الخميس، 8 يناير، 2009

مخرجون ونقاد

من أسوأ ما يمكن أن يتعرض له ناقد أن يلح عليه مخرج صديق أو غير صديق، على مشاهدة فيلمه، بل وربما يرسله أيضا إليه، ويظل يطارده بإلحاح، لكي يعرف رأيه فيما شاهده. وهو أمر مشروع تماما.. غير أن الناقد عندما يقول رأيه الحقيقي في العمل الذي شاهده، وبذل جهدا لكي يكون رأيا علميا موضوعيا تفصيليا لا يتوقف عند باب الانطباع الشخصي السريع والعابر فيه، سيفاجأ في أغلب الأحيان بأن المخرج لا يرضى عن رأيه، بل إن هذا الرأي إذا كان سلبيا في الفيلم المقصود، سيغضبه أيضا، بل وربما يرد عليك قائلا ببساطة مثيرة للدهشة والعجب: هذا الفيلم الذي لم يعجبك أعجب آخرين!
والحقيقة أن المرء يحتار كيف يرد على قول مثل هذا، هل يقول مثلا: ولكني لا أعبر عن رأي الآخرين بالطبع بل أعبر عن رأيي الشخصي الذي يعكس فهمي ورؤيتي وتحليلي بل وثقافتي الخاصة ايضا.. سواء أعجبك هذا الرأي او لم يعجبك!
والحقيقة الثابتة أن الناقد الجاد لا يمكنه أن يخرج مباشرة من أي فيلم برأي تفصيلي عميق ونهائي، بل يقتضي الأمر منه العودة إلى تأمل الفيلم واستدعائه مرة أخرى في عقله وذهنه، وربما أيضا مراجعة الملاحظات التي دونها عنه أثناء مشاهدته قبل أن يبدأ في الكتابة عنه. غير أن الأمر المخزي حقا أن المخرجين في بلادنا العزيزة، تربوا على أن يخرج النقاد اياهم من عروض الأفلام لكي يشدوا على أيديهم ويقبلونهم ويقولوا لهم "مبروك" وهو تقليد "بلدي متخلف" مستمد من الأفراح والموالد وحلقات الاحتفال بالمواليد والأعياد وما إلى ذلك!
وربما يضطر المرء أحيانا.. عندما يجد مخرج الفيلم واقفا على باب الخروج في نهاية العرض.. لأن يقول له كلمة مشجعة على سبيل المجاملة، وربما ايضا يقول له "سأكتب عنه" أو "ستقرأ مقالي عنه" كما أفعل أنا شخصيا أحيانا، ولكن ليس معنى هذا أن الناقد عندما يذهب للكتابة عن الفيلم بشكل تحليلي تفصيلي لابد أن يشيد به..
ماذا يتوقع أن يقول الناقد وهو يجد امامه مخرجا يسد منفذ الخروج أمامه مثلا؟ هل يقول له مثلا: فيلمك فشل في إقناعي لأن الإخراج فيه ينقصه كذا وكذا والتمثيل غير متجانس مع الموضوع والصورة ينقصها الوضوح والإضاءة لا تتناسب مع طبيعة الفيلم والتناقض المفتعل بين شريطي الصوت والصورة يشتت الذهن. وغير ذلك.. أم يقول له: سأفكر في فيلمك.. ثم أكون رأيا خاصا تفصيليا بعد ذلك.
رأيي الشخصي أن من الأفضل في هذه الحالة عدم حضور العروض الخاصة على الإطلاق.
وشخصيا أفضل كثيرا مشاهدة الفيلم بعيدا عن مخرجه، خاصة إذا كان يعتبر من "الأصدقاء".. بعد أن خسرت الكثير جدا من هؤلاء الأصدقاء بسبب رأيي في أفلامهم، فهو يتوقعون أن تشد على أيديهم وتشيد بأفلامهم، في كل الأحوال سواء أعجبتك أم لم تعجبك. وأن يمتد اعجابك إلى كل ما يصنعونه حتى ما لا يعجبك منه، وهو منطق عصابات في الحقيقة وليس منطق أصدقاء. ولكنه، أساسا، مأزق ثقافة تعاني من انعدام الثقة في النفس، واهتزاز الرؤية، وانعدام القدرة على التفرقة بين الاشياء وتحديد الوظائف والأدوار!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com