السبت، 31 أكتوبر، 2009

ثقافة التوريث وثورة الرعاع



((بعيدا عن السينما وقضاياها أنشر هنا هذا المقال الذي كتبه الدكتور عادل العمري (وهو شقيقي) حول الموضوع الأكثر اثارة للاهتمام في مصر حاليا لعله يحرك بعض المياه الراكدة ويرد الأمور إلى نصابها الصحيح)).

بقلم: د. عادل العمري

مبدئيا لا يملك رئيس الجمهورية أبدا حق توريث السلطة لابنه لأن رئاسة الجمهورية تتم - رسميا - بالانتخاب ولكن لأن مصر فى الواقع مجرد عزبة تملكها عصابة مسلحة هى الطبقة الحاكمة، قرر الرئيس أن يجعل ابنه رئيسا بعده .
ورغم أن هذا شيء معيب جدا ولا يليق ببلد تزعم نخبته أنه متحضر إلا أن الرجل مع ذلك معذور جدا. فالنخب المختلفة تفكر بنفس الطريقة، أى توريث أبنائهم مناصبهم، أو أعمالهم، فرجل الأعمال ينجب رجال أعمال، والفنانون "عينوا" أبناءهم فنانين، ورجال القضاء يناضلون من أجل حق تعيين أبنائهم فى سلك القضاء، وكانت هذه المسألة أحد أسباب صدامهم مع وزير العدل الحالى وقد حققوا نصرا فى هذه المعركة، وأساتذة الجامعات يعينون أبناءهم فى الجامعات ويجعلونهم - بالتزوير- متفوقين على بقية زملائهم، أو يتحايلون لتعيينهم بدلا من المتفوقين فعلا، وكذلك يفعل كبار رجال الدولة عموما.
ويبدو أن الظاهرة عميقة الجذور منذ بداية تحديث مصر. وتفجرت أكثر مع الثورة المضادة فى 1952: الناصرية، حيث أصبح شعار أهل الثقة لا أهل الخبرة سائدا ومعتمد رسميا على كل الأصعدة. ونظرا لتنامى عدم الشعور بالأمان فى مجتمع يزداد توحشا تميل النخب إلى ضمان مستقبل أبنائها بدلا من تركهم يختبرون قدراتهم الحقيقية ويختارون ما يناسبهم فعلا، فلا وقت للاختبارات والتجارب، فالفرص فى هذا المجتمع ضيقة والنخب ضخمة العدد والكفاءة لا تضمن لصاحبها المكانة المناسبة. فالنفوذ أهم من الكفاءة فى مصر الحديثة ولذلك يسعى الجميع لتوريث أبنائهم فى أماكنهم.
بل وفى مسألة الديموقراطية تتصرف المعارضة والنخب عموما مثلما تتصرف السلطة، فتزوير انتخابات الأحزاب واستخدام النفوذ وحتى العنف وارد جدا داخلها، وكذلك الاستعانة بالبلطجية وأمن الدولة من جانب الشلل المختلفة ضد بعضها البعض.. إلخ.
فإذا كانت هذه هى ثقافة النخب المختلفة، أو حتى ثقافة المجتمع عموما، فلماذا يطالب الجميع الرئيس بمغادرة منصبه بروح رياضية بدون أن يضمن مستقبل ابنه؟
أنا لا أدعو طبعا لتوريث الرئاسة، ولكن أقصد الإشارة إلى أن فكرة التوريث ليست مجرد فكرة شريرة، بل هى إفراز لثقافة المجتمع ككل، وهى ثقافة لا تحترم الأكفأ بل الأقرب لمراكز صنع القرارفى كافة المجالات.
ومن الناحية الأخلاقية يجب أن تتخلى النخب عن فكرة توريث أبنائها مناصبهم، ويجب عليها أن تتحلى بالديموقراطية فى كافة ممارساتها، حتى تطالب الرئيس بنفس الشيء . فهل تستطيع. لا أظن.
وما لم تتحرك القوى الاجتماعية المطحونة والمحرومة من كل شيء لمواجهة السلطة والطبقة المسيطرة والنخب كلها بما فيها "المعارضة"، شاملة الأحزاب الديكورية، لن يحدث أى تغير يذكر.
إن ثورة الرعاع هى وحدها التى يمكن أن تهز مفاهيم هذا المجتمع المتزايد الانحطاط وهى وحدها القادرة على سحق النظام (حكومة و"معارضة") وهى طبعا ستؤدى - إن حدثت - إلى فوضى وانهيار اجتماعى واقتصادى شامل، ولكن هل هناك بديل آخر؟ فهذه هى الثورات.

الجمعة، 30 أكتوبر، 2009

رسائل الأصدقاء 7

* الصديق السينمائي الشاب إسلام أمين أرسل إلى مشروع تخرجه وهو عبارة عن فيلم 5 دقائق بعنوان "أجرة القاهرة" يجسد فيه احدى قصص كتاب "مشاوير التاكسي" لخالد الخميسي عن الفتاة المنقبة التي تعمل عاهرة (في الفيلم جعلها المخرج عاملة بكافتيريا) وتتنقب لكي لا يعرفها أحد.. لكنها تذهب للعمل بعد أن تكشف وجهها وترتدي ثيابا مغايرة في التاكسي.. وهو يقول في رسالته "أستاذ أمير ، مقالاتك و نضالك عشان تحقق سينما مختلفة و مغايرة إللي بتحلم بيها ، مصدر من مصادر الإلهام و التشجيع الكبيرة بالنسبة ليا (....) بجد يهمني إنني أشارك أحلامك عن السينما وأفرجك نموذج على فيلم انا كتبته عن النقاب.. أنا عارف إن فيه مشاكل في الإخراج (والسيناريو إللي إتغير في حاجات غصب عني للأسف) بس دي تجربة و أنا حبيت إنني أفرجك عليها عشان أتعلم من حضرتك و أقولك إنك مش لوحدك بتحلم الحلم ده"..

* عزيزي إسلام: أعجبني كثيرا جدا الفيلم من ناحية زوايا التصوير واستخدام الظلال في الصورة، وشريط الصوت المكثف الذي يعلق على الحدث، كما أعجبني احساسك القوي بالإيقاع الذي تستخدم فيه اللقطات القصيرة وتنويع زوايا الصورة والتكوين. فيلم خفيف الظل يشرح حالة بكثير من البلاغة.. أنا على ثقة من أنه سيكون لك شأن في عالم السينما اذا اتيحت الفرصة لأن تقدم السينما الأخرى.. تقبل تحياتي.

===========================

* كيف حالك مبدعنا الجميل .. وددت أن تكلمني أكثر عن رؤيتك لفيلم نقيض المسيح أو عدو المسيحأنا شاهدت الفلم وقرأت مقالتك ..الفلم حقا أعجبني لأني كما أرى إن ويليام دافوي مثل مرة أخرى دور المسيح وكما نعلم أنه سبق أن جسد الدور في فيلمسكورسيزي عام 1988 .. وجدت في الفيلم في النهاية أن المرأة هى عدو المسيح حين اكتشفنا أنها قتلت طفلها وكانت تعذبه من خلال تشويه قدمه .المرأة بسبب اطروحتها الخطيرة والإعتقادات الخاطئة التي أخذتها استحوذ عليها الشيطان وتمكن منها ولم يكن هناك من مفر لقتلها في النهاية. أما دافوي فقد تلقى التعذيب السادي ولا أدري كيف يكون ساديا كما ذكرت في مقالتك . بل بالعكس أظهره المخرج رحيما جدا بزوجته!!فأرجو منك مزيدا من التحليل لهذا الفلم وشكرا لك جزيل الشكر .

* عزيزي محمد: أنت قدمت قراءتك الخاصة لفيلم "نقيض المسيح" ورأيت فيه المسيح والشيطان.. ولكن هل الشيطان امرأة.. ولماذا؟ والتعذيب السادي أنزلته الزوجة بزوجها بينما أنت تخلط فتقول إن الرجل كان رحيما جدا بزوجته، أنا ذكرت السادية في إطار وصف ما أنزلته الزوجة بزوجها وليس العكس لذلك فهو تعذيب سادي أي تتلذذ به المراة وتبتكر في وسائله.. وقد قدمت رؤيتي للفيلم في أكثر من 2000 كلمة ولا أستطيع تقديم المزيد، وقد أبديت تحفظاتي على تلك الرؤية المغرقة في التشاؤم والعنف بدون جمال كما رأيت، وانت أعجبت بالفيلم كما تقول، وهذا من حقك ولا داع لأن نتفق فمن الممكن أن نختلف ونقر آراء بعضنا البعض.. أليس كذلك؟

============================

* الاستاذ الناقد الكبير أمير العمرى المحترم:انا مصرى مقيم فى ايطاليا ولقد اسعدنى وافادنى كثيرا موقعك الجميل وليس هذا الامر بغريب على سيادتكم حيث اننى من عشاق السينما وتابعت مقالاتكم عبر نشرات نادى السينما فى مصر منذ سنوات بعيدة وعبر ما تنشرونة فى الصحف السيارة.لذا يشرفنى وضع بانر موقعكم بعد اذنكم فى موقعى المتواضع التالى ويشرفنى تلقى ملاحظاتكم القيمة كما يسعدنى تقديم نفسى اليكم.اسمى احمد انور مقيم فى ايطاليا منذ عشر سنوات.. لى الكثير من المقالات والقصص القصيرة المنشورة فى العديد الصحف العربية.

لى اكثر من كتاب قيد النشر ورواية وسيناريو فيلم بين مصر وايطاليا. أتمنى ان يرى النور قريبا كما اشتركت فى العديد من مهرجانات السينما سواء فى ايطاليا او خارجها بمجموعة من الافلام القصيرة.

موقعى الثقافى السينمائىwww.cinemarabo-italiano.net

مع كامل تقديرى واحترامى

احمد انور

* عزيزي الأستاذ أحمد أنور..لابد أنك من ابناء جيلي لأنك تذكر نشرات نادي السينما وهذا زمن بعيد بعيد..أعرف موقعك ورأيت أنك وضعت مدونتي المتواضعة فيه منذ مدة طويلة ويسعدني ويشرفني اعجابك بما أقوم به.. وطبعا أتمنى أن نلتقي ونتبادل الأفكار كما يسعدني أن أقرأ لك.. مع أطيب تحياتي.

============================

* الأستاذ صلاح سرميني بعث إلي ما أطلق عليه "آخر سرقات سلامة عبد الحميد" وكان الأصح أن يقول "أحدث سرقات" لأنني لست واثقا انها ستكون السرقة "الأخيرة" للصحفي سيء السمعة سلامة عبد الحميد الذي يعيش ويتعيش على السرقة والسطو على كتابات الآخرين، بدعوى أنه ينتمي لجيل "يريد أن يصل بسرعة" كما قال لصديقنا صلاح هاشم، والغريب أن هذا الصحفي الذي يقوم بأعمال تتنافى مع الأخلاق، يجد من يدعوه إلى مهرجانه المفلس لأن صاحب هذا المهرجان الذي لن أسميه (وقد انكشفت لصوصيته واحتياله أخيرا) يجد فيه شخصا على شاكلته، ويطرب لقيامه، أي المدعو سلامة اللص، بمنافقته ونشر صوره (وهو المتيم بذاته حد الانتفاخ)!المشكلة أن أخونا صلاح سرميني لم يحدد لنا أصل المقال المسروق وهو على أي حال عن المخرج الايراني عباس كياروستامي.

"الراقصون": أفضل فيلم روائي في مهرجان أبو ظبي



كان عرض فيلم "الراقصون" Hipsters في مهرجان أبو ظبي السينمائي الثالث حدثا خاصا كبيرا على كل المستويات، فقد جاء الفيلم أولا ممثلا لسينما عريقة من السينمات "الرائدة" التي يحتفظ تاريخ السينما لها بمئات من الأفلام الكلاسيكية البارزة. وكان البعض يظن أن هذه السينما التي أخرجت للعالم الكثير من المبدعين السينمائيين الكبار، قد توقفت عن الحركة بعد سقوط النظام الشيوعي تحديدا بسبب تفكك المؤسسات الإنتاجية التي كانت تشرف عليها وتمولها الدولة، واحجام المنتج الخاص عن التصدي لإنتاج الأعمال الكبيرة عموما، وسيادة نوع من "الاسترخاء" الفكري أيضا بمعنى غياب القضايا الكبرى التي تثير التحدي أمام السينمائيين وتدفعهم عادة إلى الإضافة والإبداع والتجديد.

الخميس، 22 أكتوبر، 2009

فيلم "كاريوكا" لنبيهة لطفي: قوة الشخصية تطغى على ضعف الفيلم!


شهد مهرجان أبو ظبي السينمائي العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي الطويل "كاريوكا" (60 دقيقة) للمخرجة اللبنانية المقيمة في مصر نبيهة لطفي، وقد عرض الفيلم داخل المسابقة المخصصة لهذه الأفلام إلا أنه لم يحصل على أي جائزة.
و لاشك أن أول انطباع يتولد لدى المشاهد للفيلم هو أن "تحية كاريوكا" هي عنصر الجاذبية الأساسي في الفيلم، اي أن الشخصية وما يحيط بها من رونق كبير وسحر أسطوري، تظل هي أساس اهتمام المشاهدين وليس القيمة الفنية للفيلم و شكل المعالجة أو طريقة الإخراج، أي التعامل مع المادة.
والمقصود أن كاريزما كاريوكا: الراقصة والممثلة والمغنية والمناضلة السياسية والنقابية والإنسانة ذات القلب الكبير، هي ما يشد المتفرج إلى الشاشة بحثا عن أية ثغرة يمكنه النفاذ منها للاطلاع على حقيقة تلك الشخصية الفذة التي عاشت عصرها، وامتزجت معه بكل عنفوانه، وشقت مسيرة حياة حافلة بالشهرة والمجد، ووصلت إلى قمة ذلك السلم، دون أن تتخلى قط عن اهتماماتها الإنسانية الكبيرة، مفضلة دوما، الدور الإنساني والاجتماعي بل والسياسي على دور "البرنسيسة" الجميلة التي أثارت بقدرتها الخاصة على تحويل الرقص الشرقي إلى فن تعبيري رفيع، مشاعر ملايين الرجال في العالم وليس فقط في العالم العربي.
بعد المدخل الجيد المثير الذي تستخدم فيه المخرجة مقاطع من ذكريات شخصيات عديدة من الذين عاصروا تحية كاريوكا، ستعود إليهم تفصيلا عبر الفيلم، سرعان ما يهبط الإيقاع ويتحول الفيلم إلى مجرد "درس" مدرسي في الإنشاء كما في فن الفيلم الوثائقي، يصلح للتدريس على طلاب في إحدى مدارس الفيلم في أوائل الخمسنيات!
هذا الفيلم نموذج مجسد لكل ما يجب تجاوزه في السينما الحديثة، وثائقية كانت أم خيالية: التعليق الصوتي الإنشائي الطويل، تتابع عدد من الصور الفوتوغرافية واللقطات المنتزعة من عدد من الأفلام التي ظهرت فيها تحية كاريوكا، مقابلات إذاعية مسجلة مع كاريوكا تروي خلالها قصة حياتها، ثم، وهذا هو الجهد المحدد الذي قامت به المخرجة، مقابلات مصورة مع عدد من الشخصيات التي عاصرت الفنانة بدا أن كثيرا منها اختير على نحو عشوائي او حسبما تيسر وتوفر. فلا أظن على سبيل المثال، أن المخرج يسري نصر الله هو الأقدر على تقديم شهادة مهمة عن كاريوكا، ولا صنع الله ابراهيم الذي لا يقول شيئا ذا قيمة عنها على أي حال، مع كل التقدير والاحترام الواجب لهذين المبدعين، لكن ظهورهما في الفيلم ربما كان يسيء إليهما أكثر مما يضيء بقعة في حياة كاريوكا!
إلا أنها أيضا تجاهلت الكثير من الشخصيات المهمة التي ارتبطت بها كاريوكا في حياتها مثل سمير صبري مثلا الذي وردت اشارة غامضة إليه في الفيلم دون أن نفهم لماذا لم تجر المخرجة معه مقابلة، وكذلك الراقصة فيفي عبده التي يتردد اسمها الأول على لسان رجاء الجداوي ايضا بشكل يستعصي على فهم المتفرج الذي لا يعرف علاقتها بكاريوكا.

نبيهة لطفي

لقد حاولت نبيهة لطفي إعادة رسم "بورتريه" للراحلة الكبيرة تحية كاريوكا التي تركت بصمة لا تمحى على عصر بأكمله، ولكن دون نجاح يذكر، فقد اعتمدت فقط على توليف خليط من الصور واللقطات والمقابلات المصورة، واستنفذت جانبا كبيرا من الفيلم في الوقوف بدهشة أمام تفاصيل كثيرة دون إشباع مثل موضوع "الجبهة الوطنية" ودور تحية كاريوكا فيها، وشهادات شريف حتاتة وصلاح عيسى ومحمود امين العالم وصنع الله وغيرهم، وهو موضوع ربما يمكن أن يكون جزءا من فيلم مستقل عن العلاقة بين الفن والسياسة بنوع من التعمق أكثر من ذلك المرور العابر الذي يعاني رغم سطحيته، من التضخم في الزمن، والذي يشير إلى شخصيات وأحداث، قد لا يعرف أكثر مشاهدي اليوم شيئا عنها مثل مصطفى كمال صدقي وحركة السلام وحدتو ولماذا كان يقبض على شخص مثل حلمي رفلة في تلك الفترة من أوائل الخمسينيات، لكن المخرجة رغم اهتمامها الكبير بالجانب السياسي، تهمل تحول كاريوكا فيما بعد إلى مناهضة للناصرية والالتحاق بركب الثورة المضادة في عصر السادات، والتصدي مع فايز حلاوة (زوجها الأخير) لإنتاج والقيام ببطولة مسرحية "يحيا الوفد" التي اعتبرها صلاح عيسى في ذلك الوقت (عام 1974) "مانيفستو المرحلة"، والتدشين الفكري لسياسة الانفتاح الاقتصادي.
تقسيم الفيلم نفسه إلى أجزاء يتم بطريقة مدرسية مثل الكراسات و الملفات البدائية كما لو كانت الشخصية تتكون من ملفات مصنفة على طريقة: في عالم الرقص، في السينما، العالم الخارجي وحضور الاحتفالات الدولية والمهرجانات، دورها في عالم السياسة، زيجاتها وأزواجها (13 زوجا) قدمت بشكل مضحك وبدا كما لو كان يحمل سخرية منها، ثم بالطبع موضوع مشاكلها المتراكمة مع زوجها الأخير فايز حلاوة الذي لا يوضح لنا الفيلم لماذا كانت تحية تريد بكل هذه الضراوة التخلص منه وكيف تدهورت العلاقة بينهما إلى هذا الحد، وما انعكاس ذلك على حياتها عموما بل وكيف كان ممكنا أن تعيش معه 17 سنة من الزواج!


إن مشكلة نبيهة لطفي أنها لاتزال تتعامل مع أسلوب ولغة الفيلم الوثائقي بتلك النظرة التقليدية الرتيبة "الدعائية" التي تضفي نوعا من التقديس على الشخصية التي تتناولها، وهو ما يجعلها تتجنب التوقف أمام الكثير من النقاط المثيرة للجدل في حياة تحية كاريوكا، لطر ح تساؤلات جريئة تسعى إلى الكشف والاكتشاف بدلا من فكرة "التكريس" و"التأكيد" و"التبني"، فالفيلم لا يتيح للجمهور المشاهد أدنى فرصة لطرح التساؤلات أو التوقف أمام حدث ما في حياة الفنانة للولوج إلى عالمها من زاوية أخرى غير مألوفة، في نسيج مركب يتسم بالحيوية والانتقال بين الخيوط المختلفة لرواية "دراما" وثائقية عن تحية كاريوكا، والتحقيق أيضا فيما تقوله الشخصيات عنها، فلماذا لم تكلف نبيهة نفسها مثلا توجيه سؤال واحد إلى رجاء الجداوي عن تقاعسها عن تقديم المساعدة الحقيقية إلى خالتها تحية كاريوكا في أواخر حياتها، دون التذرع بأنها كانت ترفض المساعدة في حين أنها قبلتها من سيدة كويتية أهدتها مسكنا!
إن فيلم "كاريوكا" مشروع فيلم بدا أنه صنع على عجل، أساسه هو تركيب مجموعة من الصور على صوت التعليق المدرسي الذي استغنت عنه السينما الوثائقية الحديثة منذ عقود، مع عدد من الشهادات التي يتم مزجها كيفما اتفق، وتذبذب في الإيقاع بطريقة تفقدنا القدرة على المتابعة، واستخدام الكثير من اللقطات غير الصالحة من الناحية البصرية للاستخدام في السينما، فقط لما تظن المخرجة أن لها قيمة تاريخية، ونميل إلى أن هذه الصور تتوفر بصورة أفضل، ولكن ربما تكون أكثر تكلفة من الناحية المادية.
لهذه الأسباب فإن فيلم "كاريوكا" هو مشروع فيلم قد يثير استفزاز سينمائيين آخرين وتحفيزهم لصنع الفيلم الأكثر اكتمالا، الذي يليق بمكانة "كاريوكا"!
((تحذير: جميع الحقوق محفوظة للناشر ويحظر إعادة النشر بأي شكل من الأشكال))

الأربعاء، 21 أكتوبر، 2009

مرة أخرى: المهرجانات ودعم الأفلام

مرة أخرى أكتب لأعلق باختصار على موضوع المهرجانات السينمائية العربية ودعم الانتاج السينمائي العربي وموقف الناقد من هذا وذلك في ضوء الجدل الصحي الذي بدأه مشكورا الزميل محمد رضا وشاركت فيه بمقال أو أكثر، وليت نقادا آخرين يشاركوننا فيه أيضا لأن القضية مهمة وليست نوعا من الترف، وهي أهم كثيرا مثلا من مشكلة ما قاله أو لم يقله عمر الشريف لمخرج فيلم "المسافر"، او هل "كتالوج" هذا المهرجان أفضل من ذاك على طريقة.."كتالوجنا أحسن من كتالوجهم"!
أولا: رأيي الثابت أنه يتعين على الناقد في بلدان العالم الثالث أو المهتم بسينماه المحلية والاقليمية أساسا والتي يمكن اعتبارها في منطقتنا "سينما نامية" تواجه الكثير من المشاكل، القيام بدور في دعم وجود السينما عموما (المهددة بالانقراض امام دعاوى التزمت والارهاب) والسينما الجادة خصوصا.. أي السينما التي تطرح فكرا وفنا رفيعا وليست سينما التسالي والتهريج باسم الفن.
ثانيا: كنت دائما أرى، ولازلت، أن دور التليفزيون ومهرجانات السينما في العالم النامي الذي تختنق سينماه ويعاني الإنتاج المتميز فيه معاناة تنذر بالخطر، ألا تكتفي فقط (أي التليفزيون والمهرجانات) باستهلاك الفيلم بل بدعمه وتمويل المشاريع الطموح فيه، خاصة مهرجانات الخليج المتهمة بأنها ظهرت في بلدان يغيب فيها الإنتاج السينمائي، وعليها بالتالي القيام بدور في دعم وإيجاد تلك السينما وإلا تصبح مجرد "أندية سينمائية" تكتفي بعرض الأفلام ومنحها الجوائز فقط. ولا تصلح المقارنة هنا بمهرجان كان أو برلين أو غيرهما فهذه مهرجانات تقام في عالم مختلف له ظروفه المختلفة تماما.
ثالثا: عندما يستجيب مهرجان ما مع مطالبة الناقد بهذا الدعم فإن هذه خطورة يجب الترحيب بها، ولا يصح هنا الاحتجاج بأن المهرجان يأخذ من الناقد أمرا ويهمل أمورا أخرى، فلماذا لا يقال إنها استجابة واحدة سنسعى أن تتلوها استجابات أخرى، فهل يمكننا أن نفرض على المهرجانات "أجندة" معينة لتبنيها دفعة واحدة أم أن العملية أكثر تعقيدا من ذلك، وانها تمر بمراحل وضغوط وتراكمات، في وقت ندرك جيدا أننا نعمل بشكل فردي مفكك في ظل غياب حركة نقدية عربية أصيلة لها تجمعاتها القوية أو وجودها الموحد الذي يفرض على الآخرين احترام النقاد وضرورة التعامل معهم على قدر المساواة مع السينمائيين وهو مطلب مشروع تماما، ولكن علينا أيضا أن "ننظف" صفوفنا من الدخلاء والمرتزقة وأصحاب السمعة السيئة وأنصاف الكتبة والادعياء، بل ولصوص المقالات والمنتحلين، وكل هؤلاء يعرضون بانتظام خدماتهم بأي ثمن على أي مهرجان ويتهافتون على الدعوات ولا ينظرون للأمر على أن المهرجانات في حاجة للنقاد أكثر من حاجة النقاد للمهرجانات. رابعا: لاشك أن من حق أي جهة تساهم في انتاج فيلم أن يكون لها شروطها، ولا أعتقد أن من الواقعية في شيء مطالبتها بالتخلي عن شروطها فهذه سوق مفتوحة لا تصلح معها الأحاديث العاطفية (ارحموا المهرجانات الفقيرة مثلا) بل هذه هي طبيعة المنافسة في النظام الرأسمالي (الذي لم اصنعه أنا أو غيري من النقاد بل صنعته الأنظمة العربية التي ساهمت مع الغرب في اسقاط أنظمة الاقتصاد الموجه في العالم!).. أي أن هذا النظام له قواعده التي من الطبيعي أن يلعب طبقا لها. ويجب محاسبته على الالتزام بها.
أخيرا.. أظن أن الموضوع خرج كثيرا عن نطاق فيلم محمد الدراجي وما حدث فيه وما حصل عليه أم لم يحصل من دعم مالي أو "جائزة" مسبقة وما إلى ذلك، كما تجاوز نطاق مهرجان أبو ظبي تحديدا، وأصبح قضية يمكن تنظيم حوار علمي جاد حولها رغبة في الوصول إلى صورة واضحة وبحيث يبدأ الحوار أولا حول هذا السؤال الواضح والبسيط: هل نحن كنقاد مدافعين عن وجود الفيلم العربي الجاد، مع دعم هذا النوع من السينما، من قبل المهرجانات وغير المهرجانات، أم لا؟ وما هي شروط ومعطيات هذا الدعم، ومن الذي يحددها ويتحكم في تطبيقها وهل هي "سياسة" ممتدة، أي استراتيجية، أم"تكتيك" آني مؤقت للدعاية وتحقيق شهرة إعلامية كاذبة، وهل المنافسة بين المهرجانات تدور حول مشرع ثقافي أم لتجميل وجه الأنظمة التي تقيمها، وما الذي يستفيده الجمهور أساسا من هذه المهرجانات، وما الذي يستفيده السينمائي، وما العلاقة بين الناقد- السينمائي- الجمهور- المهرجانات.

الأحد، 18 أكتوبر، 2009

في ضوء الجدل الدائر حول مهرجان أبو ظبي ومسألة "خطف" الأفلام بالمال

لقطة من فيلم "ابن بابل" لمحمد الدراجي


الزميل الناقد محمد رضا طرح كثيرا خلال الفترة الأخيرة موضوع المهرجانات التي تدفع أموالا مقابل الحصول على عرض الأفلام عروضا أولى وأبدى رفضه لذلك من منطلق ان هذا سيجعل من الصعب على مهرجانات أخرى لا تملك المال العثور على أفلام جديدة تعرضها، ويدلل على ذلك بما يواجهه مهرجان القاهرة السينمائي حاليا من أزمة في العثور على فيلم مصري جديد صالح للعرض في برنامجه.
هذا الطرح صحيح تماما ولكن ليس صحيحا ما قاله من أنه لم يجد حتى الآن زميلا يؤيده في ذلك، فقد كتبت بالحرف الواحد وأنا مازلت في مهرجان أبو ظبي نفسه في هذا الموقع بتاريخ 11 أكتوبر في اطار اليوميات التي تمكنت من نشرها وسط كل المشاغل، فقلت:
((مؤكد أنني لا أوافق على أن يصبح سلاح المال هو السلاح الحاسم في المنافسة بين مهرجان ابو ظبي وغيره من مهرجانات المنطقة سواء المهرجانات التي تقام في الدول النفطية مثل دبي والدوحة، أو في الدول المائية مثل القاهرة ودمشق وقرطاج وتطوان (.....)
((سمعت بالطبع ما تردد عن دفع الكثير من الأموال لبعض المخرجين للحصول على حق العروض الأولى لأفلامهم، وهو سلوك مرفوض أساسا لأنه يفسد السينمائيين ويجعل المال هو القيمة الأساسية في مشاركتهم بالمهرجانات، كما أنه سلاح لا يأخذ في الاعتبار أن الذين يستخدمونه يسيؤون إلى أنفسهم ايضا وإلى مهرجاناتهم، لأنه يظهرهم باعتبارهم أناسا من فصيلة "محدثي النعمة" الذين يستسلهون كثيرا اخراج دفاتر شيكاتهم وشراء كل من يمكن شراؤه بالمال)).
انتهى الاقتباس. وقد كررت نفس رأيي هذا خلال رسالة لإذاعة بي بي سي العربية أثناء تغطية المهرجان. غير أنني اكتشفت بعد ذلك أن الموضوع له شقان في الحقيقة ولا يجب النظر إليه من زاوية واحدة.
أما الزاوية الأخرى فهي أن القائمين على أمر مهرجان أبو ظبي أعلنوا أنهم قدموا دعما ماليا بالفعل لثلاثة "مشاريع سينمائية" (من المنطقة العربية) أو لمخرجين عرب، "التي توقفت في مراحلها النهائية بسبب نقص التمويل اللازم لاكمالها" حسب البيان الصادر عن المهرجان. هذه المشاريع أو الأفلام هي تحديدا "ابن بابل" لمحمد الدراجي العراقي، و"ميناء الذاكرة" لكمال جعفري الفلسطيني، و"شيوعيين كنا" لماهر أبي سمرا اللبناني".
وقد عرض الفيلم الأول في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، والثاني في مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة، والثالث خارج المسابقات كعمل غير مكتمل أي لم ينته التوصل إلى صيغته النهائية بعد.
وأعلن المهرجان بالحرف- حسب بيانه- أن تمويل هذه الأفلام جاء من "القيمة المالية الاجمالية لجوائز المهرجان البالغة مليون دولار كجزء من جهد أكبر يهدف إلى اعادة تخصيص بعض من هذه الجوائز المالية السخية بما يتفق مع غايات المهرجان من رعاية التطوير اللازم لصناعة سينمائية في المنقطة باتت أقوى من أي وقت مضى".
هنا أتوقف قليلا لأنني كنت أحد الذين تصدوا منذ سنوات لقيادة حملة لم تتوقف أبدا، تنادي بضرورة ألا تصبح المهرجانات السينمائية العربية مجرد جهات تستهلك الأفلام دون أن تدعمها، وتعرضها لكنها لا تساهم في إنتاجها في حين أننا في منطقة يصعب كثيرا فيها العثور على تمويل للمشاريع الجادة، كما أن الميزانيات الضخمة المخصصة لجوائز بعض هذه المهرجانات من الأفضل أن يذهب جزء منها لدعم واكتشاف المشاريع الجديدة الطموح وليس فقط تكريم ومكافأة ما أنتج فعلا.
هذا على سبيل المثال، جزء من مقال نشرته بتاريخ 19 أغسطس 2008 في هذا الموقع تحتعنوان "ماذا تقدم المهرجانات السينمائية العربية للسينما":
((أما الملفت أكثر للنظر، فهو أن الأغلبية العظمى من مهرجاناتنا العربية (في العالم العربي عموما) قد تولي اهتماما للأفلام، أي تهتم باستهلاك الأفلام، إلا أنها تهمل تماما دعم الأفلام.نعم هناك كثير من الندوات والمؤتمرات والموائد المستديرة والمستطيلة التي تخصص لمناقشة "أزمة الإنتاج" "وطرق دعم الإنتاج" و"الإنتاج المشترك" والتنسيق بين "الشمال والجنوب". لكن لا أحد يكلف نفسه الاهتمام بوضع "آلية" محددة لدعم الإنتاج السينمائي الذي يتميز بجرأة تتجاوز السائد في السوق السينمائي، حتى لو جنح العمل إلى أقصى حدود التجريب، فبدون هذا التجريب لا تتطور السينما بل تظل تدور حول نفسها دون أن تجاوز الأساليب القديمة، في السرد أو في الإخراج.
((مهرجاناتنا السينمائية لا تهتم بدعم مشاريع لأفلام جديدة تمتلئ بالطموح وتكشف عن موهبة أصحابها، من خلال ورش الإنتاج ومسابقات السيناريو ومؤسسات راسخة تستطيع الحصول على التمويل من جهات متعددة، وتتمكن من الاستمرار في تمويل المشاريع السينمائية الجريئة (شريطة الاعتماد في الحكم على هذه المشاريع على لجان متخصصة من السينمائيين والخبراء من العالم الخارجي وليس على "شلل" المرتزقة والمنتفعين سيئة السمعة. فهذه المهرجانات يهمها أساسا الجانب الاحتفالي الاستعراضي الدعائي، والتفاخر الكاذب بأننا أصبحنا لا نقل عن مهرجان "كان" بعد أن نجحنا في فرش البساط الأحمر، وبعد أن ظهر السيد الوزير لكي يؤكد لنا أن "السينما فن يعمل من أجل بناء الإنسان" و"تطوير الذوق العام في المجتمع"، وهي بالطبع مقولات متكررة ومضحكة)).
انتهى الاقتباس ما كتبته هنا منذ أكثر من عام، والآن أليس من واجب النقاد العرب الوقوف إلى جانب دعم السينمائين العرب والسينما العربية.. أليس هذا أفضل من حصول أفلام أمريكية وأوروبية على الدعم كما كان يحدث في مهرجان أبو ظبي في الماضي وتعرض لانتقادات شديدة عن حق؟
عندما يقدم مهرجان أبو ظبي جزءا معتبرا من القمية المالية لجوائزه (مليون دولار) لدعم انتاج أفلام فنية أليس هذا أمرا جديرا بالتأييد؟
ألم نكن دائما نكتب لنضرب المثل بما يقدمه مهرجان روتردام من خلال مؤسسة "هيوبرت بالس" لدعم المشاريع الفنية السينمائية بما فيها أفلام تنتمي إلى منطقتنا وثقافتنا؟ وألا يكون في الهجوم على هذا الدعم واتهامه بأنه يسعى إلى تقويض مهرجانات أخرى، تناقضا بين مواقف الناقد نفسه، وأنا أقصد مواقفي الشخصية!
النقطة الاخرى المهمة هنا أنه إذا كان المهرجان يعتبر نفسه طرفا إنتاجيا في الفيلم (وهو ما أرى أنه من حقه تماما في هذه الحالة) فهل يصبح من حقه أيضا أن يشترط ضرورة عرضه لديه قبل غيره؟ وهل هذا ما يفرضه أيضا مهرجان روتردام السينمائي؟
المؤكد أن "الاحتكار" مرفوض ومدان لأنه يتناقض مع مبدأ المنافسة الحرة أساسا، وأن "سلاح المال" يمكن أن يساء استخدامه أيضا مما قد يؤدي إلى كوارث على أصحابه وعلى الآخرين.
غير أن من الواضح أن هناك نقاطا عدة يمكن أن يدور حولها الجدل منها:
* هل المهرجان" لعرض الأفلام فقط بغرض الترويج للثقافة السينمائية، أو يتعين عليه أن يلعب دوره في دعم الإنتاج (المحلي والاقليمي أساسا) خاصة وأننا نعيش في نطاق "سينما نامية أو تحت التكوين" وبالتالي لا تصلح المقارنة هنا مع مهرحان كان أو برلين وغيرهما؟
* هل يمكن اعتبار دعم انتاج المشاريع الفنية الطموح من الأفلام العربية نوعا من الإرهاب للمهرجانات العربية الأخرى التي لا تستطيع تقديم دعم مماثل؟ أم أن الدعم مسألة مبدأ بغض النظر عن قدرة مؤسسة ما دون غيرها على تقديمه؟
* هل يجب ان تكتفي المهرجانات السينمائية "الفقيرة" بدورها في "عرض" الافلام إلى حين يمكن أن تدعم الانتاج بطرق أخرى؟
* في حالة وجود أموال يلوح بها لشراء العروض الأولى للأفلام في مهرجان ما، ألا تنعكس المسؤولية أيضا على السينمائيين الذين يستجيبون لهذا ويجرون وراءه أم أن المسؤولية تنحصر فقط في المهرجانات؟
* هل تعد المنافسة المفتوحة بين المهرجانات أمرا إيجابيا يؤدي إلى تطوير هذه المهرجانات، أم أن من الضروري "ضبط" تلك المنافسة، والتضرع للمهرجانات الغنية بأن تقلل مما تنفقه من ميزانيات على مهرجاناتها لكي لا تظلم المهرجانات الفقيرة، أم من الأفضل دفع المهرجانات الفقيرة إلى أن تصبح أقوى وأكثر من ناحية القدرة المالية خاصة وأن "الدول المائية" التي تقام فيها هذه المهرجانات تنفق أضعاف ما تنفقه على مهرجان السينما الدولي لديها (القاهرة مثلا) على مهرجانات أخرى مثل مهرجان المسرح التجريبي في مصر لأن (الوزير الفنان عاوز كده!).. بل وهناك أيضا مهرجان دولي آخر كبير (في دولة مائية أخرى أي غير نفطية) هي المغرب ينفق عليه كما ينفق على مهرجانات الخليج وربما أكثر وهو مهرجان مراكش الدولي الذي يهتم أكثر، بالحصول على أفلام أمريكية واوروبية حديثة!
* هل المنافسة بين المهرجانات والانحياز لمهرجان دون آخر، أو لمدير مهرجان دون غيره بحكم الصداقة أو التعاون المشترك أو غير ذلك، من الممكن أن تلعب دورا في إشعال ساحة الخلاف، وألا يستدعي الأمر النظر إلى الأمور من زاوية الموقف المحايد النزيه الذي يقيس الأشياء من مقياس المبدأ وليس الأشخاص؟
* هل وجود المهرجان السينمائي الدولي الخليجي يمكن أن يكون في الفراغ، أم لابد من وجوده ضمن مشروع ثقافي متكامل يعكس رغبة حقيقية في التأسيس لوجود سينمائي حقيقي في بلدان الخليج تصبح منتجاته السينمائية بمضي الوقت متوفرة ومتاحة في الأسواق الخليجية وغيرها كما يمكن عرضها من خلال شاشات التليفزيون؟
هذه الأسئلة ربما تصلح مدخلا لمناقشة الأمر بنوع من التعمق أكثر مستقبلا. وربما عدت إلى مناقشته مرة أخرى، وفي انتظار تعليقات الزملاء والأصدقاء والقراء.. على البريد التالي amarcord222@gmail.com

السبت، 17 أكتوبر، 2009

جوائز الدورة الثالثة من مهرجان أبوظبي (الشرق الأوسط) السينمائي

من فيلم "الراقصون" أو (عشاق الصرعات)


اختتمت مساء السبت فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان أبو ظبي - الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، والتي تضمنت توزيع جوائز اللؤلؤة السوداء على الفائزين في مسابقات المهرجان.
وجاء الإعلان عن الأفلام الفائزة بعد عشرة أيام من الاحتفاء بالسينما شهدتها أبوظبي من خلال عرض 128 فيلماً، وتنافس 17 فيلماً روائياً و14 فيلماً وثائقياً و25 فيلماً قصيراً و10 أفلام قصيرة من إخراج طلبة الفن السينمائي على جوائز "اللؤلؤة السوداء" التي شارك ضيوف المهرجان من كبار النجوم العالميين، بمن فيهم نعومي واتس وإيفا مينديس، بتقديمها إلى الفائزين.
وكان المهرجان قد منح جائزة "اللؤلؤة السوداء" الخاصة للفنانة فانيسا ريدغريف عن مجمل أعمالها وإنجازاتها الفنية أثناء حفل الافتتاح يوم 8 أكتوبر الجاري.

الجوائز والفائزون

مسابقة الأفلام الروائية الطويلة
* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم روائي (100 ألف دولار) - فيلم "عشاق الصرعات" للمخرج فاليري تودوروفسكي (روسيا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل مخرج أفلام روائية جديد (50 ألف دولار) - غليندن آيفن عن فيلم "الجولة الأخيرة" (أستراليا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم روائي من الشرق الأوسط (100 ألف دولار) - فيلم "الزمن الباقي" للمخرج إيليا سليمان (فلسطين).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل مخرج أفلام روائية جديد من الشرق الأوسط (50 ألف دولار) - بيلين إسمر عن فيلم "10 حتى 11" (تركيا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل ممثل (25 ألف دولار) - حامد بهداد في فيلم "لا أحد يعرف بأمر القطط الفارسية" للمخرج بهمن قبادي (إيران).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل ممثلة (25 ألف دولار) - أليشيا لاغونا وسونيا كووه عن فيلم "بلا شمال" للمخرج ريغوبيرتو بيريزكانو (المكسيك).
* تنويه خاص من لجنة التحكيم - فيلم "بلا شمال" للمخرج ريغوبيرتو بيريزكانو (المكسيك).

مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة
* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم وثائقي (100 ألف دولار) - فيلم "غاندي الحدود: بادشاه خان، شعلة من أجل السلام" للمخرجة تي. سي. مكلوهان (أفغانستان، الهند، باكستان، الولايات المتحدة).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل مخرج أفلام وثائقية جديد (50 ألف دولار) - يوهان غريمونبريز عن فيلم "اللقطة المزدوجة" (هولندا، بلجيكا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم وثائقي من الشرق الأوسط (100 ألف دولار) - عن فيلم "في الطريق الى المدرسة" للمخرجين أورهان إسكيكوي وأوزغان ألبير (تركيا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل مخرج أفلام وثائقية جديد من الشرق الأوسط (50 ألف دولار) - محمد زرن عن فيلم "زرزيس" (تونس).

* تنويه خاص من لجنة التحكيم - فيلم "عصر الحمقى" للمخرجة فراني آرمسترونغ (المملكة المتحدة).

مسابقة الأفلام القصيرة
* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم روائي قصير (25 ألف دولار) - فيلم "رجل بـ 6.50 دولار" للمخرجين مارك البستون ولوي سذرلاند (نيوزيلندا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم وثائقي قصير (25 ألف دولار) - فيلم "واجاه" للمخرجين سوبريو سن ونجف بيلغرامي (باكستان، الهند، ألمانيا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم قصير من الشرق الأوسط (25 ألف دولار) - فيلم "طرابلس علهَدا" من إخراج رانيا عطية ودانييل غارسيا (لبنان).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم قصير من إخراج الطلبة - الجائزة الأولى (15 ألف دولار) - فيلم "آنا" للمخرج رونار رونارسون (الدنمارك).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم قصير من إخراج الطلبة - الجائزة الثانية (10 ألاف دولار) - فيلم "كاسيا" للمخرجة إليزابيث ليادو (بلجيكا).

* جائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم قصير من إخراج الطلبة - الجائزة الثالثة (5 آلاف دولار) - فيلم "شوتاغ" للمخرج مارفن كرين (ألمانيا).

* جائزة اختيار الجمهور (25 ألف دولار)- "لا أحد يعرف بأمر القطط الفارسية" للمخرج بهمن قبادي (إيران).

* تنويه خاص من لجنة التحكيم (الأفلام الروائية القصيرة) - فيلم "التوظيف" للمخرج سانتياغو "بو" غراسو (الأرجنتين).

* تنويه خاص من لجنة التحكيم (الأفلام الوثائقية القصيرة) - فيلم "القطيع" للمخرج كين ووردروب (إيرلندا).

* تنويه خاص من لجنة التحكيم (الأفلام الروائية القصيرة من الشرق الأوسط) - فيلم "فاتنة" للمخرج أحمد حبش (فلسطين).

* تنويه خاص من لجنة التحكيم (الأفلام الوثائقية القصيرة من الشرق الأوسط) - فيلم "ربيع 89" للمخرجة أيتن أمين (مصر).

* تنويه خاص من لجنة التحكيم (الأفلام القصيرة من إخراج الطلبة) - فيلم "حارتنا" للمخرج روب كونولي (الولايات المتحدة).

لجان التحكيم


مسابقة الأفلام الطويلة
عباس كياروستامي - رئيس اللجنة
جوان تشين
سونيل دوشي
مايكل فتزجيرالد
نايلة الخاجة
محمد خان

مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة
جيمس لونغلي - رئيس اللجنة
غونزالو أريهون
جوسلين بارنز
رشيد مشهراوي
هند صبري

مسابقة الأفلام القصيرة
يسري نصرالله - رئيس اللجنة
ديبا ميهتا
غاري ماير
منة شلبي
شادي زين الدين

توضيح بشأن فيلم "المسافر"

قام مخرج فيلم "المسافر" أحمد ماهر باستبعاد 17 دقيقة من الفيلم وبالتالي أصبحت النسخة التي عرضت في افتتاح مهرجان أبو ظبي السينمائي أقصر من النسخة التي شاهدناها في مهرجان فينيسيا السينمائي. وقد نشرت معلومات تفيد أن المخرج تعرض لضغوط أدت إلى اتخاذه هذا القرار، منها ضغوط من جانب بطل الفيلم عمر الشريف الذي قيل إنه اشترط لحضور عرضه في أبو ظبي ضرورة اختصاره (وإن لم يحضر رغم ذلك).
وأنا لم أشاهد النسخة المختصرة، ولا أعرف كيف يمكن أن يفيد الاختصار الفيلم لأن المشكلة ليست في طوله ولا في بطء ايقاعه فكثير من الأفلام "البطيئة" الايقاع اعتبرت تحفا سينمائية كبيرة.
وأنا كناقد محترف أعتبر نفسي طرفا في العملية السينمائية وبحكم مسؤوليتي حيث كنت من أول من كتبوا تفصيلا عن الفيلم (منتقدا بنائه وتنفيذه والعلاقات البصرية والدرامية الكامنة في ثنايا مشاهده ولقطاته)، أعلن استنكاري التام للضغوط التي مورست على المخرج سواء من الممثل عمر الشريف، أو من طرف وزارة الثقافة المصرية (الجهة المنتجة) أو من أي طرف آخر، فلا يحق لأي طرف ايا كان، أن يفرض على أي مخرج سينمائي في العالم تغيير اختياراته أوتبديل فيلمه، فهذا نوع من الرقابة البشعة، وتدخل سافر في أسلوب الفنان وعمله بما يتنافى مع أبسط حقوقه المهنية ورؤيته الفنية.

من حق المخرج أن يصنع فيلمه كما يشاء وكما يرى، ومن حق الناقد أيضا أن ينظر للفيلم كما هو وكما اختار له مخرجه أن يكون، لكن ليس من حق الناقد أو الممثل أو غيره أن يطالب المخرج بتعديل فيلمه.
ولذا لزم التنويه والتوضيح.
==========================
توضيح من المونتير تامر عزت

تلقيت الرسالة التالية من الأستاذ تامر عزت حول ما ورد في مقالي عن فيلم "المسافر": "السيد أمير العمري المحترم: أود ان ألفت الانتباه لنقطة وردت فى مقال سابق خاص بنقد بفيلم المسافر. فقد ورد فى المقال ان الفيلم كان يعمل به من إيطاليا مشرف على المونتاج. وأنا بصفتي مونتير الفيلم أود أن اوضح انه لم يكن هناك مشرف إيطالي على المونتاج. وأن وجود اسم مونتير إيطالي لا يعني انه مشرف وانما تم استخدامه فى الأيام القليلة التي سبقت عرض فينيسيا لأداء بعض التغييرات التي طلبها المخرج وتعذر وصولي إلى روما لتنفيذها لارتباطي بموعد ميلاد ابنتي.ولذك أرجو تصحيح المعلومة للحفاظ على حقي الأدبي كمونتير الفيلم الوحيد مع الشكر للزميل الإيطالي لمساعدته. وشكرا
============================
تعليق من المخرج ابراهيم البطوط

المخرج السينمائي ابراهيم البطوط (عين شمس) أرسل رسالة (بالإنجليزية كعادته) يقول فيها تعليقا على موضوع اختصار فيلم "المسافر" للمخرج أحمد ماهر:"أود أن أشكرك على موقفك الواضح وأعبر عن اتفاقي التام مع رأيك، فأنا أرى أن من السخف التام وانعدام المهنية أن تمارس الضعوط على سينمائي لكي يختصر فيلمه بعد ان تم عرضه بشكل رسمي. لقد كنت على استعداد لفهم ذلك لو أنه تم من قبل المخرج بشكل طوعي، أما ابتزازه فهو ليس سوى قرار فضائحي".

الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

من مهرجان أبو ظبي السينمائي (5)

طاقم فيلم "الطهي مع ستيلا"

لم يبق لي الكثير في أبو ظبي فلابد أن أعود إلى لندن غدا السبت، لن أحضر كالعادة حفل الختام بل سأتلقى نتائج المسابقات مساء بعد أن أكون قد بلغت مقصدي، أي بيتي.
التكهنات هنا ليست كبيرة: الأفلام العربية لابد أن تحصل على قسم لا بأس به من الجوائز (ذات القيمة المالية الكبيرة) بحكم النظام الجديد الذي ابتكره المهرجان وهو نظم عادل يرمي إلى تشجيع السينما العربية.
من بين افلام المسابقة التي عرضت عرضها الثاني مساء أمس الفيلم الكندي الإنتاج "الطهي مع ستيلا" وهو من اخراج المخرج الهندي ديليب ميهتا ومن تأليفه مع شقيقته المخرجة الشهيرة ديبا ميهتا.
وهو نوع من الكوميديا الاجمتماعية الساخرة يجسد مخرجه من خلال تداخل العلاقات فكرة العلاقة بين السادة والخدم، وتناقض المفهوم الغربي للموضوع مع المفهوم الشرقي، ومن خلال مآزق ومفارقات صغيرة متفرق. وستيلا هي الطاهية العجوز التي تنتهز كل فرصة لاستغلال مخدوميها ولا تقبل أبدا التعامل معهم على قدم المساواة كما يطالبونها. ورأيي الخاص أن الممثلة الرائعة التي قامت بالدور الرئيسي (أي دور الطاهية المتلاعبة) تستحق جائزة التمثيل.
الجمهور تجاوب كثيرا مع الفيلم وأحداثه وشخصياته، ولكن علمت من مخرجه أن السفير الهندي الذي حضر أمس عرضه الثاني في المهرجان أبدى استياءه الشديد بل واحتج لدى المهرجان على عرض الفيلم بدعوى أنه يسيء إلى الهند كشعب وثقافة (رغم اظهاره الوجه الايجابي من خلال شخصيات أخرى وبحثه عن مبررات لتصرفات الشخصية الرئيسية ورغم كونه من اخراج مخرج هندي).
هذا الأمر يذكرني بما ينتاب بعض المسؤولين المصريين في الكثير من الأحيان، تحت ضغط قوى الظلام التي يترك لها العنان لممارسة ابتزازها للشعب حتى يمكن استخدام هذ ا الابتزاز وسيلة لكي تبتز الحكومة دولا أخرى تدعمها، بدعوى "الخطر الأصولي" بينما يمكن مكافحة التطرف بكل أشكاله إذا تركنا الحرية تحلق.. لكن هذا موضوع آخر يرتبط بكل تأكيد، بنمو الحركة الشعبية وثقافة الناس. هؤلاء المسؤولين يهبون بين وقت وآخر لاتهام صانعي الأفلام وغيرها، بأبشع الاتهامات بدعوى الحفاظ على القيم ما يطلقون عليه "ثوابت الأمة" بينما يخالفون هم يوميا كل القيم والثوابت بما هو ثابت في سجلات البنوك والرقابة الادارية وملفات الأمن، بل ويوجد أحد رموزهم حاليا في السجن بعد الحكم عليه بالاعدام لتقل عشيقته التي طارت من قفصه!
سرقة جديدة
حدث أمس أن صديقا من الموجودين هنا دعاني إلى قراءة ما هو منشور في مدونة الصديق القديم الناقد محمد رضا، تحت عنوان "جنس وفلسفة" عنوان فيلم محسن مخملباف الشهير، لكي أفاجأ بسطو من النوع الوقح جدا على أفكاري ولغتي واسلوبي وعباراتي وصياغتي للمقال مع بعض التصرفات البسيطة التي يود السارق (وهو من السعودية ويدعى خالد ربيع السيد، لا أعرفه ولم يسبق ان التقيته) الإيحاء من خلالها بأن المقال من بنات أفكاره.
وقد أذهلتني المفاجأة، فما أكتبه في موقع بي بي سي أو غيره منشور ومعلن ويقرأه المهتمون، والعلاقات بين نقاد السينما وأصحاب المواقع تتيح لهم التواصل والاتصال مهما بلغت المسافات فيما بينهم، ويمكن كشف الأمر بسهولة لأننا لا نعيش في قرية معزولة عن الدنيا، بل في قرية الكترونية متصلة. والمقال المسروق من أكثر مقالاتي انتشارا وشيوعا بين القراء فقد تردد عليه عند نشره في موقع بي بي سي العربي أكثر من من مائة ألف قاريء، وعاد وقرأه كثيرون بعد ذلك عند نشره في هذا الموقع، كما أن أسلوب كاتبه معروف أيضا للقراء، ولم يسبق أن كتب نقاد عرب عن الفيلم غيري باستثناء بعض التعليقات العابرة المترجمة.
وقد أرسلت للأستاذ محمد رضا ألفت نظره للأمر فقام على الفور بحذف المقال المسروق من مدونته ونشر التنويه التالي الذي أعيد نشره هنا لعله يساهم في ردع السارقين:
((بعث لي الزميل والصديق أمير العمري برسالة تلفت النظر الى أن الموضوع الذي نٌشر هنا بتاريخ الرابع عشر من هذا الشهر تحت عنوان »جنس وفلسفة« (عنوان فيلم محسن مخملباف الأخير) بقلم الناقد خالد ربيع السيّد، هو منقول عن مقالته المنشورة عن الفيلم نفسه في موقع البي بي سي كما في موقعه الخاص "الحياة في السينما". وقد قارنت بالفعل بين المقالتين ووجدت أن مقالة خالد ربيع السيد مبنية بالكامل، مع تغييرات معيّنة، على مقالة الزميل أمير العمري٠بناءاً على ذلك، قمت على الفور بحذف مقالة الأخ خالد ربيع السيد وبعثت للأخ أمير بإعتذار خالص وأكرر هذا الإعتذار بمطلق اختياري وحرّيتي ورغبتي٠أضيف الى ذلك، أنني في خندق واحد ضد كل عملية سطو او لطش او نقل او سرقة أي مقال من أي كاتب لأن في هذا السطو، على أشكاله، إهانة لجهد الكاتب الأصلي لا تبرير لها على الإطلاق إلى جانب إنها بالدرجة الأولى إهانة للكاتب الناقل تسيء إليه قبل سواه، ويجب أن لا يرضى بها أساساً عبر الإمتناع عن السطو على جهد الآخرين جملة وتفصيلاً٠))
شكرا للزميل محمد رضا على موقفه الحاسم والحازم (وإن كان قد نسى حذف التنويه الموجود في فهرس العدد عن المقال باسم الكاتب- اللص)، وقد وعدته بأنني سأزوده بالمزيد من كتابات الناقد- المزعوم- السارق التي تمتليء بسرقات أخرى من مقالاتي ومقالات غيري والتي اطلعت على قسم منها.
وأود أن ألفت نظر السارق إلى أنني سوف ألجأ مستقبلا إلى مقاضاته في بلده وأطالب بتطبيق حد السرقة عليه أي قطع يده علانية، وربما لسانه أيضا، إذا لم يختف تماما من ساحة النقد السينمائي في هدوء.. وإن عادوا عدنا!

الخميس، 15 أكتوبر، 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (4)

لقطة من فيلم "بالألوان الطبيعية"


اليوم الخميس يوم مزدحم للغاية، بالأفلام والجمهور من شتى التجمعات العربية وغير العربية في أبو ظبي.. دور العرض ممتلئة خاصة في العروض المسائية، وهو أمر يضفي الكثير من الحيوية، وهناك مناقشات للأفلام تدور داخل دور العرض أي عقب عرض الأفلام مباشرة.
لكني أود أن أسوق ملاحظة تتعلق بمقدمة (أو مقدم) الأفلام قبل عرضها أو قبل مناقشتها وبعد عرضها، وهي ملحوظة أساسها أن مقدم الفيلم لا ينبغي أن يقف لكي يقول شعرا في الفيلم وفي مخرجه ويتكلم (كما حدث مرارا وتكرارا) باستطراد وتفصيل لكي يمتدح الفيلم بل ويحلل أيضا بعض لقطاته واجزائه في حين أن الفيلم نفسه قد تختلف الآراء بشدة حوله بل وقد يكون كارثة كبرى أيضا (وهو رأيي المؤكد في فيلم من الأفلام التي حصلت على دعم مالي من المهرجان وسأكتب عنه فيما بعد تفصيلا وقد تم تقديمه بمديح مبالغ فيه لدرجة مقرفة).. ليس من حق موظفة في المهرجان أن تفرض أو تنحاز لأفلام تشارك في المسابقات الرسمية وتتنافس على جوائز مالية لما في ذلك من تأثير مؤكد، على الجمهور أو على لجنة التحكيم، أو حشد للرأي العام، أو بما يتنافى تماما مع قواعد اللياقة والأدب!
لم يحدث في تاريخ أي مهرجان سينمائي كبير ينظم مسابقة أن جاء مدير المهرجان مثلا لكي يمتدح بشكل خاص فيلما يتنافس على جوائز المهرجان بشكل مبالغ فيه يعكس أيضا نوعا من النرجسية أي الاشادة باختيار الفيلم والاعراب عن سعادة خاصة بالحصول عليه.. وهو ما يفعله مثلا مدير المهرجان بيتر سكارليت، وغيره من مساعديه!!
* النقطة الأخرى التي لاشك أن سكارليت يتحمل مسؤوليته عنها وكذلك المخرج المصري أسامة فوزي، تتعلق بأنه بعد أن تم ادراج فيلم أسامة الجديد المنتظر "بالألوان الطبيعية" في المسابقة قبل أن يتأكد المهرجان من وصول النسخة، وبعد أن وصلت متأخرة اكتشف المهرجان أن بها عيوبا في الصورة مدمرة تماما، فقاموا بتأجيل عرض الفيلم مما أصاب البرنامج بالاضطراب والفوضى وأصابنا نحن أيضا، الذين حجزنا بطاقات لمشاهدته، بالاحباط والاضطراب وأصبح علينا الحصول على بطاقات بديلة لمشاهدة أفلام بديلة.. إلخ
وبعد ذلك وفي اللحظة الأخيرة أي قبل ساعات من عرض الفيلم اليوم الخميس، أعلن المهرجان الغاء عرض الفيلم واستبعاده تماما من المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في حادث قد يكون الأول من نوعه في هذا المهرجان.. وأراه عيبا خطيرا.. فكيف لم يكلف أحدا نفسه بمراجعة النسخة قبل شحنها أو تسفيرها؟ وكيف يكتشف المهرجان عيوبها متأخرا إلى هذه الدرجة؟!
خسارة كبيرة بالتأكيد لنا ولعشاق أفلام هذا المخرج.
وقد علمت أن النسخة كانت قد حولت نسخة من مقاس 35 مم إلى نسخة رقمية (ديجيتال) ثم إلى نسخة سينمائية مرة أخرى .. وهي النسخة غير الصالحة للاستهلاك التي وصلت للمهرجان من لندن قبل أن يشاهدها المخرج على الأرجح!
وكنت قد كتبت من قبل أقول إنه كان يتعين على المهرجان أن يفتتح بهذا الفيلم بدلا من فيلم "المسافر" الذي سبق أن عرض في فينيسيا واحترق بسبب ما أثير حوله من خلافات بلغت مستوى الاتهامات من جانب بطله عمر الشريف لمخرجه أحمد ماهر. وقد اخطأت في تقديري فلم أكن أعلم أن المهرجان لم يكن قد أمن أصلا وصول نسخة صالحة من الفيلم، وربما كان سيضعه في الافتتاح إذا كان الفيلم قد أصبح وصوله مضمونا قبل الافتتاح.
* الفيلم الإيراني "عن إيلي"- خارج المسابقة- مفاجأة مدهشة بمستواه الفني ولغته السينمائية العالية وبساطة الفكرة التي تحمل الكثير من العمق رغم ذلك. وهو أيضا درس للكثير من مخرجي الأفلام الحديثة في الاقتصاد في السرد وفي الزمن، فبكل أسف أرى أن الكثير من هذه الأفلام، سواء في هذا المهرجان أو غيره، أطول كثيرا مما كان الأمر يقتضي، أي أنها "منفوخة" كثيرا، كما أرى أنها أيضا تخلو من رؤية فكرية أو فلسفية، وتمتليء بالكثير من الادعاءات الفنية والافتعال والتصنع والفلسفة الكاذبة، لضمان الحصول على إعجاب بعض الدوائر في فرنسا (أقصد الدوائر التي تقدم الدعم المالي). أفضل فيلم ايراني شاهته منذ سنوات بعد أن فقدت السينما الايرانية بريقها.
* سبق أن كتبت أن بيتر سكارليت مبرمج ومدير مهرجانات و"ناقد سينمائي" في حين أنه مبرمج ومدير مهرجانات فقط فلم أتمكن من العثور له على أي كتابات يعتد بها في النقد السينمائي (وهذا ليس عيبا شأنه في ذلك شأن مديري الكثير من المهرجانات السينمائية العربية الذين من بينهم أيضا من كانت سكرتيرة تدق على الآلة الكاتبة في مكتب كبير الرحمية قبلي رحمه الله وتعلمت "الصنعة" بالممارسة.. فينا بالطبع!). وقد سبق لبيتر سكارليت أيضا أن رأس السينماتيك الفرنسية لعدة سنوات. وقال لي الزميل الصحفي عاطف احمد إنه نشر في صحيفة الجمهورية أمس مقابلة أجراها معه قال له سكارليت فيها إنه "يهودي" لكنه محب كبير للسينما العربية وأكد أن إسرائيل لن تدخل مهرجان الشرق الأوسط وأنه ملتزم بسياسة المؤسسة التي يعمل لها وهي هيئة التراث والثقافة في دولة الإمارات. والعهدة بالطبع، على الراوي كما يقال.
* المخرج الكبير محمد خان عضو لجنة التحكيم (الأفلام الروائية الطويلة) موجود هنا مع زوجته كاتبة السيناريو وسام سليمان، لكنه يجد أيضا وقتا لمشاهدة الكثير من الأفلام الأخرى خارج المسابقة باعتباره عاشقا حقيقيا للسينما وليس فقط أحد محترفيها. قضينا معه، أحمد الحسني مدير مهرجان تطوان، وأنا، وقتا ممتعا بعد ظهر اليوم، تكلمنا وضحكنا وسخرنا من كل شيء واسترجعنا الماضي، وتفلسفنا أيضا، ولكن بدون الحصول على أي دعم من أحد!

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (3)

مايا نصري


* دردشة طويلة على الافطار مع الناقد كمال رمزي وطارق الشناوي وانتشال التميمي. حديث كمال مثير للكثير من المواجع لكنه يمتلك القدرة على توصيل ما يريد من رسائل بأسلوب رشيق ودبلوماسي للغاية. اتفق معه في بعض النقاط وأختلف في غيرها. الوضع السينمائي المؤسساتي في مصر وما أطلقت عليه "مشروع تخريب السينما" كان محور الحديث.
* الفيلم الأول التحفة الذي أشاهده في المهرجان حتى الآن هو فيلم "مبدأ الصدمة" The Shock Doctorine للمخرج البريطاني مايكل وينتربوتوم الذي يوازي في قدرته التحليلية بالصوت والصورة فيلم مايكل مور الأخير "الرأسمالية: قصة حب".
* الإعلان مساء أمس عن إلغاء العرضين اللذين كانا مخصصين للفيلم المصري "بالألوان الطبيعية" للمخرج أسامة فوزي (جنة الشياطين، عفاريت الأسفلت، بحب السيما) أحدث ارتباكا ولازلت غير متأكد ماما من الأسباب. وقد أعلن عن عرض وحيد للفيلم بعد ظهر الجمعة. وقد سمعت أن مشادة بالصوت العالي وقعت أمس بين أسامة ومدير المهرجان بيتر سكارليت ربما ترجع لعدم تخصيص استعراض للعاملين بالفيلم على البساط الأحمر (موضة وصرعة اصابت كل المهرجانات العربية حاليا حيث يدعون المصورين ومحطات التليفزيون لالتقاط الصور فيما الممثلون يرتدون ملابس السهرة – أحيانا في عز الظهر- ويتمايلون على البساط الأحمر على غرار ما يحدث في مهرجان كان). وسمعت أيضا أن سكارليت عقد جلسة فيما بعد مع أسامة وقام بتهدئة الأمر.
* قابلت مصادفة الممثلة العملاقة كما تبدت في دورها في فيلم يسري نصر الله "احكي ياشهرزاد" رحاب الجمل. ودار حوار رائع بحضور الممثلة والمغنية اللبنانية مايا نصري التي اكتشفت أنها تتمتع بروح عالية وبقرة على "التأمل" الفلسفي أيضا في مغزى الحياة، وتطرح الكثير من التساؤلات الجريئة. وقد علمت من الصحفي وائل عبد الفتاح أنها خطبت للمخرج المصري ايهاب لمعلي مخرج فيلم "الدكتاتور". وقد انضم الينا في المناقشة الممثل الكبير محمود حميدة.
* فيلم محمد زرن "زرزيس" غير الروائي مثير للتأمل والاهتمام، وسأعود إلى مشاهدته في نسخة رقمية للاستمتاع به. بالمناسبة قاعة سيتي ستار التي عرضته كانت ممتلئة، كما امتلأت عن آخرها أيضا بالجمهور لمشاهدة فيلم "مبدأ الصدمة" وهو ما يؤكد نظريتي الخاصة بوجود جمهور عريض على استعداد لشراء تذاكر لمشاهدة أفلام تسجيلية.
* الفيلم الهندي "أزرق" يحمل نفس عنوان الفيلم الشهير من بطولة جوليت بينوش للمخرج البولندي الراحل كيشلوفسكي، نال الكثير جدا من الدعاية هنا.. لا أظن أنه سيتاح لي الوقت لمشاهدته. ومنتجو الفيلم أقاموا حفلا ساهرا كبيرا وجهوا فيه الدعوة إلى كل ضيوف المهرجان.
* من أكثر ما سمعت إثارة من تعليقات في الأفلام ما قاله رجل لمجموعة من الصبية في فيلم "زرزيس" التونسي "دعونا نفجر أنفسنا حتى يرانا الناس في قناة الجزيرة"!

الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (2)

من فيلم "الليل الطويل"


الآن بدأت معالم المسابقات تتضح بل وتشتد المنافسة بعد عرض حوالي نصف الأفلام المتسابقة.
النظام دقيق للغاية، وحركة الانتقال بين الفنادق وأماكن العروض متصلة ومنتظمة، وعدد المتطوعين وغيرهم من العاملين في المهرجان كبير بدرجة ملفتة، وبمجرد أن تطا قدماك أرض قصر الإمارات مثلا تجد الجميع في خدمة الضيوف والصحفيين بدون أدنى تفرقة.
مشكلة العرض في مهرجان أبو ظبي هي نفسها في كل مهرجانات السينما التي تقام من المحيط إلى الخليج كما سبق أن كتبت قبل عام بالضبط وأنا في صدد رصد سلبيات مهرجان قرطاج السينمائي ،وأقصد بالطبع أن المهرجان لا يخصص قاعة للعروض الصحفية أو للعروض التي يقتصر حضورها على الضيوف من السينمائيين والصحفيين شأن كل المهرجانات الكبيرة المعروفة في العالم. وهو ما يجعل النقاد مضطرين إلى حجز بطاقات المشاهدة للعروض مسبقا، فالبطاقة الصحفية حتى لا تكفي لدخولهم إلى قاعات العروض، وهو أمر أجد استمراره غريبا في ظل إدارة بيتر سكارليت الذي يمتلك خبرة كبيرة في هذا المجال. لكني أضيف أيضا للموضوعية، أن الحصول على بطاقات للمشاهدة سهل وميسور بل ومن الممكن أن يحجز الصحفي بطاقات كل العروض حتى نهاية المهرجان من اليوم الأول.
* لاشك على الإطلاق، وهذا أمر يجب تكراره والتذكير به دائما، على أن من أهم ما توفره المهرجانات العربية لنا نحن النقاد فرصة الالتقاء وتجديد الصلات والاتصالات بيننا وبعضنا البعض، وبيننا وبين السينمائيين أيضا.
* التقيت هنا بالصديق القديم الناقد السينمائي المصري كمال رمزي الذي تربطني به علاقة قديمة تاريخية من أيام بداياتي الأولى، من الزمن الذي ذهب ولن يعود، أيام نادي سينما القاهرة في السبعينيات. وميزة كمال أنه إنسان طيب ومتسامح وأيضا لا ينسى الأيام الجميلة والصحبة وما يعرف بالعيش والملح، وبالتالي هو على استعداد لأن يغلب الجانب الإنساني الجميل على أي شيء آخر. وكمال هو الناقد الرسمي لمسابقة أفلام من الإمارات هذا العام.
والتقيت أيضا بالناقد اللبناني والمخرج حاليا محمد سويد الذي لم أره منذ أن التقينا في مهرجان كان في منتصف التسعينيات تقريبا، كما قابلت الصديق الناقد المغربي الكبير مصطفى المسناوي، والمخرج التونسي الصديق محمد زرن (وسويد وزرن لهما فيلمان في المهرجان) وبالمناسبة صديقنا الناقد التونسي الكبير خميس الخياطي اعتذر لأسباب صحية عن عدم حضور هذا المهرجان شفاه الله وعافاه.
وهنا أيضا الناقد المصري المقيم في الكويت عماد النويري الذي لم أعد أراه كثيرا في المهرجانات العربية التي أحضرها، أقصد المهرجانات غير الخليجية، والناقد السوري الشاعر فجر يعقوب، وطبعا الناقد الأردني الكبير عدنان مدانات الذي لم أره منذ أن قابلته آخر مرة في أحد مهرجانات المغرب قبل نحو 17 عاما!
وقابلت الناقد الأردني الصديق ناجح حسن، وهو يدوم على المهرجانات العربية، وقد بادرني عندما رآني بضرورة حضور هذه المهرجانات، فلما أبديت بعض التحفظ استطرد قائلا "لكي نراك أساسا"!
هنا أيضا الصديق أحمد الحسني مدير مهرجان تطوان السينمائي، والصحفي طارق الشناوي، والصحفي وائل عبد الفتاح ومن السينمائيين الذين أرتبط بصداقات والموجودين هنا أيضا معهم محمد خان عضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية، ويسري نصر الله الذي يرأس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، وأسامة فوزي (الذي سيعرض فيلمه "بالألوان الطبيعية" بعد يومين، في عرضه العالمي الأول بعد أن انتهى من استكماله أخيرا)، والمخرج الفلسطيني الصديق رشيد مشهراوي (عضو لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية). وهنا أيضا الممثل البارز محمود حميدة، وطبعا كل أو معظم المثلين والممثلات في فيلم "هليوبوليس" (حنان مطاوع وهي ممثل رائعة لم تحصل بعد على فرصتها للوصول للنجومية)، وخالد أبو النجا، والممثلة الناشئة يسرى اللوزي (التي تحتاج بالتأكيد إلى تدريبات على الأداء الصوتي)، وغيرهم وغيرهن.
* وبمناسبة لجان التحكيم من ضمن ما يؤخذ على هذا المهرجان، وما أجده شخصيا أمرا شاذا ومثيرا للاستنكار أن تخلو لجان التحكيم الثلاث في المهرجان (الروائية الطويلة، والوثائقية الطويلة، والأفلام القصيرة) من النقاد السينمائيين تماما، كما لو كان نقاد السينما قد أصبحوا أعداء للسينما، في حين أن النقاد هم الأكثر قدرة في الحكم على الأفلام من الممثلين والممثلات بل وإحداث نوع من التوازن داخل لجان التحكيم لأنهم لا ينحازون إلى أسلوب سينمائي معين (أو هذا ما يفترض أساسا) بل ينحازون للأفلام الجيدة بغض النظر عن أسلوب الإخراج.
والأمر الآخر الأشد غرابة أن تضم لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية الممثلة هند صبري التي لا يعرف لها أي اهتمام أو ساق خبرة، لا بممارسة نقد وتحليل الأفلام الوثائقية أو صنعها، فكيف يمكن أن تحكم ممثلة على أفلام وثائقية أو تسجيلية. إنها المرة الأولى على حد علمي الشخصي، التي أرى فيها شيئا شاذا كهذا، بل وأضيف أيضا أن هند صبري قد لا تكون قادرة على الحكم على الإخراج في فيلم سينمائي بحكم النظرة الضيقة التي تنظر بها أي ممثلة عادة إلى الفيلم فهي عادة تقف أمام الكاميرا للقيام بدورها في سياق ربما سيقوم المخرج يتغييره وتعديله وإعادة توليفه على طاولة المونتاج.
أحمد عبد الله وخالد أبو النجا أثناء تصوير فيلم "هليوبوليس"

ومن ناحية أخرى تضم لجنة تحكيم الأفلام القصيرة الممثلة منة شلبي التي لا أعرف أيضا كيف يمكنها أن تحكم على هذه الأفلام بخبرتها المحدودة في العمل السينمائي عموما. ورأيي أنه إذا كان ولابد أن تضم لجان التحكيم ممثلين أو ممثلات للحكم على مستوى التمثيل في الأفلام المتنافسة فيجب أن تكون تلك الأسماء من الممثلين أصحاب الخبرة الطويلة في التمثيل، وليس من ممثلات شابات ناشئات مهما كان اعجابنا الشخصي بهن!
* شاهدت فيلم "الليل الطويل" السوري لحاتم علي، وهو دراما ثقيلة عن الاعتقال السياسي في سورية ولاشك في جرأته الفكرية، وشاهدت فيلم "هليوبوليس" المصري للمخرج الشاب أحمد عبد الله، وهو تجربة جديدة من تجارب "السينما المستقلة"، وطبعا يجمع بين الفيلمين أنهما صورا بكاميرا الديجيتال ثم جرى تحويلهما إلى شريطين سينمائيين. وقد توجهت بسؤال خلال المؤتمر الصحفي لفيلم "هليوبوليس" بعد ظهر اليوم إلى مخرج ومنتج الفيلم حول ما اذا كانت هناك أصلا "ضرورة" فنية وإنتاجية لتصوير الفيلم بكاميرا الديجيتال (الرقمية) فكان رأي المخرج أن طبيعة الموضوع الذي صور في حي مصر الجديدة بالقاهرة، في شوارع تمتليء بالرحكة والبشر، كانت تفرض الاستعانة بكاميرا صغيرة من نوع الديجيتال، وأضاف أن التكلفة الكلية للفيلم قلت بشكل واضح أي أن استخدام هذه الكاميرا أدى إلى تقليل التكلفة، في حين قال المنتج شريف مندور (صاحب تجربة انتاج فيلم "عين شمس") إن التصوير بكاميرا الديجيتال لم يقلل كثيرا من التكلفة إذا أخذنا في الاعتبار التكاليف الكبيرة التي تنفق لتحويل الفيلم إلى شريط سينما. ولكنه أوضح أنه والمخرج، ناقشا الأمر في البداية وكان القرار أن تستخدم كاميرا الديجيتال لأسباب فنية تماما وأساسا.
* وقد شاهدنا أيضا فيلم "كاريوكا" التسجيلي المنتظر للمخرجة نبيهة لطفي التي لم تقدم أفلاما منذ أكثر من عقد من الزمان، وفيلم "ما هتفت لغيرها" لمحمد سويد، وسنعود فيما بعد لتناول كل هذه الأفلام بالنقد والتحليل.
أخيرا، وعلى العكس من تقارير صحفية كثيرة في الماضي، تحدثت عن عدم وجود جمهور للأفلام في مهرجان أبو ظبي، أشهد أن الجمهور موجود، ويقبل على معظم العروض بل إن الأفلام الوثائقية أيضا لها جمهورها، وقد شاهدت أفلاما خارج قصر الإمارات (المقر الرسمي للعروض) في المجمع السينمائي بسيني ستار مثلا ووجدت إقبالا، بل وقابلت اثنين من الأصدقاء اللذين يأتيان يوميا خصيصا من دبي لمشاهد الأفلام والعودة في آخر الليل.. غير الطويل!
وللحديث بقية بالطبع.

الأحد، 11 أكتوبر، 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (1)


أكتب من مهرجان أبو ظبي السينمائي الذي أطلق عليه منظموه مهرجان الشرق الأوسط وهي تسمية لا غبار عليها من وجهة نظري مثلما نقول صحيفة "الشرق الأوسط" و"إذاعة الشرق الأوسط" وغير ذلك. وليس بالضرورة أن يعني إطلاق هذا الإسم على المهرجان أنه يخفي وراءه دعوة إسرائيل أو أفلام إسرائيلية، وإذا كانت هناك أي نية لـ"ارتكاب" تلك الجريمة لكانت قد ظهرت الآن وأصبحت مكشوفة للجميع. لكن الصحيح أن مهرجان أبو ظبي (الجميع يسمونه هكذا على أي حال) لم يقبل أفلاما إسرائيلية، وربما كانت هناك محاولة من قبل مسؤول معين (سابق) في المهرجان للقيام بذلك في الدورة الأولى عام 2007، غير أن هذه المحاولة انتهت كما هو معروف للجميع، إلى لاشيء.
التسمية إذن لا تستحق كل ما يثار حولها من ضجيج بدليل أننا نتعامل مع "كيانات" أخرى تحمل اسم "الشرق الأوسط" دون أن نتحفظ عليها.
أما المهرجان نفسه بعيدا عن التسمية، فهو حقا يقام في بلد غير معروف بنشاطه السينمائي، ربما تكون هناك أفلام مصورة بكاميرا الفيديو الرقمية طويلة أو قصيرة، قد ظهرت خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لاتزال تواجه المشكلة الأخطر من الإنتاج أي العرض والتوزيع والقدرة على الوصول لجمهورها الطبيعي ولو من خلال التليفزيون.. فهل يحدث هذا قريبا؟
الإجابة ليست عندي، والطريق لايزال طويلا وشاقا، ليس فقط أمام صناع الأفلام في الإمارات، بل في منطقة الخليج العربي بأسرها بما فيها السعودية بالطبع التي لا يجب أبدا استثنائها تحت أي مبرر.
وربما يكون من المهم كثيرا التذكير بأن مخرجي الأفلام المصورة بكاميرا الديجيتال، أحيانا على نفقتهم الخاصة، يتحملون الكثير من المشاق، ويعجزون عن الوصول بأفلامهم إلى الجمهور وهذا يحدث في مصر أيضا، الدولة التي يحسدها الكثيرون على وجود "صناعة" سينمائية عريقة فيها وحر كة سينمائية وإنتاج سينمائي متنوع!
المعاناة إذن ليست قاصرة على فئة دون أخرى، بل يشمل الجميع، والتواصل والتعاون بين هذا القطاع "المستقل" الذي نشأ حديثا، مهم أيضا لفتح طرق جديدة للعرض وللإنتاج أيضا.
أعود إلى مهرجان أبو ظبي الذي لم أحضره من قبل. وربما اكون أيضا قد أبديت الكثير من التحفظات عليه وعلى غيره من المهرجانات التي تقام في الخليج، وكانت تحفظاتي أساسا، وربما ستظل، تتركز في نقطة واحد هي المبالغة الشديدة في الاعتماد على المال وحده: في الجذب.. أي جذب الأفلام والمخرجين والصحفيين والنجوم من العرب والأجانب، والاهتمام الشديد بالسينما الأمريكية على حساب سينما المنطقة (سمها العالم العربي، أو الوطن العربي، أو الشرق الأوسط). وهنا لا فرق لدي بين أي من هذه المهرجانات: دبي (أقدمها وربما أكثرها طموحا .. لا أدري)، وأبو ظبي، والدوحة ترابيكا الوليد الذي يبدو أنه سيبدأ في أواخر الشهر الجاري من حيث بدأ مهرجان أبو ظبي أي بالاهتمام بالسينما الأمريكية والناطقة بالانجليزية عموما (هناك 23 فيلما من أمريكا وبريطانيا من بين 33 فيلما هي كل ما سيعرض المهرجان).
وهذه أسباب أظن (وبعض الظن إثم) أنها أسباب موضوعية تماما وتستحق الانتباه والاهتمام، من النقاد ومن غير النقاد، وأساسا من القائمين على أمر تلك المهرجانات. ويبدو لي أن مهرجان أبو ظبي هذا العام تحديدا في عهد مديره الجديد بيتر سكارليت الذي تولى مسؤوليته بعد دورتين ترددت أصداء فشلهما في الصحافة العربية، اللتين لم أحضرهما ولا رأي لي فيهما غير أنني اطلعت على برنامج العروض واتفقت مع المنتقدين على أنه كان شديد الاهتمام بالأفلام الأوروبية والأمريكية التي كانت تخرج ايضا من المهرجان بحصة الأسد من الجوائز المالية الضخمة في حين كانت السينما العربية بأفلامها تمنح هامشا ضيقا وتبدو كاليتيم!
عن دورة هذا العام سبق أن كتبت وقلت إن البرنامج جيد ومتوازن، بل وإن الأفلام الجديدة التي تعرض من آسيا وأوروبا وأمريكا يبدو الكثير منها مهموما بالكثير من المشاكل التي تهمنا في هذه المنطقة من العالم، وبالتالي يمكن أن يصبح المهرجان فرصة للحوار حول القضايا المشتركة.

ومما أعجبني أيضا قبل أن أتوجه إلى المهرجان "التقسيمة" الجديدة للجوائز، أي جعلها أقل جنونا بكثير عما كانت فأكبر جائزة لا تزيد عن 100 ألف دولار بعد ان كان ربع مليون (وهو يظل بالتأكيد مبلغا ممتازا) ويمنح لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الروائية ويمنح مثيله للأحسن في مسابقة الأفلام الوثائقية كما تمنح جائزتان لأفضل الأفلام من الشرق الأوسط بنفس القيمة المالية وهو ما يحقق توازنا جيدا. وهناك 50 ألف دولار تمنح لأفضل مخرج روائي جديد وأفضل مخرج وثائقي جديد، وهي مبادرة جيدة لتشجيع السينمائيين الناشئين.
مؤكد أنني لا أوافق على أن يصبح سلاح المال هو السلاح الحاسم في المنافسة بين مهرجان ابو ظبي وغيره من مهرجانات المنطقة سواء المهرجانات التي تقام في الدول النفطية مثل دبي والدوحة، أو في الدول المائية مثل القاهرة ودمشق وقرطاج وتطوان (لا أذكر مهرجان مراكش أبدا ولم يسبق لي أن أشرت إليه لا من قريب ولا من بعيد، وهذا اختيار مقصود لأنني ببساطة لا أعتبره مهرجانا عربيا بل أمريكي يقام في المغرب (العربي) لأسباب "شخصية".. ولن أزيد على ذلك، ومن لا يفهم هذه العبارة عليه أن يعيد القراءة أو يتصل بصديق!
سمعت بالطبع ما تردد عن دفع الكثير من الأموال لبعض المخرجين للحصول على حق العروض الأولى لأفلامهم، وهو سلوك مرفوض أساسا لأنه يفسد السينمائيين ويجعل المال هو القيمة الأساسية في مشاركتهم بالمهرجانات، كما أنه سلاح لا يأخذ في الاعتبار أن الذين يستخدمونه يسيؤون إلى أنفسهم ايضا وإلى مهرجاناتهم، لأنه يظهرهم باعتبارهم أناسا من فصيلة "محدثي النعمة" الذين يستسلهون كثيرا اخراج دفاتر شيكاتهم وشراء كل من يمكن شراؤه بالمال.
الجانب الآخر الذي أود التأكيد عليه أن مهرجانات السينما التي تتكاثر في العالم العربي (ولا أظن أبدا أن أحدا ضد وجودها من ناحية المبدأ) تفتقر كثيرا إلى القيام بدور "ثقافي" واضح وبارز أو يغيب عنها التواجد ضم مشروع ثقافي متكامل وشامل يسعى للتنوير واشاعة الوعي بأهمية السينما والفنون البصرية عموما، ويعلي من شأن ثقافة الصورة، ويهتم بالمطبوعات السينمائية وبنقاد السينما وما يساهمون به من "فكر"- وأضع هذه الكلمة بين أقواس لأن من المهم أن تستوعب هذه المهرجانات أن هناك نقادا للسينما، وهناك صحفيون للمنوعات. وفاروق كبير بين النوعين، فالنوع الأول ينتج "فكرا" تحليليا ناتجا عن ثقافة وتعمق في الفهم والرؤية والمعرفة، بينما يقدم النوع الثاني "معلومات وأخبارا وتحقيقات سريعة. ولا ينبغي أن ينفي النوع الثاني النوع الأول أو العكس. بل يجب الاهتمام بالنوعين على قدم المساواة. وليس معنى أن هناك ندوة دولية أو عربية للنقد قد قشلت أن نوقف الاهتمام بالنقد بل علينا أن نبحث عن وسائل لتطويرها وتخليصها من الشللية والمحسوبية والوساطة ومن الاعتماد على "نقاد وزرات الثقافة" و"المؤسسات الرسمية"، والتوقف عن الاعتماد على "التقارير" التي تصب في مكاتب المسؤولين عن السينما في الدول "المائية" قبل أن نقرر من يحضر ومن لا يحضر، من يأتي ومن لا يأتي، كما يجب التوقف عن محاربة المهرجانات بعضها البعض، بخطف هذا الفيلم من هنا أو من هناك، واطلاق الشائعات ضد هذا المهرجان، أو تشكيل فرق من الميليشيات التي تسبح بحمد هذا المسؤول المهرجاني أو ذاك، بدعوى أنه الأفضل والأنقى والأقدر حتى لو قضى عمره "الافتراضي" كله جاثما على صدر المهرجان كنموذج يتحدى الطبيعة، وعلى مقاومة التغيير ووقف مبدأ التطور، وقبل هذا كله، يجب التوقف عن سياسة معاقبة النقاد والمفكرين السينمائيين على آرائهم ومواقفهم ورؤاهم السينمائية وتجاهلهم أو وضعهم في قوائم سوداء، فهذا يجعل المهرجان، أي مهرجان، مهرجانا لقارعي الطبول وعشاق الأكل على كل الموائد والكتابة حسب مستوى الطعام وكميته.. وأشياء أخرى ونوعيات أخرى أربأ بنفسي عن ذكرها!
وقد كان من دواعي سروري الشخصي أن أسمع من الصديق انتشال التميمي، مستشار مهرجان الشرق الأوسط، أن المهرجان اقتنع هذا العام بضرورة حضور النقاد الكبار الذين أدوا واجبهم وتقاعدوا عن ممارسة النقد وإن استمروا في عطائهم في مجالات أخرى، على سبيل التكريم والتحية، ومنهم الصديق الأستاذ خميس الخياطي (من تونس) مثلا، فهذا موقف متقدم لابد من تحيته وتشجيعه.
وللحديث بقية.

الجمعة، 9 أكتوبر، 2009

مهرجان لندن السينمائي الـ53


تنعقد الدورة الـ53 من مهرجان لندن السينمائي في الفترة من 14 إلى 30 اكتوبر الجاري بمشاركة أكثر من 200 فيلم من 50 دولة. هذا المهرجان العريق يعرض عشرات الأفلام من سينما العالم في برامجه المختلفة ومنها أفلام عربية.


الأربعاء، 7 أكتوبر، 2009

"موت البديل": معنى السينما المستقلة



بقلم: عماد إرنست



تستضيف مدونة "حياة في السينما" الكاتب والمخرج الصديق عماد إرنست أحد السينمائيين البارزين في مجال الفيلم التجريبي والفيلم الفني الذي يمزج بين الروائي والتسجيلي وغير الخيالي ويستخدم مفردات السينما في أفلامه ويصوغها بطريقته وطبقا لأسلوبه الخاص. في هذا المقال الذي يمكن اعتباره شهادة شخصية لكاتبه على علافته بالسينما وبالتعبير بالصورة، يناقش عماد العلاقة بين الفيديو والسينما ونظرته الخاصة لما يسمى بالسينما المستقلة في مصر. ولعل هذا المقال بحميميته يفتح الباب للمناقشة واتعليقات من جانب السينمائيين الشباب والمتطلعين لأن يصبحوا مخرجين في المستقبل.

بعد عرض فيلمي التسجيلي القصير، المصور والموَّلف بتقنيات الڤيديو الرقمية، وذلك ضمن أسبوع لأعمال الڤيديو بمصر، جلست بإحدى قاعات المجلس الأعلى للثقافة مع مخرجين زملاء لنتلقى ردود الفعل على أعمالنا المختلفة. وعلى مشارف انتهاء النقاش توجه أحد الحضور بسؤال لم يتم الإجابة عليه، لا أتذكر لماذا !كان السؤال مثيراً ، على الأقل بالنسبة لي ، هذا هو السؤال ..هل الڤيديو بديل للسينما ؟

سؤال مفاجئ رغم بساطته ، وأذكر عقب طرحه أني ابتسمت بلا سبب واضح في ذهني .شيء ما مرح، لكنه مرير في ذات الوقت، كان يتسلل بخلفية هذه الابتسامة. ولأني اعتدت على أخذ هذه الابتسامة بجدية كلما لمحتها تعبر وجهي. لذلك، ولدى مغادرتي مع صديقتي غامرت بالصمت غير المبرر والمقلق لها .
أقول : "غامرت" ؛ هذا لأني أعرف خطورة تعقب هذه الابتسامة الملتبسة !"
لقد أعجبهم الفيلم ، فلم أنت شارد !؟ "
" أنت تعرفين أني أقدر الأسئلة المفاجئة وقد واجهني اليوم أحدها . "
" أي سؤال تعني !؟ "
" هل ( أنا ) بديل ( لي ) !!؟ "
" لم يسألك أحد هذا السؤال !
كل ما أعرفه أن أكثر الحضور فهماً للسينما قال عنه رائع .
"ابتسمت لها بود وهي تطمئن راحة يدي برفق .
ركبنا تاكسي طرازه قديم عبر بنا جسر الأسود ثم وسط المدينة، وسؤال الرجال يطارد جبهتي من اليمين لليسار والعكس.
أعادتني اهتزازات التاكسي للحظة دخولي معهد السينما كطالب يسعى للتحقق بفن السينما.
تذكرت وقوفي المتوتر في بهو المعهد الداخلي، وترددي بالحديث مع زملائي، فقد كانت عيني تحاول احتواء البهو، والغرف، والممرات والسلالم، والنوافذ. كانت مشغولة في صراع بدائي متكرر مع المكان .. بين الحين والأخر كنت أشارك زميلاً، وأتعاطف مع أخر، الكل يصافح الكل بحرارة.
صافحت السائق وهو يعيد باقي الخمسة جنيهات لصديقتي، فضحكت صديقتي بصوت عال. تذكرت ضيق الرجل لعدم إجابة سؤاله، ووقوفه صامتاً وسط الحضور بالقاعة، لقد شعر أنه وحده مع سؤاله، تجمد للحظات وأخرج سيجارة، فإذا بأمن القاعة يمنعه بسرعة فتراجع متلفتاً حوله باحثاً عن تكملة .أحياناً تتحول علامة الاستفهام لمخلب وحشي يطاردك وسط الحشد ؟
هل الڤيديو بديل للسينما ؟لم أجد علاقة بين ذكرياتي وسؤاله ، فعدت ليدي صديقتي الحانية ، واستمتعت معها بالتنزة بأرصفة وسط القاهرة بين المارة المتلكئين أمام احتفالية الأوكازيون . تدفقنا معهم أكثر ثم أقل ، فأكثر ..
وإذا بالسؤال يعود ليواجهني بأفيش احدى دور العرض تعرض "للجمهور" "فيلماً" "روائياً" "طويل" : هل الڤيديو بديل للسينما التجارية ؟
فتحت باب مسكني وتوجهت إلى الكامير الـ Mini DV. أمسكت بحقيبتها ورفعتها، فإذا بها "خفيفة" فتوقفت عند نسب خفتها . خفيفة بالنسبة لأي شيء .. .. !؟
في شتاء ١٩٩١، وفي السنة الدراسية الثانية، طلب منا عمل فيلم تسجيلي عن أي موضوع نرغبه، ثم تسلمنا كاميرا V.H.S للتصوير بها. ولأنها كانت المرة الأولى التي سأضع فيها عيني بكاميرا تنتج صوراً متحركة؛ لذلك قررت أن أصور بنفسي. لم يكن بداخلي رغبة للخروج عن نطاق الحي الذي أسكنه، فنزلت بها يوماً كاملاً لأبحث عن موضوع من خلالها. "اللي عشته أحسن من اللي ماعشتهوش".
عدت خائباً، لكني اكتشفت شيئاً مشجعاً ، وهو أني بدونها كنت أفعل نفس الشيء ، كنت أمتلك قدرة تحديد الـ FRAME . لكن أي FRAME سيوقفني !!؟
غفوت شاعراً بتدفق ألم شديد بالكتف الأيمن .
اليوم الثاني تحركت بها بداخل الحي القديم المتهالك والأثري ( الجمالية ) . لم أرفعها أو أديرها ، توغلت بها حتى وصلت لحي اليهود ، وعبرت بوابة خان قديم ، وهنا بدأت تجتاحني العين المحتوية للمكان !!
شعور متدفق بأنك مألوف للبشر والجدران، وأن هذا المكان ينتمي إليك وأنت إليه ، شعور يزداد ثم ينقص لكنه لا يختفي أو ينقطع ، شعور خطي متصل !
أحسست بخفة الكاميرا بيدي لكني لم أجرؤ على إخراجها ؛ فقد كان الشعور يلتهم قراري بالتفاعل كمخرج، أو بالأحرى كمصور . أذكر بطئ حركتي وثقل خطواتي في الممرات والدهاليز المتكلسة .. وإذا بي أعود فجأة للخلف لأرى شيئاً قد مر علي !!
وقفت أرقب ما أراه وأنا منغمس مع حركتهم المتكررة بعمق القديم المتهالك . ندائهم من الداخل يأتي ."لم تعد الكاميرا موجودة" .. واندمج ما هو حسي مع ما هو معرفي في علامات ترقيم لغوية، وقرارات قوية حتى أصل إلى " لماذا توقفت وعدت للخلف لأرى ما قد مر علي " ؟
طلب مني الفنان مدكور ثابت (لاحظ الخلفية التجريبية لهذا المخرج) أن أكتب ورقة عما أنوي الوصول إليه من المادة المصورة. وقعت في حيص بيص. كان أكثر المواقف التي واجهتني قسوة، ولكني، ولكي أخرج من هذا المطلب، قدمت له ورقة أقل ما توصف به أنها هروب. لكنه بخبرته تفهم أني باحتياج للجلوس بغرفة المونتاچ، وبكم مفتوح من الساعات، ليكتمل حظي الاستثنائي بأن أضع قدمي على أول الطريق الحقيقي للتمتع بجدية بصنع الأفلام .. الانحياز للإسثثناء !
أغلقت الكاميرا الـ Mini DV ، ثم وضعتها بحقيبتها وأخرجت البطارية حتى لا تنفذ .شتاء ١٩٩١، كانت من نوع الـ V.H.S. ، استعدت تجربتي معها كاملة وتعرفت على نسب الخفة.
الأنالوج والديچيتال الخطي والرقمي مفردتان تستخدمان خارج النطاق التقني في التفسيرات الحديثة لعلم الإيكولوچيا فالاتصال الخطي يتضمن كماً متدفقاً بلا فراغات دالة ، ولا يوجد به " لا " ، و لا يتساءل " إما أو " كل شيء فيه أكثر أو أقل ، مثل كل الإيماءات والتحولات والإيقاعات غير التقليدية، والسياق الإتصالي ذاته. أما الاتصال الرقمي فيتضمن عناصر حرص ، وانقطاعات أو فراغات ، ويسمح بقول الـ " لا " و " إما / أو " بدلاً من " كِلا / و " ( مثل كل اتصال دلالي لغوي ) " .. هذان .. " الشكلان ليسا في موقف تعارض، فالوظيفة العامة لما هو رقمي أن يرسم حدوداً بداخل ما هو خطي، مثله في ذلك مثل مفتاح غلق وفتح دائرة كهربائية تعمل بداخل تيار متدفق " .
هذه ترجمة لتعريف موجز لـ "بيل نيكولز" لمفهومي الخطي والرقمي لدى "جريجوري بيتسون" صاحب كتاب "خطوات نحو إيكولوچيا العقل" .الآن .. السؤال يحتاج إلى إجابة أكثر وضوحاً !
فما سبق كان لعبة " سرد وأسلوب "" لماذا " يطارد الرجل ذاكرتي ؟ و " لماذا " كان السؤال هاماً له لحظتها !؟
"نصصت" أداتي الاستفهام لأنهما التجسد اللغوي لكاميرتين، الأولى ڤيديو والثانية سينما ٣٥ميلي .. الأولى ابتسامتي المرحة والمريرة والثانية تتمثل في قلقه من عدم تحققه في سؤاله. الاثنتان اندمجتا بلا صراع تقليدي بفراغ القاعة.
هنا نستطيع رؤية العلاقة الملتبسة بين مفهومي الخطي والرقمي عند بيتسون؛ فالابتسامة كانت إيماءة غير تقليدية (خطي/ متدفق) أعقبها صمت تأملي فيها (رقمي/حرص)، بينما بالنسبة له كان هناك أشخاص تتحدث بتدفق (خطي/مثرثر) قطعها ذهنه بسؤال متكلس (رقمي / لا) ثم فعل إنتظار متدفق لبرهة، أعقبه عدم السيطرة على سلوكه، بالتجمد وإشعال السيجارة، ثم الحيرة (خطي/ متدفق ومتحول). وهكذا تشابكت صراعاتنا الحسية والمعرفية ما بين تدفقات خطية وإنقطاعات رقمية. ويمكن متابعة الجزء السردي "في البداية" من هذا المنظور، إلى أن تتوقف عند كلمتي ..
السينما التجارية: هذه السينما غير معنية إلا بالجاهز من تفسيرات السلوك البشري، وبما يخدم صراعها التقليدي الأرسطي ذي الثلاث فصول، والتي لا تريد المغامرة بتغييره ، لأنه مستقر التواصل ومربح . وهنا يكمن خطأها ؛ فالقلق المتزايد التجزئة في الاتصال بين البشر لن يجد التهدئة بشاشتها ( لاحظ قلة البطولة الخارقة بعد ١١ سبتمبر، ولجوء السينما التجارية الأمريكية لأبطال ذوي بشرة غير بيضاء للتخفيف من القلق تجاه نسيج المجتمع. ومن قبل نجاح جماهيري لفيلم تلاعب فقط بسرد الصراع التقليدي وبأبطاله ـ ليس بطلاً واحداً ـ مثل فيلم Pulp Fiction ).
ولأن هذا القلق الاتصالي يحمل بداخله احتمالات ووعوداً بالضحك، لذلك أتوقع صعود أكثر لموجة الكوميديا بمصر ( لاحظ مقولات ممثلي الكوميديا بأنهم يأخذون قفشاتهم من الشارع . وعلى النقيض ، يتم الهرب بالحدوتة لخارج مواقع القلق مثل الجامعة الأمريكية ، هولندا ، شرم الشيخ ، أفريقيا ، ومواقع صراع عالمية وعربية جاهزة التفسيرات الصحفية ) . ثمة فيلم واحد اشتبك مع مواقع القلق على مستوى الفكرة الأولى بين ما هو حسي وما هو معرفي وهو " فيلم ثقافي".هل هذه هي السينما التي سيصبح الڤيديو بديلاً لها؟
يا صاحب السؤال ، أعرف أنك تعني العرض العاملكني أتخيل ذلك اليوم الذي سيحل بغرفة ماكينة العرض بمصر المحروسة جهاز صغير يُعرَض من خلاله اسطوانات الـ D.V.D وجهاز آخر فوقه ، أقل حجماً، ومن نفس الشباك السحري سيصدر صوراً، على نفس الشاشة االبيضاء ، في ذات القاعة المظلمة ، للآخر الجالس بكرسيه يطبق تذكرته و ينتظر ..
السؤال الآن أصبح ملكي ، إذن فالاجابة تتطلب تحديد إلى أي سينما أنتمي !
هناك ثلاثة أنواع من السينما تهتم بالمتفرج "المجهول" وشباك التذاكر مؤشر مهم لها ، حتى إذا إدعى من لا يعرفها غير ذلك !
وهم بترتيب درجة الاهتمام بالتواصل مع الآخر المجهول ـ المتفرج ـ وكذلك سبب الرغبة في هذا التواصل : ( سينما البحث ، السينما التجارية ، السينما المستقلة.سينما البحث : هي تلك السينما التي تعتبر البحث بعناصر صناعة الفيلم شرطاً أساسياً ورئيسياً لتجديد وتغيير اللغة السينمائية لكي تتجه بالفن السينمائي لخصوصيته السيميولوچية. وأمثلتها متروبوليس، والمواطن كين، وسايكو، وساتيركون، وتيوريما، وبرسونا، والقربان، ونظرة عوليس وهكذا .. العزيمة والسوق السوداء، المخدوعون، المومياء، الإختيار، السقا مات، مرسيدس، الطوق والإسورة، البحث عن سيد مرزوق، الحريف، وهكذا .. وهي تعمل على وتر الخيال الجمعي بمفهوم الإنعتاق المرفرف تحت راية الحداثة كمشروع فني وثقافي .
السينما المستقلة : هي تلك السينما التي راجعت أخطاء الطليعة بفن السينما، وأحدها الانجراف المبالغ فيه في التخصص اللغوي، نتج عنه الانفصال عن المتفرج والحديث للصفوة. وتعلمت أيضاً من نقاط القوة بالسينما التجارية، فيجب الابتعاد فيها عن الغموض الملتبس بالسرد، حتى إذا كان خطياً متقطع الصراع أو مغاير تماماً للسرد الأرسطي. وهي تنظر بحرص للماضي ومشروعه الحداثي ، وكذلك تنتقد بشدة الحاضر والمستقبل في مشروعهما المندفع "الما بعد حداثي"، إلا أنها تتبنى بعض أفكاره عن اللغة السينمائية التي تتواءم مع نقدها لسلبيات المشروع الحداثي . لافظة فكرة الإنعتاق وموجهة إهتمامها التام صوب اليومي والهامشي بألعابه الكامنة والعنيفة والبريئة معاً .
سقط بالقانون، دخان، حزن في الوش، رمبل فيش، بلب فيكشن، عاري، مقابر خاوية، جنس وأكاذيب وشرائط فيديو ، وهكذا ..يسري نصر الله و زكي فطين عبد الوهاب و أسامة فوزي، مخرجون كان لهم تماس متواتر مع ما سبق!
أنا أنتمي للسينما المستقلة، التي أعلن أحد ممارسيها العنيدين "چيم چاراموش" أنه لم يعد يعرف معناها بالتحديد. ذلك ربما لتسلق بعض الراغبين في السينما التجارية من خلالها، أو لجذب أضواء النيون للفراشات .. وربما أيضاً، والأهم، "نزول" بعض مخرجي سينما البحث لآليات التنفيذ المستقل بحثاً عن الخروج من أزمة إنتاج أفلامهم. كل هذا لا يهم، المهم أن هذه السينما قد طرحت نفسها بقوة، وساهمت في بث الحيوية بالوسيط السينمائي العالمي منذ السبعينات وبمصر منذ التسعينات . وكما ذكرت، هناك مخرجون بمصر كان لهم اقتراب قوي لمنطق السينما المستقلة، أولهم، وأعني نصر الله، صور فيلمه على ١٦مم بإرادة صلبة، ثم وبمساعدة تمويل فرنسي، أخرجه للنور وهو "سرقات صيفية". إلا أن بداخله صفات تميزه كسينما بحث أكثر من كونه مستقلاً، لذلك نجد فيلمه التالي "مرسيدس" ينتمي في طرحه اللغوي للتعقيد والغموض السردي، في محاولة لاكتشاف "الجديد" باللغة السينمائية على طريقة سينما البحث.
والملحوظة المهمة بهذا الفيلم، إنه بداخله وعود بسينما مستقلة، نراها في عالم سينما الدرجة الثالثة، وكذلك النقد الواضح لمشروع الحداثة السياسي والتخوف والريبة من فساد الحاضر الما بعد حداثي (مرسيدس)، وبالأخير ذلك القلق الكامن بمجمل رحلة البطل بين الحسي والمعرفي. ثم يأتي فيلم "المدينة"، الذي يزداد فيه اقتراب المخرج من السينما المستقلة، وابتعاده عن سينما البحث، ليس فقط بآليات الإنتاج، ولكن الأهم هو في ابتعاده عن الغموض والتعقيد السردي .
زكي فطين عبد الوهاب ، لسبب واحد لن أستطيع أن أتحدث عن فيلمه "رومانتيكا" وذلك لعدم اكتماله بالطريقة التي كان يريدها، وهنا تظهر فكرة التداخل الإنتاجي بين السينمات الثلاث التي قد تجهَض لعدم تحديد النوع بذهن الانتاج وصانع الفيلم. لكن اختيارات المخرج زكي فطين لفئة الخيرتية بالقاهرة وشخصياته الاستثنائية جعلت عالمه مستقل وقوي، وأرجو عودة هذا المخرج لصناعة الفيلم بأي إمكانية.
أسامة فوزي، ومصطفى ذكري، سينمائيان من العيار الغنوصي، فيلمهما الأول "عفاريت الإسفلت" فتح إطار جديد للسيناريو للنظر للهامشي، لكن طموحه لخلق مجتمع فيلمي ينتمي لطموحات سينما البحث؛ فالكثافة العددية للشخصيات المساعدة جنحت بالفيلم لكتابة تقترب لنوع تبتعد عنه السينما المستقلة، ألا وهي كتابة "الملحمة" بمفهومها القديم للإنعتاق .
جرأة الفكرة سمة أساسية ترتبط بالاستقلال . إلا أن نموها وتطورها يقع على عاتق الجهد وعدم التسرع. إن "جنة الشياطين" وبرغم عدم إجابته على : لماذا عزل ومسرحة الهامشي ؟ إلا أنه أصبح من أهم محاولات السينما المخلصة .هل الفيديو بديل للسينما ؟ بلقاء للمخرج "ڤيم ڤيندرز" مع شباب السينما بإيطاليا ، وذلك بعد تجربته بعمل فيلم روائي طويل بكاميرا Digital Hi 8 ، حثهم على عدم التنازل عن الأفكار ، والعمل بأي إمكانيات متاحة لهم .
وحيث أن فرص تمويل الأفكار المختلفة تقابل بمعوقات كثيرة ومتنوعة لتنفيذها بآليات السينما داخل مصر المحروسة ، أهمها التحمس وسرعة التنفيذ .ولأني أؤمن بأن صدأ القلب والعقل يجعلا ( البقاء ) هو الرهان الوحيد وليس " الحياة " !لذلك ، سأرد على سؤالك هل الڤيديو بديل للسينما بسؤالي لنفسي في البداية ، وهو ..هل أنت ( شتاء ٩١ ) بديل لك ( أبريل ٢٠٠٢) ؟
اختفاء تدريجي ترقيمي ـ Digital Fade Out

* نشِرَ ببرنامج السينما المستقلة بمهرجان الإسماعيلية سبتمبر ٢٠٠٢ وبنشرة ملتقى الأفلام المستقلة ٢٠٠٦

* بعد ما يقرب من ثلاث شهور عمل على المادة كانت النتيجة فيلم بعنوان "حمام تركي" ٢٤ دقيقة ١٩٩١ سيناريو وتصوير وإخراج عماد ارنست، ومونتاچ هناء ارنست، وصوت أحمد الجزار. وهو فيلم لا يخضع لشروط النوع عن عمال معالجة وتنقية أتربة ورش الصاغة بالجمالية من خلال أداء حركة واحدة لمدة ثماني ساعات يومياً للحصول على بواقي الذهب أو الفضة المتناثر بتلك الورش.

* نتيجة لفتوح الثورة العلمية وزيادة وتيرة التخصص بدأ علم الإيكولوچيا Ecology في أواخر القرن التاسع عشر كفرع من البيولوجيا. ويعود المصطلح للعالم الألماني إرنست هايكل عام ١٨٨٦ كنحت من كلمة oikos الإغريقية وتعني منزل الأسرة وكدراسة للعلاقات التي تربط ما بين أعضاء كوكب الأرض. وبعام ١٩٠٩ أصبح العلم الذي يدرس العلاقات المتبادلة بين الكائن الحي وبيئته، ثم توسعت بحوثه لتتحرى التشوهات التي أصابت العقل والثقافة في مختلف أوجه الحضارة متطرقة للجدل والصراع الخاص بما هو حسي وما هو معرفي.

* لأنه لا يوجد نموذج واحد أمثل، وأنه لا توجد سينما واحدة بل سينمات ثلاث يندرج تحتها عدد متنوع من السينمات تعمل تحت مسماها بحسب ثقافة مكانها وصانعها، يأتي هذا التحليل المقتضب للسينمات الثلاث ـ مُنحياً التجريبية لمنطق سردها الخاص ـ ليصبح هذا الرأي شخصي مثله مثل هذا النص المُهدى لصاحب السؤال.

* لست من المحبذين لفكرة أن معيار المال قادر على تحديد من يقع بنطاق الإستقلال ومن بخارجه، وإلا سيصبح الأغنى مستقل أكثر من الفقير، والمستقيم أفضل من المكافح، وبالتأكيد سيترك العمل الفني ويبحث بالنيات مُسقِطاً المصطلح بدائرتي الثنائيات الكسولة و صيغة أفعل التفضيل المنغمس فيهما العقل المصري والعربي لدهور طويلة. لذا فالنص يبحث بالأساس في جدل الحسي والمعرفي بالفن، وأتى كمحاولة "شبه" تنظيرية لتأسيس المصطلح على أرضية "ثقافية" و"فنية" لا مراهقة سياسية تجادل بأمور تمويل بديهية الرفض في حالة خلافها مع قناعات صاحب العمل، طالما هو على قدر من الوعي والتمسك بهذه القناعات. وهو أيضاً ليس مراهقة إجتماعية تجعل من الدولة جزء منفصل عن الفرد، حتى وإن كانت مؤسساتها تمر بأوهن مراحلها، فما يحدث مجرد ظرف تاريخي، قاسي بلا شك، الرهان فيه على "صلابة الوعي والإرادة" ومدى "تماسك القناعات" وبالأخير على حب "السينما المصرية" دون شوفينية تحجم من إمكاناتها الكثيفة والغنية للغاية !!!

* يرجح ظهور الغنوصية كإتجاه فلسفي وديني لمصر القرن الأول الميلادي في الرسائل الرمزية لهرمز مثلث الحكمة أو العظمة. وكل مفاهيمها وتصوراتها تتمحور حول مفهوم التحرر والانعتاق. وخلاصها لا يأتي عبر عبادات شكلية أو طقوس ما لم تترافق مع المعرفة وتكون مقدمة لخلاص من الجسد والعالم بآن واحد. فبعثها هو بعث للأرواح لا للأجساد. لذا يعد صراعها الانساني صراع بين عرفان يؤدي به للخلاص، وبين جهل يبقيه في دورة الميلاد والموت. ولمن شاهد فيلم "جنة الشياطين" قد يلحظ التماس الشديد مع هذا البعد الفلسفي مع مزيج من الأبيقورية والنتشوية مغلفة بسحر بيرجماني كجماليات سينمائية جاذبة بشدة لهذه التوجه الفني.

الاثنين، 5 أكتوبر، 2009

رحيل الفارس الثالث: محمد علي يغادر عالمنا


محمد علي (إلى اليمين) في شبابه مع الشيخ إمام ونجم في صورة نادرة


حزنت حزنا شديدا عندما علمت صدفة خلال الساعات الأخيرة بوفاة محمد علي (1930- 2009)، فنان الإيقاع الذي ظل يضبط الايقاع وراء الشيخ إمام العظيم لأكثر من ثلاثين عاما. عرف الشيخ إمام منذ أن كان طفلا في حي الحسين العريق بالقاهرة. وسكن معه في الشقة الضيقة التي عاش ومات فيها الشيخ إمام في حوش قدم الذي أصبح شهيرا بفضل الشيخ إمام.
الفارس الثالث هو محمد علي، بعد الشيخ امام (رحمه الله)، والشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم متعه الله بالصحة والعافية.
كان محمد علي رجلا نبيلا يشع من عينيه حزن دفين، ورغم أنه لم يتعلم القراءد والكتابة إلا أنه كان أكثر ثقافة ومعرفة بالعالم من كثير من المتعلمين والمثقفين، وكان له احساس خاص بموسيقى وألحان الشيخ إمام. وقد صرح في احدى المقابلات بأنه ترك مهنته الأصلية وكان من الصائغين (العاملين في محلات الذهب) لكي يلتحق بالشيخ إمام بعد انضمام أحمد فؤاد نجم اليه عام 1962، واخذ يردد أغاني الشيخ إمام ويضبط الايقاع أحيانا باستخدام يديه فقط (أي عن طريق التصفيق بيديه بايقاعات الاغنية). وهناك عشرات الأغاني التي يمكننا أن نستمع فيها إلى صوت صفق اليدين وكيف تمكن محمد علي بعبقريته الخاصة من ابتكار هذه الطريقة التي تنتمي للروح الشعبية المصرية البسيطة، لكي يستغني عن الطبل والرق وما شابه من آلات الايقاع الشرقي، وأصبح يستطيع بالتالي أن يتحرك بسهولة ويسر ويتواجد في أي مكان دون أن يحمل آلات خاصة وهو ما كان يتوافق مع الظروف والأوضاع التي كان يغني فيها الشيخ إمام.
وأتذكر أنني خلال مرحلة الجامعة في زمن السادات عندما كان محمد علي يأتي مع امام ونجم ويغني وراء الشيخ إمام في مدرجات الجامعة وسط مئات الطلاب، وكان محمد علي يطرق بيده على المنضدة الخشبية الموجودة فوق المنصة، ولم يكن يستخدم الطبل أو الرق. وكانت لديه القدرة حتى على ضبط الايقاع باستخدام الكرسي.
محمد علي، ضابط الايقاع الذي كان يردد أيضا وراء الشيخ امام وصوته تحفظه عشرات الأغاني الشهيرة، فاجأنا جميعا في السبعينيات حين كشف عن موهبة فطرية في الرسم، عن فنان تشكيلي تلقائي جميل، لوحاته تشبه حقا رسومات الأطفال إلا أنها تعبر أفضل ما يكون عن، رؤيته وتجربته الخاصة في الحياة، وكانت تنبض بالشقاء والألم وألوان وأحلام الفقراء الذين نشأ وتربى محمد علي وسطهم. وكانت أيضا تعكس موقفه السياسي الرافض للسادات وسياساته.
ولم يتخل محمد علي أبدا عن رفيق عمره الشيخ إمام، بل لازمه في كل رحلاته إلى الخارج: إلى فرنسا ولندن وروسيا واليمن ولبنان وسورية وليبيا والجزائر. وقد قابلته عندما جاء مع الشيخ امام إلى لندن عام 1985.
وبعد تفجر الخلاف الشهير الذي انتهى بالقطيعة بين الشيخ إمام ونجم في منتصف الثمانينيات، ظل محمد علي إلى جوار الشيخ إمام حتى النهاية.

عن تجربة الاعتقال في زمن عبد الناصر يقول محمد علي في إحدى المقابلات التي أجريت معه:
"مرت علينا فترات من الصدام مع السلطة منذ أيام عبد الناصر.. فقال له محمد حسنين هيكل: دى صرخة جوع. واقترح عليه أن نعمل فى الإذاعة والتليفزيون. وبالفعل دخلنا الإذاعة والتليفزيون على أساس أننا سنشبع ونخرس كما خطط هيكل. وعملت أيضا ضابطا للإيقاع معهم فى التليفزيون. وكان الأستاذ رجاء النقاش جزاه الله خيرا يقدم لنا برنامج نصف ساعة يوميا فى التليفزيون اسمه "من ألحان الشيخ إمام". وأحضر لنا مطربين مثل لبلبة ومحمد رشدى الذين أخذوا منا أعمالا. وبالفعل كان من أحسن ما غنته لبلبة أغانى مثل: "يا خواجة يا ويكا يا بتاع أمريكا، يا حرامى العامل جوه الفابريكا"، وغنت أغنية: "شعبان البقال عقبال الأنجال اتوظف واتنظف واتعدل له الحال". وغنى محمد رشدى أغنية "دلى الشيكارة"، وأغنية "الغربة". و غنت فايدة كامل أغنية "حى على الكفاح"، وأغنية "شوف الحكاية". يعنى عدة مطربين أخذوا من كلمات نجم ومن ألحان إمام. وظللنا نقدم البرنامج ونقول فيه كل ما نريده بالتليفزيون دون أن يمنعنا أحد. لدرجة أن أغنية "جيفارا مات" لما مات المناضل العظيم جيفارا استأجرت السفارة الكوبية ساعة فى التليفزيون وساعة فى الإذاعة وأذاعوا الأغنية. ولكن بعد شهر. وبعد دخولنا الإذاعة لاحظ عبد الناصر أن مريدينا يزدادون. وأننا لم نتوقف. فقرر الإيقاع بيننا وتعيين الشيخ إمام على الدرجة الثالثة مكرر. فامتنعنا عن الذهاب رفضا لهذا الإقلال من قيمة الشيخ إمام. فصدر أمر سياسى بتلفيق قضية مخدرات لنا. وعلمنا أن عبد الناصر كان يريد اعتقالنا. ولكن هيكل أشار عليه بالقول: "لو اعتقلتهم ستصنع منهم أبطالا. ومن الأحسن أن تلفق لهم قضية مخدرات". وبالفعل، حصل ذلك. حوالى سنة 1966 تقريبا".
أما عن اعتقاله في زمن السادات فيروي محمد علي الحكاية التالية في حوار مع الصحفي أشرف شهاب:
"اعتقلت مرتين بسبب أننى أيام السادات أيام ما كان بيهلفط (يردد تخاريف وكلاما أبله)، ويقول أننا لا نستطيع أن نحارب أمريكا، وكلاما عن الضباب والعلاقات وما شابه. فقمت برسم حمار ماشى فى طريق الضباب.. ورسمت الوجه وجه السادات، والجسم جسم حمار. فقام العيال ولاد الكلب بتوع جامعة القاهرة.. وأخذوا الصورة وطبعوا منها بالآلاف، وعلقوها على الجدران. فجاءنى البوليس إلى المنزل. ولكن الصورة لم تكن موجودة بالمنزل. فقالوا: لا.. إحنا مش جايين نقبض عليك.. إحنا جايين نتفرج على أعمالك الفنية. وتركونى ومشوا. وصدر أمر بالقبض علينا نحن الثلاثى بعدها مباشرة. وتحرجت الحكومة من أن تقول أن تهمتى هى رسم وجه الرئيس السادات على شكل حمار، فقالوا إن تهمتى أننى "عازف إيقاع أغانى لقلب نظام الحكم"!! هذا كان نص التهمة. وكان المحامى المعروف أحمد نبيل الهلالى سليل الباشاوات هو المحامى الذى يدافع عنى. وعندما دعانى القاضى، وقف الهلالى بصفته وكيلا عنى. فقال له القاضى تفضل.. فقام الهلالى وأخذ يدق بيديه على مكتب القاضى على شكل إيقاع أغنية. فسأله القاضى ما الذى تفعله يا سيادة المحامى المحترم؟ فقال له الهلالى: هذه يا سيدى القاضى تهمة موكلى.. تهمة محمد على هى الطبلة.. طبلة محمد على هى التى ستقلب نظام الحكم يا سيدى القاضى.. إذا كانت طبلة محمد على هى التى ستقلب نظام الحكم.. فماذا ينتظر السادات؟ لماذا لا يرحل؟ فانفجر جميع من كانوا فى قاعة المحكمة ضاحكين. فأعطانى القاضى حكما بالبراءة. ولكن السادات عاد مرة أخرى واعترض على حكم القاضى.. واعتقلنى للمرة الثانية".
رحم الله محمد علي ألف رحمة.

الخميس، 1 أكتوبر، 2009

فيلم "حراقة" لمرزاق علواش




هذا رابط إلى مقالي عن فيلم "حراقة" للمخرج الجزائري الكبير مرزاق علواش الذي عرض في قسم "أيام فينيسيا" في مهرجان فينيسيا السينمائي الذي اختتم في 12 سبتمبر.




جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com