السبت، 15 مايو، 2010

يوميات كان 3: وول ستريت.. المال لا ينام.. وكذلك لا أحد في كان!

سكورسيزي وسط الحسناوتين (ياله من رجل محظوظ!)
من فيلم "وول ستريت: المال لا ينام"

فيلم اليوم الثالث من المهرجان هو بلاشك الفيلم المنتظر، أو الذي كان منتظرا، "وول ستريت: المال لا ينام" لأوليفر ستون المعروف بأفلامه السياسية المثيرة للجدل.
لكن ربما يتعين علي القول إن ما كان منتظرا لم يرتفع أبدا إلى مستوى التوقعات.
نعم هناك محاولة مخلصة بلاشك، لتقديم عمل سينمائي جديد ينطلق من الفيلم القديم للمخرج نفسه "وول ستريت" (1987)، ولكن يقفز إلى 2008، عام الكارثة الاقتصادية التي لا تزال قائمة، ويبحث كيف كان ممكنا أن يحدث ما حدث فعلا.
غير أن المشكلة أن كل ما يقوله ستون في هذا الفيلم، نعرفه جميعا سلفا، بل ونحفظه عن ظهر قلب. إنه مثلا يروي ويشرح ويفسر ويحذر مما حدث على لسان العديد من الشخصيات التي تظهر، ومنها الكثير الذي يشبه أو يحاكي شخصيات حقيقية كلنا نعرفها، مثل رئيس بنك ليمان الذي كان انهياره، ورفض البنوك الأمريكي انقاذه من عثرته غير مدركين أن انهياره يعني انهيارهم، هو أصل وأساس الكارثة الاقتصادية التي حلت. رئيس ليمان في الفيلم يتعرض لمحاولة التهام شركته بأبخس الأسعار للسهم الواحد، ويتم التلاعب به وبتاريخه المهني لدرجة مهينة مما يدفعه إلى الانتحار عن طريق القاء نفسه أمام قطار مسرع من قطارات أنفاق نيويورك.
ولعل اللجوء دراميا إلى حيلة استخدام نفس شخصية مايكل دوجلاس في الفيلم القديم حول نفس الموضوع، وجعله يخرج من السجن بعد قضاء سنوات العقوبة الطويلة، لم تكن حيلة موفقة دراميا بل بدت دخيلة، وبدت المشاهد العديدة التي صيغت عمدا لأجل عيون دوجلاس (الذي بلغ حاليا 65 عاما) خاوية، وتكرارا لنفس شخصيته التي يتضح بالطبع أنها شخصية غير قابلة للتوبة، فالقول الشهير له في الفيلم السابق "الجشع جيد" يصبح هنا الآن "الجشع عاهرة" أي أمر مغو لا يسهل الإقلاع عنه.
مايكل دوجلاس أمام قصر المهرجان

وتبدو الحبكة الأساسية التي حولت الفيلم إلى ميلودراما عائلية أيضا غير محبوكة جيدا أو مفتعلة ومليئة بالمبالغات، وتتمحور كالعادة في مثل هذه الميلودرامات، بين الخير والشر.
فدوجلاس (مستر جوردون جيكو) له ابنة هي "ويني"، التي تمردت على أبيها من زمان، وقطعت علاقتها به لاعتقادها أنه السبب في انتحار شقيقها، وتحطيم قلب أمها بسبب جشعه إلى المال والحصول على المال بأي ثمن.
وترتبط ويني بعلاقة غرامية بشاب من الصاعدين الجدد في بورصة وول ستريت، وهو ربيب رئيس الشركة المنتحر بعد إفلاس شركته، وهو يسعى للانتقام من الرجل الذي كان السبب في انتحار والده الروحي، يحاول أن يلعب أمامه رمز الخير، والباحث عن الصعود ولكن في إطار التمسك بالقيم، بينما يسعى جيكو مجددا للحصول على الثروة ولو عن طريق استرداد المائة مليون دولار التي بلغها رصيد ابنته الذي أودعه منذ فترة طويلة في بنك سويسري، كتأمين لمستقبلها بعد أن تبلغ السن القانوني. لكنه أيضا يبحث عن الحب وعن الغفران، ويوازن بين الجشع والحب، وبين الإخلاص للغريزة، والتمسك بالأبوة. وفي مشهد مبالغ فيه كثيرا يعطيه الشاب الراغب في الزواج من ابنته اسطوانة مدمجة يشاهد عليها جنينا يتحرك في بطن ابنته هو حفيده القادم، طالبا منه التنازل عن المال لابنته، أي عمل صفقة يبيع له من خلالها ما يقول إنه "المستقبل". لكن الرجل العتيد يرفض قبول العرض. ومع ذلك يعود في نهاية الفيلم لكي يغلب مشاعر الأبوة على طمعه في استعادة مكانته وسط غابة الوحوش في وول ستريت. وبهذا يختتم ستون فيلمه الذي تتميز فيه الكثير من المشاهد من حيث الحركة والإخراج ودقة التصميم وإدارة الممثلين ومحاكاة الاجتماعات الفعلية التي دارت بين أهل المال والمسؤولين في الحكومة لمحاولة احتواء الأزمة، وكذلك مشاهد البذخ والحفلات التي تقام واستعراض المباني والمكاتب القائمة في وول ستريت، والديكورات الفاخرة المغوية للشقة التي يقيم فيها جيكو، ومحاولة الخروج من المكاتب في أوقات كثيرة، إلى الطبيعة، واختيار مواقع خلابة تكسر من وطأة الحوار الذي لا يتوقف في الفيلم.

ستون ودوجلاس مع أحد أبطال فيلمه


يقول ستون في المؤتمر الصحفي إنه لم يكن يدرك أن الكثير من الشباب المتطلع للعمل في سوق المال كانوا قد أعجبوا بشخصية جيكو في الفيلم السابق، وهو ما حدث بالفعل، وأخشى أنه سيحدث أيضا هنا، بسبب الهالة التي تحاط بـ شخصية مايكل دوجلاس في الفيلم، وتصوير نمط حياته بحيث لا يمكن أن تؤدي إلا إلى زيادة الإقبال على التورط في "الجشع" بدلا من تنفير المشاهدين منه، وهنا يكون الفيلم قد فشل حتى في توصيل رسالته الأخلاقية البسيطة المباشرة!
أداء دوجلاس واثق، مدرب، متمكن، يلبس الدور جيدا ويتلبسه الدور، لأنه أيضا كتب خصيصا له. أما الممثلة الانجليزية الشابة كاري موليجان التي تألقت في فيلم "التعليم" Education ورشحت للأوسكار عن دورها فيه، فقد فرضوا عليها التحدث باللكنة الأمريكية البشعة، وهو ما جعلها لا تشعر بالراحة بعد أن خرجت أيضا من بيئتها الطبيعية، بل وبدت ملامح وجهها وقد شاخت قبل الأوان!
ويظهر شارلي شين كضيف شرف في مشهد واحد من الفيلم يدور في حفل، كما يظهر المخرج أوليفر ستون حوالي ثلاث مرات كباحث عن الحقيقة عبر الانترنت، ومتلصص على عالم وول ستريت.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com