الاثنين، 18 مايو، 2009

فيلمان من بريطانيا: "نجمة ساطعة" و"حوض الأسماك"


حتى الآن عرضت ستة أفلام في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة 62 لمهرجان كان السينمائي هي فيلم يمثل الصين هو "حمى الربيع"، وفيلمان من بريطانيا هما "حوض الأسماك" Fish Tank و"نجمة ساطعة" Bright Star، وفيلم "عطش" Thirst من كوريا الجنوبية والفيلم الأمريكي "الاستيلاء على وودستوك" Taking Woodstock، والفيلم الفرنسي "نبي" A Prophet.
فيلم "نجمة ساطعة" للمخرجة النيوزيلاندية المتميزة جين كامبيون التي حصلت على السعفة الذهبية في 1993 عن "البيانو" The Piano، جاء في نظر الكثير من النقاد هنا، مخيبا لآمال.

نجمة ساطعة
التساؤل الأولي الذي يخطر على البال بعد مشاهدة هذا الفيلم الذي كتبته مخرجته بنفسها هو: ما هي الحدود الفاصلة بين عالمي الأدب والسينما؟ أو بالأحرى، هل يكفل الارتكان في السيناريو على شخصية مرموقة في عالم الشعر مثل بطل فيلمنا هذا الشاعر الانجليزي من القرن التاسع عشر جون كيتس، التوصل إلى فيلم جيد، ممتع، معاصر، يشبع أغوار الشخصية كما يمتع جمهور سينما اليوم؟
والسؤال التالي المنطقي هو: هل من الممكن أن تعتمد معالجة فيلم من هذا النوع على ترجمة الشعر الذي يكتبه جون جيتس أو التعبير عنه بالكلمات أو الحديث عنه كما في الحوارات الطويلة المرهقة بين بطلي الفيلم؟
الرأي السائد أن السينما لها عالمها الخاص الذي ينسج أساسا من الصور، ومن اللقطات، ويعتمد على التكثيف أكثر من الإسهاب والشرح، كما أن المخرج- المؤلف عادة ما يسعى لتقديم "رؤية" شخصية معاصرة لوقائع وأحداث أصبحت الآن في ذمة التاريخ، وهي مدونة في كتب التاريخ الأدبي بتفاصيلها، ولا يوجد مبرر لتقديمها في السينما سوى من خلال "رؤية" جديدة أو سباحة سينمائية حرة داخل عالم الشخصية الرئيسية المراد الحديث عنها، وليس من خلال "ترجمة" الشعر أو تلخيصه أو تقديمه للمشاهدين عبر علاقة الحب التي ربطت الشاعر بجارته المقدامة الجريئة "فاني بروان" التي كانت تصمم ملابسها بنفسها.
مشكلة هذا الفيلم أنه يكتفي بالالتزام الحرفي بالمنهج القديم في معالجة هذا النوع من الأفلام، أي منهج الدراما التاريخية التي تهتم كثيرا جدا بالأزياء، وبمطابقة الديكورات والاكسسوارات، نمط الإضاء، وطريقة الحركة والأداء، أي باختصار، مراعاة المقاييس "الكلاسيكية" حرفيا.
هذا الجانب لاشك أن مخرجة الفيلم نجحت فيه، ولكن السؤال الذي لا يفتأ يطرح نفسه عليك: وماذا بعد، وأين رؤيتك الخاصة للموضوع ومغزاه؟ وما الجديد الذي يمكن اضافته إلى أفلام أخرى بريطانية كلاسيكية اكتسبت سمعة عالمية كبيرة لعل أشهرها من هذا النوع نفسه "حجرة تطل على منظر طبيعي" لجيمس إيفوري (1985).
الفيلم لا ينجح في تجاوز قصة الحب الجميلة المأساوية بين الشاعر كيتس وجارته فاني التي تبدأ أولا على استحياء شديد في ظل التقاليد المتزمتة في الريف الانجليزي ومع رفض وتهكم بل ومحاولة تمييع من جانب رفيق كيتس وراعيه على نحو ما، الاسكتلندي الساخر المتهكم دائما الذي يتورط هو نفسه في اقامة علاقة مع خادمة في منزل براون تحمل منه وتنجب له ولدا يضطر للاعتراف به.
علاقة الحب بين كيتس وفاني يتم التعبير عنها من خلال لمسات اليد والتهامس والأحضان المتباعدة وليس من خلال العلاقاة المكشوفة الملتهبة التي قد يتوقعها مشاهدو اليوم.
أما المشكلة الرئيسية هنا فهي أن الفيلم نفسه، بايقاعه البطيء وخلو حبكته من أي مفاجآت أو مشاهد خاصة تثير الخيال، تجعل من قصته التي تنتهي بموت الشاعر وتألم الحبيبة، قصة معروف سلفا ما ستنتهي إليه.
وأخيرا "نجمة ساطعة" هو بالمناسبة عنوان قصيدة شهيرة كتبها جون كيتس لحبيبته في اطار تغزله فيها، وقد كانت لها أيض اهتماماتها بالشعر ورغبة عميقة في فهم عالم الشعر والاقتراب الحسي منه. وقد حاول هو أن يصف لها إحساسه بالشعر على صعيد يختلف تماما عن "الحسي" ويقرب من "الروحاني".

حوض الأسماك
أما فيلم "حوض الأسماك" للمخرجة الانجليزية أندريا أرنولد فهو شديد الاختلاف في موضوعه ومعالجته عن "نجمة لامعة" فهو يدور في بريطانيا المعاصرة، في أوساط الأسر المهمشة المنبوذة اجتماعيا التي تقطن مساكن الدولة التي تدنت وبلغت حالة من التدهور تعبر عما وصل إليه المجتمع نفسه حاليا.
بطلة الفيلم فتاة مراهقة في الخامسة عشرة من عمرها: مقتحمة، جريئة، تمتليء في داخلها بكل ذلك التوتر الذي يشوب فترة المراهقة والبحث عن الذات، كما يملؤها أيضا غضب على الواقع، ورفضا عنيفا لمحيطها الخالي.
إنها "ميا" التي تعيش مع أمها المنفصلة منذ زمن عن والدها، وشقيقتها الصغيرة "تيلر". لكن أمها لا تبدي أي اهتمام حقيقي بالاقتراب من ابنتها، بل تعيش أسيرة رغبة مستمرة في الاستمتاع بالحياة، بالشراب، بالحفلات، بالصحبة، وبالجنس مع رفيقها الجديد "كونور" الذي يعمل حارسا في شركة للنقل.
"ميا" تبدو وقد سئمت الحياة نفسها حتى قبل أن تبدأ النفاذ إليها بشكل جدي. إنها ترفض امها، ومحيط علاقاتها، كما ترفض الاختلاط بغيرها من الفتيات اللاتي تجد أنهن فارغات لا يصلحن لشيء، وترفض المدرسة التي انقطعت عنها وتقاون بكل السبل العودة إليها تحت كل الضغوط.
وهي تذهب بنفسها، تقتحم شقة خالية في إحدى البنيايات المجاورة، لكي ترقص على أنغام الموسقى التي تحبها. ويصبح رقصها الانفرادي هنا مرادفا للرغبة في التحرر والانطلاق بعيدا عن كل القيود.
لكن حياة ميا تنقلب عندما تجد لدى كونور، صديق أمها، كل تفهم ولطف، فهو يعاملها برقة، يتحاور معها، يبدي اهتماما بأمرها ويناقشها فيما تريد أن تفعل مستقبلا دون أي محاولة للقيام بدور الأب.
في البداية تقاوم ميا الاقتراب منه، لكنها تجد نفسها تدريجيا مشدودة إليه، ليس فقط كنموذج للأب البديل، بل وتبدأ في الإحساس نحوه بمشاعر أخرى أقوى وأكثر حسية.
وذات يوم، يقع المحظور بين الاثنين، وصاحبنا تحت تأثير الخمر، وتكون النتيجة أن يختفي كونور تماما خشية من عواقب تلك العلاقة "الخطيرة" مع فتاة في الخامسة عشرة من عمرها.
تطارده ميا، وتذهب إلى منزله، وتتسلل أثنياء غيابه لتكتشف أنه متزوج ومنفصل وإن لديه ابنة صغيرة، بل وتشاهد الأسرة الصغيرة التي تعود فجأة إلى المنزل أثناء وجود ميا فيه، فتهرب الفتاة وتكمن ثم تستدرج ابنته الصغيرة، وتحاول الانتقام من أبيها في شخصها وتكاد تقتلها غرقا في النهر القريب.

المخرجة اندريا ارنولد

هذا فيلم ينتمي حرفيا للمدرسة الواقعية البريطانية الأصيلة، إلى أفلام عالم أفلام المخرج مايك لي: دقة السيناريو، تلقائية الأداء التمثيلي، السيطرة المدهشة على الإيقاع العام، التحرر في استخدام الكاميرا (المحمولة المتحركة المهتزة في الكثير من المشاهد)، والاختيار العبقري لمواقع التصوير بحيث تكون العلاقة حاضرة دوما بين الشخصية والمكان.
إنه على نحو ما، دراسة بالكاميرا في نمو وعي "فتاة تحت السن" بالعالم والدنيا، وبموقعها الذي ترفضه داخل الهامش: هامش المعزولين اجتماعيا، والمهمشين اقتصاديا في بريطانيا المعاصرة: البطالة، الفراغ، تشرد الشباب، المخدرات، التكدس في مجمعات سكنية عتيقة بنيت بفلسفة ورؤية أخرى فيما بعد الحرب العالمية الثانية ، أصبحت اليوم مرتعا لكل الأدران الاجتماعية دون حسيب أو رقيب.
وتتعمد المخرجة تجنب تصوير وجه الأم كثيرا بل تتجنب مواجهتها بالكاميرا، فهي شخصية تعيش في عالمها المغلق الحزين بسبب الوحدة رغم جمالها الذي يوشك على الزوال وخشيتها بالتالي من الزمن. الأم موجودة في الصورة وغير موجودة في الفيلم إلا للتعبير عن ضعف تأثيرها الإيجابي القوي على الابنة -البطلة- المتمدة، التي تبحث عن عالم أكثر رحابة ربما لن تتمكن من الوصول إليه إلا بعد أن تترك تلك الضواحي الصغيرة وترحل مع صديقها المتشرد الحائر مثلها وإن كان لا يتمتع بنفس قوة الشخصية.
اهتزاز الكاميرا يعكس الاهتزاز القائم في الواقع، والاستخدام المتميز للاضاءة غير المباشرة طوال الفيلم يخلق ظلالا قاتمة حول الوجوه أحيانا، أو يجعل الصورة ضبابية كما هي أمام بطلتنا الصغيرة "ميا".
أما ميا نفسها فلعل أبرز عنصر في الفيلم هو تمثيل الممثلة الجديدة كاتي جارفيس التي اكتشفتها المخرجة من خارج عالم التمثيل الاحترافي- التي تناسب الشخصية تماما، تبتعد عن الافتعال والمبالغة، وتمزج السخرية والتهكم، بالرقة المفاجئة، قبل أن ترتد إلى توحشها الذي يخفي قلقها وخوفها من الدنيا كثر مما يظهر رغبة في الامتثال للعنف.
المخرجة أندريا أرنولد التي حققت مفاجأة بفوزها بجائزة لجنة التحكيم عن فيلمها الأول "الطريق الأحمر" في كان 2006، ربما تعود هذا العام فتحصل على جائزة رئيسية في كان 2009.. فمن يدري!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com