الجمعة، 1 مايو، 2009

فيلم "العطش": سينما جميلة ولكن بدون روح


((المقال التالي لم يأخذ حظه في النشر عند كتابته قبل سنوات لأسباب كثيرة، فأحيانا ما تسبب السباحة عكس التيار الكثير من المتاعب لأصحابها، أنشره هنا كوثيقة رأي في فيلم لقي من الاشادة أكثر كثيرا مما يستحق في رأيي واستنادا إلى آراء النقاد الغربيين)).
فيلم "العطش" هو اول الأفلام الطويلة للمخرج توفيق أبو وائل، ابن بلدة أم الفحم الفلسطينية الذي أراد أن يسبح عكس التيار، أي بعيدا عن الأفلام الفلسطينية التقليدية التي تناقش الحصار الاسرائيلي والتوغلات العسكرية ومظاهر المعاناة اليومية والصمود (أفلام رشيد المشهراوي مثلا)، كما أراد الابتعاد عن سينما ميشيل خليفي التي تنتقد الواقع الفلسطيني دون ان تبتعد عن قضيته الرئيسية أي الاحتلال، كما تهتم بالجماليات دون ادعاء وتعال وصراخ بين اللقطات.
لقد أراد توفيق أبو وائل أن يقتفي أثر ثيو انجلوبولوس اليوناني صاحب الأعمال التي تحمل الكثير من الدلالات الكامنة، تكشف عنها بحساب شديد، وتعتمد أكثر على التأمل الفلسفي في مصائر الشخصيات وربطها بمصير العالم ومعنى الوجود فيه.
ولا عيب في ذلك بالطبع، بل إن المحك هو: هل نجح- مع تأثره هذا- في أن يحتفظ بهوية خاصة له؟
أمر مشروع تماما من الناحية الفنية أن يرغب توفيق أبو وائل في تحطيم الشكل السردي التقليدي، وأن يكتشف مكانا جديدا في أرض فلسطين ويكشف لنا عنه (هو هنا منطقة جافة تمتلئ بالفحم). وجميل أنه يريد أن يعبر عن غياب التواصل بين البشر، ربما داخل الأسرة الواحدة، وأن يفضح علاقة الحب – الكراهية بين الأب والإبنة، وجميل أن يقول لنا كلاما كبيرا على شاكلة أن الكبت بكل أشكاله هو الذي يقمع الرغبة في التحرر، فهذه كلها أشياء قد تبدو جذابة في التصريحات الصحفية التي تنشرها صحف الغرب التي تهتم كثيرا بهذا النوع من المقابلات مع السينمائيين غير الأوروبيين. لكن الواقع يظل أقوى من كل التصريحات. والواقع هو أن فيلم توفيق أبو وائل ليس من الممكن اعتباره فيلما فلسطينيا لأسباب عديدة:
أولا: لا يوجد فلسطيني يعيش في الفراغ، بل هناك أرض وشعب وماء ونبات وحياة وقضايا محددة الملامح لها جذور وتاريخ. أما أن يأتي أبو وائل فيصور كيف يهجر الفلسطيني أرضه الخضراء المزدهرة بالنباتات إلى الصحراء المجدبة التي تنعدم فيها أوليات الحياة بسبب وقوع ابنته المراهقة الشابة في الخطيئة، فهو يعكس نوعا من المراهقة الفكرية، فالفلسطيني لم يهجر أرضه لأسباب من هذا النوع كما يعرف كل المشاهدين في العالم. وهو من خلال هذا يريد بالطبع أن يقول لنا أن الفلسطينيين أسرى لتقاليد الماضي البالية العتيقة الاقطاعية، وهي نفس ما يردده الصهاينة عن الفلسطينيين أمام العالم منذ أكر من 60 عاما، سواء كان أبو وائل يدري أو لا يدري.
ثانيا: لا توجد أزمة في التركيبة النفسية الفلسطينية يمكن تناولها على نحو مجرد يعزلها بالكامل عن واقع الاحتلال والإرث العربي المتخلف المتراكم، كما عبر عن ذلك بصورة شاعرية رائعة ميشيل خليفي في "عرس الجليل" على مستوى تقليدي، أو كما عبر عنه إيليا سليمان في فيلمه الكبير "يد إلهية" على مستوى ما بعد حداثي.
إن مشكلة فيلم " العطش" ليست في اهتمام مخرجه بالتراجيديا كشكل درامي، فهذا اختيار مشروع، بل المشكلة هي أن هذه التراجيديا لا تتميز بملامح خاصة فلسطينية، بل هي تراجيديا مجردة، أو تجريدية أي تحدث في الفراغ، في منطقة أقرب إلى المناطق المحايدة التي لا تنتمي لأي طرف على الحدود بين دولتين، تماما مثل فيلمه الذي لا تعرف إن كان فلسطينيا أم أوروبيا استشراقيا!
والموضوع حول رجل اقطاعي مستبد وابنته الشابة التي ارتكبت فيما يبدو إثما، يأخذ أسرته ويرحل بعيدا عن قريته إلى منطقة صحراوية قاحلة، يقيم منزلا من لا شئ ويزوده بالماء عن طريق توصيل أنبوب طويل ملتف، يصعد جبلا لكي يزود الأسرة باحتياجاتها من الماء، هذا الأنبوب يتعرض بانتظام للتخريب من قبل مجهولين، فيلجأ الرجل مع ابنه إلى تناوب حراسة الأنبوب ليلا ونهارا، غير أنه لا يستطيع قمع الفتاة والسيطرة عليها إلا بعد ان يحبسها داخل كهف معتم وراء قضبان، ويحاول الفتى- الإبن- الشقيق- تحطيم بابه دون جدوى لأنه أيضا عاجز شأنه شأن والده.
نحن هنا أمام تكوينات مصطنعة لا علاقة لها بالبيئة الفلسطينية كما نعرفها (يمكن للمخرج القول إنه أكثر معرفة بها منا بالطبع!)، ودلالات رمزية مفتعلة للماء الذي يفجر الصراعات بدلا من أن يساهم في تبريدها، ومشاهد بالغة القسوة للقمع البدني من جانب الأب لابنته، والخلاصة أن "العطش" يمكنه أن يحقق نجاحا في بعض المهرجانات ولكن دون أن يتخذ له أي موقع في تاريخ سينما بلده، فهو أقرب إلى الأفلام "الريفية" الإيرانية التي سببت هوسا لدى بعض النقاد ومتعهدي المهرجانات في العالم، ولكن دون أي شئ يبقى في الذاكرة.
ولعل تبني جهات إنتاج إسرائيلية له (انتج بدعم إسرائيلي وشارك بالعمل فيه طاقم إسرائيلي) يعود إلى معرفتهم بأنه لا يمثل أي خطر عليهم فهو فيلم فاقد للهوية بل إنه يروج للفلسطيني التائه في مقابل أسطورة اليهودي التائه.. الذي عثر على وطن له أخيرا.

2 comments:

غير معرف يقول...

١- من حق الفنان الفلسطيني أن يبدع إبداعا إنسانيا وألا ينضو دوما تحت سقف سينما القضية.
٢- قضايا جرائم الشرف موجودة في مجتمعنا، شئنا أم أبينا ومعالجة هذا الموضوع (من بين أمور أخرى كما ذكرت أعلاه) لا تعني وجود أجندة تثير الارتياب.
٣- بعكس ما يتم التسويق له الحديث ليس عن لامكان ولازمان... فالمكان هو أرض كانت تابعة لأم الفحم وصادرتها السلطات الإسرائيلية (لتقوم بتدريبات للجيش) لكنها هجرتها لاحقا فبقيت غير مستغلة، وهنالك المشهد في أحد الأحراج: فمصدر الأخشاب المستخدمة لصنع الفحم هو أشجار يقتطها الأب وابنه من أحد الاحراج القريبة، في أحد المشاهد أثناء وجودهما في الحرج يختبئان خوفا (بعد سماعهما صوت سيارة) السبب أن هذه الأحراج في إسرائيل تكون عادة محميات طبيعية وقد زرعها "الصندوق القومي الإسرائيلي" والعديد منها زرع على أنقاض قرى فلسطينية مهجرة... هنالك رموز متفرقة في الفيلم للقضية الفلسطينية لكنها تشكل "جزءا من الديكور" وليست في لب أحداث الفيلم لذا فهي غير بادية للعيان تماما لكن هذا لا يعني انعدامها.

أمير العمري يقول...

للقاريء العزيز الذي بعث بالتعليق المنشور أعلاه أقول مرحبا بكل الآراء حتى ما يختلف معي..
ليس من حق أي شخص أن يتهم مخرج أي فيلم أو يحقق في نواياه فهذه ليست وظيفة النقد، وأنا لم اتهم مخرج فيلم عطش أي اتهام فقط أبديت عدم اعجابي بالطريقة التي عالج بها فيلمه وذكرت واوضحت الأسباب وهي اسباب فنية وليست سياسية. أما أن يكون الطرف الآخر وجد في سيناريو الفيلم مايساعده بشكل ما فقد يكون هذا ايضا صحيحا ولكن دون أن يعني هذا أن المخرج يخفي أي أجندة خاصة.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com