الجمعة، 14 مايو، 2010

يوميات كان 2: مشاركة قوية من الصين وكوريا الجنوبية



كتابة اليوميات تختلف بطبيعة الحال عن كتابة النقد السينمائي، فنحن هنا نتوقف أمام الأفلام من خلال الانطباعات الأولية بعد المشاهدة وليس بالضرورة من خلال تحليل عناصر الفيلم السينمائي، دون أن يعني هذا أننا لن نعود فيما بعد، للتوقف تفصيلا أمام عدد من الأفلام سواء خلال جولتنا الممتدة إثني عشر يوما هنا حتى نهاية المهرجان، أو بعد انتهاء الحدث نفسه حينما ستكون هناك مساحة جيدة للتفكير والتأمل، والتنفس أيضا.
بدأ يومنا الثاني في كان بالفيلم الصيني المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة وهو بعنوان "شونج كينج بلوز" Chongquing Blues للمخرج وونج تشياوشواي، وهو فيلمه العاشر. وفيه يتناول واقع الصين الحديثة اليوم، بعد الطفرة الصناعية والاقتصادية التي حققتها، مع مزيد من اغتراب الإنسان عن واقعه، وبالأخص أيضا، انفصاله عن ماضيه. ويعبر المخرج عن موضوعه الذي يقوم على أحداث وشخصيات حقيقية، من خلال قصة أب منفصل منذ فترة طويلة عن زوجته التي تزوجت بعد مرتين، يعود إلى البلدة التي هجرها ويه تشونج كينج التي تتميز بأجوائها الضبابية ونهرها العريض الممتد، لكي يبحث كيف قتل ابنه في ظروف غامضة. ويبحث الأب العائد عن الحقيقة طارقا كل الأبواب الممكن، باب الزوجة السابقة، ثم أصدقاء الإبن القتيل وزملائه، وحبيبته الشابة، وضابط الشرطة المسؤول عن قتل الإبن في ظروف قيام الأخير باحتجاز رهينة والتهديد بقتلها داخل سوبرماركت، ولكن هذا الموضوع البسيط الموحي يتحول على يدي هذا المخرج الواثق من أدواته، إلى عمل فيه من الإبداع والابتكار بقدر ما فيه من جمال حزين. فالمخرج يعمد طيلة الفيلم، إلى خلق صلة مباشرة بين البطل الفرد الذي فقد ماضيه أو خرج منه منذ فترة ولجأ للعمل في البحر، أي خارج اليابسة معظم الوقت، والآن أصبح يتعين عليه أن يحاول استعادة الماضي ولملمة أطرافه من خلال تجميع أشلاء قصة الإبن القتيل، الذي تعبر قصته أيضا، عن انفصال الجيل الشاب في اصين الحديثة عما يجري في المجتمع، وانعزاله عن جيل الآباء، ورغبته في الانغلاق على الذات.
وتبقى المدينة بمبانيها الشامخة المكدسة، وجسورها المعلقة، وخطوط التليفريك حيث ينتقل الاب طوال الفيلم، من مكان إلى آخر، يبحث وينقب ويجري المحاورات التفصيلية الدقيقة مع كل ما يلقاهم من الشهود، فيما هو يبحث في الأساس، عن نفسه المفقودة، وعن زمنه الضائع. عما بديع، بإيقاعه البطيء الخاص، وموسيقاه المعبرة، وصوره الأخاذة للمدينة التي يغلفها الضباب، وتصطبغ باللون الأزرق الخفيف الذي يضفي عليها مسحة من الحزن، والكاميرا المهتزة التي تعكس اهتزاز الواقع، وذلك الانفصال القائم بين الأجيال، بعد أن انفصلت الأحلام عن الواقع تماما بل وسحقت تحت وطأته.
أما فيلم "دراكيلا: إيطاليا تهتز" الذي يسخر من رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو بيرلسكوني والذي أثار ضجة قبل عرضه في المهرجان، فهو نموذج ممتاز للفيلم الوثائقي العصري، ويستحق بالتالي وقفة خاصة فيما بعد.
ولاشك أيضا أن فيلم "الخادمة" من كوريا الجنوبية يستحق وقفة أخرى تفصيلية نظرا لما يتمتع به هذا العمل، من زاوية مبتكرة في معالجة موضوع كان دائما يقدم من خلال الأسلوب الميلودرامي، وكيف ينجح مخرجه من الارتقاء بموضوعه ليجعل منه عملا شاعريا يفيض بالتأملات في العلاقة بين السادة والخدم، وبين المرأة والرجل في مجتمع ذكوري، وبين الخدم والخدم في داخل مجتمعهم الخاص، وبين الذات والآخر أيضا.

وقد أتيحت لنا اليوم أيضا فرصة ذهبية لمشاهدة المخرج البرتغالي الأسطوري مانويل دي أوليفيرا الذي يبلغ من العمر 102 سنة، وهو يصعد على منصة المسرح في افتتاح قسم "نظرة خاصة" لكي يقدم لنا فيلما جديدا هو فيلم الافتتاح لهذا القسم البالغ الأهمية. وقد أخذ الحشد الكبير الحاضر من النقاد والصحفيين، في التصفيق والترحيب بالمخرج الكبير، لمدة عشر دقائق كاملة. والغريب أن أوليفيرا لايزال يتمتع بالتماسك الذهني والقوة البدنية مما يجعله يمتلك السيطرة الكاملة على أفلامه التي يخرجها بانتظام، ودون توقف منذ عام 1990، بمعدل يصل أحيانا إلى 3 أفلام سنويا، علما بأنه بدأ الإخراج عام 1931 وأخرج حتى الآن 49 فيلما.
أما فيلمه "حالة أنجليكا الغامضة" ففيه يعالج بأسلوبه المميز الذي يقترب من التجريد، والتخلص من المشاعر الجارفة، والتعليق الاجتماعي، موضوع الموت، وكيف يمكن أن يكون خلاصا من الحياة الأرضية الضيقة، وتحقيقا لشيء أسمى وأجمل، يتمثل في الحب المطلق، الحب الأبدي. وطبيعي أن ينشغل مخرج في عمر أوليفيرا بموضوع الموت، الذي يقدمه ببراعته ودقته المعهودتين دون أن تفلت منه لقطة واحدة أو ينحرف عن الطريق ولو لثانية واحدة، ولا أفهم أبدا كيف يمكن أن يضع المسؤولون عن اختيار الأفلام مبرمجتها فيلما مثل هذا لمخر ج بمستوى وتاريخ أوليفيرا، في قسم تتسابق فيه الأفلام على جوائز موازية للجوائز الرئيسية تمنحها لجنة تحكيم مستقلة. لقد كان حري بأوليفيرا أن يرفض المشاركة في اي مسابقة، وكذلك الأمر بالنسبة للمخرج الفرنسي الكبير جان لوك جودار.
غدا صباحا (الجمعة) سنشاهد العرض الصحفي لفيلم "وول ستريت: المال لا ينام" للمخرج المثير للجدل أوليفر ستون، وهو معروض خارج المسابقة. لننتظر ونرى.

2 comments:

انحلت سيور العربه وسقط المهر من الاعياء يقول...

هايل يا عموره المدونه بعد التحديث والموضوعات هايله

الف مبروك يا مان انا سعيد اوى بيك

DIRECTEDBY يقول...

أستاذ أمير حضرتك مخلينا فى دائرة الاحداث ...

شكرا على اليوميات ..بالتوفيق

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com