الخميس، 30 ديسمبر، 2010

مهرجان دبي السينمائي 5


"الخروج" ميلاد حقيقي واعد لمخرج جديد


أود أولا أن أؤكد أنني فوجئت بـ"الطموح" السينمائي الكبير في فيلم "الخروج" للمخرج الشاب الجديد القادم من الولايات المتحدة، هشام عيسوي.

هذا فيلم ليس كسائر الأفلام التي تمر مرور الكرام. إنه قطعة ملتهبة متوحشة من قلب الواقع القاهري البائس الذي يعيشه سكان المناطق العشوائية اليوم: بطالة وتشرد وفقر وضياع اجتماعي، وتحايل من أجل العيش بشتى الطرق.

فتاة مسيحية شابة في الثامنة عشرة هي "أمل"، ترتبط بعلاقة حب مع شاب مسلم هو "طارق"، عاجز عن العثور على أي نوع من التحقق، يفقد وظيفته في أحد المطاعم، وتفقد "أمل" على إثر ذلك أيضا وظيفتها الهامشية في المطعم نفسه، بعد أن تسرق منها مجموعة من الصعاليك الدراجة النارية التي كانت تستخدمها في توصيل الطلبات إلى زبائن المطعم انقاذا للموقف بناء على رغبة صاحب المطعم الشرس.
تعيش أمل مع أسرة مكونة من الأم، وهي مغلوبة على أمرها، خاضعة لجبروت وتعنت زوج مستبد، مقامر، يستولي على كل ما تملكه، وشقيقة تقاسي الأمرين، من سلبية الأم، ومن إجرام زوج الأم الذي يستولي أيضا على كل ما تكسبه من جنيهات قليلة للإنفاق على ابنها، فتضطر لاحتراف الدعارة، كما ستكتشف أمل التي ترضخ لقهر الزمن وتقبل بالعمل في محل كوافير، تملكه امرأة فاسدة تدير منزلا للدعارة، وتحاول توريط أمل أيضا حيث تلتقي هناك بشقيقتها وتكتشف الحقيقة المرعبة.
اما طارق فهو يرغب في مغادرة مصر مع أولئك الذين يهربون بحرا بالقوارب الى ايطاليا، ولكن شقيقه، المندمج في أجواء تلك "اللوثة الدينية" التي تسيطر علىواقع الطبقة الوسطة الصغيرة في مصر دون أن تعني أي درجة حقيقية من درجات التدين، يحاول إقناعه بالبقاء بعد أن يسند اليه عملا في الطلاء، يستغله فيه مقابل حفنة من الجنيهات القليلة.
طارق يحب أمل رغم اختلاف الديانتين، وشقيقه يعترض بحكم تعصبه الديني، والآخرون ينظرون إليه باعتباره من الخارجين عن الأعراف والتقاليد، وتقول له أمل إنها حامل لكي تقنعه بالبقاء في مصر، لكن رفضه للواقع يبدو في لحظة ما، أكبر من حبه لها فتتركه يذهب بعد أن تقنعه بأنها كانت تدعي الحمل.
اما صديقتها التي فقدت عذريتها فهي تقبل بالزواج من رجل يكبرها كثيرا يعمل بالسعودية، تجري عملية لترقيع غشاء البكارة، وتحصل على تكاليف العملية من الرجل نفسه، دون أن تكشف له السر بالطبع، وبطريقة عملية تقول لأمل إنها ستتزوجه لكنها لن تحبه.

إنها باختيار سلسلة من الاحباطات، ومحاولات الالتفاف حول الواقع المزري الكئيب، من أجل البحث عن مخرج.. ولعل المعنى الحقيقي لعنوان الفيلم هو "المخرج" وليس "الخروج". لكن كل الطرق للخروج من القاهرة تبدو مسدودة، أو أن هذا ما نصل اليه في النهاية.
ولعل من الضروري هنا القول إن ما يميز هذا الفيلم، ليس فقط موضوعه المستمد مباشرة من تعقيدات الواقع المأساوي، بل من تلك القدرة الهائلة على تجسيد الموضوع على الشاشة باستخدام كاميرا الديجيتال (الرقمية) التي لولاها لما أمكن أصلا إنتاج مثل هذا العمل.
نحن هنا أمام قدرة كبيرة لاشك فيها على اختيار الأماكن المناسبة تماما للموضوع، والتعامل مع كل إمكانيات المكان لإثراء الصورة، واختيار زوايا تصوير صعبة تغرسنا كمتفرجين داخل تضاريس المكان: داخل الحواري الضيقة، فوق أسطح المنازل، داخل الحجرات الخانقة. إنها صورة تغوص في احشاء القاهرة العشوائية، لكنها رغم قسوتها الشديدة، لا تخلو من جمالها الخاص، فالرغبة المشتركة بين الحبيبين: أمل وطارق، في التغلب على قسوة الواقع والارتفاع فوقه، تجعلهما، مثلا، يرقصان فوق السطح، في مشهد يلعب على الإيروتيكي دون أن يقصد بالضرورة الإثارة الجنسية. ولعل من جوانب النقص في الفيلم، ومن داخل منطقه الدرامي نفسه، أن هشام عيسوي، نتيجة لشعوره الخاص بالوجل والتردد وهو يصور فيلمه في مصر للمرة الأولى (بعد تجربتين في الاخراج في أمريكا) مدركا للمشاكل التي يمكن أن يواجهها فيلمه، يتقاعس عن مد الكثير من المشاهد على استقامتها الطبيعية كما كان ينبغي، لكي يتجنب تصوير ممارسة الحب بين بطليه مثلا، مكتفيا بالإيحاء الذي يتسبب في رأيي، في بتر أكثر من مشهد، والإضرار بايقاعه. وربما يكون عيسوي أراد أن يجعل بطليه يكتفيان بالتلامس دون القدرة على التحقق الجسدي الكامل، للإشارة إلى فكرة "مجتمع قمع الرغبات" إلا أن هذه الفكرة تبدو غير مخدومة جيدا، وخارجة عن السياق إذا وجدت.

هنا، في هذا الفيلم، نفس من الضياع الوجودي المرتبط بواقع يرفض الفرد، ويقوم بتهميشه باستمرار، يحظر عليه اقامة علاقة عاطفية بسبب اختلاف الأديان، يرفض منحه فرصة حقيقية للعمل والترقي، يجعله عاجزا عن المغادرة بسبب قلة الحيلة تارة، أو انتشار المحتالين تارة أخرى، والنتيجة أننا ندور في دائرة مغلقة لا تؤدي الى شيء. ولعل هذه الفكرة، أي فكرة الدائرة المغلقة، تتجسد في نهاية الفيلم عندما نرى أمل وهي تنزل الى البحر، تسبح، كأنها تتطهر من آثام الواقع وأضرانه، لكنها تعود بعد ذلك إلى الشاطيء.. إلى اليابسة، بعد أن أدركت انه لا مخرج هناك أمامها سوى العودة للدوران داخل دائرة الاستسلام وانعدام الأمل.

وعلى الرغم من الخلل القائم في الايقاع داخل بعض المشاهد، والمبالغة في مشاهد أخرى مثل مشهد اكتشاف كيف احترفت شقيقة أمل الدعارة، والمغالاة في تصوير "نذالة" زوج الأم، ورغم بعض أخطاء الاخراج، والاطالة غير المبررة في بعض المشاهد، إلا أن ما أعجبني بوجه خاص في هذا الفيلم هو تلك القدرة الكبيرة من جانب هشام عيسوي على تطويع المكان والتعامل مع بطليه الشابين: مريهان ومحمد رمضان، في إطاره، بكل هذا التحكم في الأداء، وجعلهما يصلان إلى هذا المستوى الرفيع من التناغم والانسجام، والتعبير السلس، البسيط، والمؤثر.

إن مريهان في دور "أمل" ممثلة بكل كيانها، وهي تعبر عن الحب والرغبة والمرح والحزن والشفقة والجنون والتمرد بكل ما يمكن أن تملك أي ممثلة كبيرة محترفة رغم خبرتها البسيطة المحدودة. وهي فضلا عن ملائمتها الكبيرة للدور وكانها خلقت له، يمكنها الأداء بثقة كبيرة في اللقطات الكبيرة، يساعدها وجه يمتليء بالتعبير الحي، أمام ممثل شاب ولد عملاقا، هو محمد رمضان الذي يضيف الى دوره أبعادا عميقة من خلال معايشته الخاصة للشخصية، ويبدو متكيفا تماما مع أماكن التصوير الطبيعية التي تعيد الكاميرا اكتشافها على نحو شديد الإقناع بواقعيتها.
ولابد أيضا من التنويه والاشادرة بالدور الذي قامت به الممثلة المغربية المتميزة، صاحبة الموهبة المتفجرة، سناء موزيان، التي تلعب دور الفتاة التي تتخذ قرارا ببيع نفسها لرجل لا تربطها به أي عاطفة، فيكبرها ي العمر فقط من أجل النجاة من الحياة البائسة التي تعيشها، وبعد ان انتهت علاقتها بحبيبها نهاية غير موفقة، وبعد ان فقدت عذريتها. ان سناء في هذا الدور، تكشف عن ملامح قوية لممثلة شديدة الثقة بنفسها وبقدرتها على الاداء البسيط السلس، مع ملامح من خفة ظل واضحة أضفت مزيدا من الجمال والجاذبية على الدور رغم صغره في محيط الفيلم ورغم قيام صاحبته من قبل ببطولة عدد من الافلام ربما يكون اهمها فيلم "سميرة في الضيعة" الذي رسخها كواحدة من أفضل الممثلات في السينما العربية.

المخرج هشام عيسوي
 هنا كاميرا محمولة مهتزة في الكثير من المشاهد، موسيقى تشي بالتوتر والقلق والصراع المكتوم. مونتاج يسعى إلى تجاوز الوظيفة التقليدية في الربط بين المشاهد وضمان سلاسة الانتقال فيما بينها إلى توليف مشاهد شاعرية قد تبدو "دخيلة" على مادة الفيلم حينا، أو خارجة عن السياق حينا آخر، غير أنها تبدو في النهاية جزءا من معالم ذلك الأسلوب المتأثر، دون شك، بتجارب سينما العالم الثالث، وربما أيضا "السينما الثالثة".

ربما لا تكون القضية الدينية أو الطائفية بارزة في هذا الفيلم كما كان ينبغي، وربما تكون بعض الحوارات تجنح قليلا إلى السذاجة، لكننا أمام مخرج جديد واعد بشدة، يملك أساس السينما، أي قدرتها على التاثير.

هذا فيلم من قلب السينما الواقعية.. لكنها ليست تلك الواقعية الجديدة التي ميزت جيل الثمانينيات: محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وعلى بدرحان، بل واقعية جيل الديجيتال الذي يطلق على نفسه جيل السينما المستقلة. وتعد تجربة تصوير فيلم جديد عند هذا الجيل، مغامرة بحجم مغامرة اكتشاف السينما نفسها.
إن واقعية هذا النوع من السينما، التي تتجرأ على مس المسكوت عنه (التفرقة الدينية، وتصوير أسرة مسيحية فقيرة في صورة سلبيية مثلا، وتفاصيل كثيرة أخرى يعتبرها أنصار التستر على ما يجري في الواقع "تشويها لصورة مصر!) هي واقعية مقلقة، موجعة، لا تكتفي فقط برفع شعار "هكذا تسير الأمور" الذي افتتح به روسيلليني منهج مدرسة الواقعية الجديدة الايطالية بعد الحرب العالمية الثانية، بل "هكذا لا يجب أن تسير الأمور"، أي أن هناك بعدا تحريضيا في هذه السينما أيضا، ولعل هذا هو ما يخيف البعض!

الجمعة، 24 ديسمبر، 2010

مهرجان دبي السينمائي 4


مدن الترانزيت: من أفلام مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية


شارك في مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية 10 أفلام روائية طويلة هي 3 أفلام من المغرب، وفيلمان من مصر، وفيلمان من سورية، وفيلمان من العراق، وفيلم واحد من كل من الأردن ولبنان.
شاهدت سبعة من هذه الأفلام العشرة، ولم يتوفر لي الوقت لمشاهدة الأفلام الثلاثة بسبب حاجتي لمشاهدة عروض أخرى وثائقية تكتسب أهمية خاصة عندي.
والملاحظ أن تضارب مواعيد العروض وتداخلها، حال بين كثير من الحاضرين، وبين مشاهدة ما كانوا يرغبون في مشاهدته. ولعل مرجع ذلك أساسا، تكدس معظم العروض في الفترة المسائية الرئيسية، أي من السادسة إلى الحادية عشرة، وغياب أو ندرة الأفلام التي تعرض في الفترة الصباحية أو ما فترة بعد الظهر. وترجع إدارة المهرجان هذا الاختيار إلى اتاحة الفرصة أمام جمهور المهرجان وضيوفه لحضور فعالياته الثقافية من ندوات ومحاضرات وورش عمل وغير ذلك.
وكان من بين ما لفت الأنظار في مسابقة هذا العام للأفلام الروائية من العالم العربي (المهر العربي) غياب الأفلام من الجزائر وفلسطين وتونس، في حين شارك سينمائيون من المغرب بثلاثة أفلام. ولعل السبب يرجع إلى ذلك التنافس القائم بين المهرجانات العربية الدولية من أجل الحصول على الأفلام الجديدة، وتداخل أو تقارب توقيت انعقاد عدد من المهرجانات التي تقام في نفس الفترة من أواخر العام مثل مراكش ودمشق والقاهرة والدوحة.
من الأفلام الجديدة التي عرضت بالمهرجان الفيلم الروائي الأردني (الثاني في تاريخ الأردن حسبما أعلم) وهو بعنوان "مدن الترانزيت" من إخراج محمد الحسكي، وقد أنتج بمساهمة مالية من الهيئة الملكية للأفلام. وتقوم بدور البطولة فيه الممثلة الأردنية المتألقة صبا مبارك. ويبدو الدور وكأنه كتب لها خصيصا. فهي تقوم بدور امرأة تدعى "ليلى" كانت قد تركت بلدها بعد زواجها من رجل مهاجر إلى الولايات المتحدة، وتعود اليوم الى الأردن بعد غياب 14 عاما وبعد انفصالها بالطلاق عن زوجها.
بعد عودتها تصطدم "ليلى" بالمتغيرات الكثيرة التي وقعت في بلدها من انتشار الأفكار السلفية الجامدة بدعوى العودة إلى الجذور، وتغير نظرة الناس إلى الأشياء، وفقدان المرأة حريتها بدرجة مخيفة، وتراجع التيار الليبرالي والتقدمي واستسلامه التام أمام ما يحدث من زحف للقيم الأصولية.
تعجز ليلى عن اقامة أي علاقة حقيقية مع المجتمع التي عادت إليه، بل وتصطدم حتى بعائلتها التي لحقت بها التحولات فيما أصبح والد ليلى الذي نفهم أنه كان ضمن صفوف التيار التقدمي في الماضي، صامتا يعاني من الإحساس التام بالاغتراب عن المجتمع، في حين قبعت الخالة صاحبة الأفكار التقدمية في منزلها تكتفي بمشاهدة الأفلام السينمائية المصرية القديمة من زمن ما قبل التشوه!
لاشك أن الفكرة التي يطرحها الفيلم جيدة، وتتميز بالشجاعة والجرأة في مواجهة المسكوت عنه اجتماعيا اليوم في مجتمعاتنا العربية عموما: أي مشكلة زحف تيارات الفكر المتخلف، مع صمت الجميع واستسلامهم، بمن في ذلك أصحاب الأفكار المتقدمة.
غير أن المشكلة الحقيقية في هذا الفيلم تتمثل في ضعف وهشاشة بناء السيناريو، كما في رداءة الإخراج وبدائيته وعجزه عن الابتكار والتجديد في الشكل، وخضوعه لتقنية المسلسل التليفزيوني الذي يميل إلى الإطالة والشرح والتوقف أمام الكثير من الأشياء بهدف تكرار الفكرة وليس تطويرها.

الناقد عرفان رشيد يدير المؤتمرالصحفي بحضور صبا مبارك ومدير عام الهيئة الملكية للأفلام جورج داود

وتتمثل أول جوانب ضعف السيناريو في بناء الشخصية الرئيسية أي "ليلى"، فهي لا تقدم طرحا فكريا أو موقفا اجتماعا مضادا للمفاهيم والأفكار السائدة، بل يكتفي الفيلم بالتركيز على الجانب السطحي والمظهر الخارجي لها، فهى ترتدي الملابس الضيقة، تدخن بلا توقف بل وتريد أيضا أن تدخن في الشارع وتثور على شقيقتها التي أصبحت الآن محجبة، بعد أن تنهرها شقيقتها عن التدخين في عرض الطريق. تستضيف في الشقة التي استأجرتها في عمان، صديقا قديما من رفاق الماضي، أصبح اليوم متزوجا ويحرص على الاستمرار ضمن مؤسسة الزواج رغم عدم إيمانه بها، حيث يقضي الإثنان أمسية بريئة لكنهما يأتيان على زجاجة خمر، ويترتب على ذلك أن يثور صاحب المنزل على ما يعتبره "تدنيا في أخلاقيات المرأة" ويطرد ليلى وتقع مشاجرة بينهما تنتهي إلى مركز الشرطة!
هنا فإن كل علامات التمرد ومخالفة السائد عند ليلى تتمثل في السكن المنفرد بعيدا عن قيود العائلة، ارتداء لملابس الضيقة اللافتة التي تظهر جزءا من صدرها، التدخين المستمر، شرب الخمر، مصاحبة رجل متزوج، أي أنها تتخذ في الحقيقة صورة أقرب ما تكون إلى صورة "العاهرة" في المجتمعات العربية، قبل أو بعد العولمة والأسلمة. وهي صورة "نمطية" تسيء للشخصية ولما يريد الفيلم أن يطرحه، بل وقد تصبح أيضا مبررا لما يتعرض له من هجوم.
هنا يمكن القول ببساطة، إن "ليلى" تصبح نموذجا عكسيا لما يرغب الفيلم في أن يصوره. ورغم كونها الشخصية المحورية التي تظهر تقريبا في جميع المشاهد، وتبدو الشخصيات المحيطة مجرد شخصيات ثانوية يراد لها أن تبرز شخصيتها، إلا أنها تظل شخصية أحادية البعد، خاصة وأنها لا تملك فكرا مضادا، كما لا تنتمي إلى مشروع فكري مناهض للمشروع المتخلف السائد. ولا يمكن بالتالي للمتفرج أن يتعاطف معها خاصة وأنها شخصية لا تتطور ولا تتضح لها أبعاد أكثر عمقا، فتظل طوال الفيلم، تهتف وتكتفي بالصراخ والإعراب عن دهشتها. وينتهي الفيلم وكأن "ليلى" قررت العودة من حيث أتت بعد أن عجزت عن التأقلم مع محيطها الأصلي.
إن فيلم "مدن الترانزيت" نموذج للأفلام التي تملك الكثير من الطموح، لكنها تعاني بشدة من ضعف القدرات الدرامية والبصرية. فالمخرج محمد الحسكي يهدر طاقة تمثيلية عالية مثل طاقة الممثلة صبا مبارك، كما يكتفي بالتصوير النمطي الذي لا يرصد كما كان ينبغي، مظاهر التغير في المجتمع بنظرة أكثر قربا وعمقا من الناس، مكتفيا بالوقوف مثل السائح المنبهر القادم من الخارج دون فهم لطبيعة ما حدث من تحول، ودون قدرة على تجسيد التناقضات القائمة بعمق ومن خلال الدراما وتعقيداتها، وبناء وتعاقب الصور نفسها. ولذا فالفيلم لا يضيف شيئا، لكن من المؤكد أنه يمكن اعتباره تجربة "احترافية" أخرى من أجل ترسيخ الفيلم الروائي كشكل فني جديد في الثقافة الأردنية.
ولاشك أن "جرأة" الموضوع ولو ظاهريا، وراء منح لجنة تحكيم اتحاد النقاد الدولي (فيبريسي) جائزته له وحصوله أيضا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ولكن الجوائز دائما ما تكون محيرة.. أليس كذلك!
-----------------------------------------------------------------------------------
 مع الناقدة الأمريكية ثيلما آدامز والناقد البريطاني مايكل آدامز في ندوة النقد بمهرجان دبي  

جوائز مهرجان دبي السينمائي السابع

الممثل ماجد الكدواني يتسلم جائزة أفضل ممثل من رئيس المهرجان
للتوثيق ولتاريخ السينما أنشر هنا القائمة الكاملة بجوائز الدور السابعة لمهرجان دبي السينمائي حسب ما ورد في الموقع الرسمي للمهرجان.
المواهب الإماراتية
• الجائزة الأولى
ملل
مخرج سينمائي: نايلة الخاجة
الإمارات العربية المتحدة

• الجائزة الثانية
سبيل
مخرج سينمائي: خالد المحمود
الإمارات العربية المتحدة

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
حمامه
مخرج سينمائي: نجوم الغانم
الإمارات العربية المتحدة

• شهادة تقدير
ريح
مخرج سينمائي: وليد الشحي
الإمارات العربية المتحدة

مسابقة المهر العربي / أفلام الروائية
• أفضل ممثلة
ستة، سبعة، ثمانية
ممثل/ممثلة: بشرى
مصر

• أفضل ممثل
ستة، سبعة، ثمانية
ممثل/ممثلة: ماجد القدواني
مصر

• أفضل تصوير
براق
مصور: زايفير كاسترو
المغرب

• أفضل موسيقا
مطر أيلول
ملحّن: عصام رافع
سوريا

• أفضل مونتاج
ميكروفون
مونتير: هشام صقر
مصر

• أفضل سيناريو
عند الفجر
مخرج سينمائي: جيلالي فرحاتي
المغرب

• الجائزة الأولى
رصاصة طايشة
مخرج سينمائي: جورج الهاشم
لبنان

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
مدن الترانزيت
مخرج سينمائي: محمد الحشكي
الأردن

مسابقة المهر العربي / أفلام الوثائقية
• الجائزة الأولى
هذه صورتي وأنا ميت
مخرج سينمائي: محمود المساد
هولندا، الولايات المتحدة، الإمارات العربية المتحدة

• الجائزة الثانية
سقف دمشق و حكايات الجنة
مخرج سينمائي: سؤدد كعدان
سوريا, قطر

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
أبي من حيفا
مخرج سينمائي: عمر شرقاوي
الدانمارك

• شهادة تقدير
بيت شعر
مخرج سينمائي: أيمان كامل
مصر, ألمانيا, الكويت, الإمارات العربية المتحدة

• شهادة تقدير
تذكرة من عزرائيل
مخرج سينمائي: عبدالله الغول
فلسطين

مسابقة المهر العربي / أفلام القصيرة
• الجائزة الأولى
تليتا
مخرج سينمائي: سابين الشمعة
لبنان

• الجائزة الثانية
مختار
مخرج سينمائي: حليمة ورديري
كندا

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
قراقوز
مخرج سينمائي: عبدالنور زحزاح
الجزائر

مسابقة المهر الآسيوي-الإفريقي / أفلام الروائية
• أفضل ممثل
رجل صارخ
ممثل/ ممثلة: يوسف دجاوورو
فرنسا, تشاد, بلجيكا
• أفضل ممثلة

مرهم

ممثل/ممثلة: کروبري حسن زاده
إيران

• أفضل تصوير
العم بونمي الذي يتذكر حيواته السابقة
مصور: سايومبهو موكديبروم
المملكة المتحدة, تايلند, إسبانيا, ألمانيا, فرنسا

• أفضل تصوير
العم بونمي الذي يتذكر حيواته السابقة
مصور: يوكنتورن مينغمونغكن
المملكة المتحدة, تايلند, إسبانيا, ألمانيا, فرنسا

• أفضل موسيقا
غابة نرويجية
ملحّن:
اليابان
• أفضل مونتاج
رجل صارخ
مونتير: ماري- هيلين دوزو
فرنسا, تشاد, بلجيكا

• أفضل سيناريو
الرجاء عدم الإزعاج
كاتب سيناريو: محسن عبدالوهاب
إيران

• الجائزة الأولى
رجل صارخ
مخرج سينمائي: محمد صالح هارون
فرنسا, تشاد, بلجيكا

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
الحياة أولا
مخرج سينمائي: أوليفر شميت
جنوب إفريقيا، ألمانيا

• شهادة تقدير
نهاية حيوان
ممثل/ممثلة: من-جي لي
كوريا الجنوبية

مسابقة المهر الآسيوي- الإفريقي / أفلام الوثائقية
• الجائزة الأولى
ليتني عرفت
مخرج سينمائي: جيا زانج- كه
الصين

• الجائزة الثانية
الملهمات التسع
مخرج سينمائي: جون أكمفرا
غانا, المملكة المتحدة

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
كوندي والخميس الوطني
مخرج سينمائي: اريان استريد أتدجي
الكاميرون

• شهادة تقدير
إن شاء الله، كرة قدم!
مخرج سينمائي: اشفين كومار
الهند

• شهادة تقدير
أمين
مخرج سينمائي: شاهين برهامي
إيران, كندا كوريا الجنوبية

مسابقة المهر الآسيوي-الإفريقي / أفلام القصيرة

• الجائزة الأولى
الحلَق
مخرج سينمائي: نرجيزا ممتكولفا
قيرغيزستان

• الجائزة الثانية
لعبة غير طريفة
مخرج سينمائي: جونغ شول بارك
كوريا الجنوبية

• جائزة لجنة التحكيم الخاصة
النوم معها
مخرج سينمائي: شي يي ون
تايوان

جائزة الاتحاد الدولي لنقّاد السينما للأفلام الروائية والقصيرة
• أفضل فيلم روائي
مدن الترانزيت
مخرج سينمائي: محمد الحشكي

الأردن
• أفضل فيلم قصير
1/2 2

مخرج سينمائي: ايلي كمال
لبنان
جائزة الاتحاد الدولي لنقّاد السينما للأفلام الوثائقية

• أفضل فيلم
ظلال
مخرج سينمائي: ماريان خوري
مصر, فرنسا, المغرب, الإمارات العربية المتحدة

• أفضل فيلم
ظلال
مخرج سينمائي: مصطفى الحسناوي
مصر, فرنسا, المغرب, الإمارات العربية المتحدة

جائزة شبكة أفلام حقوق الإنسان
• أفضل فيلم
مشتبه به
مخرج سينمائي: روبيرتو هيرنانديز
المكسيك

• أفضل فيلم
مشتبه به
مخرج سينمائي: جيفري سميث
المكسيك

جائزة الجمهور من داماس
• أفضل فيلم
أبي من حيفا
مخرج سينمائي: عمر شرقاوي
الدانمارك

الجمعة، 17 ديسمبر، 2010

مهرجان دبي السينمائي 3

فيلم"678" ومشاكل الأسلوب




من الأفلام المصرية التي احتفى بها مهرجان دبي السينمائي في دورته السابعة، الفيلم الجديد "678" الذي خصص له المهرجان عرضا كبيرا مميزا جاء في افتتاح البرامج العربية للمهرجان، وأقام ندوة صحفية واسعة لأبطاله ومخرجه قبيل عرضه مباشرة، كما حظى بتغطية واسعة عبر النشرة اليومية للمهرجان. وجدير بالذكر أن عرض الفيلم في دبي كان العرض العالمي الأول له قبل أن تبدأ عروضه في مصر في اليوم التالي أي في الخامس عشر من ديسمبر الجاري.
الفيلم لمخرج جديد قادم من عالم كتابة السيناريو هو محمد دياب. ومن إنتاج شركة "دولار فيلم" التي عادت أخيرا إلى مجال الإنتاج، وهي الشركة التي أنتجت عشرات الأفلام منذ نهاية الأربعينيات.
ويقوم بالأدوار الرئيسية في الفيلم بشرى ونيللي كريم وأحمد الفيشاوي وناهد السباعي وباسم سمرة وماجد الكدواني وسوسن بدر.
يرسم محمد دياب ببراعة شخصيات فيلمه المتعددة، التي يطرح من خلالها موضوعه الجريء، أو بالأحرى، يقدم بانوراما مكثفة مرعبة لما يقع يوميا في وسائل النقل العام في مصر بل وفي الشوارع والمدارس وغيرها أيضا، من تحرش جنسي تتعرض له النساء من جانب شريحة من الرجال، نتيجة للكثير من الأسباب الاجتماعية المرتبطة بحالة التدهور الاقتصادي وما يخلفه من عجز عن التحقق والإشباع من خلال الزواج، ونتيجة شيوع ثقافة التفوق الذكوري على "الأنثوية" التي تعد ضعيفة بالضرورة، وفي إطار هذه الثقافة تعتبر المرأة عموما "هدفا"، مشروعا للمعاكسات والمضايققات اللفظية والجسدية التي تصل في الكثير من الأحيان أيضا، إلى الاغتصاب، كما يعرض الفيلم بشكل صادم تماما.
إننا نحن أمام سبع شخصيات رئيسية تتداخل حياتها معا، وتتفرع وتتناقض لتنسج لنا تعقيدات الوضع الذي يفرز تلك الظاهرة، في حين أغمضت السلطات الرسمية عيونها عنها بل، ويتم تجاهل مناقشتها في الإعلام الرسمي بدعوى أنها إما تعد ظاهرة فردية محدودة، أو قد تسيء إلى سمعة مصر، وهي الذريعة نفسها التي تتخذ أيضا في مواجهة هذا النوع من الأفلام الاجتماعية.

بناء الشخصيات
شخصيات الفيلم هي أولا الشخصيات النسائية الرئيسية الثلاث: فايزة (بشرى) المرأة المحجبة الفقيرة التي تعاني من أجل تدبير نفقات الحياة مع زوجها وضمان تعليم طفليهما في المدارس الحكومية بمشقة بالغة. و"نيللي" (ناهد السباعي) التي تنتمي للطبقة الوسطى وتبو متحررة متماسكة تتمتع بقوة الشخصية والاستقلالية، و"صبا" (نيللي كريم" وهي امرأة ثرية حققت استقلالها الاقتصادي من خلال المشروع الخاص.
تتعرض النساء الثلاث للتحرش الجنسي في مواقف مختلفة، في حين تستمر معاناة "فايزة" بصورة يومية بسبب اضطرارها لاستخدام وسائل المواصلات العامة.
وفي مشهد من أفضل مشاهد الفيلم نرى كيف تتعرض "نيللي" للتحرش في عرض الطريق من سائق شاحنة يقبض على جسدها بقوة ويجذبها من داخل الشاحنة غير عابيء بما يمكن أن ينتج عن معابثته المستهترة لها من كارثة قد تودي بحياتها. لكن بسبب وعيها باستقلاليتها وعدم خوفها من مواجهة المعتدي، تقاوم نيللي بجرأة وشجاعة، بل وتطارد الرجل في مشهد شديد التعقيد من الناحية الفنية، لاشك أن محمد دياب ينجح بمساعدة المونتير، في تكثيفه وتجسيده واستخراج أكثر شحنة نفسية منه تصدم المتفرج وتضعه مباشرة في قلب المشكلة.
لا تخجل نيللي من مواجهة الموقف، بل وتصر على مقاضاة الرجل الذي اعتدى عليها في أول حدث من نوعه في مصر، وتتعرض خلال هذا للكثير من الضغوط من جانب أسرتها ومن جانب أسرة خطيبها الشاب الذي يبدو رغم قناعته بقضيتها وتفهمه لها، من النوع الذي يفضل الانحناء أمام العاصفة.
أما "صبا" فهي تتعرض لتحرش جنسي جماعي من جانب مجموعة من الشباب عقب مباراة مصر والجزائر في كرة القدم، فتلجأ بعد ذلك إلى توعية النساء من مخاطر التحرش وكيفية مواجهته، وتلتقي بالتالي بالضحيتين السابقتين، ومن هنا ينطلق الجميع لمعاقبة المتحرشين بالعنف المضاد.
ويدخل دور ضابط المباحث إلى الفيلم من خلال تعقبه لموضوع الاعتداء الجسدي على رجلين من المتحرشين، وتعقب الفتيات الى أن يتوصل لحقيقة ما حدث بل والى الأداة التي تستخدم في إصابة المتحرشين في مواضع حساسة من أجسادهم. ولكن هذه الشخصية تحديدا يمدها المخرج- الكاتب على استقامتها لكي يتعمق في نسيج حياتها الخاصة، في علاقته مع زوجته التي لا تنجب سوى الذكور، ثم كيف تموت بعد ولادة أول أنثى، وما ينتج عن ذلك من تطور مفترض في شخصيته وفي نظرته للحياة.
من الشخصيات الذكورية في الفيلم هناك أيضا شخصية زوج فايزة (باسم سمرة) الذي يشكو من اعراضها عنه بسبب نفورها المتولد عن الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها من جانب الرجال يوميا. وينتهي به الأمر إلى ممارسة العادة السرية.
وهناك أيضا الزوج السابق لصبا (أحمد الفيشاوي) وهو طبيب، ولكنه رغم ثقافته واطلاعه، عجز عن فهم أزمتها والتعامل معها بعد تعرضها للاغتصاب الجماعي أمام عينيه، وكأنه يلقي باللوم على الضحية، وهذا المفهوم سائد في الثقافة الشعبية المصرية والعربية عموما.
ولاشك أن الفيلم يطرح موضوعا جريئا لم يسبق طرحه في السينما المصرية والعربية من قبل بمثل هذه القوة والوضوح والتفصيل.

الأسلوب
ولاشك أن الأسلوب الواقعي في الإخراج الذي يصل أحيانا إلى محاكاة أسلوب الفيلم التسجيلي، باستخدام التصوير في الشوارع وفي ووسائل المواصلات العامة، ووسط الحشود خارج استاد القاهرة الرياضي، مع استخدام الكاميرا المحمولة المتحركة في الكثير من تلك المشاهد، يضفي الحيوية والواقعية على الفيلم، ويحقق هدفه في توصيل الفكرة إلى الجمهور، وتحقيق الصدمة المطلوبة التي تجعل المشاهدين يفتحون عيونهم على حقيقة ما يجري في المجتمع وانعكاساته وأسبابه.
وخلال الحبكة بتعقيداتها الدرامية والنفسية، يطرح الفيلم سؤالا كبيرا خلال هذا الطرح حول مدى مشروعية التصدي للعنف بالعنف، وحول العلاقة المعقدة (داخل البيوت والأسر) بين الرجل وزوجته، وهل يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى (غير البرود الجنسي والإعراض بسبب عدم التوافق) من جانب الزوجة تجاه زوجها.. كما يطرح الكثير من الأسئلة حول مسؤولية الفرد ودور الدولة في التصدي للظاهرة، وحول مدى فهم رجل الشرطة لطبيعة المشكلة، ونظرة امجتمع للمرأة التي تتعرض للاغتصاب، وغير ذلك.
وكان يمكن أن يسجل لمحمد دياب أنه تمكن من تقديم عمل سينمائي شديد القوة والتميز، وأيضا التماسك والانسجام. فهو أولا عثر على موضوع جديد مثير للاهتمام، قريب من الجمهور.
ثانيا: نجح في تقديم عدد من الشخصيات الإنسانية التي يناقش من خلالها تلك القضية المعقدة الحرجة من القضايا المسكوت عنها في المجتمع.
وثالثا: لجأ إلى أسلوب سينمائي واقعي يعتمد على اقتناص اللقطات الموحية من زوايا صعبة، وربط مشاهد فيلمه ولقطاته بالإيقاع المتدفق السريع، وضبط الانتقال بين الشخصيات المتعددة، دون أن ينسى متابعة أحدها، وبحيث يستولي على اهتمام المتفرج طيلة الوقت.
إلا أن هذه السيطرة على الإخراج وعلى الأداء الجيد من معظم الممثلين المشاركين في الفيلم، وهو ما يميز الفيلم في ثلثيه الأولين، لا يستمر ويمتد بكل أسف إلى الثلث الأخير من الفيلم. هنا نجد الكثير من الحشو، ومن الخطابة المباشرة، والضغط بدون أي ضرورة فنية أو درامية، على "المعنى" و"الرسالة" وكأننا أمام عمل من أعمال التوجيه التعليمي النظري التربوي.
في الثلث الأخير من الفيلم الذي كان يجب أن يجمع فيه المخرج المؤلف خيوط فيلمه وينتهي بشخصياته إلى نهاياتها الطبيعية التي قد تكون أيضا نهايات مفتوحة، يحكم انفعالاتها، ويكتفي بالشحنة العاطفية الهائلة التي ولدتها المشاهد المتدفقة في الثلثين الأولين، إذا به يكشف عن تشوش فكري كبير، فهو حائر بين التفسير الواقعي العلمي للظاهرة، وبين التفسير الأخلاقي المبسط الساذج لها، بين ضرورة مواجهة الظاهرة بالعقل وبالوعي وبما تتركه من ندوب وآثار، والانحياز للمرأة ولحريتها في أن تخرج وتعمل وترتدي الملابس العصرية، وبين الخضوع للقيم الاقطاعية المتخلفة السائدة التي ترى أن المرأة قد تكون مسؤولة عما يحدث لها أيضا بسبب طريقتها في التزين والملبس.
ولعل جعل شخصية "فايزة" لامرأة ترتدي الحجاب والجلباب الطويل الذي يغطي جسدها بالكامل، ومع ذلك تتعرض يوميا لشتى أنواع التحرش، من أهم ما يصوره هذا الفيلم. وكان المرء يتخيل أنه بهذا الاختيار يريد أن يؤكد على أن ملابس المرأة ليست السبب فيما تتعرض له من اعتداءات من جانب رجال لا يردعهم حتى ما يسمى بالزي الإسلامي الذي يستر الجسد كله.
إلا أن الفيلم لا يثبت على موقفه هذا بل ينحرف في اتجاه خطاب شديد التزمت والرجعية عندما تقف فايزة، تلقي محاضرة على كل من نيللي وصبا، حول ضرورة ارتداء الملابس المحتشمة، وتتهمم الاثنتين بالتبرج والمبالغة والخروج على قيم المجتمع.. والتسبب بالتالي فيما جرى لهما. وينتهي هذا المشهد بصمت الاثنتين دلالة على عجزهن عن مواجهة منطق فايزة، ثم صعودها السلم إلى أعلى والتطلع إليهن بينما نراهن في أسفل السلم دلالة على هزيمة منطقهن. وفي مشهد تال نرى صبا وهي تقص شعرها أمام المرآة، وتتخلى عن التجميل. وهي تعود لكي تطلب مباركة فائزة لها بعد قص شعرها. وقد توقف المخرج قليلا عن جعلها ترتدي الحجاب أيضا بعد ادراكه أن شخصية المرأة المحجبة في فيلمه تتعرض للمضايقات ربما أكثر من غيرها، في نطاق الدراما التي كتبها على الأقل!

تناقضات
يتناقض هذا المشهد برؤيته الأخلاقية الساذجة، مع الطرح الواقعي القوي في البداية، ولذلك يمكن القول إن الفيلم يعاني من التشوش الفكري، بل ويرتد إلى السينما التقليدية ذات الرسالة المبسطة بسبب اللجوء إلى الخطاب المباشر، وإلى الوعظ والتصعيد الدرامي العنيف دون أي حاجة لذلك، خاصة وأنه يفرط أيضا في استخدام التعليقات اللفظية التي تصل إلى مستوى "النكات" رغبة في مغازلة الجمهور. وهذه هي آفة السينما التي يضع صاحبها دائما عينا على الفن، أي يرغب في الاخلاص لفنه، وعينا أخرى على الشباك، أي أنه مع ادراكه أنه يصنع فيلمه في إطار سوق لها مواصفاتها القاسية، يرغب في الوصول إلى الجمهور العريض الذي أدمن النمطية والتعليقات المضحكة وهو ما يتناقض تناقضا تاما مع طبيعة الموضوع الجاد الذي يناقشه الفيلم.

من زاوية الأداء التمثيلي يجب أن أشير هنا إلى أنه يمكن اعتبار "678" الفيلم الأول الحقيقي لبشرى كممثلة، فقد نجحت كثيرا في أداء شخصية فايزة بكل أبعادها، كما تفوقت ناهد السباعي كثيرا بل وبرزت بأدائها القوي الواثق، كممثلة جديدة لابد أن يكون لها شأن كبير في سينما المستقبل، وأضفي أداء ماجد الكدواني الطبيعي والمنساب في سلاسة ويسر وخفة كظل أيضا، في دور الضابط، الكثير من الرونق والجمال على المشاهد التي يظهر فيها. لكن من الضروري القول أيضا إن اختيار نيللي كريم في دور "صبا" لم يكن موفقا، فالدور غير ملائم لها من جميع الجوانب، رغم اجتهادها في التعبير، مع بعض المبالغات في الأداء التي ترمي إلى تأكيد شخصيتها.
مطلوب من محمد دياب أن يخفف من خطابه الأخلاقي، ومن سينما الوعظ والميلودراما المباشرة الثقيلة، وأن يتعلم قليلا، كيف يتحكم أكثر في الشحنة الدرامية بحيث يجعلها أكثر برودا، وأكثر مخاطبة للعقل والوجدان، وأن يتيح مساحات أكبر للتأمل وللاستيعاب. لكن التجربة، في المحصلة الأخيرة، إيجابية وكانت تستحق، دون شك، المخاطرة.

الخميس، 16 ديسمبر، 2010

مهرجان دبي السينمائي 2


بلاغة التعبير في فيلم "مطر أيلول"


في إطار مسابقة الأفلام الروائية العربية الطويلة (المهر العربي) في مهرجان دبي السينمائي عرض الفيلم الجديد للمخرج السوري الكبير عبد اللطيف عبد الحميد، في عرضه العالمي الأول بعد عرضه الوحيد في بلده في إطار الدورة الأخيرة من مهرجان دمشق السينمائي.
ويمكنني القول إن فيلم "مطر ايلول" درس حقيقي رفيع في بلاغة استخدام الصورة والصوت في الفيلم السينمائي. وفيه يعود عبد اللطيف عبد الحميد مرة أخرى إلى ملامسته العابثة المثقفة لموضوعه، وتلاعبه بالشكل وبالشخصيات المتعددة التي يستخدمها بهدف "عرض حالة" أو تصوير مناخ عام، يرتبط فيه الحب بالقمع، يغيب فيه التحقق، وينمو فيه الشعور بالخوف: الخوف من عبور الشارع، من نظرات الجيران المتلصصة، من قمع الأب والأم، من سلطة هزلية تسجل حتى ارتفاع الأشجار، لكنها تلعب على الخوف المتغلل في النفوس وإن كان يمكن هزيمتها وتهميشها.
هذا فيلم عن عدم اكتمال الأحلام، عن البحث عن الحب في ظل مناخ عام يجثم بسطوته على كل شيء، فالحب لا يكتمل أبدا، فهو إما يقطعه الموت المفاجيء، أو نفاذ الهمة والحيلة بسبب الخوف، أو العجز عن اجتياز العتبات الممنوعة.
فيلم "مطر أيلول" ليس فيلما بسيطا في تركبيه رغم ما يبدو للمتفرج من على السطح الخارجي للفيلم، من أننا أمام مجرد "كوميديا ساخرة" عن البشر في دمشق المعاصرة.
إن عبد اللطيف، المخرج الذي يكتب أفلامه بنفسه، يستخدم المبالغة للتقريب، لتقريبنا من تلك الشخصيات العادية التي قد نصادفها يوميا في حياتنا دون أن ننتبه إلى ما يكمن في حياتها من مفارقات، ومن مآس أيضا.
بطل الفيلم أو شخصيته المحورية لأب – أرمل يعول ستة من الأبناء الشباب بعد وفاة زوجته، أحدهم متيم بحب جارته الحسناء، يأخذ على عاتقه أن يغسل يوميا سيارتها ويزينها بالورود وكأنه محكوم عليه بتنفيذ عقوبة.. هي عقوبة الحب المستحيل.. فالفتاة صامتة تماما، تكتفي بالابتسامات، وفي معظم الأحيان تبدو وكأنها قد استمرأت الفكرة، فكرة استعذاب تلك العبودية التطوعية.. إلى أن يخفق قلبها فتعترف للمرة الأولى والأخيرة بالحب همسا في أذن الشاب المشدوه، لكنها تفارق الحياة بعد ثوان في حادث اصطدام.

هناك أربعة من الأبناء منهم بائع البطيخ الذي يتوجه يوميا لكي يتطلع عبر نافذة إلى الفتاة التي يحبها والتي تداعبه بالنظرات والغمزات دون أن تكتمل أبدا هذه العلاقة الغريبة على أي مستوى، بل ويفاجأ صاحبنا ذات يوم بأن نافذتها أصبحت مغلقة بطبقة كثيفة من البناء الأسمنتي. ماذا حدث؟ لا نعلم وليس مهما أن نعلم، فنحن لسنا أمام فيلم من أفلام الشروحات، والمقدمات والتوالي، والدوافع النفسية للأبطال، بل أمام لوحة سينمائية يمكننا أن نستقبلها ونستمتع بها من خلال تلك اللمسات البسيطة الموحية، والإشارات الدالة، والرموز التي ترتبط معا بشيفرة ما تحت جلد الصورة.
أما الأبناء الأربعة الآخرون فهم متشابهون في اهتمامهم الكبير بل عشقهم للموسيقى، يكونون معا فرقة لا تكف طوال الفيلم عن عزف أجمل الألحان العربية لأغاني الحب الرومانسية من عصر مضى.. عندما كان للموسيقى والأغاني، معنى ومغزى ودلالات وحلاوة خاصة أيضا. وكأن الاحتفال بالموسيقى يمكنه أن يهزم الخوف أو أن هذا هو الانطباع الذي يرغب عبد اللطيف في ترسيخه.
يرتبط هؤلاء العازفون الأربعة بالخطوبة بأربع فتيات من أسرة من أسر الطبقة الوسطى، ولكن غير مسموح للفتيات بالخروج مع خطابهن، فقط يجتمعن معهم في منزل الأسرة بين حين وآخر، حيث يشرف الأب والأم على "الجلسة" التي قد تدور خلالها محاولات للتلامس من تحت مائدة الطعام، أو غمزات الحب، وهمسات الشوق والاشتياق، أو مناجاة عن طريق العزف الموسيقي البديع!
أما الأب فهو عاشق الموسيقى الأصيلة والطرب، يحاول أيضا موزانة حياته الرتيبة بعد تقاعده، باحثا أيضا عن الحب، عن التحقق الذاتي، وعن نوع من الاشباع العاطفي الذي فقده منذ دهر، لكنه يختار اقامة علاقة حب مع المرأة الخادمة التي تتولى نظيف مسكنه. وهو يضرب لها مواعيد في أماكن خلوية: في الغابة خارج المدينة، حيث يجلسان في سيارته القديمة يتناجيان ويغمضان عيونهما ويختلسان قبلات بريئة. وتعبيرا عن ولعه بالمرأة التي تبدو نموذجا جميلا للعاشقة التي تتمتع بذوق موسيقي رفيع، يستأجر من يستطيع أن يجعل الدنيا تمطر في أيلول ولو بطريقة صناعية، ورغم انكشاف الحيلة الطفولية، لا تغضب المرأة بل تبدو وقد راقت لها الفكرة وفهمت مغزاها الجميل.
هناك بين طيات هذا الفيلم احساس، ليس فقط بالعجز عن اقامة علاقات مكتملة، بل وبنوع من العجز عن التواصل أيضا بين الأبناء والأب من خلال الكلام، فهناك الموسيقى التي تتردد طوال الفيلم، وهناك ذلك الابن الذي يتابع قصة الحب التي يعيشها والده لكنه يتحدث معه بالهاتف المحمول قائلا إنه لا يستطيع أن يتكلم معه في مثل هذه الأمور ويتطلع إلى عينيه مباشرة.
الجيران تحولوا إلى جمهور للنظارة، مجموعة من المتفرجين الذين يتجمعون يوميا في الشرفات لمشاهدة الشاب الذي يغسل سيارة حبيبته، ويتابعون مسار القصة، ويعلقون على الأحداث، وهناك مجموعة الموظفين الحكوميين ورئيسهم المتسلط، وهو رغم تكونيه الهزلي، قاس، متجبر، يحاول أن يفرض حتى على صاحب الملهى تغيير الفرقة الموسيقية التي تتغنى بأغاني الحب، فهو معاد للحب، لا هم له سوى اشاعة الخوف. وعبد اللطيف باستخدام هذا النموذج لرجل السلطة يهزأ منه ويسخر، بل ويتمادى ايضا في إظهار غبائه، وجبنه وعدم قدرته على المواجهة.
إن فيلم "مطر أيلول" يقع في المسافة القائمة بين الوعي واللاوعي، بين الواقع وما ورء الواقع، وبين الحلم والحقيقة. وهو ينتمي إلى مدرسة سينما الحداثة التي تخاطب العقل والعاطفة معا، تعرض أكثر مما تشرح، وتدعوك للبحث في مغزى الأشياء من خلال الربط بين الصور واللقطات والاشارات والرموز الظاهرة والكامنة.
إن عبد اللطيف عبد الحميد، يستخدم الصورة السينمائية في سياق قريب من بناء القصيدة: صور تعقبها صور، تفيض بالمشاعر والاسقاطات، التي يختلط فيها الذاتي بالموضوعي، السياسي بالاجتماعي بالإنساني عموما.
وفي هذا النوع من السينما يصبح إغواء الوقوع في غرام المشهد السينمائي في حد ذاته أحيانا، أمرا واردا من جانب المخرج، فهو يتوقف أكثر مما ينبغي أحيانا أمام مشهد معين، ويبالغ في الضغط على الفكرة التي يمكن استنباطها منه كما في المشهد الذي يقوم فيه الأب بتنظيف الجروح والقرح المنتشرة في قدمي ابنه الذي يذرع طرق دمشق جريا كل يوم لكي يصل الى شباك الحبيبة المجهولة.
ورغم الاهتمام الكبير بضبط الإيقاع، هناك أيضا بعض التكرار واللعب على الفكرة الواحدة، والانتقالات المفاجئة بين عدد من المشاهد.
  لكن أي ملاحظات سلبية لا تفقد هذا الفيلم البديع رونقه وسحره وقدرته على أن يشدك إلى داخل عالمه، بكل عنفوانه وسخريته ونماذجه الإنسانية التي لا تتعاطف فقط، معها وتفهم سر أزمتها رغم ما فيها من جموح وسذاجة، أو بالأحرى، سذاجة الجموح، بل وتضحك من قلبك على المآزق العديدة الفكرية والبصرية التي يورط فيها عبد اللطيف تلك الشخصيات ويورطنا معها.
ويهتم عبد اللطيف كثيرا في فيلمه بفكرة "السيميترية" من الزاوية البصرية، أو التماثل بين الجانبين، ما هو مرأي على اليمين وعلى اليسار، خاصة في المشاهد التي يصور فيها اجتماع الخاطبين والخطيبات، وهو اهتمام نابع من اهتماماته التشكيلية الكبيرة بتفاصيل الصورة، بالاكسسوارات حتى أكثرها دقة، وبالضوء والمحافظة على مصادره الطبيعية طوال الفيلم، ومنح الصورة جمالا يأتي من تفاصيل المكان، ومن طريقة توزيع الممثلين واختيار زاوية التصوير، كما يتبدى مثلا في المشاهد التي تدور في الشارع أسفل العمارة السكنية المميزة بشرفاتها التي يتحلق فيها السكان يتطلعون على ما يجري في الأسفل، ويبدون التعليقات الطريفة. وهو أسلوب أيضا يسير في اتجاه كسر الاندماج أحيانا، بل ويصل التحرر في الأسلوب في أكثر من مشهد، الى ذروته خاصة عندما نرى الشباب الأربعة يتحدثون من خلال التليفونات المحمولة مع فتياتهم الأربع من جهة أخرى، وهن تحملن ايضا الهواتف المحمولة.. والجميع يتحركون في اطار المكان، سواء في مسكن الشباب، أوفي مسكن الفتيات، ونحن نسمع همهمات الأحاديث الحميمية الدائرة بين مختلف الأطراف دون أن نتبين على وجه التحديد ما يقال، إلى أن ينتهي المشهد مع ظهور الأم المتسلطة، والدة الفتيات الأربع، حيث تمتزج الصورتان معا وتتداخلان بحيث ينتهي المشهد والأم واقفة وسط الشباب الأربع كما لو كانت قد خرجت من المكان الآخر، من مسكنها وانتقلت عبر المكان إلى مسكن الشباب، وهو تلاعب فريد بالمكان في السينما، وتحطيم لقيوده ربما يكون غير مسبوق في السينما السورية.
ولعل فيلم "مطر أيلول" يستحق وحده أيضا دراسة أكثر عمقا في شريط الصوت الذي يتسع للكثير من الإشارات والمعاني التي تنبع من الأعاني والموسيقى البديعة التي يحفل بها، وقد تم اختيارها كلها بدقة وإحساس رفيع بقيمتها الفنية، ولكني أعترف بأنني لم أر علاقة ما بين هذا الشريط البديع وبين المقدمة التي تسبق نزول عناوين الفيلم التي نرى فيها الموسيقار السوري أو عازف البزق الشهير الراحل محمد عبد الكريم.

عبد اللطيف عبد الحميد

وربما يكون عبد اللطيف قد أراد أن يهدي الفيلم إلى تلك الشخصية الموسيقية التي تنتمي إلى العصر الذهبي في الموسيقى العربية في نوع من "النوستالجيا" الخاصة.
ولابد هنا من الإشارة إلى قدرة عبد اللطيف على قيادة هذه المجموعة الكبيرة من الممثلين والممثلات، وتقديم وجوه جديدة شديدة الجاذبية ربما يكون للكثير منها مستقبل واعد، وهم يبرع، ولو في أداء مشهد أو أكثر، أمام عملاق مثل أيمن زيدان في الدور الرئيسي، بقدرته الخاصة على الاستحواذ على أنظار المتفرج، حتى وهو في لحظات الهمس الرقيق، والتعبيرالتلقائي الرفيع عن الحب. ولابد أيضا من الإشادة بالأداء الكبير الفذ للممثلة سمر سامي، التي قامت بدور المرأة الخادمة العاشقة المثقفة.. وكان يكفي أن تعبر بجملة أو جملتين، وبنظرة من عينيها، وبصوتها المميز ذي النبرة الرخيمة المنومة، وتعبيرات وجهها، لكي نتوحد كمشاهدين مع هذا العمل، ونعيش في تلك المنطقة بين الحلم والواقع، التي منها تظهر عادة الأعمال الكبيرة في الفن.

الأربعاء، 15 ديسمبر، 2010

في مهرجان دبي السينمائي 1


أفلام العالم ومسك الختام

أمير العمري- دبي


الممثل المصري هشام سليم: عضو لجنة تحكيم مسابقة المهر العربي
يختتم مهرجان دبي السينمائي عام 2010 كأحد أكبر المهرجانات السينمائية في العالم، ليس فقط بعدد ما يعرضه من أفلام، وهو عدد كبير يتجاوز المائة والخمسين فيلما روائيا، بل بتعدد أقسامه وفروعه ومسابقاته، وتنوع أنشطته الثقافية وانفتاحه الكبير على السينمائيين الشباب، ودعم تجاربهم الجديدة واتاحة الفرصة امامهم في العثور على تمويل لها من خلال تنظيم سوق يربط بين هؤلاء الشباب الساعين إلى خوض تجاربهم الأولى أو التالية، وبين المنتجين والموزعين من شتى أنحاء العالم.

المهرجان اذن لم يكتف بدوره في عرض الأفلام ودعوة جمهوره الكبير الذي تزدحم به القاعات، إلى الفرجة والاستمتاع والمناقشة الجادة مع السينمائيين، بل وامتد تأثيره ودوره إلى الترويج للنماذج السينمائية المتقدمة التي تمتلك ملامح محددة خاصة، بحيث يمكن القول إن مهرجان دبي، بفضل وعي مديره الفني ومعاونيه وعلى رأسهم مدير البرامج العربية الناقد الزميل عرفان رشيد، ومجموعة من خبراء المهرجانات من الشرق ومن الغرب، ينحاز تحديدا لنماذج الحداثة السينمائية، وإلى التجارب الجديدة الشابة، التي تطرح أفكارا جريئة تتجاوز السائد والمألوف، والانفتاج الكبير على التجارب السينمائية التي تنتج في الخليج، رغم ما يكمن في هذا الانحياز والتشجيع من مواجهة مع الكثير من الأفكار السائدة المحافظة والمتشددة أحيانا في المنطقة بشكل عام، الأمر الذي يجعل من مهرجان دبي السينمائي أداة ثقافية هامة للترويج لقيم التسامح، والفهم المشترك، والتعاون والتبادل الثقافي بين السينمائيين من بلدان مختلفة، وتخصيص مكان بارز للاحتفاء بالنماذج السينمائية المتقدمة والجيدة من العالم العربي دون تعصب ودون انحياز أو انغلاق على سينما معينة، أو الإعلان عن "كراهية"نوعية محددة من السينما كما يحدث في مهرجانات أخرى!
ورغم صعوبة الحصول على أفلام جديدة تشد الانتباه ونحن في أواخر عام 2010، وهو الوقت الذي يقام فيه المهرجان، إلا أنه يمكن القول إن مسعود أمر الله وفريقه من المساعدين والخبراء، تمكن بنجاح كبير من وضع برنامج جيد جدا من الأفلام واللقاءت الثقافية والندوات.
وتتميز الأفلام بالتنوع الشديد، من الفيلم التجريبي القصير إلى الفيلم التقليدي الكبير، وما بينهما من أفلام طليعية ووثائقية من سينما الدنيا.
يقول مسعود أمر الله في تقديمه للمهرجان "مؤشرات كثيرة: استحداث مسابقة المهر الإماراتي، إعادة هيكلة سوق دبي السينمائي، لتشمل التدريب وخلق فرص الإنتاج في ملتقى دبي السينمائي، إلى برنامج "إنجاز" الذي يحتفل المهرجان بجني ثماره الآن، وانتهاء بـ"فيلم مارت" لايجاد فرص التوزيع في الصالات السينمائية، عروض عالمية أولى تصل إلى 41، ومسابقة "المهر" التي أضفت نكهة خاصة للمهرجان".

مسعود أمر الله المدير الفني للمهرجان
 إذن، على الرغم من استحواذ المهرجانات العالمية التي سبقت مهرجان دبي الذي يختتم العام 2010، على الكثير من الأفلام الجديدة إلا أن المهرجان تمكن من الحصول على عدد كبير من هذه الأفلام (41 فيلما) تعرض للمرة الأولى في العالم، من بينها عدد كبير من الأفلام العربية التي تشترك في مسابقة المهر العربي التي يتميز بها مهرجان دبي عن سائر المهرجانات التي تقام في العالم العربي، وأنا هنا أقصد المهرجانات ذات المرجعية وتلك التي تسعى أيضا إلى تأسيس قيم جديدة وتستند إلى إمكانيات حقيقية، ليست فقط مادية، ولكن أساسا، بشرية وفكرية وثقافية، لدعم فكرة ومفهوم "المهرجان" السينمائي بعيدا عن تسلط فكرة البساط الأحمر، ونجوم السينما الأمريكية، وجاذبية عروض الأزياء التي تجري في حفلي الافتتاح والختام، والتهافت على الترويج لسينما "الآخر" على حساب السينما المحلية والاقليمية.
يشمل المهرجان ثلاث مسابقات رئيسية هي مسابقة المهر الافريقي الآسيوي للسينما الافريقية والآسيوية، باعتبار أن دبي تقع في مفترق الطرق بين هذه البلدان، وهذا هو البعد الكبير أو الدائرة الأوسع للمهرجان، ومسابقة المهر العربي لأفلام العالم العربي، وهذا هو البعد العربي أو الاقليمي لمهرجان يقام في مدينة عربية مهمة، ومسابقة المهر الاماراتي، وهذا هو البعد المحلي للمهرجان الذي أضيف هذا العام لكي يسلط الأضواء على التجارب السينمائية الجديدة لشباب الامارات.
أعضاء في فريق المهرجان مع مسعود
وتتعدد لجان التحكيم بسبب تعدد الأقسام النوعية للمسابقات الرئيسية، فمسابقة المهر العربي تتفرع الى ثلاث مسابقات: الأفلام الروائية والأفلام التسجيلية والافلام القصيرة.
ويحتفي المهرجان بثلاث شخصيات سينمائية هي صباح (الممثلة اللبنانية في السينما المصرية)، والممثل الأمريكي الكبير شون بن، والمخرج الافريقي (من مالي) سليمان سيسي. ولهؤلاء الثلاثة أفلام تعرض خلال المهرجان، لكن تغيب الكتب التي تتناول مساراتهم السينمائية والفنية وأعمالهم بالتحليل.
إلى جانب المسابقات يخصص المهرجان أقساما مثيرة للاهتمام مثل قسم "ليال عربية" ومعظم الأفلام التي تعرض في اطار هذا القسم أفلام أجنبية عن قضايا ومواضيع تتعلق بالانسان العربي، سواء من اخراج سينمائيين أوروبيين أو عرب يقيمون في المهجر.
ومن أهم أقسام المهرجان أيضا قسم سينما العالم الذي يشمل الكثير من العروض الأولى للأفلام الأجنبية من أهمها الفيلم البريطاني "127 ساعة" الذي سبق أن شاهدناه في ختام مهرجان لندن السينمائي، وهو دون شك، أحد أهم وأفضل أفلام العام. وهناك ايضا فيلم "بيوتيفول" للمكسيكي أليخاندرو جونزاليس، والفيلم الروماني الحاصل على جائزة رئيسية في مهرجان برلين "عندما أريد أن أصفر سأصفر".
ويمكنني القول هنا بكل دقة وحسم ووضوح إن قيمة أي مهرجان سينمائي في العالم تكمن في اختياراته. طبيعي أن العوامل الأخرى التي تدخل في تحديد قيمة أي مهرجان تشمل علاقته بالجمهور، وتنظيمه العام وسلاسة عروضه واتساق برنامجه وسهولة متابعته، لكن العامل الأول الحاسم الذي يحدد شخصية وهوية أي مهرجان في العالم هي اختياراته أي مجموعات الأفلام التي يتم اختيارها، عادة من قبل مجموعة من الأشخاص، يعملون بالتنسيق معا طيلة الوقت، بحيث تأتي النتيجة متجانسة في نغمة ونوعية وطبيعة الأفلام مهما تباينت في أنواعها وأطوالها. وهذه السمة واضحة بشكل كبير في مهرجان دبي السينمائي كما أوضحت في بداية هذا المقال.
وهذه النقطة تحديدا تعد ردا عمليا على الذين يتقولون إن الميزانيات الكبيرة هي التي تصنع المهرجانات، فليس هذا صحيحا على إطلاقه، فعلى الرغم من أهمية توفر ميزانية معقولة، إلا أنه ليس بالميزانية وحدها تقام مهرجانات السينما، ولا بالنوايا الحسنة أيضا، ولا بالاستناد إلى التاريخ وجاذبية الآثار القديمة، ولا بالاغداق بجنون على سينمائيين فرنسيين وأمريكيين (لأن شخصية مهمة رئيسية في دولة ما تحب أن تجالسهم أن تلتقط لها صورا معهم)!
والنقطة الرئيسية الثانية المهمة أنك عندما تقيم مهرجانا سينمائيا تأتي فيه بضيوف تستضيفهم، يجب أن تضمن لهؤلاء الضيوف حدا أدنى من الظروف الموضوعية التي تسمح لهم بالتردد على العروض بسهولة ويسر ومشاهدة الافلام في قاعات عرض صالحة للاستهلاك الآدمي، أي أنه من دون بنية أساسية صالحة لا توجد مشاهدة سينمائية جيدة. وهذه النقطة تتوفر تماما في عروض مهرجان دبي السينمائي، خلافا مثلا لما هو قائم في مهرجان آخر عريق في أحد بلدان المغرب العربي، يفشل حتى في ضمان مقاعد للصحفيين والنقاد والسينمائيين في عروضه العامة، مع غياب تام لأي عروض خاصة. وعفوا إذا كانت هذه المقارنة قد قفزت إلى ذهني الآن، فالمعاناة والتوتر والكفاح من أجل الدخول لمشاهدة فيلم سينمائي، أي فيلم على الإطلاق، تفسد للمشاهدة كل قضية.. أليس كذلك!

* في الحلقة القادمة: عبد اللطيف عبد الحميد: بلاغة التعبير بالصورة والصوت في "مطر أيلول".

الأحد، 12 ديسمبر، 2010

مهزلة وهران تعيد إنتاج نفسها

المخرج مجدي أحمد علي وسط نحوم فيلمه "خلطة فوزية" الفائز بالجائزة التي سرقها المهرجان
بدلا من أن يتوارى القائمون على أمر أكذوبة كبرى تسمى بـ"مهرجان وهران السينمائي" خجلا، ويحاولون إسدال ستائر النسيان على تظاهرتهم البدائية الفاشلة التي انتهت بلحاقهم بركب جماعات من غوغاء كرة القدم، وبدلا من طلب المغفرة من جمهور دورة المهرجان الثالثة التي انعقدت في يولية 2009، ومن لجان التحكيم التي منحت فيه تلك الدورة جوائز لم يحترمها المهرجان مهما كانت الأسباب، ولم يف بتعهداته العلنية أمام العالم، ها هى الطغمة الفاشلة التي لا تعرف كيف تدير مطعما، وتوظف في إدارة مكتبها الصحفي على سبيل المثال شخصا يخجل من الحديث من الصحفيين والنقاد، ويتوارى أمام فتاة أو أخرى، يرسل من خلالها دعوات هزلية باسم رئيس جديد وهمي لا قيمة له ولا تاريخ له في العمل السينمائي على أي مستوى، ها هي تعلن بكل وقاحة عن إقامة دورة رابعة للمهرجان في آخر أيام العام، لكي تسجل أنها اقامت المهرجان في 2010 بأي كيفية كانت حتى لو كانت عن طريق لملمة مجموعة من الأفلام من هنا وهناك، كيفما اتفق، وبطريقة الهواة المبتدئين، موهمين بعض السذج من صناع الافلام أو الذين سينالون عار المشاركة في لجان تحكيمهم التي سيكون المهرجان اول من يتنكر لأحكامها، أنهم بصدد مهرجان يحتفي بالسينما العربية وبالأفلام التي تنتج في العالم العربي. وبمنتهى الوقاحة وقلة الأدب، يتقول بعض المشرفين على تلك الفضيحة بألفاظ منحطة في حق السينمائيين والنقاد الشرفاء المعروف عنهم أنهم ليسوا للبيع في أسواق النخاسة السينمائية، سواء في وهران أو في غيرها.

ولكن هؤلاء المعروفين بجهلهم الفادح والفاضح بأبسط قواعد المهرجانات السينمائية الدولية، وسبق أن أثبتوا من قبل فشلهم الذريع في اقامة مهرجان سينمائي او ثقافي واحد، يتمتع بأدنى قدر من الاحترام والقيمة في تلك الدولة، عرفوا في الوقت نفسه، وبشكل ما، قدر أنفسهم فقرروا هذا العام شطب جائزة النقد التي جلبت لهم الصداع بعد ان أعلنا من جانبنا، التبرع بقيمتها المالية للفقراء والمشردين، وتحديناهم أن يعلنوا هم من جانبهم، اسم المؤسسة الخيرية التي ترعى أعمال البر والخير للفقراء، التي منحوها تلك القيمة المالية، فلم يفعلوا.
إلا انهم أبقوا على جائزة أحسن فيلم عند نفس مستواها أي 50 الف دولار دون أدنى إحساس بالخجل بعد أن امتنعوا عمدا، عن إرسال قيمة الجائزة إلى المخرج السينمائي الذي حصل عليها بقرار لجنة التحكيم منذ سنة ونصف السنة. ومع ذلك سنجد بعض السذج والموهومين من سينمائيين مبتدئين او مجاملين، يشاركون بأفلامهم في مهرجان أقرب ما يكون إلى عصابة احتيال وغش وكذب.
ولكن البعض يحاول التماس الأعذار لهم حتى الآن بالقول إن المدير السابق للمهرجان حمراوي حبيب شوقي، كان هو الضامن الأساسي للحصول على التمويل والالتزام بمنح قيمة الجوائز فلما غادر البلاد في ظروف "انقلابية" تتسق مع طبيعة ذلك النظام العسكري الفاشي الذي يحكم قبضته على الرقاب والعباد في الجزائر منذ ما بعد الرئيس بن بلا، تلاشت تلك القدرة السحرية على توفير الأموال اللازمة. وهو تبرير يسيء في الواقع إلى المهرجان بل والى وزارة الثقافة الجزائرية كلها، ويدمغ كل هذه الأنشطة المفتعلة للمدفوعة اساس بالدعاية والدعاية فقط، دون ان تخدم اي مشروع ثقافي حقيقي.
ويبقى موضوع وأمر تلك الفئة من الباحثين عن الاعتراف بأي ثمن، سواء ممن هم محسوبون على مجال النقد أم السينما، الذين يبدو أنهم ارتضوا لأنفسهم المشاركة في مهزلة جديدة باسم السينما وباسم الثقافة. وهؤلاء أظن انه ستكون لنا معهم وقفة فيما بعد أن نشهد كيف ستعلن المهزلة عن نفسها خلال أيام!

روابط مهمة عن تاريخ المهزلة:
** فضيحة تتردد
** عودة إلى الملف القذر

الجمعة، 10 ديسمبر، 2010

مهرجان دبي يعيد الاعتبار لنقاد السينما

أخيرا وجد ذلك المهرجان السينمائي في العالم العربي الذي يعترف بنقاد السينما وبأهمية نقاد السينما ووجودهم في لجان التحكيم لمسابقاته الدولية.
هذا المهرجان المقصود هو مهرجان دبي السينمائي الدولي (من 12 إلى 19 ديسمبر) الذي أعلن أخيرا تشكيل لجان تحكيمه الثلاث.
الزميل والصديق الناقد سمير فريد سيرأس لجنة تحكيم أفلام المهر الإماراتي التي تحكم الافلام المنتجة في الإمارات وهي مسابقة جديدة، وهي أول فرصة لمشاركة سمير فريد في مهرجان دبي منذ تأسيسه.
ويشارك الناقد البريطاني الصديق ديريك مالكولم في عضوية لجنة تحكيم مسابقة المهر الآسيوي الافريقي للأفلام الروائية الطويلة.
وتشترك الناقدة البريطانية هانا ماكجيل في عضوية لجنة تحكيم مسابقة المهر الآسيوي الافريقي للأفلام القصيرة.
وكان الناقد مصطفى المسناوي قد شارك في عضوية لجتة تحكيم مسابقة المهر العربي العام الماضي.
بالاضافة الى لجان التحكيم الرسمية، هناك أيضا لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد التي ستمنح جائزة في مهرجان دبي، وهناك ندوة دولية مخصصة لبحث تطور النقد السينمائي في عصرالانترنت.
وبهذا يضرب مهرجان دبي المثل لغيره من المهرجانات التي تقام في تلك المنطقة من العالم (من المحيط إلى الخليج) في ضرورة الاستعانة بخبرات نقاد السينما المتخصصين الذين يتمتعون بخبرة واسعة، في تحكيم الأفلام وإضافة عنصر التوازن على تشكيلها الذي يغلب عليه عادة وجود السينمائيين.
ولاشك أن المسؤول عن هذا التطور الواضح هو المدير الفني للمهرجان مسعود أمر الله، الذي يتابع العروض السينمائية في مهرجانات السينما العالمية الكبرى التي يذهب إليها، مع النقاد، أي يوما بيوم، ولا يعزل نفسه كما يفعل عادة مديرو المهرجانات، في دائرة الترويج والحفلات. ولا شك لدي أيضا في أن مسعود يعرف أيضا كيف ينصت ويستمع للنقاد، كما يمكنه، بذكائه الخاص، التفرقة بين من لا يملكون سوى التزلف والنفاق والمداهنة، ومن يعكسون دائما أفكارهم وآرائهم الخاصة بحرية وصدق.
ولابد هنا من القول ردا على من قد يتساءلون: كيف تقول إن المهرجانات السينمائية الدولية في العالم العربي لا تستعين بالنقاد؟ ويكفي في معرض الإجابة عن ذلك السؤال أن نؤكد أن مهرجان القاهرة السينمائي منذ تأسيسه قبل 34 عاما، لم يسبق أن استعان بناقد سينمائي واحد في عضوية لجان تحكيمه، علما بأن في مصر عددا لا بأس به من نقاد السينما المرموقين بل وأكبر تجمع في المنطقة لنقاد السينما وأقدمها وهو جمعية نقاد السينما المصريين (عضو الاتحاد الدولي للنقاد) التي تأسست عام 1972
وقد حذا مهرجان مراكش السينمائي الدولي حذو نظيرة المصري في ذلك فقاطع كل نقاد السينما في المغرب وغير المغرب.
وأصبحت مهرجانات السينما الأخرى تفضل الممثلين والممثلات، حتى لو كانوا من أنصاف النجوم، أو من النجمات اللاتي تجاوزن السن القانونية. وهل هناك سن قانونية وأخرى غير قانونية؟ من الأفضل أن يظل المعنى هنا في بطن الكاتب!
(7 ديسمبر 2010)

جوائزنا عادت إلينا: مصر تحصد الجوائز الرئيسية في مهرجان القاهرة



لقطة من فيلم "الشوق" الفائز بالهرم الذهبي لأحسن فيلم
 جاءت جوائز الدورة 34 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي معلنة حصول الدولة المضيفة على معظم الجوائز الرئيسية منها الهرم الذهبي لأحسن فيلم التي لم تحصل عليها مصر طوال تاريخ المهرجان حسبما أعلم. وشخصيا لا أعرف أي شيء عن دوافع لجنة التحكيم التي منحت تلك الجوائز للسينما المصرية، ولا عن طبيعة المسابقة التي وصفها الممثل عمرو واكد في حديث صحفي بأنها هزيلة وقال انه لا يسعده الفوز في مسابقة ليست قوية اصلا. وبالتالي لا يمكنني التعليق على نتائج المسابقة والمهرجان الذي لم أحضره ولم اشاهد أيا من الأفلام الفائزة. ولكن الجوائز هي:
* جائزة الهرم الذهبى حصل عليها فيلم "الشوق" بطولة روبى وإخراج خالد الحجر وإنتاج محمد ياسين.

* فاز فيلم "ميكروفون" بجائزة أفضل فيلم عربى وهو من بطولة وإنتاج خالد أبو النجا وشارك فى الإنتاج محمد حفظى وإخراج أحمد عبد الله.

* فازت الممثلة سوسن بدر بجائزة أفضل ممثلة عن دورها فى فيلم الشوق، مناصفة مع الفرنسية إيزابيل أوبير عن فيلم كوباكابانا.

* حصل عمرو واكد على جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "الأب والغريب" مناصفة مع اليساندرو جاسمان، الذى شاركه أيضا فى بطولة الفيلم الايطالي.

* جائزة ملتقى القاهرة السينمائى الدولى وقدرها 100 ألف جنيه، فاز بها سيناريو فيلم "69 ميدان المساحة"، تأليف أيتن أمين وإخراج إيهاب أيوب.

* جائزة الهرم الفضى فاز بها فيلم "وكأننى لم أكن هناك" وهو إنتاج ايرلندى مقدونى سويدى من إخراج خوانيتا ويلسون.

* جائزة أحسن مخرج: حصل عليها سفيتوساف اوفتشاروف مخرج الفيلم البلغاري"التعليق الصوتى" والذى حصل أيضا على جائزة الاتحاد الدولى للنقاد "فيبرسى" لتصويره تأثير نظام سياسى ديكتاتور على حياة أشخاص عاديين.

* جائزة أفضل سيناريو وتحمل اسم سعد الدين وهبة حصل عليها الفيلم الإيطالى "الأب والغريب" الذى شارك فى كتابته 4 من كتاب السيناريو هم جيان كارلو دى كاتالدو وجرازيانو ديانا وسيمونا لزو وريكى تونياتزى ليصبح فيلم الأب والغريب هو الأكثر حصولا على جوائز من المهرجان بعد أن حصل على جائزتين لأفضل ممثل.

* جائزة أفضل مخرج لعمل أول وتحمل اسم جائزة نجيب محفوظ حصل عليها انريج كوتكوفسكى مخرج فيلم "ولد من البحر" من بولندا.

* جائزة أفضل إبداع فنى فى الموسيقى ذهبت الى فيلم "أمير" من الفلبين.

* جائزة أفضل سيناريو لفيلم عربى وقيمتها 100 ألف جنيه مصرى مناصفة بين الفيلمين اللبنانى "رصاصة طائشة" تأليف وإخراج جورج هاشم، والفيلم العراقى "ابن بابل" إخراج محمد الدراجى.

* الجائزة الفضية لأفضل فيلم فى مسابقة الأفلام الروائية الرقمية "الديجيتال" وقدرها 6 آلاف دولار أمريكى فيلم "إيمانى" من أوغندا في حين حصل على الجائزة الذهبية وقدرها 10 آلاف دولار أمريكى فيلم "جوى" من هولندا.

وقدم المهرجان شهادة تقدير خاصة من لجنة التحكيم الدولية إلى فيلم "الجامع" إخراج داوود أولاد سياد، وأخرى إلى الممثلة التونسية هند الفاهم عن فيلم "آخر ديسمبر".

الاثنين، 6 ديسمبر، 2010

"إجري.. يا لولا.. إجري" على خطوتك الأولى أن تكون صحيحة

بقلم: منى صفوان


(يسعدني أن أستضيف هنا الصحفية والكاتبة اليمنية الصديقة منى صفوان المقيمة في القاهرة، في مقال يعكس رؤيتها الخاصة حول الفيلم الألماني "إجرى يالولا.. إجري"، وهو مقال جيد مكتوب باخلاص وبإحساس خاص بروح الفيلم)

بامكانك ان تغير قدرك المحتوم، حتى لو كان هذا القدر هو الموت المحقق، موتك أنت او موت من تحب. هذه عبارة الخلاصة لفيلم يقيس بضع دقائق في حياة "لولا" و حبيبها "ماني"، بطريقة يمكنها ان تعيد صياغة هذه الحياة.
فالمخرج الذي ابتكر طريقة المقارنة بين ثلاثة احداث، يمكنها ان تحدث لشخص واحد، ارسل رسالة سهلة، تقول انك لو فعلت كذا لحدث لك كذا.
الفيلم الالماني "إجري.. يا لولا.. إجري" Run Lola Run هو قصة الشابة التي يقع حبيبها في مأزق مع رئيس عصابته، لأن عليه أن يسلمه 100 الف مارك كان قد سرقها، ثم نساها في عربة المترو، و قبل مغادرته للعربة يرى حقيبة المال في متناول يد متشرد، فيأخذها بالفعل.
الفيلم يبدأ باتصال يأتي إلى "لولا" من حبيبها " ماني" يحكي لها كل ما سبق، وعلى "لولا" الآن ان تساعد حبيبها، قبل ان يأتي وقت التسليم، وان لم تفعل سيضطر لسرقة المحل الذي امامه، و يعرض نفسه لتهمه اخرى، الان خلال دقائق ربما هي اقل من المفترض، على الفتاة ان توفر مبلغ 100 الف مارك لانقاذ حياة حبيبها و كل ما تفكر فيه الان هو من الذي تذهب اليه!
ومن هنا يبدأ جري "لولا " بكل قوتها لتصل لهدفها. الفيلم اعمق من ان يشرح، لكنه ببساطة فكرته، يعرض ثلاث محاولات لها، بطريقة اخراجية مختلفة، فلو فعلت كذا سيحصل لها كذا ، ففي المرة الاولى تكون النتيجة ان تقتل هي، و في المره الثانية يقتل حبيبها، اما في المرة الثالثة فتحصل على المال و بطريقة مشروعة، وفي نفس الوقت يجد حبيبها الرجل المتشرد و يسلم المبلغ في موعده و بذلك يكونان بأمان و بحوزتهما 100 الف مارك اخرى، هذه النهاية النموذجية للقصة.
وهي نهاية لا تحصل عليها "لولا" الا بعد تكريس فكرة واحدة، هي : ان على خطوتك الاولى أن تكون صحيحة، وأنك ان اجتزت العقبة الاولى ستصل بسرعه، ، وليس عليك سوى أن تجري، و الأمور هي التي ستقود نفسها.
الامر تماما كلعبة الدومينو التي اظهرها المخرج في لقطه ذكية و خفيفة في بداية الفيلم، ثم اختفت في الاعادات التالية للاحداث.
لعبة الدومينو المشهورة، تعتمد على سقوط القطعة الاولى، ثم من بعدها تسقط كل القطع تباعا في مسار واحد له فروع، الفروع في الفيلم كانت هي قصص الاشخاص الذين تلقاهم"لولا" صدفه اثناء جريها، و ما الذي يحدث لهم بمجرد ان تجري الى جوارهم، و كيف تتغير حياتهم للأحسن او للأسوأ بحسب الانطلاقة التي تبدأها " لولا".
قطع الدومينو المتساقطه تسقط بسرعه تضاهيها سرعة "لولا" ، الفيلم ينفذ سريعا اليك، و يوجه لك رسائل قوية، متلاحقة، ويوضح كل شيء لك مع مرور الوقت، فمتى على "لولا" استخدام قوتها و حماسها و صراخها، متى عليها ان تقامر، و ما الذي عليها ان تفعله والذي يجب أن تتجنبه.
لقد حصلت على المال مرة حين هددت والدها مدير البنك، واستولت على المبلغ.
ومرة ساعدت حبيبها " ماني" في سرقة المتجر و قتل الشرطي، الذي يحرسه. القتل والسرقة طريقتان، كلاهما منبوذ لتحقيق الهدف، نتيجتها ان تقتل هي في احدها، و يقتل حبيبها في المره الثانية.
لكن حين تدخل دون سابق تفكير الى كازينو قمار و تقامر لتفوز، وهي ليست عضوا في هذا النادي و ليست من رواده، و ليس مرحبا بها، انها الغريبة على هذا العالم الذي ليست جزءا منه لكنها تريد منه شيئا، وكل ما يهمها ان تفوز بالملبغ دون ان تقتل او تسرق، الفيلم لا يعطي للقمار قيمة اخلاقية، بقدر ما يظهر مشهد القمار والكازينو برمته. انه لوحة سريالية ويغنيه بكثير من الرموز ليوصل فكرته، بأن الحياة هي مغامرة و مقامرة، ومهما كان اعتراض من حولك على قدرتك او حماسهم لهدفك، و مهما كان استيائهم لوجودك وهذا ما حدث لها في الكازينو، ولأنك الغريب عنهم ولست منهم ، فهذا لم يهز " لولا" التي غادرت الكازينو وسط ذهولهم، ومعها ال 100 الف مارك .
انها ذاتها طريقة قطع الدومينو التي بسقوطها تحرك كل مرة ففي الوقت الذي ساقت فيه الاقدار المتشرد في طريق حبيبها، ليسترد منه المبلغ و بسهوله، اما كيف وصل المتشرد للمكان الذي يقف فيه حبيب "لولا" في انتظارها، فهذه هي حكمة الفيلم. وتسقط قطع اخرى في جهات مختلفة، و مفترقة عن بعضها، لتصل كلها لنقطة و احدة بعد ذلك.
فحين كان على " لولا" ان تسير في طريق معين هذ المرة غير الطريق الذي كانت تسلكه كل مرة، لا تخترق صفوف الراهبات، فتسير الى جوارهن. و تصطدم بالشاب على الدراجة الذي كان في كل مرة يضايقها، و هذه المرة يصمت و يغير مساره و يقف في محل لشرب القهوة، مصادفا المتشرد الذي يشتري منه الدراجة، فيسير بها باتجاه المكان الذي ينتظر فيه حبيب " لولا" ، التي بدورها بدلا من ان تعرقل سيارة الاسعاف التي تصطدم بلوح زجاجي يحمله العمال على الطريق، تختار هذه المره ان تصعد الى سيارة الاسعاف فتجد الممرض يحاول انقاذ حياة رجل يمد لها يده، وتمد له يدها، وكانها جاءت لتكون الى جواره، فتنتظم دقات قلب المريض و تنقذ حياته. ... هكذا تسقط قطع الدومينو تباعا بترتيب لتصل لهدف واحد...
الآن ... تنزل "لولا" من سيارة الاسعاف و تجد " ماني" ينزل من سيارة رجل العصابة و قد سلمه حقيبة المال و يجري باتجاه حبيبته سعيدا، بينما هي تقف في ذهول صامت.
و حين يمشيان معا في طريق العودة يسألها.." ما هذا الكيس الذي في يدك؟".
تلتفت اليه و تصمت، نعرف نحن ان في الكيس المبلغ الذي كان يبحث عنه وهو ملكهما الآن، و بذلك تصلنا الحكمة التي اردها هذا المخرج من فيلمه، الذي عليه ان ينتهي هنا، وفعلا يفعل، لنلمح لماذا اخرجه بهذه الطريقه المتسارعة الايقاع.
لقد دمج المخرج بين رسوم الكارتون وبين الأحداث، و الصق اكثر من صورة في كادر واحد، واعتمد على تلاحق الصور وتقطيعاتها، في اكثر من موقف حتى لا يسترسل فيه، ووظف الموسيقى في مكانها، اما ليعبر عن موقف مسترخي في حدث يبدو مشدود الاعصاب، أو عن علاقة حميمة جدا بين الشابين في استخدام الضوء الأحمر ليعطي مبررا لجري "لولا" طول الفيلم، لانقاذ حبيبها، دون ان يغوص في تفاصيل علاقة عاطفية او مشاهد حميمية.
انها قصة حب ولكن بشكل مختلف تماما، و فيلم سريع الايقاع لا يسرف في لقطاته، ولا يخل بها .
يبقى الفيلم خفيفا و ساحرا ، ومحافظا على ايقاعه السريع برغم انه يقارب الساعتين، و يعطي بعدا للسينما الالمانية التي أعيدت لها الروح بهذا الفيلم، بعد توقف مربك لها .
فهذا الفيلم الالماني الذي حصد جائزة الاوسكار عن احسن فيلم اجنبي، العام الفائت، اعاد الاحداث ثلاث مرات كل مره يستخدم زاوية مختلفة للكاميرا، وعدسة مختلفة، لحدث واحد بحركة تؤكد ان زواية النظر او التعامل مع حدث واحد يمكنها ان تختلف وان تحدث نتيجه مختلفة .
الفيلم، عرضه الاسبوع الماضي "نادي السينما" في المسرح المكشوف لاوبرا القاهرة ، و نال اهتمام النقاد و الصحفيين، وخلال الندوة التي اعقبت الفيلم و ادارها الناقد رفيق الصبان كان واضحا ان نجوم الفيلم، هم الفكرة و المونتاج وانه فيلم اخراج من الدرجة الاولى، لا يعظم الأداء التمثلي المبهر، فهو لا يعتمد على تعبير الممثلين او نجوميتهم بل على طريقة عرض الاحداث.
من شاهد الفكرة، كان معجبا بسيناريو ستيف كلوفيكس الخفيف واجتمعت الاراء حول فلسفة عبثية الاقدار التي يمكن التحكم بها، كما تحكم المخرج الكبير ديفيد ياتس في فيلمه وأعاد الاحداث ثلاث مرات ليوصل الفكرة، وجعل بطلة فيلمه " فرانكا بو تنيتا" تجري دون توقف.. لتقطع كل هذه المسافه... جريا.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com