الأربعاء، 1 أكتوبر، 2008

السينما والتطرف


حتى الآن لم يظهر عمل سينمائي واحد يتناول قضية التطرف الديني والإرهاب والفكر المتطرف كما ينبغي بالنسبة لموضوع بمثل هذه الخطورة، أي أن يبحث في جذروه وأصوله، ويتعرض بشكل واضح وجرئ حقا، إلى أصل الفساد والشر ومنبع الانحراف الفكري وموطنه والذين يواصلون تغذيته بسبب العقد التاريخية التي تحكم نظرتهم للعالم من حولهم.. وكلها أشياء معروفة ومفهومة لكل من يفكرون أو ينشغلون بالتفكير.
إن كل ما ظهر من أفلام عن التطرف بدا سطحيا وسخيفا ولا يولي المشكلة الكبيرة ما تستحق من اهتمام، بل يعالجها بطريقة توظيف الفن السينمائي لما يمكن أن نطلق عليه "الفكر الأمني" أي التشويه المباشر والانتقاص والتصغير والسخرية العابرة، وكفى المؤمنين شر القتال.
إن فكرا متغلغلا بهذا الشكل في حياتنا ليس من الممكن التعبير عنه فنيا (ولا أحب استخدام لفظ "مواجهته" لأنه أيضا لفظ أمني وعسكري) على هذا النحو السطحي، الذي لا يحلل، ولا "يؤنسن" (أي يتعامل مع هؤلاء الأشخاص باعتبارهم بشر لهم نقائصهم ومبرراتهم ومفاهيمهم النابعة من بيئة محددة)، بل يقزم ويلغي، وكأنه بالشطب والإلغاء على الشاشة، نقضى على الخطر الداهم القائم، ونستأصل ما يعشعش في رؤوس بعض العباد.
وتتمثل المشكلة أيضا في خضوع الفكر السينمائي (وغير السينمائي) لإغراء النفط وسطوة البترودولار، فقد أصبح هناك إحجام عن الإشارة الصريحة المباشرة إلى دور النفط في تمويل التطرف، ودور مجتمع التصحر والتخلف في صب أحقاده على الحضارات المجاورة، ومحاولة تحقيق انتقامه "التاريخي" منه، والسعي بشتى الطرق إلى تخريب العقول في تلك الحضارات القديمة.
الطريف أن السينمائيين الأمريكيين لا يخشون من الإشارة بأصابع الاتهام من خلال أفلامهم التي تتناول القضية، إلى الأطراف الحقيقية المسؤولة. لكن هذه الأفلام تتراوح في مستواها ورؤيتها أيضا، من أفلام تسعى إلى التحليل، إلى أفلام أخرى تكتفي بالتعميم والإدانة.
هل سيتجرأ السينمائيون في مصر، التي تعاني أكثر من غيرها من التطرف الفكري، ومن هجمة التصحر الإرهابي، وينتجون أعمالا حقيقية تتصدى لكشف الحقيقة؟
لا أظن أن البيئة الحالية تتحمل جرأة سينمائية على هذا المستوى، فالرقابة الحديدية القائمة، والاحتقان الاجتماعي والسياسي، إلى جانب شبكة المنافع والمكاسب الشخصية التي تتعيش بالطبع على مجتمعات البترودولار وتلعب دورها كترس من تروس ثقافتها المضادة، كل هذه الاشياء تجعل الوضع بأكمله لا يتحمل فيلما واحدا يطرق الباب بجرأة.. والبديل: أن نظل نلف وندور ونناور ونضحك على أنفسنا.
الإرهاب والتطرف وكل الظواهر العنيفة تقتضي العمل على إرساء ثقافة أخرى: ديمقراطية، شفافة، تستند إلى مكتسبات الحضارة الإنسانية بأفق مفتوح، وبعيدا عن "العقد" التاريخية الموروثة.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com