الأحد، 3 مايو، 2009

فيلم "زمن الرفاق" سينما سياسية في زمن ما بعد السقوط

الفيلم المغربي "زمن الرفاق" للمخرج الطموح محمد الشريف الطريبق، يعود بنا إلى زمن السينما السياسية المباشرة بمفهومها اليساري "المؤدلج" التقليدي ولكن من خلال "رؤية" تمزج الواقع بالخيال، والدراما السياسية بالكوميديا السوداء.
الزمن بداية التسعينيات في الجامعة المغربية.. عندما كان الاتحاد السوفيتي على وشك السقوط، وكان المد اليساري الكاسح في الجامعات المغربية، يكاد ينحسر مفسحا الطريق أمامه لزحف التيارات التي تسمى بـ"الإسلامية" أو بالأحرى التيارات التي يطلق عليها الفيلم عن حق "التيارات الظلامية" التي نجحت باستشرائها في المجتمع وتغلغلها بل ونفاذها عبر أنظمة الشرطة والقضاء والتعليم في مجتمعاتنا عموما، في العودة بنا إلى الوراء عشرات السنين، لكي نبدأ مجددا في مناقشة الكثير من الأمور التي كنا نتصور أنها حسمت في بداية القرن العشرين.
طبيعي أن يكون فيلم "زمن الرفاق" منحازا وليس موضوعيا تماما، فهو يتكلم من منظور رؤية شخصية أو تجربة خاصة بمؤلفه عزيز قنجاع الذي كتب المذكرات التي بني عليها سيناريو الفيلم. وطبيعي أن تكون هذه الرؤية متسقة مع تصورات ومفاهيم وأفكار المخرج وكاتب السيناريو (الطريبق) في رغبته في التعبير عما كان يشغل رفاق جيله حتى لو لم يكن قد قضى هو شخصيا في الجامعة كل تلك السنوات التي يكثفها في فيلمه. فهو منحاز للتيار الذي ارتبط به سواء داخل الجامعة أم خارجها، وهو وإن لم ينجح تماما في التعبير عن تلك الرؤية السياسية بطريقة فنية تخلو من المباشرة، إلا أنه يحسب له كونه أحد تلك الأفلام العربية القليلة بل والنادرة التي تتجرأ على التطرق لهذه الفترة ولهذا الموضوع.

وقد شهدت مثلا الجامعات المصرية سجالا طاحنا قبل الفترة التي يعالجها الفيلم المغربي بنحو خمسة عشر عاما، أي في منتصف السبعينيات بعد أن بدأت الدولة للمرة الأولى في تاريخها تتبنى الجماعات "الإسلامية"، فأخرجت رموزها من المعتقلات وبدأت تمدها بالدعم بل وتزودها بالسكاكين والسلاسل الحديدية لكي ينقض "أزلامها" (ومنهم من أصبح اليوم في موقع القيادة لا يكف عن التشدق بكلام أجوف عن إيمانه الديمقراطية.. ديمقراطية السكاكين للمعارضين لهم بالطبع!) على قوى اليسار لضربهم وتحطيم اراداتهم بل وتعاونوا مع قوى الأمن في مطاردتهم وتشريدهم والقبض عليهم في حملات مشهودة تحفظها أجهزة أمن نظام السادات جيدا. ومن بين أدران تلك الفترة المظلمة خرج أيمن الظواهري وأتباعه وولد فيما بعد التنظيم الدولي المعروف بـ"القاعدة".
موضوغ فيلم "زمن الرفاق" سياسي في المقام الأول، وهو ما دفعني هنا للعودة إلى تلك التداعيات لكي أشير فقط إلى أهمية فتح تلك الملفات الملتبسة على الكثيرين، ولأشير أيضا إلى أنه رغم كل ما كتب في مصر من مذكرات وكتب حول فترة الحراك الطلابي وما واجهه من قمع في السبعينيات إلا أن السينما المصرية لم تتجاسر على تناول هذا الموضوع حتى الآن، فالرقابة المفروضة لن تسمح، والمنتجون المهيمنون يرغبون أساسا في اتقاء شر جماعات الشر!

عودة إلى "زمن الرفاق" الذي بدا لي أنه أقرب في بنيانه وأرضيته إلى الفيلم السياسي "الرومانسي" ليس فقط لأنه يعتمد على المزج بين قصة حب بين طالب جامعي (سعيد) وطالبة حسناء (رحيل) وبين المواجهات بين من يطلق عليهم في الفيلم "القوى الظلامية" وعناصر اليسار من أجل السيطرة على الاتحاد العام لطلاب المغرب، بل لأنه يتبنى أيضا تصورا شديد التبسيط أي يخلو من التعقيدات الدرامية الضرورية لتكثيف العمل الفني، في تعامله مع الموضوع من كل زواياه وجوانبه، أي من زاوية حركة المجتمع ككل بما في ذلك موقف السلطة أيضا.
يقوم البناء كما أشرت، على المزج بين العام والخاص، وبين العاطفي والثوري، لكنه إذا كان قد نجح في تقديم الجانب الرومانسي العاطفي (ثلاثة شبان يتصارعون على قلب فتاة تميل هي إلى سعيد) لكنه لم يوفق في التعبير عن تطور شخصية سعيد لكي يسير في طريق الانتماء الكامل ويصبح أحد زعماء الحركة الطلابية. فقد اعتمد على تصوير مشاهد طويلة تسودها الخطابة والاستخدام الانشائي للعبارات اللفظية، وتعاني من محدودية المكان وعدم القدرة على الانتقال في الزمن بحيث يكتفي المخرج بالإيحاء أكثر من الافصاح، وبالاشارات أكثر من الوعظ المباشر. وهذه هي آفة الفيلم السياسي "المؤدلج" رغم كل ما يتمتع به من حسن نوايا.
هناك الكثير من مشاهد الاضرابات والمسيرات التي تؤرخ لأحداث سياسية شهدتها الساحة العربية في تلك الفترة، وتجاوب طلاب الجامعة معها. وهناك إشارة إلى عدم اكتمال الأشياء بل وانحسار الفكر الثوري الغاضب من خلال عدم اكتمال العلاقة نفسها أو جعل الفتاة تغادر الجامعة وتتخلى عن الحلم الرومانسي.. في اشارة إلى نهايته، لكن موضوع زحف التيار البديل (الظلامي) كان يقتضي التعامل السينمائي معه بطريقة أكثر جدية، وأكثر إيجازا في الوصف، وكثافة في الصور السينمائية واستخدام لغة التعبير المرئي.
لكن الفيلم بشكل عام يكشف عن ثقة مخرجه في التعامل مع الممثلين، وفي كونه التزم بالبناء الكلاسيكي ولم يشطح في ترهات تحطيم الشكل كثيرا في أولى تجاربه في السينما الروائية الطويلة، فربما يكون من المطلوب أن يتعلم السينمائي أولا كيف يسيطر على أدواته التقليدية قبل أن يتطلع إلى تحطيمها وتجاوزها.
ولاشك أنه يستطيع عن طريق التحرر أكثر عند ترجمة المعاني إلى لغة سينمائية مستقبلا، أن يمد تلك التجربة على استقامتها وأن يقدم لنا عملا أكثر جمالا.

2 comments:

Omar Manjouneh يقول...

تحياتى أستاذ أمير ,
بالنسبة لى فان نسبة مشاهدتى للسينما المغربية قليلة جدا ظو تقريبا منعدمة, لكن ما تكتبه حضرتك فى هذا المجال يثير فضولى أكثر فأكثر نحو هذه السينما الجريئة بموضوعاتها. لا أعرف كيف سيكون رد فعل أصحاب (الريادة) فى بلدنا العزيز اذا ما اطلعوا على ما يقدم فى بلد مثل المغرب أو بلدان الشمال الأفريقى بشكل عام. أذكر أن الوزير فاروق حسنى قد أعلن منذ فترة عن وجود صندوق لدعم السينما ب 30 مليون جنيه سنويا, لكن يبدو أن الدعم قد تحول لرغيف العيش من باب الأولوية...
بالنسبة لموضوع الفيلم فهو جرئ وجديد فعلا و أتسائل ان كان السبب هنا هو عدم وجود رقابة فى المغرب أم أنها موجود لكنها متحررة أكثر من البلدان العربية الأخرى , وسؤالى الأخر هل ترى أستاذ أمير أن السينما المغربية أصبحت تملك جيل من المخرجين قادرين على دخول المحافل الدولية بأعمالهم أم أنها تحتاج الى المنتج الأوروبى ليلقى عليها الضوء كما الحال مع أفلام المخرج (رشيد بو شارب)؟
وتقبل منى خالص الود والتقدير

أمير العمري يقول...

عزيزي عمر: سؤالك مهم ويستحق الكتابة بالتفصيل لكني سأوجز هنا: هناك رقابة في المغرب كما هو الحال في جميع الدول العربية لكنها قد تكون أقل تشددا خاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية بل إن هناك من الأفلام ما عبر عن انتقاد شديد لفترة لقمع السياسي التي سادت في عهد الملك السابق الحسن الثاني والد الملك الحالي. وقد يرجع السبب في تساهل الرقابة سياسيا إلى النظرة الحداثية التي يتمتع بها الملك الشاب محمد السادس وحرصه على سمعة بلاده في المحيط الأوروبي، وكونه أتى بعد سنوات طويلة اتسمت بالقهر وقمع الحريات، وايضا حبه للسينما الذي يظهر في اهتمامه الخاص بلقاء نجومها في مهرجان مراكش ودعمه الشخصي لهذا الحدث.
أما أن السينما المغربية تحتاج للمنتج الأوروبي أو للتمويل الأوروبي فهذا صحيح أيضا في معظم الأحوال، ولا يتعلق السبب في تصوري بموضوع الخضوع الثقافي بل أمر تفرضه الضرورة، فالسوق السينمائي المغربي محدود بدرجة كبيرة (65 دارا للعرض السينمائي) وبالتالي هناك حاجة للتوزيع في البلدان الأوروبية ضمانا لاستمرار عملية الانتاج، ومن هنا تأتي أحيانا تلك الأفلام التي تنطق بالفرنسية أو يكون جزء بارز فيها بالفرنسية.. وقد حصل فيلم "رفاق السفر" على دعم من جهات انتاجية ثقافية فرنسية مثل معظم الأفلام المغربية بل والمغاربية عموما، لكن قد تكون ميزته أنه ناطق بالعربية.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com