آخر مستنسخا من الشخصية الأولى.
يقول له ذات مرة على سبل المثال: أفضل حل للخلاص من كل من لبنان وإسرائيل هو أن تتورط لبنان في حرب ضد إسرائيل، فتقضي إِسرائيل على لبنان، ثم تتدخل فرنسا لتقضي تماما على إسرائيل.. ما رأيك؟
يتمهل إيليا قليلا قبل أن يجيب: لم أفكر في هذا من قبل!
أو أن يقول الجار إن مشكلة العرب إنهم لا يشربون الكحول فلو كانوا يشربون لأقدموا بكل شجاعة على مواجهة الإسرائيليين!

في السينما
يصور إيليا سليمان أيضا علاقته بالسينما، ويعود إلى الستينيات ومشاهدته فيلم سبارتاكوس في قاعة السنما المدرسية.
وعندما يصل الفيلم إلى المشهد العاطفي الذي يتبادل فيه سبارتاكوس القبلات مع حبيبته، تقف المعلمة أمام الشاشة لتجحب الرؤية وتقول للتلمذات: إنه يابنات أخوها.. هذا أخوها!
ويستخدم إيليا سليمان شريط صوتيا ممتعا ومفعما بالحيوية، يجعله جزءا أساسيا من نسيج الفيلم، يمتليء بالموسيقى والأغاني، خاصة أغاني فيروز وعبد الوهاب، وخطابات الرئيس عبد الناصر من إذاعة القاهرة، ونشرات الأخبار من صوت العرب.
وفي القسم الثاني من فيلمه الذي يركز على الوضع الراهن، يستخدم الأغاني الحديثة الشائعة وموسيقى الديسكو التي نرى عددا من الشباب العربي يرقص عليها بينما تتوقف مصفحة إسرائيلية في الخارج يبرز من نافذتها ضابط إسرائيلي ينذر الشباب عن طريق مكبر صوت بحلول حظر التجول. ويظل يكرر عدة مرات فرض حظر التجول فيما يستمر الشباب في رقصهم على أنغام الموسقى الصاخبة، لا يلتفتون ولا يسمعون!
ويصور كيف تتدهور الحالة الصحية لوالده إلى أن يودع الحياة، ثم كيف يكبر إيليا ويرث وضعا لا يتقدم بل يبقى في مكانه.
هنا في القسم الثاني من الفيلم، يتحول الأسلوب إلى العبث الساخر القريب من مسرح بيكيت، ومن سينما جاك تاتي الفرنسي: الصمت يغلب أكثر على الفيلم، السخرية النابعة من صدام الصور، هي سخرية نابعة أساسا من عبثية ما يجري على أرض الواقع.

الرمز ودلالاته
ولتكثيف رؤيته بعبقرية بصرية نادرة، يصور إيليا سليمان مثلا كيف يخرج شاب فلسطيني من داره لكي يلقي بالقمامة في حاوية خارج المنزل، فتتحرك دبابة إسرائيلية ضخمة وتسدد مدفعها العملاق في اتجاه الشاب.
الشاب يسير نحو الحاوية وتتابعه ماسورة الدبابة. يعود في اتجاه المنزل، والدبابة تستدير لتتابعه. يتوقف ليرد على الهاتف المحمول غير عابيء بالدبابة بل إنه لا يتطلع إليها طوال المشهد الذي ينتهي بدخول الشاب إلى المنزل بلا مبالاة، وماسورة الدبابة تتجه لكي تصوب نحو حاوية القمامة!
وفي مشهد آخر نرى كيف يقرر إيليا سليمان أن يعبر الجدار الفاصل الذي بناه الإسرائيليون في الضفة الغربية باستخدام رافعة الزانة التي تستخدم في الألعاب الرياضية، وينجح في لقطة فريدة في تجاوز الحاجز بالفعل إلى الجهة الأخرى.
بائع الصحف يردد "جريدة الوطن بشيكل وكل العرب ببلاش" في تعليق غير مباشر ينبض بالسخرية.
الشباب الثلاثة على المقهى (يتكرر ظهورهم عبر الفيلم).. أحدهم يطلب شراء "الوطن". البائع يقول له: ما بقى فيه وطن.. ولكن كل العرب ببلاش!
الصبي بائع الخضروات الذي يعرض على الخادمة الفليبينية التي ترعى الآن والدة إيليا لسيمان بعد تقدمها في العمر واصابتها بمرض السكري، أن تشتري كل ما يحمله من الفاصوليا بعشرة شيكلات لأنه لا يملك مالا يتيح له العودة إلى جنين.
الجار الفلسطيني الذي يعمل في الشرطة الإسرائيلية يسأله كيف تمكن من القدوم إلى هنا: هل لديك تصريح؟ سأبلغ السلطات عنك!يكتفي الصبي في النهاية بأن يطلب سيجارة، يشعلها ثم يمضي لحال سبيله!

لعبة الشد والجذب
في المستشفى حيث ينقلون الجرحى في الاشتباكات العنيفة التي جرت خلال تظاهرات بمناسبة الذكرى الرابعة لـ "يوم الأرض، يحدث مشهد يلخص الوضع العبثي.
أحد الجرحى فوق نقالة. المشهد العبقري الذي يعكس الإحساس الخاص بالمكان وزاوية الكاميرا لدى المخرج، مصور بكاميرا ثابتة. نحن نرى المبنى من الخارج.. نرى الطابق الأرضي المصمت، والطابق الأول منه فوق الأرضي نوافذه كلها زجاجية تكشف ما يدور في ممر المستشفى في الداخل.
في الخارج تتوقف مصفحة إسرائيلية يخرج منها عدد من الجنود، يصعدون وراء المسعفين الذين يحملون جسد فلسطيني مصاب.
نحن نشاهد كل ما يحدث كما لو كنا نتفرج على فيلم داخل الفيلم. والمشهد كله مصور في لقطة واحدة.
الجنود الإسرائيليون يسحبون النقالة من الفلسطينيين ويعودون في الاتجاه المعاكس. الفلسطينيون يجرون إلى ناحيتهم ثم يعودون بالنقالة في الاتجاه الآخر.
يتكرر الكر والفر، والشد والجذب عدة مرات، والحركة من اليمين إلى اليسار وبالعكس، إلى أن يشهر الإسرائيليون السلاح. هنا يحسم الأمر وينتهي الموقف الذي يلخص بلاغة اللغة السينمائية وخصوصيتها.
الإيقاع يصبح أكثر سرعة في الجزء الثاني من الفيلم رغم ازدياد مساحات الصمت، ويغلب على الفيلم أسلوب مشابه لأسلوب إيليا سليمان في فيلمه السابق "يد إلهية" على هذا الجزء. فمع امتداد الزمن يزداد الإحساس بالعبث، مع عدم تقدم الموقف رغم تقدم الزمن. وهذا هو سر وجود أسلوبين في الفيلم.
في الجزء الأول: هناك إحساس أقوى بالزمن، بالأحداث، هناك وضع يوحي بالحركة ولو على صعيد الإذاعات والصحف والأمل والحلم. الشباب على المقهى كانوا كأنهم في انتظار شيء. الشاب الذي كان يعبر أمامهم كان يصفر لحنا متفائلا بين حين وآخر.

تساؤل فلسفي
أما بعد ذلك فلم يعد هناك سوى تعاقب الزمن. ماذا تبقى من الزمن إذن قبل أن يصل الإنسان إلى نهاية الطريق!
هذا هو التساؤل الفلسفي الذي يتوقف أمامه إيليا سليمان في فيلمه الذي يمزج فيه بين الخاص والعام، الشخصي والمجتمعي، السياسي والنفسي، الفلسفي والواقعي.
إنه ينهي فيلمه وهو جالس فوق أريكة خشبية في الشارع، يتأمل دون أي انفعال. لقد فقد القدرة حتى على الانفعال مع ما يجري حوله.
الشباب الثلاثة أنفسهم مازالوا يجلسون على المقهى (ربما منذ ستين عاما!). شاب فلسطيني يسير أمامهم يرفع يده بعلامة النصر.
الثلاثة بملابسهم وهيئتهم والسجائر في أيديهم، يبدون كما لو كانوا شخصيات من عالم أفلام "الويسترن"، جامدون على الأريكة التي يجلسون فوقها، لا يتحركون بينما نستمع إلى إيقاعات عنيفة لأغنية عبرية!
هل كنا نشاهد فيلما من أفلام الويسترن منذ أكثر من ستين عاما.. لعل هذا ما يراه إيليا سليمان في فيلمه الذي سيترك تأثيرا كبيرا على كل عشاق السينما بلا شك.

يوميات مهرجان كان 10

عرض أخيرا فيلم إيليا سليمان "الزمن الباقي: سيرة الحاضر الغائب" (وهذا هو اسم الفيلم كما هو مكتوب عليه باللغة العربية) وهو فيلم فلسطيني تماما بمساعدة مالية فرنسية وصور في رام الله بالضفة الغربية وناطق كله باللغة العربية ويعبر ثقافيا وسياسيا وفنيا عن رؤية مخرج فلسطيني يروي قصة حياته وارتباطها بتاريخ بلاده منذ 1948 حتى اليوم. والفيلم باختصار شديد الآن تحفة حقيقية وعمل فني شديد الرونق والعذوبة ويستحق وقفة مطولة فيما بعد انتهاء الزحام.
إيليا سليمان أكد في المؤتمر الصحفي الذي ناقش فيه فيلمه أن الفيلم لم يحصل على أي دعم أو تسهيلات من إسرائيل، وقال إن اسرائيل تمنع أي دعم عن الفلسطينيين، ونفى أن تكون هناك جهة إنتاجية إسرائيلية وقال إن هذه مجرد اشاعات روجت لها أوساط أمريكية وإسرائيلية.
من وجهة نظري وبعيدا عن أي تكهنات أو توقعات، هنا قائمة لما أعتقد أنها أفضل الأفلام التي تستحق الجوائز الرئيسية في المسابقة الرسمية للمهرجان بدون أي حسابات خاصة أو مواقف مسبقة بل تقديرا للقيمة الفنية فقط. ومرة أخرى، هذه ليست تكهنات ولا توقعات بل اختيارات شخصية حتى لو جاءت النتائج مغايرة تماما:
1- الزمن الباقي- إيليا سليمان (فلسطين)
2- الانتصار- ماركو بيللوكيو (إيطاليا)
3- نبي- جاك أوديار(فرنسا)
4- عناقات مهشمة- بيدرو ألمودوفار (اسبانيا)
5- حوض الأسماك- أندريا أرنولد (بريطانيا)
6- الحشائش البرية- آلان رينيه (فرنسا)

أفضل ممثل:
* ستيف إيفتس (بطل فيلم "البحث عن إريك" البريطاني)
* فرنسوا كلوزيه (بطل فيلم "في الأصل" الفرنسي)
* ماتيو أمالريك (بطل فيلم "الحشائش البرية" لآلان رينيه- فرنسا).

أفضل ممثلة
* جيوفانا ميزوجيورنو (بطلة فيلم "الانتصار" لماركو بيللوكيو الايطالي)
* بنليوب كروز (بطلة "عناقات مهشمة")
* ميلاني لوررون (بطلة فيلم "أوغاد مجهولون" لتارانتينو).

أفضل إخراج:
* "الحشائش البرية"- آلان رينيه (فرنسا)
* "الانتصار"- ماركو بيللوكيو (إيطاليا)

أفضل سيناريو:
* البحث عن إريك- كن لوتش (بريطانيا)
* في الأصل- زافيير جيانوللي (فرنسا)
* "الحشائش البرية"- آلان رينيه (فرنسا)

الساحر يعود ويلقي عباءته مجددا على المهرجان



من أهم ما عرض داخل مسابقة مهرجان كان السينمائي الفيلم الجديد للمخرج بيدرو ألمودوفار، طفل السينما الإسبانية المدلل، وصاحب الأفلام الجريئة والمثيرة للذهن والخيال، التي تحقق التوازن المستحيل بين الفن والرواج، بين الحصول على إعجاب النخبة، واقتناص إعجاب الجمهور في مستوياته العريضة.
هذا العام يعود "الساحر" الإسباني بفيلمه الجديد "عناقات مهشمة" Broken Embraces لكي يتحفنا بعمل يشع أصالة ورونقا وسحرا، ويعيدنا إلى "جوهر" السينما، أي القدرة على رواية قصة آسرة بطريقة بليغة وجذابة معا.
سيناريو الفيلم الذي كتبه كالعادة ألمودوفار، يدخلنا في دروب كثيرة متشعبة، ويتجه بنا إلى أعلى ذروة من ذرى الميلودراما السينمائية، لكن دون أن يجعلنا ننفر مما نشاهده، لأنه ينجح بكل بساطة، في جعلنا نصدقه، نتعاطف مع شخصياته، نفهمها ونقترب منها، ونشعر بأزمتها.
الماضي يتداخل مع الحاضر، الخيال مع الواقع، عالم السينما، مع عالم الفنان، ويشكلان معا نسيج هذا العمل السينمائي الذي يتجول داخل تضاريس الإبداع الفني ويقدم زوايا وشخصيات جديدة غير مألوفة في أفلام المودوفار.
المرأة ليست محور الفيلم هنا رغم أنها محور الأحداث، بمعنى أن الدراما تتفجر في الفيلم من خلال الصراع على قلب المرأة بين رجلين: رجل ثري (ماتيو بلانكو) يرغب في امتلاك قلب وجسد الحسناء "لينا" (التي تقوم بدورها بنيلوبي كروز) وهي ممثلة مبتدئة وعشيقة له اضطرت للعيش معه من أجل المال، ثم سرعان ما تقع في الحب بالفعل مع رجل آخر هو بطلنا ارنستو مارتل المخرج السينمائي.
بلانكو ينتج الفيلم الذي يخرجه مارتل من أجل عيون لينا، لكنه يغضب عليها بعد أن ترفض الانصياع لرغباته وتريد أن تقطع علاقتها به والعيش مع حبيبها الحقيقي، فيقوم بتدمير الفيلم عن طريق اعادة تكليف مونتير سينمائي باختيار أسوأ اللقطات والمشاهد ووضعها في الفيلم وحذف اخيتارات المخرج الأصلية. والنتيجة كارثة فنية وتجارية عند الافتتاح.

عودة إلى الماضي
هذه الأحداث لا يبدأ بها الفيلم بل يبدأ من خبر موت بلانكو وتردد شخص يشك في أنه ابن الثري الراحل، على المخرج السينمائي مارتل الذي أصيب بالعمى الآن وأصبح يكتفي بالعمل ككاتب للسيناريو ويتخذ له اسم "هاري كين"، يريد هذا الشاب أن يخرج فيلما يكتبه له "كين" ينتقم فيه من والده وأفعاله!

وفي "فلاش باك" طويل أو ارتداد إلى الماضي، نعود لنشهد أحداث الصراع الذي وقع في 1992، ونرى كيف حقق بلانكو انتقامه من الحبيبين، بل وكيف أنه قد يكون أيضا وراء حادث السيارة الذي راحت ضحيته "لينا" الجميلة، وفقد مارتل نظره!
لكن الفيلم ينتصر في نهايته للمبدع السينمائي ويجعله يحقق انتقامه الشخصي من الشر ممثلا في بلانكو، بعد أن ينجح في انقاذ فيلمه وإعادة عمل المونتاج له بحيث يخرج كما كان يريده في الأصل!

السرد الخافت

أحداث وشخصيات عديدة أخرى في هذا العمل، الذي يهمس أكثر مما يصرخ، وينتقل من حكاية إلى أخرى، كعادة ألمودوفار في السرد، وبطريقة مشوقة، وأسلوب فيه طعم الكوميديا التي تنتج من المفارقات المضحكة.
الحوارات هنا قد تكون طويلة، ولكن الشخصيات تتكلم كما لو كانت تهمس لنفسها. ولقطات الكلوز أب القريبة تساعد على الإحساس بالشخصية بشكل مباشر، والكشف عن مشاعرها عن قرب.
والاستخدام الرصين الحذر للموسقى يساعد على التأمل دون أن يعيق الاندماج. هذا فيلم يصل إلى عمق المأساة الميلودرامية لكنه يتجاوزها، ليصبح أيضا احتفالا بالحياة.
في أفلام ألمودوفار الميلودرامية يمكنك أن تتوقع في أي لحظة أن يعثر البطل على ابن له مثلا في النهاية، كما يحدث هنا، فنحن نكتشف أن ابن مساعدة مارتل الشاب الذي أصبح متداخلا في الموضوع، والذي يستمع لأحداث الماضي كما يقصها عليه مارتل، ليس سوى ابن مارتل من مساعدته، التي لم تخبر مارتل بالحقيقة، بل ولم تخبر ابنها إلى حين تفجر المفاجأة في النهاية، وينتهي الفيلم بالخاتمة السعيدة.

فيلم واحد
ويمكن القول إن ألمودوفار يصنع فيلما واحد طيلة الوقت، رغم أنه لا يكرر الفيلم نفسه، بمعنى أن له طابعه وأسلوبه ولغته الخاصة بل وعالمه السينمائي المعروف بمفرداته الثابتة، لكنه يصوغ كل هذا من خلال "حبكة" جديدة، وحكاية مختلفة تماما عما سبق أن شاهدناه، دون أن يفقد قدرته على شد الانتباه وإثارة الفكر والخيال.
في "عناقات مهشمة" تبرز قدرة ألمودوفار على تجسد خياله من خلال السيطرة المدهشة على الأدء التمثيلي الذي يصل إلى أرقى مستوياته.
ولن يكون مدهشا إذا ما فازت بنيلوبي كروز بجائزة التمثيل في كان عن دورها في هذا الفيلم.
ويمكن القول أخيرا أن "عناقات مهشمة" تحية كبيرة إلى عمل المخرج السينمائي وإلى عالم السينما عموما.
ويعد الفيلم بأسره احتفالا بقدرة المبدع السينمائي على الابتكار والخيال حتى وهو أعمى.
وفي الفيلم إحالات سينمائية عديدة إلى أفلام من الخمسينيات ومن العصر الذهبي للسينما في هوليوود، وهي الأفلام التي يغرم بها ألمودوفار نفسه.
وفي الوقت نفسه هناك الفيلم داخل الفيلم الذي نتابع أيضا أحداثه، وهو الفيلم الذي يخرجه مارتل وتمثله لينا، وهو بعنوان "فتيات وحقائب"، ولعله يحيل في أكثر من زاوية، إلى نوع من كوميديا الأخطاء التي تتناقض بالتالي مع نسيج "عناقات مهشمة". ألمودوفار أحد الفائزين من قبل بالسعفة الذهبية، لكنه يبقى أيضا أحد المرشحين للفوز مجددا بها هنا في كان.

الخميس، 21 مايو، 2009

ماذا حدث للسينما الإفريقية؟


في الدورة الحالية من مهرجان كان السينمائي فيلم وحيد يمثل السينما الإفريقية بأسرها، هو فيلم "قل لي من أنت" أو Min Ye للمخرج الشهير سليمان سيسي من مالي. وقد عرض الفيلم في قسم العروض الخاصة أي خارج المسابقة.
السينما الإفريقية التي اعتادت أن تدهش العالم، في كان تحديدا، بتجاربها المثيرة التي تسبح في الشكل، وخصوصا الأفلام الافريقية التي تلقى دعما فرنسيا، ولعل أشهرها أفلام الراحل عثمان سمبان، تعود إلينا من خلال فيلم واحد كنا ننتظر منه أن يوجز لنا الكثير خاصة وأنه لأحد أبرز المخرجين الأفارقة، لكن أملنا خاب.
سليمان سيسي الذي أدهش العالم قبل أكثر من عشرين عاما بفيلمه الرائع "يلين" Yeleen (أو التألق) يعود بعد توقف دام نحو أربعة عشر عاما عن الإخراج، لكي يفاجأنا بمحاكاة الأفلام التليفزيونية التي تدور عادة في ديكورات محدودة، وتتعامل مع القضية الاجماعية باستخدام الحوارات الطويلة التي لا يبدو أن لها نهاية، وبطريقة الانتقال بين الشخصيات بالقطع المتبادل التقليدي في لقطات كلوز أب أو لقطات متوسطة.
أما الموضوع فهو يبتعد عن البيئة الافريقية التقليدية بدلالاتها الخاصة (التي أجاد استخدامها مثلا المخرج الاثيوبي هيلا جيريما في فيلمه الكبير "تيزا") لكي يرتد إلى دراما المثلث التقليدي العتيق (الزوج- الزوجة العشيق)، ولكن ليس من خلال المفارقات المرحة المثيرة التي يمكن أن تأتي من موضوع كهذا، بل من خلال أسلوب متجهم صارم مليء بالحوارات العقيمة والصراخ والتقلب من النقيض إلى النقيض، دون نعرف لماذا، مع إدخال موضوع الشعوذة ولجوء النساء إليها في المجتمع الإفريقي رغم كون البيئة التي تدور فيها أحداث الفيلم هي بيئة الطبقة الوسطى الميسورة الحال ولكي يقول لنا إن "ميمي" بطلته المرأة المتمردة رغم تجاوزها منتصف العمر، يكنها ان تهزم السحر والشعوذة بقوة شخصيتها.
و"ميمي" طبيبة متزوجة منذ نحو 20 عاما من رجل في مركز اجتماعي مرموق، لكنها تقيم علاقة جنسية مع رجل آخر متزوج، لكنها ترى أنه يمنحها ما لا يستطيع زوجها أن يعطيها اياه، أي الكلام الجميل، والأحلام المشتركة، ولحظات الاسترخاء.
أما الزوج فهو إما مشغول معظم الوقت، أو يبحث أيضا عن فرصة للهرب بعيدا عن الروتين الذي يعيشه بل ويفكر أحيانا في اقامة علاقات خارج الزواج أيضا، وقد سبق له الزواج أكثر من مرة، وهو ربما يكون عاملا إضافيا لقلق زوجته وشعورها بعدم الارتياح.
الزوجة تطرد زوجها وتستولي على المنزل الذي ترى أنه من حقها، رغم أنها لا تشترك من الناحية المالية في أي مسؤوليات على الرغم من الدخل الهائل الذي تجنيه من عملها كطبيبة كما تقول.

الأمر يصل للقضاء بين الزوجين، مع إلحاحها على طلب الطلاق، ورفض الزوج. ومن ناحية أخرى تطاردها زوجة عشيقها، وتهددها وتوجه لها الاهانات حتى تكف عن ملاحقة زوجها.
وتعود الزوجة إلى زوجها ولكن في نيتها أن تدفعه لطلب الطلاق حتى تخرج من العملية رابحة. لكن الزوج يتحين الفرص إلى أن يضبطها متلبسة بخيانته مع العشيق.
وينتهي الفيلم وزوجها يتعهد بألا يراها أبدا مرة أخرى، بينما يفر العشيق عائدا إلى زوجته، متسترا على فضيحته الشخصية التي كادت أن تكلفه حياته.
أسلوب ولغة الفيلم كما أشرت لا تخرج عن نطاق المشاجرات الطويلة الممتدة التي يرتفع فيها صوت الزوجة، في إعلان واضح يؤكد عليه سليمان سيسي، عن أن المرأة الافريقية أصبحت ندا للرجل في التعبير عن مشاعرها ورغباتها الجنسية، ولم تعد تكتفي بقبول دور الزوجة المغلوبة على أمرها.
غير أن المشكلة أن جمهور الفيلم لا يمكنه التعاطف مع تلك الزوجة التي يصورها لأنها ببساطة تضبط متلبسة بالخيانة بعد أن كانت لا تعترف باقترافها بل وتنفي بشة وجود أي علاقة لها بالعشيق، في حين أننا نراها تهاتفه من وراء ظهر زوجها ومن داخل منزل الزوجية، فماذا يتوقع سيسي أن يكون رد فعل أي مشاهد للفيلم في هذه الحالة!
وما هو المغزى الاجتماعي العظيم في جعل الخيانة مرادفا للتحرر من السيطرة الذكورية وما إلى ذلك من أفكار باتت على أي حال، قديمة وبالية ومستهلكة.
ضاع الفيلم وسط مشاهد المشاجرات والاشتباكات المتكررة، وفقد أي حرارة ترتبط بالمكان، وفشل المخرج في الاستفادة من أجواء البيئة فيما عدا المشاهد النهائية التي يخرج فيها بالكاميرا خارج المنزل الذي تدور بداخله معظم الأحداث، فتحرر من سيطرة المكان الواحد، وتمكن من التقاط عدد من التفاصيل الصغيرة مع مزجها بالموسقى الافريقية الشعبية المميزة.
لكن ظل السؤال قائما: أين السينما الإفريقية الأصيلة في كان؟

يوميات مهرجان كان 9

لقطة من فيلم "في الأصل" الفرنسي

* مساء اليوم العرض الصحفي قبل يوم من العرض الرسمي، للفيلم الفلسطيني "الزمن المتبقي" للمخرج إيليا سليمان. بالمناسبة الكتيب الصحفي للفيلم يذكر أن الفيلم من إنتاج: فرنسا- فلسطين ولا يوجد أي ذكر لإسرائيل أو ايطاليا أو بلجيكا!
* فيلم "في الأصل" الفرنسي في المسابقة عرض صباح اليوم وسط استحسان الحشد الكبير من النقاد والصحفيين، والفيلم شأنه في ذلك شأن معظم الأفلام الفرنسية الحديثة، من النوع البوليسي.
* فيلم المخرج النمساوي الشهير مايكل هانيكه يضيف احباطا آخر إلى إحباطاتنا من أفلام "العمالقة" أي كبار المخرجين في هذه الدورة الذين جاءت معظم أفلامهم أقل من التوقعات بل وأقل مما سبق أن قدموه. فيلم هانيكه "الشريط الأبيض" يصعب أصلا إكمال مشاهدته، فهو يقع في حوالي ساعتين ونصف الساعة، بالأبيض والأسود، ويمتلئ بأكبر حوار عرفته في أي فيلم خلال السنوات العشر الأخيرة بحيث تنحصر مهمة الناقد المتابع له في شيء واحد فقط: نسيان الصورة تماما لأنه لن يستطيع أن يراها، والتفرغ التام لملاحقة الترجمة المطبوعة أسفل الشاشة ومتابعتها أو التسابق مع زملائك لكي ترى من منكم سيتمكن من اللحاق بها أولا، ولن ينجح أحد!

الأربعاء، 20 مايو، 2009

يوميات مهرجان كان 8


السينما لم تمت بعد بل لاتزال حية بل وتحيا بشكل جيد. العروض السينمائية التي نشاهدها هنا في كان تؤكد ذلك. فيلم مثل "رحلات الريح" لسيرو جيرا من كولومبيا، بروعته وجمال منظره وسحر قصته التي تجمع بين صبي ورجل: الرجل صامت حزين فقد لتوه زوجته، والصبي يريد أن يساعد الرجل في بلوغ غايته، تشده إليه آلة الأكورديون التي يجيد الرجل العزف عليها لكنه لا يريد أن يعزف بل أن يعود إلى البلدة البعيدة عبر الجبال لكي يعيد الأكورديون إلى معلمه الأصلي كما وعده.
فيلم جميل من أفلام الطريق، يخوض خلالها الرجل والطفل بعض المغامرات: يشارك الرجل في مسابقة للعزف على آلة الأكورديون التي لها خصوصيتها، ولكنه يفشل، فلم يكن لديه عازف ايقاع ويتطوع الصبي للقيام بالدور لكن لا يستطيع، تستولي عصابة من الأشقياء على الاكورديون بعد أن يرفض الرجل العزف أمام كبيرها. وهو رجل يضع نظارات سوداء على عينيه. حزين على زوجته التي فقدها أخيرا، يبدو عازفا عن الحياة بينما يشده الصبي إليها.
الصبي يسعى بشتى الطرق لاستعادة الآلة الجميلة الأثرية، ويتعرض للموت من أجل ذلك، وعندما يدرك زعيم تلك الجماعة مدى اخلاصه لصديقه واستعداده للتضحية بحياته، يمنحه الأكورديون.
الإثنان يختلفان ويتشاجران، وينفصلان خلال الرحلة التي تمر في أرض وعرة وعندما يصلان إلى مبتغاهما يجدان أن "المعلم" قد مات، وأنه ترك وصيته بألا يدفن حتى يعود صديقه لأنه كان يعلم أنه حتما سيعود.
هذه سينما تتنفس شعرا ورقة وجمالا، تحتفي بالموسيقى، كما تحتفي بالصورة في شتى تجلياتها.
* المؤتمرات الصحفية التي تقام هنا في كان يوميا للمخرجين الذين يعرضون أفلامهم في المسابقة وفي قسم "نظرة خاصة" أصبحت القاعة التي تستضيفها تضيق بها. لم يتمكن الكثيرون من حضور مؤتمر المخرج الشهير كوينتين تارانتيو، الذي جاء ومعه كل أعضاء فريقه من الممثلين والممثلات، وأخذ تارانتينو يطلق ضحكات عصبية صاخبة بسبب وبدون سبب في معظم الأحوال. وكانت تجلس بجواره الممثلة الألمانية ديان كوجر الي قامت بدور بريدجيت دير هامرسمارك، الأستقراطية التي تتعاون مع الحلفاء ضد النازية. وأثناء المؤتمر نهض فجأة الممثل النمساوي الفذ كريستوف فالتز وطبع قبلة على خد تارانتينو!
أما براد بيت فقال كلاما مستهلكا مكررا كله مجاملات عن التجربة التي جمعت بين عدد من الممثلين من بلدان مختلفة معتبرا أن هذا شيء يحسب لتارانتينو، وأيضا احتفاظه باللغات الأصلية في الفيلم. الفيلم بالمناسبة معظمه ناطق بلغات غير الانجليزية ويمكن للجمهور الأمريكي متابعته عن طريق الترجمة المطبوعة وهو ما سيقلل كثيرا في رأيي من الاقبال التجاري عليه في السوق الامريكية.

يوميات مهرجان كان 7

لقطة من فيلم "هليوبوليس"


الفيلم الذي يستقطب الكثير من الاهتمام هنا حاليا هو فيلم "أوغاد مجهولون" لكوينتين تارانتينو. ومصدر الاهتمام ليس عظمة الفيلم أو الإعجاب به بل ربما العكس، صدمة الخروج منه بدون الإحساس المنتظر، بالمتعة، والاثارة، واكتشاف الجديد. هناك إحساس عام بأنه تارانتينو خذل جمهوره، وقدم لهم بضاعة قديمة مسلوقة في إناء جديد مليء بالثقوب. ساعتان ونصف ساعة أمام كوميديا بدون خفة روح، وإبحار في التاريخ دون حتى تجاوزه من البداية، فهو حائر بين الدراما الحربية والفيلم التاريخي، وبين الكوميدي والفانتازي. ولابد من العودة إليه فيما بعد.
* الفيلم الاسرائيلي الثاني في المهرجان عرض اليوم في قسم "نظرة خاصة" وهو بعنوان كبير أكبر من الفيلم وموضوعه التعيس الذي يصور علاقة شذوذ جنسي بين شابين من اليهود الأرثوذوكس أحدهما متزوج!
* الفيلم المصري الجديد "هليوبوليس" لمخرج الشاب أحمد عبد الله (مونتير سبق أن قام بالمونتاج لفيلم "عين شمس" لابراهيم البطوط) عرض اليوم في السوق الدولية للأفلام. وكنت قد شاهدت نسخة خاصة منه قبل حوالي شهرين، وهو تجربة جديدة وجريئة تبتعد عن القوالب النمطية السائدة فس السينما المصرية، أنتج بجهود شخصية، وباستخدام كاميرا الديجيتال في تجربة شبيهة بفيلم "عين شمس" ومن انتاج شريف مندور أيضا. وربما يعرض الفيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته القادمة التي أتوقع أن تمسح خزي الدورة الماضية!
* في استطلاع مجلة "سكرين انترناشيونال" اليومي منح ناقد واحد أربعة نجوم لفيلم Antichrist للارس فون ترايير بينما منحه 7 نقاد نجمة واحدة، ومنحه ناقد نجمتين، وآخر ثلاث نجوم. إذن يكون نصيبه في المتوسط 16 نقطة من أربعين. وعموما هناك إحساس عام بين الحاضرين هنا إما بالتحفظ على الفيلم أو رفضه رفضا مطلقا، أو عدم المبالاة به، أو الإعجاب به على نطاق محدود. ولكن لم يرشحه أحد لنيل السعفة الذهبية.
* في رأيي أن جائزة أفضل ممثلة يجب أن تذهب إلى الممثلة الإيطالية جيوفانا ميزوجيورنو بطلة الفيلم العظيم "الانتصار" لماركو بيللوكيو، التي لعبت دور الزوجة المجهولة لموسوليني. وبالمناسبة الفيلم عمل إبداعي كبير أقرب إلى الأوبرا.

الثلاثاء، 19 مايو، 2009

ثنائية التعصب الديني والتسلط السياسي في مهرجان كان


بعيدا عن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في مهرجان كان، عرض فيلمان اعتبرا من "التحف" السينمائية الكبيرة. الأول هو فيلم "أجورا" Agora للمخرج الإسباني اليخاندرو أمينبار، مع طاقم عالمي من الممثلين، وبتمويل مشترك وامكانيات فنية هائلة.
وأعد للفيلم نسخة ناطقة بالإنجليزية، لضمان التوزيع في السوق الأمريكية، وهي الأكبر في العالم. وقد عرض خارج المسابقة.
أما الفيلم الثاني فهو الفيلم الروسي "قيصر" Tsar للمخرج الشهير بافل لونجين، وهو من التمويل الفرنسي وبامكانيات إنتاجية كبيرة تتناسب مع موضوعه الكبير.
عرض الفيلم في قسم "نظرة خاصة" رغم أنه يتميز بمستواه الفني الكبير على الكثير مما شاهدناه في المسابقة الرسمية.
الفيلمان يشتركان في أكثر من سمة، الأولى أنهما من الأفلام "التاريخية"، أي تلك التي تدور في الزمن الماضي البعيد، أو مما يطلق عليها period films.
أما السمة الثانية فهي أن كليهما يتعرض بشكل أو بآخر، لموضوع التعصب الديني أو التفسير الخاطيء للدين عندما يصبح مبررا للقمع والإرهاب وإنكار "الآخر" وشطبه.
في الاسكندرية القديمة
"أجورا" كلمة يونانية معناها "الساحة" التي كان يجتمع فيها المثقفون والشعراء والعلماء في أثينا القديمة أو في الاسكندرية في زمن الامبراطورية الرومانية بعد انقسامها حول عاصمتين: روما والاسكندرية.
أما الشخصية الرئيسية في الفيلم فهي شخصية هيباتيا.. تلك العالمة الاغريقية الأسطورية التي أثارت سخط الكنيسة القديمة التقليدية، كنيسة الاسكندرية، بسبب نبوغها العلمي وتأثيرها الكبير في المجتمع رغم كونها يونانية "وثنية" رفضت الانصياع للتعاليم الجامدة للكنيسة في تلك الفترة من القرن الرابع الميلادي.
وهيباتيا بالمناسبة، هي إحدى الشخصيات الرئيسية في رواية "عزازيل" للكاتب المصري يوسف زيدان الفائزة بجائزة بوكر العربية لعام 2009. وهي التي ينتهي مصيرها في الرواية والواقع بالقتل بطريقة تقشعر لها الأبدان، على أيدي المتعصبين، الذين يبيحون قتل الآخرين باسم الدين، بل ويحرقونها وهي مازالت حية.

وقد قدم زيدان في روايته وصفا تفصيليا أدبيا رفيعا لحادث اغتيالها في "الساحة" الرئيسية بمدينة الاسكندرية وهي في طريقها لإلقاء محاضرة على جمهورها.
وهيبا- من هيباتيا- هو الإسم الذي أطلقه على بطل الرواية، الراهب المصري الذي جاء من الصعيد إلى الاسكندرية للتزود بعلوم اللاهوت، وبدلا من ذلك انساق وراء التعلم من تجارب الحياة ذاتها. وقد تسمى باسم هيبا تحية وإعجابا بالعالمة اليونانية العظيمة التي راحت ضحية التعصب والتزمت والجهل.
أما فيلم "أجورا" فهو الأول في تاريخ السينما الذي يتناول شخصية "هيباتيا، وقد جرى تصوير الفيلم في جزيرة مالطا، حيث شيدت ديكورات هائلة لمدينة الاسكندرية القديمة التي كانت العاصمة الثانية للإمبراطورية الرومانية في تلك الفترة، بفنارها الشهير، ومكتبتها التي اعتبرت مهد العلم والمعرفة في العالم القديم.
ملحمة تاريخية
واستخدم المخرج آلاف الممثلين الثانويين، في المشاهد التي تستخدم فيها الجموع، خاصة المشاهد النهائية في الفيلم، وذلك على نحو يذكرنا بالأفلام التاريخية الملحمية الكبيرة التي كان يخرجها سيسل دي ميل، أو الأفلام الكبيرة التي خرجت من هوليوود في الخمسينيات والستينيات. أساس موضوع الفيلم هو ذلك الصراع الشهير الذي ميز العصر الأول بعد اعتناق الإمبراطورية الرومانية المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للدولة، والسماح لمسيحيين بالدعوة لديانتهم والتحرك بحرية في أرجاء البلاد.
لكن من بين هؤلاء من استخدموا الاعتراف الرسمي بديانتهم من أجل إرغام الآخرين على اعتناق المسحية، حتى أولئك الذين لم يكن يمكن اعتبارهم من الذين يقفون في معسكر أعداء الديانة بأي شكل من الأشكال.
وعلى رأس هؤلاء بالطبع "هيباتيا" عالمة الفلك والرياضيات والفيلسوفة الشهيرة التي اعتبرت الأم الروحية للعلوم الطبيعية الحديثة.
رمز الحكمة
ويصور الفيلم هيباتيا ابنة رئيس مكتبة الاسكندرية العالم الكبير "ثيوس" الذي يكن له الجميع الاحترام والتقدير، باعتبارها رمزا للحكمة والتسامح، وبتركيز خاص على أبحاثها المتعلقة بوضع الإنسان في الكون، وموضع كوكب الأرض بالنسبة للشمس، وهل الأرض كروية أم مسطحة، وما الذي يبقي الأرض سابحة في الفضاء.
في الوقت نفسه يصور الفيلم علاقتها بشخصية "متخيلة" هي شخصية "أوريستوس" الروماني الذي يتدرج في السلك العسكري والسياسي إلى أن يصبح الحاكم الفعلي للمدينة وممثل الامبراطور الروماني بعد انشقاق الامبراطورية وإشرافها على التفكك، مفسحة الطريق لنظام عالمي جديد مع انتشار المسيحية.


هناك علاقة عاطفية واضحة بين هيباتيا وأوريسيوس، الذي يقف مدافعا عنها إلى ما قبل النهاية عندما يستسلم لمنطق القوة مثل أي سياسي في عصره، ويتخلى عن حمايتها أمام تشبثها بفكرة الحرية: حرية العقيدة والاختيار.
ومن جهة أخرى هناك أيضا "دافوس" العبد الذي يتحول تدريجيا إلى اعتناق المسيحية، وتمنحه هيباتيا حريته، لينطلق وينضم إلى الجماعات المتطرفة التي يقودها رجل الدين "أمونيوس" (يقوم بدوره أشرف برهوم الممثل الفلسطيني في فيلم "الجنة الآن").
يحرض "أمونيوس" على الاستيلاء على معابد الرومان والاغريق إلى أن نصل إلى اقتحام مكتبة الاسكندرية من جانب الجماعات المهووسة بالدين كما يصورها الفيلم، حيث تأخذ في هدم وتدمير المحتويات بدعوى أنها تنتمي إلى التراث الوثني، وتهدم التماثيل وتسقط الرموز الفنية وتحرق الوثائق والأبحاث العلمية والخرائط.
بعد ذلك يبرز دور الأسقف "سيرل" وتتصاعد الدعوة إلى ضرورة الفتك باليهود المقيمين في الاسكندرية والتنكيل بهم وهو ما يصوره الفيلم في مشاهد هائلة: تحطيم المحلات التجارية والاستيلاء على أموال اليهود ونهب بيوتهم ثم قتلهم بأكثر الطرق وحشية فيما يصرخ كبير الحاخامات: "لو لم يكن اليهود لما كنتم أنتم أيها المسيحيون.. لقد كان المسيح يهوديا"!

ملاك الحكمة المطلقة
ومع اشتعال حمى رفض الآخر والفتك بكل من يختلف مع "الجماعات" التي تدعي احتكار الحقيقة المطلقة، تتجه دعوة الأسقف سيرل إلى منع الاستماع للنساء، بل وحظر بروز المرأة في المجتمع والعمل على إعادتها للمنزل، وحظر اشتغال المرأة بالفكر أو التدريس، بل والتحريض على قتل هيباتيا باعتبارها "وثنية" معادية للديانة الجديدة رغم دفاعها عن حق الآخرين في الاعتقاد كما يشاءون.
يقبضون عليها ويسوقونها بعيدا ويجردونها من ملابسها، ويستعدون لحرقها في الساحة، إلا أن الفيلم لا يصور النهاية الحقيقية التي انتهت إليها هيباتيا في الواقع كما تحفظ كتب التاريخ، أي تمزيق جسدها ثم حرق أشلائه.
بدلا من ذلك نرى عبدها السابق "دافوس" الذي يكن لها حبا ممزوجا بالاشتهاء، وهو يحتضنها بقوة ثم يقوم بخنقها بينما هو يتمزق ألما وحسرة عليها، حتى يجنبها مصيرها البشع المحتوم. ولاشك أن المصير الذي تنتهي إليه هيباتيا له تأثيره، لكن تغيير المسار الصحيح يبدو غير مفهوم في سياق الفيلم.
أصداء معاصرة لاشك أن الفكرة الأساسية وراء الفيلم هي فكرة ذات أصداء معاصرة تماما. وكما تستخدم رواية "عزازيل" التاريخ للإسقاط على الواقع الحاضر، يستخدم الفيلم قصة "هيباتيا" للتطرق إلى معالجة فكرة التعصب الديني، ورفض التعايش مع الآخر، ونبذ المرأة واستبعاد دورها وتقزيمه، واحتقار العلم بدعوى تعارضه مع الدين، وغير ذلك من الأفكار المعاصرة تماما والتي تتسق مع ما يحدث في عالمنا حاليا.

لغة السينما
ولاشك أن الفيلم يعبر عن رؤيته الفكرية باستخدام أقصى ما تسمح به لغة التعبير المرئي في السينما: التجسيد البصري للأماكن والأحداث والشخصيات، خلق حبكة تدور من حولها الدراما دون أن تكون الحبكة مقصودة في حد ذاتها، الاستخدام الموحي للتكوين وحركة الكاميرا وزوايا التصوير التي تتنوع وتتباين حسب مزاجية المشهد وما يحتويه، الموسيقى التي تغلف الصورة وتلعب دورا مباشر محسوسا تحت جلدها.
وعلى العكس من أفلام سيسل دي ميل التوراتية أو الأفلام التاريخية التي خرجت من هوليوود حديثا مثل "المصارع" وغيره، ليس الهدف من تصوير تلك الدراما الهائلة الإبهار أو إثارة المشاعر، بل أساسا، الدعوة إلى التأمل: تأمل الماضي للاستفادة من دروسه.
ولذا، يفرد الفيلم مساحات واسعة يتوقف خلالها ويركز على الفضاء، والكواكب السابحة في السماء، ويصور علاقة هيباتيا بالعالم من خلال بحثها فيما وراء العالم المحسوس المرئي والمباشر.
عندما يهددها رجل الدين "أمونيوس" بالموت إذا لم تعتنق المسيحية، تقول أمام الجميع في بساطة وعفوية مخلصة إنها تؤمن بالفلسفة.
القيصر
لكنه يسخر من تلك "الفلسفة" ومن قدرتها على إنقاذ صاحبتها من الموت. وهذا نفسه، وإن على صعيد آخر، ما يصل إليه فيلم مختلف كثيرا في موضوعه وبنائه وإن لم يختلف في جوهره هو الفيلم الروسي "قيصر" Tsar.
نحن هنا أمام سيناريو شديد الرونق والإحكام، يدور أساسا حول شخصيتين: القيصر الروسي الشهير باسم إيفان الرهيب من القرن السادس عشر (1565 تحديدا)، والرجل الطيب الورع فيليب، صديق طفولة القيصر الذي يعينه رئيسا للكنيسة الروسية بعد استقالة رئيسها في أعقاب هزيمة الجيش الروسي أمام القوات البولندية.
غير أن القيصر يتجه رويدا رويدا إلى اعتناق الخرافات باسم الدين، وينتقي من الدين ما يدعم سلطته ويكفل لها أن تظل سلطة مطلقة استبدادية. وهنا يبدأ وينمو الصدام بينه وبين الأسقف فيليب.
الفيلم مقسم إلى عدة فصول يحمل كل منها عنوانا مثل "حرب القيصر" و"تضحية القيصر" و"ساحة ألعاب القيصر" وما إلى ذلك.
جنون إيفان
ويصور الفيلم كيف يتحول القيصر تدريجيا في اتجاه الجنون المطلق عندما يبدأ في الاعتقاد بأنه امتداد للإله، أو "ظل الله على الأرض"، ويأخذ في إصدار تعليماته بالتنكيل بالجميع: الأمراء الذين يتهمهم بالخيانة بعد هزيمة الجيش، قواد الجيش الذين يأمر باعدامهم، بل وأفراد الشعب إذا لم يحضروا لمشاهدة تنكيله بخصومه علانية في ساحة المدينة.

ويصل إلى الصدام مع صديقه القديم، أسقف الكنيسة الروسية، بسبب رفض الأخير الانصياع لرغبات القيصر وإدانة الأمراء بتهمة الخيانة، التي يعرف أنهم أبرياء منها.
يعترف القيصر في إحدى المواجهات بينه وبين الأسقف فيليب، أنه كإنسان من الممكن أن يخطىء، بل ويظلم الآخرين، أما كقيصر فكل أحكامه صحيحة لأنه يستمد قوته وشرعيته من الحكم الإلهي نفسه. ولا يفتأ يكرر أن الله أمر بطاعة الحكام وتنفيذ أوامرهم.
هذا أساس الصراع العنيف هنا بين مفهومين للدين: مفهوم يرى الدين مجسدا في العدل والتسامح والحب، ومفهوم آخر يراه في القوة.
يقول القيصر متسائلا في استنكار: هل تريدني أن أنتظر أن يحاسب الله هؤلاء الأمراء؟ ومن الذي سيحمي البلاد إذن من الخونة والمتآمرين؟ إن هذا دوري في الحفاظ على الدولة وإلا انهارت.
هذا التبرير للاستبداد يصل إلى أقصاه عندما يُعتقل الأسقف، ويُسجن داخل دير، وتُقيد يداه، ويتعرض للإذلال من جانب خصومه من رجال البلاط الذين كانوا يرفضونه ويخشونه من البداية بسبب تعارض منطقه القائم على إحقاق العدل، مع منطقهم في تغليب القوة.
وينتهي الفيلم بالنهاية المنتظرة المؤجلة أي باعدام الأسقف خنقا، ولكن دون أن نرى المشهد مجسدا على الشاشة لأنه من تحصيل الحاصل هنا. ميزات السيناريو بطبيعة الحال ما يميز الفيلم إلى جانب السيناريو الدقيق الذي يعد اعادة تسليط للأضواء على شخصية القيصر "إيفان الرهيب" الذي يعتمد على عكس ما توصل إليه أيزنشتاين في فيلمه بالعنوان نفسه حول دور رجل الدين في دعم الاستبداد، هناك أسلوب ولغة الإخراج التي تعتمد على حركة الكاميرا والتكوين والتشكيلات البصرية والأداء التمثيلي الفذ المبهر حقا، والموسيقى وإعادة تجسيد ديكورات الفترة وأزيائها.
ومن ضمن الجوانب الثرية التي يرسمها السيناريو جيدا ويجسدها المخرج بعبقريته الفريدة بالاستعانة بالطبع بامكانيات تصميم المناظر، ذلك الجزء الذي يحمل عنوان "ساحة ألعاب القيصر".
رمز البراءة
وفيه يستعرض القيصر أمام رعيته من سكان موسكو الكثير من وسائل وأساليب التعذيب المبتكرة التي صممها له أتباعه وعلى رأسهم الرجل ذو السحنة الشيطانية الذي يتلذذ بابداء ازدرائه للأسقف وأفكاره، ويتمرغ في مداهنة القيصر وتزيين الشر له، إلا أنه ينتهي بالموت حرقا بعد أن يسخر من القيصرة الشابة بدعوى أنه لا يردد سوى "الرؤية" المستمدة من صحيح الدين!
ويجسد الفيلم البراءة في طفلة صغيرة تعاني من اعتلال صحي يتبناها القيصر (في اطار


تناقضاته الشخصية) ويمنحها صورة للمسيح والعذراء، لكنه لا يستنكف أن يأمر باطلاق دب متوحش لالتهام الأمراء الذين أدانهم بالخيانة. وعندما تحاول الفتاة وقف اعتداء الدب تلقى مصيرها في مشهد مثير للرعب. درس في الأداء ولعل الأداء التمثيلي في هذا الفيلم تحديدا يعد من أفضل ما شاهدناه في هذه الدورة حتى الآن بل ربما الأحسن والأرقى على الإطلاق.
الأداء
إن أداء الممثل العظيم بيوتر مامونوف في دور القيصر نموذج مبهر للمدرسة الروسية في التمثيل: إنه يعبر بالعين وبحركة الرموش والجفنين، وارتجافات الشفتين، وتشنج اليدين، والتلوين في الصوت، والحركة الفسيحة الواثقة الموحية للجسد في الفراغ، كأعظم ما يكون الأداء السينمائي، وبحيث يتوارى تماما الفرق بين الممثل والشخصية. إنها مدرسة ستانسلافسكي في أرقى مستوياتها في التعبير بالتقمص.
وعلى الناحية الأخرى لا يقل أداء الممثل الكبير أوليج يانكوفسكي في دور فيليب، بصمته المعبر الآسر الحزين، وصموده بصبر على الألم، والتعبير عن الألم بنظراته وإيماءاته وليس بحركات جسده الخارجية.
يستخدم لونجين الإضاءة بحيث تجسد الظلال القاتمة في جوانب الصورة، ويحيط المناظر الخارجية بالضباب، ويعبر عن ذروة بلوغ المأساة قمتها في مشهد حرق الكنيسة التي يرفض رهبانها إعطاء جنود القصير جثة الأسقف.
يقول المخرج لونجين: "لقد كان إيفان الرابع رجلا مثقفا ذكيا، ربما أكثر الرجال معرفة وعلما في عصره، وكان كاتبا وشاعرا. ولكن ليس هناك ما هو أسوأ من الفنان وهو في السلطة. لقد كان وحشا، منع دخول روسيا عصر التنوير مبقيا عليها في العصور الوسطى. ونحن لازلنا نعيش في العصور الوسطى على نحو ما، حتى الآن"!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com