الجمعة، 14 يناير، 2011

هستيريا التطبيع بين النقابة والرقابة والغرفة!

قدم برنامج "ستديو مصر" الذي تبثه قناة سينما النيل (نايل سينما) حلقة خاصة جيدة جدا وشديدة الجدية والعمق، عن قضية دائرة هذه الأيام في مصر، وهي قضية لم يخترعها البرنامج بالطبع ولا القائمون عليه، بل خلقها القائمون على بعض المؤسسات سواء بنزق وجهل، أم بسوء نية وقصد، مثل الرقابة والنقابة والغرفة، أي ذلك الثلاثي المرح الذي انبرى أخيرا، يعلمنا دروس العداء للصهيونية، ويمنح صكوك الوطنية باسم رفض التطبيع.
وبعدما جرى من هياج عصبي حاد من جانب نقابة المهن الفنية المصرية بعد عرض فيلم اتضح ان منتجته تحمل الجنسيةالاسرائيلية بالاضافة الى جنسيتها البريطانية، في مهرجان ابو ظبي، يثار حاليا موضوع عرض فيلم "لعبة عادلة" Fair Game وهو من بطولة شون بن، وشارك فيه الممثل المصري خالد النبوي الى جانب ممثلة اتضح انها اسرائيلية و تقوم بدور عراقية في الفيلم!
والطريف في الأمر أن المعارضة لعرض الفيلم بل وارغام الرقابة على المصنفات الفنية (وهو جهاز سيء السمعة تاريخيا!) على تأخير عرضه رغم اجازتها له، لم تأت من جانب دعاة التشنج التاريخيين ممن يمكن أن نطلق عليهم "عبيد الايديولوجيا" وأمثالهم، بل من جانب جهات لم يعرف لها أي موقف يتعلق بالقضايا "الفكرية" أو السياسية التي تشغل المجتمع، مثل غرفة صناعة السينما التي يفترض انها اساسا، تجمع للمنتجين والموزعين السيمائيين في مصر، والتي تنازلت تاريخيا، عن دورها الأساسي في دعم الصناعة والضغط على المجلس التشريعي من اجل اصدار قوانين وتعديلات تحمي هذه الصناعة من الانهيار وتشجع رأس المال المحلي لاقتحام عملية الانتاج، وضرورة محاسبة الفيلم كمنتج ثقافي وليس كسلعة.
بدلا من ذلك جاءت الغرفة لكي تبدي استغرابها الشديد ومعارضتها لعرض فيلم يدافع عن القضية العربية، ويدين السياسة الامريكية في العراق بشكل واضح، خاصة وان بطله شون بن، معروف بمواقفه المناهضة لسياسة التدخل في العراق وغيره. ووجود ممثلة اسرائيلية في الفيلم لم يغير شيئا في مضمونه، ولم يجعله باي درجة، أقرب الى الموقف الإسرائيلي مثلا، بل ضده في الواقع!
هنا يبدو أن منطق المزايدة فيما يتعلق بموضوع الوطنية، والتطبيع، وإسرائيل، أصبح هو الغالب بشكل هستيري على بعض المؤسسات التي لم يعرف لها أي اهتمام باي قضية، بل ولا حتى بقضية وجود السينما.
ماذا فعلت "الغرفة" مثلا لحماية التراث السينمائي المصري ومنع بيعه للخارج؟ ماذا كان رد فعل اساطين الغرفة وكهنتها عندما اكتشفنا وكشفنا عن ضياع "نيجاتيف" معظم الافلام المصرية المنتجة قبل عام 1950، والتهديد باختفاء ما بقى منها؟
لقد كان للمنتج- الموزع صفوت غطاس قول شهير عندما رد على موضوع تهالك النيجاتيف وفساد طرق الحفظ وغياب السينماتيك، بقوله إن يستطيع اشعال النار في كل شرائط النيجاتيف القديمة بعود كبريت وينتهي الامر، لأن "لدينا "الديجيتال" فما حاجتنا لنسخ النيجاتيف التقليدية، وهو قول لا يعكس فقط جهلا فاضحا بل تحريضا على ارتكاب فعل إجرامي كان ينبغي أن يحاسب عليه. وكلامه هذا مسجل بالصوت والصورة في فيلم "كلاسيكيات السينما المصرية" الذي عرضناه قبل 8 سنوات في المجلس الاعلى للثقافة.
هل كان خالد النبوي يعمل جاسوسا لإسرائيل عندما قبل القيام بدور في فيلم يخدم القضية العربية ويدين السياسة الأمريكية- الإسرائيلية في الشرق الاوسط؟
هل كان ممدوح الليثي نقيب اتحاد الفنانين، اكثر وطنية من عمرو واكد عندما قام الأخير بدور في مسلسل "بيت صدام" الذي يقوم ببطولته ممثل اسرائيلي.
ولماذا لا يستنكف الإسرائيلي، العنصري، المتعالي، صاحب عقدة التفوق، التمثيل جنبا الى جنب مع ممثل عربي، تعتبره بعض الأوساط في إسرائيل أدنى، بل ويستحق السحق مثل ذبابة!
كيف لا تستنكر المؤسسة الإسرائيلية قيام ممثليها بالتمثيل في الأفلام الامريكية التي يشارك فيها ممثل مصري مثل سيد بدرية في هوليوود، وهل يلعب الاسرائيليون دائما أدوار البطولة فيما يلعب العرب دائما أدوار النذالة؟
إن الأمر بات في حاجة إلى "قرصة" وليس وقفة، مع أمثال تلك المؤسسات الوهمية التي تستخدم فزاعة التطبيع لاشغالنا عن القضية الأساسية وهي مقاومة إسرائيل على الارض، وليس في السينما، ووقف زحفها العسكري والاستخباراتي، والحيلولة بينها وبين التغلغل الاقتصادي بالتعاون مع أنظمة قائمة بالفعل. وهذا هو جوهر الموضوع لمن يريد أن يناضل ضد الصهيونية بالفعل بعيدا عن مكاتب (وسط البلد)!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com