الجمعة، 20 مايو 2011

هذه المهزلة وتلك الروح الشوفينية في كان!

أعتبر الممثل أحمد حلمي ممثلا موهوبا، خصوصا في أدوار الكوميديا التي تقف على حافة التهريج، أي أنها ليست تهريجا مطلقا كما يفعل مثلا ممثل "اللنبي" محمد سعد، أو كوميديا محترمة كما يجسدها أي ممثل محترم ولا يشترط بالمناسبة أن يقول عن نفسه إنه ممثل كوميدي فقد كان رشدي أباظة مثلا ممثلا يقدم الكوميديا الى جانب كل الأدوار الأخرى، وينجح فيها، تماما كما كان شكري سرحان مثلا أو عمر الشريف وغيرهم.
أما أن يكون أحمد حلمي المتحدث باسم شباب السينمائيين الثوريين أو بمناسبة ثورة يناير وتكريمها في مهرجان كان بعرض فيلم "18 يوم"، فهو آخر ما كان متصورا.

لقد صعد أحمد حلمي ليلقي كلمة باللغة العربية جاءت اهانة للثورة المصرية العظيمة عندما أخذ يستخدم تشبيهات سوقية من الدرجة السفلى كأن يشبه الشعب المصري بأنه كالخيط لا يوحي بأنهه سينقطع ثم ينقطع فجأة، وليس مثل "الأستيك" الذي ... لا اعرف ماذا ولا اريد أن اعرف فقد شعرت بالخجل من هذه اللغة السوقية والتشبيهات التي تأتي انطلاقا من فرط تأثر صاحبها بكلمات الحوار الهابط في معظم الأفلام التي يمثلها والتي كما قلت، تقف على حافة التهريج!

وعندما أخذته الحماسة وكان يسري نصر الله يترجم له كلماته للغة الفرنسية، اخذ يردد أنه يلقي الكلمة بالعربية لأنه أولا لا يعرف أي لغة أخر سواها، وهو اعتراف بالجهل يحمد عليه، لكنه انبرى بلسان شوفيني وأفق ضيق يتصور أنه يلقي كلمته في حانة من حانات باب اللوق امام حشد من الحشاشين والسكارى من المستوى المتدني لعله يدغدغ مشاعرهم المحدودة، قال إنه حتى لو كان يعرف عشر لغات لما تكلم سوى بالعربية لأنها لغة مصر.. وكأن العربية أفضل من كل اللغات، وكأن مصر ولدت في التاريخ وهي تتكلم العربية، وكأن الجهل أخيرا، قد أصبح "قيمة" تدعو للتفاخر!

شعرت بالخجل ليس فقط من اطلاق مثل هذه التعبيرات غير الموفقة بل الغليظة، بل ولأن كلمات أحمد حلمي عادت لتردد التبرة الاستعلائية الممجوجة حول التفوق المصري العنصري، وتحسيس الآخرين، من غير المصريين الجالسين في المقاعد والذين جاءوا احتفالا بمصر في كان، بأنه ينتمون الى شعوب أدنى، لأن "العبقري" اعتبر أن ما تحقق في مصر يجب أن يركع له الجميع، وهذه النغمات الاستعلائية من الموروث الاعلامي لنظام مبارك، وكانت دائما محاولة من جانب النظام لستر الانكسارات والهزائم والتراجعات المتتالية.

والغريب أن أحمد حلمي الذي طرد من ميدان التحرير بسبب مواقفه امؤيدة لنظام مبارك، جاء يركب مثل آخرين، موجة الثورة، تماما كما فعلت الممثلة التي لا تخجل من نفسها المدعوة يسرا. وهنا اللوم يقع على عاتق المخرد الصديق يسري نصر الله الذي اسند اليها دورا في فيلمه الذي يعد أحد الأجزاء العشرة من هذا الفيلم عن ثورة يناير. وإحقاقا للحق أقول إن الفيلم الذي أخرجه يسري من أضعف أجزاء الفيلم وأكثرها برودة وافتعالا بل وفراغا فنيا، فليس هناك موضوع أصلا وأنت لا تفهم عم يحكي بالضبط، ومن هذه الشخصيات الغريبة التي تتحرك مثل الروبوت.. وما هذا الشاب الأشعث الشعر الذي يبدو وقد ولد في جبلاية قرود لكنه يتصرف كأرستقراطي ويتصل بمن يدعوه "عم عبده لكي يحضر ليكوي له ملابسه داخل الشقة لأنه يخشى الخروج للشارع بسبب انتشار البلطجية واللصوص.. وما هذا الفيلم الذي يتوسع في الحديث عن اللصوص فيما الحديث عن الثورة ضئيل جدا في سياقه. وما الذي جاء بمنى زكي في هذا الفيلم لكي يجعل منها بطلة جماهيرية تصر رغم أنف زوجها الأشعث، على النزول للتحرير!

الأربعاء، 18 مايو 2011

فيلم إيراني "ممنوع" في مهرجان كان


هل تصنع المعارضة السياسية سينما عظيمة؟


أمير العمري

جاء فيلم "وداعا" للإيراني محمد رسولوف إلى مهرجان كان، مفاجأة لم تكن متوقعة، فمخرجه يقضي عقوبة بالسجن لمدة ست سنوات رغم أنه أعلن أنه سيستأنف الحكم، كما صدر قرار من السلطات الإيرانية بمنعه من الإخراج السينمائي لمدة عشرين عاما هو وزميله جعفر بناهي (الذي يعرض له فيلم جديد في المهرجان أيضا، يقال إنه أخرجه من وراء القضبان بمساعدة مخرجة إيرانية على طريقة الفيلم الأخير للمخرج التركي الراحل يلماظ جوني"، وكان أيضا معارضا سياسيا في تركيا، ولكن شتان بين الحالتين).

المفاجأة الأولى التي جاءت قبل بدء عرض فيلم المخرج محمد رسولوف (والمقصود محمد رسول ويكتبه الإيرانيون كما يظهر على شريط الفيلم "محمد رسول اف".. بينما تميل الصحافة العربية إلى ترجمته عن اللغات الأوروبية خطأ "راسولوف". وعموما الإسم ليس هو المفاجأة ولا تلك النغمة "الروسية" التي تصبغ الاسم، إلا إذا كانت كلمة "اف" لها معنى ما ديني أو على الأقل- حميد- في هذا السياق، في اللغة الفارسية التي لا ندعي أننا نعرفها!

أما المفاجأة أو ما اعتبرته شخضيا مفاجأة (ولا يبدو أن معظم الحاضرين،وكانت القاعة تغص بهم، اعتبروه كذلك) هو أن يتقدم وفد إيراني مكون من رجل ومجموعة من النساء الايرانيات بينهن بطلة الفيلم وصاحبة الدور الرئيسي فيه وغيرها أيضا، وجميعهن يرتدين الشادور أي الزي الايراني الاسلامي التقليدي ويغطين رءوسهن. والمعنى الواضح وراء ذلك أن هذا وفد "رسمي" جاء من إيران رأسا (ولم يأت مثلا من أمريكا)، بموافقة السلطات الإيرانية ومباركتها، فكيف يكون هذا الفيلم فيلما معارضا وتبارك السلطات عرضه، بل وترسل معه وفدا رسميا. ولو كان الفيلم ممنوعا بسبب معارضته للنظام، أو صور سرا كما أشيع، لكانت إيران قد اعترضت رسميا، كما سبق أن فعلت، على عرضه ضمن البرنامج الرسمي في مهرجان كان (يعرض الفيلم في تظاهرة نظرة خاصة أي يتسابق على نيل الجائزة المخصصة لأفضل الأفلام في هذا القسم وهو أمر غير مستبعد بعد سابقة حصول فيلم ايراني سياسي آخر ضعيف قيل أيضا أنه صور سرا على هذه الجائزة قبل سنتين، وهو فيلم بهمن قبادي "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية)!

ولا أفهم كيف يكون الفيلم معارضا، وتأتي ممثلاته وقد وضعن على رءوسهن علم النظام "القمعي" أو "ساتر الرأس" الذي تفرضه شرطة الأخلاق والتهذيب الايرانية، وهي جهاز قمع النظام الايراني الشبيه بنظام المطوعين في السعودية!

رسولوف
أما الفيلم نفسه، كعمل فني، وليس كعمل سياسي، فقد جاء ضعيفا إلى حد يثير الرثاء حقا. بناء تقليدي، وايقاع ميت بمعنى الكلمة، قد تستغرق فيه لقطة واحدة نحو سبع دقائق مع كاميرا ثابتة تصور امرأتين من الجانب (البروفيل) تتبادلان الحديث الممل، المعاد، المكرر، دون توقف، فما هو الإبداع الاعجازي الذي يشهق له البعض في كان وغير كان، والذي يمكن أن يكون موجودا في فيلم متهافت رديء ممل من هذا النوع!

موضوع الفيلم أن محامية شابة متزوجة من رجل يفترض أن يكون في السجن، كمعتقل سياسي، ترغب في الحصول على تأشيرة للخروج من ايران، ولكننا أيضا لسنا متأكدين من حقيقة اعتقال زوجها، فهو يظهر في مشهد من المشاهد معها في البيت، يناقشها في موضوع السفر للخارج ويرفضه. وهي في الوقت نفسه تقول لكل من يسألها عنه (مثل صاحب المنزل الذي تستأجره وتريد أن تتركه لتحصل على مبلغ التأمين الذي دفعه زوجها) إنه يعمل في الجنوب، في منطقة صحراوية لا توجد فيها تغطية للهواتف المحمولة. بل انها تكرر هذا القول أيضا لرجال الشرطة السرية، وهو ما يحدث اختلاطا في الفهم لدى المشاهدين للفيلم، فكيف لا تعرف الشرطة أنه مسجون!

وليس في الفيلم شيء آخر عدا أن هناك زوجا "غائبا"، وزوجة تسعى في طرق تحت أرضية، للحصول على تأشيرات لدخول دولة أجنبية لها ولزوجها، وهي في الوقت نفسه حامل، ترغب أولا في الاحتفاظ بالطفل، ثم تحاول التخلص منه لكنها تواجه مصاعب في هذا السبيل. وهو جانب سبق تناوله كثيرا في الافلام الايرانية وغير الايرانية دون أن يكون له معنى خاص. وبعد مشاهد طويلة تمتليء بالحوارات المملة والتي تدور كلها في أماكن داخلية، كان قد ينتهي الأمر باعتقال المرأة ومنعها من السفر. فما هي العظمة الفنية وراء موضوع ممل ساذج، أحادي الجانب مثل هذا، وماذا يغري في فيلم تقليدي لو صنع في اندونيسيا مثلا لما لفت نظر أحد من القائمين على أمر مهرجان كان أو غيره من المهرجانات في الغرب.

جعفر بناهي
المسألة بوضوح أن إيران حلت سياسيا محل الاتحاد السوفيتي. وبعد أن ظلت الأوساط السينمائية في الغرب، وخصوصا في مهرجانات السينما الغربية مثل كان تحديدا، تذرف الدموع وتصدر بيانات الشجب والادانة طوال الستينيات والسبعينيات، ضد السياسة السوفيتية، وتطالب بالافراج عن الأفلام"الممنوعة" هناك وتتلقف ما يهرب منها سرا وتقرع له الطبول، أصبحت الأن تستبدل الاتحاد السوفيتي بإيران، وتعلي كثيرا من شأن أفلام إيرانية لا قيمة لها ولا يمكن أن تصمد في أي اختبار حقيقي يعتمد فقط على تحكيم المستوى الفني وحده، وبعيدا عن تلك المبالغات الاعلامية التي تدور حول المنع والقمع والاضطهاد، ووضع كراسي فارغة للمخرجين الغائبين، بينما تصادر الأفلام وتمنع يوميا هنا وهناك دون أن يلتفت أحد، بل واحيانا يقتل أيضا السينمائيون وتدفن جثثهم، دون أن ينبري السيد تيري فيرمو أو جيل جاكوب، للتباكي على ما يحدث لهم من قمع وقتل على الهوية. ولعل أمامنا مثل واضح لما يحدث يوميا من انتهاكات من أبشع ما يكون، تجري على أرض فلسطين. بل وماذا عما يحدث للسينمائيين السوريين؟ ولماذا لم يخصص مهرجان كان مثلا يوما للتضامن مع هؤلاء السينمائيين الممنوعين من العمل والذين يتساقطون واحدا وراء الآخر أو يضطرون للعيش في المنافي أو الصمت في الداخل!

إن السينما العظيمة لا تصنعها بيانات التنديد والتأييد، ولا ادعاءات أنها سينما معارضة سياسية، فأي معارضة تلك التي ترتدي أعلام النظام، وتأتي بأوامر منه، وأي معارضة تلك التي تستخدم فكرة المعارضة للمتاجرة بها في الغرب وتحقيق مكاسب لسينما ضعيفة، مفككة، تقليدية تمتليء بالحوارات المملة التي لا تنتهي، والمواقف الميلودرامية التي تتوقف الكاميرا أمامها لا تريد أن تتحرك ابدا؟ وما هذه السينما المتجهمة المنفرة التي لا تعرف أي نوع من الدعابة وكأن الشخصية الايرانية (المعارضة أو المضطهدة) لا تبتسم، ولا تضحك، ولا تملك أي قدرة على التفاؤل والأمل.

إنني لا أنسى عندما جاء المخرج الروسي المرموق اليم كليموف الى دار الفيلم البريطانية ودار معه نقاش مفتوح صريح عام 1987، وكان قد تولى أخيرا منصب الأمين العام لاتحاد السينمائيين السوفيت، ففاجأ الجميع ممن يسألونه عن الأفلام "الممنوعة" بأنه عندما تولى منصبه، أمر بإعداد قائمة بالأفلام الممنوهة او الموضوعة "فوق الرف"، واستدعي مخرجيها وسألهم إذا كانوا لايزالون يرغبون في عرضها هروضا عامة، فكانت المفاجاة أن معظمهم رفض عرضها لرداءة مستواها، وحتى لا تحسب عليهم أو بالأحرى، ضدهم، فنيا!

وأنا أكاد اثق أنه سيأتي يوم يعاد فيه فتح ملفات السينما الإيرانية، لنعرف حقيقة ذلك "المنع" المزعوم، والاضطهاد، والنضال الايراني ضد القمع السينمائي. والفيلم الجيد يظل في النهاية هو الفيلم الجيد، وليس الفيلم المؤيد أو المعارض.


السبت، 14 مايو 2011

مهرجان كان السينمائي ليس مباراة في كرة القدم

منذ أن بدأت أتردد على مهرجانات السينما الدولية وخصوصا مهرجان مهرجان السينمائي وأنا أقرأ وأسمع دائما سؤالا واحدا يتردد في الاعلام العربي والصحافة العربية، لا هم للإعلاميين سواه وهو: ما هو حجم الوجود العربي ومدي فعاليته وقوته خصوصا أمام اسرائيل، ولماذا تغيب السينما العربية أو الأفلام القادمة من العالم العربي من المسابقة الرسمية، ولماذا لا يحصل فيلم عربي على السعفة الذهبية... وغير ذلك من الأسئلة والتساؤلات التي تدور كلها في إطار الذات العربية "الغائبة" أو "المغيبة" ربما تحت تصور ان هناك مؤامرة ما تحاك ضد الثقافة العربية، كما لو كان العرب قد فعلوا كل ما يمكنهم فعله، وقدموا للسينما كل ما يلزم لنهضتها وتحررها وازدهارها، لكن الصهيونية تحاربهم، والغرب عموما يخشى قوة سينمانا وتأثيرها العظيم فيحول بينها وبين التواجد الفعال في المحافل الدولية التي يسيطر عليها!!
هذه الافكار تتردد في الوسط السينمائي أيضا وبقوة، ويعزي بها الكثير من السينمائيين العرب أنفسهم، أو يخدع بها من يعلمون الحقيقة منهم جمهورهم تبريرا لعجزهم وتقاعسهم وذيليتهم.
ولا اريد ان أزيد فأضيف أن هناك ايضا بعض من يكتبون في السينما من الصحفيين وغيرهم، ممن يرددون هذه الفكرة لارضاء الدوائر التي تدور في فلكها الصحف التي يكتبون لها والتي لا ترى مثلا أي شيء مهم في مهرجان كان كله سوى "الوجود العربي" وكيف هو، وهل هو فعال، وما نصيب العرب من الجوائز؟ وكأننا في مبارة أو مسابقة لكرة القدم لابد فيها من الفوز.
ان الوجود العربي في مهرجان كان هذا العام هو وجود يعكس بالفعل حقيقة ما تقدمه المساهمة العربية في سينما العالم على مدر العام، كما يعكس حقيقة التبعية الثقافية الكاملة التي تعيشها المجتمعات العربية، أي تبعيتها للغرب تحديدا الذي لولاه ولولا ما يقدمه من دعم وتبن للانماط السينمائية المتقدمة لما وجد اصلا فيلم يمثل تلك الثقافة في كان أو غير كان.
فالفيلم المغربي الذي يعرض هنا في قسم "نصف شهر المخرجين" هو من التمويل الفرنسي، وكذلك الحال بالنسبة لفيلم اللبنانية نادين لبكي "هلق لوين" المعروض في قسم "نظرة خاصة". وغير ذلك فلا أظن ان هناك ما يستحق ان يعرض في كان من الافلام الجديدة التي لم يسبق لها الدوران في حلبة المهرجانات السينمائية العربية. وكماانهناكاهتماما سياسيا دائما بالسينما الايرانية جاء الاهتمام السياسي هذا العام بالسينما في تونس ومصر.
فإلى جانب فيلمين ومخرجتين (المغربية واللبنانية) تلقى السينما المصرية والافلام التونسية وصناعها، اختفاء كبيرا هنا ولكن لسبب سياسي، وطبيعي ان السياسة تتحكم في كل شيء في حياتنا شئنا أم أبينا. والسبب هو الثورتان التونسية والمصرية اللتان استقطبتا اهتمام العالم. وهناك فيلم مصري عن تلك الثورة المصرية من اخراج 10 سينمائيين مصريين. وفيلم تونسي تسجيلي عن الثورة التونسية شاركت في انتاجه قناة الجزيرة الوثائقية. وهو حجم مشاركة معقول جدا، بعيدا بالطبع عن حديث الجوائز ومن بفوز أو لا يفوز، فمرة أخرى لسنا في مباراة من مبارايات كرة القدم.
وكون أن اسرائيل تشارك بفيلم في المسابقة الرسمية ليس معناه ابدا ان السينما في اسرائيل اهم واقوى واعظم كما يميل بعض اولئك الذيبن يميلون الى تعذيب الذات، فالفيلم الاسرائيلي في المسابقة فضيحة بكل المستويات، أقصد فضيحة سينمائية، والفيلم الاسرائيلي الآخر في اسبوع النقاد فضيحة اخرى ودليل دامغ على ان تلك الافلام التي تنتج في اسرائيل لا تقدم ما يمكن ان يثير اهتمام احد في العالم الا اذا تناولت موضوع الصراع العربي او الفلسطيني الاسرائيلي. وعدا ذلك فانها تغرق في سحابات المخدرات والجنس والشذوذ الجنسي والصراعات الشخصية السخيقة التي لا تثير أدنى اهتمام من أحد.
ومطلوب اخيرا من المتباكين على احوال سينما العرب ان يحثوا السلطات العربية التي تسيطر على الثروة والسلطة، على الاستجابة لمطالب السينمائيين، والاهتمام بدعم تجارب الانتاج السينمائي المتقدمة اكثر قليلا من تفاخرها هنا في كان، عاما وراء عام، بمهرجاناتها السينمائية التي يرفع أحدها شعارا مضحكا أخجل منه كلما رأيته منشورا في المطبوعات السينمائية الرائجة في سوق كان السينمائية التي تتزود به على سبيل المادة الدعائية المباشرة، هذا الشعار الذي يقول ان "الفيلم هو الحياة" في حين ان الفيلم ليس هو الحياة بالطبع، ولو كان كذلك لكنا نعيش حياة ضيقة جدا، فالفيلم يمكن ان يكون نافذة على الحياة لكنه ليس بديلا عنها أبدا فالحياة أبقى واشمل من كل الافلام في النهاية خصوصا الافلام السخيفة.. اليس كذلك!

الأربعاء، 11 مايو 2011

كان قبل أن يرفع الستار



وصلت إلى كان قبل يوم من الافتتاح. المشهد عادة مثير للاهتمام. لماذا؟ لأن المرء يشهد حالة فريدة شبيهة بالميلاد والنمو قبل الأفول والغياب، ولا أقول الزوال.
المدينة التي تعيش على مهرجان السينما ومؤتمرات ومهرجانات أخرى أقل أهمية ورونقا خلال العام، تتزين، تفرش البساط الأحمر، تعلق الزينات والأضواء، ترفع لافتات الأفلام الجديدة اتي ستشعل المناقشات هنا على طول الطريق السحري، طريق الكروازيت، وهو شارع كورنيش البحر المتوسط اليلتف حول المدينة التي انطلقت فيها الحياة انطلاقة لم تكن تتوقعها قبل اكثر من ستين عاما فنقلتها من قرية للصيادين الفقرء الى بقعة لأغنى الأغنياء ونجوم السينما الذين يجتذبون سنويا الآلاف من عشاق السينما للتجمع امام قصر المهرجان لمشاهدة نجوم هوليوود المشاهير بوجه خاص اليحرص المهرجان على وجود نخبة منهم سنويا. من هؤلاء هذا العام جوني ديب وشون بن وكاترين دينيف وروبرت دي نيرو وغيرهم.
رائجة المدينة نفسها تتغير وليس فقط منظرها العام في اليوم التالي أي غدا قبيل الافتتاح. كما لو كانت كميات العطور الهائلة التي تضعها الحسناوات اللاتي يغشين المدينة والمهرجان، سواء من نجوم السينما أو من الراغبات في الشهرة والباحثات عن فرصة للظهور على الشاشة السحرية، ليس بالتأكيد تحقيقا لدعوة الفنان الامريكي الشهيرالراحل آندي وورهول الذي كان يطالب بحق الظهور لكل امرء على شاشة التليفزيون لمدة 15 دقيقة تحقيقا لمبدأ ديمقراطية الاعلام في القرن العشرين (الذي كان طبعا!). فالباحثات عن الظهور هنا يقصدن الشاشة الكبيرة بالتحديد التي لايزال لها سحرها الخاص.
ابتداء من صباح اليوم التنشر فيه هذه الكلمات، سيبدأ ايضا الزحف المقدس، ليس لتحرير التراب من الطغمة الديكتاتورية الفاسدة في سورية واليمن وليبيا والجزائر وغير ذلك من التراب العربي الذي يشهد دون شك، عملية الاستقلال الحقيقي عن الاستعمار الداخلي البغيض، بل أقصد بالزحف المقدس، زحف نقاد السينما والصحافة السينمائية الذين يصل عددهم عادة الى عدة آلاف منهم من يأتي للمرة الأولى، ومنهم من رأيتهم اليوم أو بالأحرى، اصطدمت بهم عيناي من نساء يرتدين الطرحة ويتحدثن بأصوات عالية ويصدرت جلبة ويضفين في الحقيقة جوا من الكآبة على المشهد البديع في كان بكل ما يكشف عنه من جمال، فصاحباتها القادمات من بلادنا ينقلن معهن ثقافة التصحر والبداوة والتخلف العقلي التي تنتقلت من بلد مجاور باسم التدين، مازال يقبع خارج التاريخ، بجلابيبهن التي يدعين انها تحمي الهوية فيما الهوية مستلبة حتى النهاية الدموية، وخاضعة خضوعا مزريا لكل ما هو غريب وتغريبي من بدع مضحكة تجعلهن في اغطية رؤوسهن تبدين اضبه بالمهرجين. والمصيبة ايضا أنني "اصطدمت" أو اصطدمت عيناي ببعض رموز غسيل اقدام نظام مبارك المجرم طوال ثلاثين عاما واليوم جاء هؤلاء مع وزير الثقافة الجديد (ابن النظام الثقافي القديم) عماد أبو غازي، ضمن وفد الردح والزغاريد بعد اختيار مصر الدولة الضيف التي يحتفل بها مهرجان كان. والمذهل في الأمر أن يكون الشباب هم الذين قاموا بالثورة التي قلبت نظام مبارك أو على الأقل هزته بعنف (فالتغيير لم يتم بعد في رأيي) ويركب موجتها بعض عجائز الصحافة والنقد والسينما من اللاتي أكلن وشربن على مائدة وزير الحظيرة فاروق حسني طيلة سنوات دون أن يشبعن أبدا!
ما هذه المهزلة التي تتبدى ملامحجها مذكرة ايانا بمهزلة وزير الحظيرة قبل سنتين في مهرجان فينيسيا عندما اصطحب وفدا على نفقة الدولة من صحافة الحكومة الفاسدة والمعارضة الفاسدة بل وبعض صحفيي ما يسمى بالست صحافة مستقلة، من أجل التطبيل والتزمير لفيلم الحكومة "المسافر" الذي يبدو أن مخرجه نفسه تبرأ منه (وانضم للثورة على الحكومة في الميدان) بعد أن عبث به الوزبر نفسه واقتطع منه 20 دقيقة لكي يعدل من ترهله فلم يعتدل بل ولم يجرؤ على عرضه الى أن رحل ولا أظن ان هذا الفيلم سيعرض أبدا، وهنا يجب الدعوة الى محاسبة الوزير وكل من ساهموا في انتاج مهزلة هذا الفيلم على تبديد اموال الشعب ودافعي الضرائب (ولا احب استخدام تعبير اموال الدولة). فهل سنشهد في كان مهزلة الزفة المصرية التي يحضر فيها مطبلاتية نظام مبارك من صناع افلام محدودي الموهبة مع حفنة من الصحفيين الرسميين عديمي الموهبة الذين يطبلون لكل الانظمة بعد ان جاءوا اليوم يحتفلون بثورة يناير؟ والنبي سلم لي ع الثورة ياسطى حنفي!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger