الخميس، 30 أبريل، 2009

"العيون المسروقة": البحث عن جسر للتواصل دون التخلي عن الهوية

من الأفلام الممتعة التي تناولت العلاقة بين الأديان البلغاري "العيون المسروقة" Stolen Eyes من إخراج رادوسلاف سباسوف Spassov.
هذا ليس فيلما كسائر الأفلام، ليس فقط لأنه يتجرأ فيناقش قضية كانت تعد، حتى وقت قريب، من الممنوعات في بلغاريا، بل لأنه يعرض لموضوعه بكثير من الرونق، ويبرز فيه الحس الجمالي العالي، ويتميز الأداء التمثلي الذي يستولي على المشاعر.
فيلم "العيون المسروقة" (2005) لا يتوقف عند حدود الرؤية الاجتماعية بل يثير – وإن على نحو خافت يجري تحت جلد الصورة- تساؤلات فلسفية حول معنى الوجود من خلال العقيدة والعلاقة مع الآخر، وما هو أصل الأشياء كما خلقها الله.
وإضافة إلى هذه التساؤلات، يثير الفيلم قضية العلاقة بين الدولة والأقليات العرقية، وبين الفكر الشمولي وتعامله مع الموروث الديني حتى لو لم يكن يمثل أدنى خطورة على وجود الدولة.
ولكي نلم بأبعاد الموضوع علينا أن نعود قليلا إلى الوراء، إلى التاريخ الحديث القريب، لنرى ماذا حدث في بلغاريا.

الخروج القسري
مع تداعي ثم انهيار الإمبراطورية العثمانية، ظلت هناك أقليات مسلمة من أصول تركية، تعيش في بعض البلدان التي كانت تحت هيمنة تلك الإمبراطورية الغابرة. ومن أكبر هذه الأقليات تلك التي كانت – وربما لا تزال – تعيش في بلغاريا.
ورغم هجرة الملايين من بلغاريا إلى تركيا خلال القرن العشرين فقد ظلت هناك أقلية مسلمة في بلغاريا كانت تقدر بنحو مليون شخص في ثمانينيات القرن العشرين.
وفي بداية الثمانينيات بدأت في بلغاريا أكبر عملية لتبديل هوية الأقلية المسلمة. فقد صدرت قوانين تحظر ارتداء الأزياء الإسلامية، كما تفرض على البلغاريين من أصول تركية اتخاذ أسماء بلغارية لهم، وإعادة تسجيل أنفسهم ونقلهم من أماكن إقامتهم قرب الحدود مع تركيا إلى أماكن أخرى.
وفي عام 1989، دعا الزعيم البلغاري الشيوعي تيودور جيفكوف تركيا إلى فتح حدودها كما فعلت بلغاريا أمام البلغاريين المسلمين، بعد أن كانت قد بدأت أكبر عملية ترحيل قسري شملت 350 ألف بلغاري من أصول تركية لدفعهم للهجرة إلى تركيا. في أجواء تلك الفترة تحديدا تدور أحداث هذا الفيلم البلغاري المدهش.

حفظ الأختام
هناك أولا الشاب البلغاري "إيفان" الذي يجند في الجيش، ونظرا لإجادته لعبة الشطرنج يتم تكليفه بمهمة حفظ الأختام الجديدة التي تحمل أسماء الأماكن الجديدة التي يتم نقل الأتراك البلغار إليها.
ويصور الفيلم كيف كانت السلطات ترغم الناس على التخلي عن أسمائهم وتمنحهم أسماء جديدة، وتقوم بإزالة عشرات القرى الجبلية من الوجود أو تغيير أسمائها ونقل سكانها وترحيل من يرفض الانصياع إلى الجنب الآخر من الحدود التركية.
وسط هذا كله تبرز من بين الأقلية المسلمة المعلمة الشابة الأرملة "آيتان" التي ترفض تحت كل الظروف التخلي عن هويتها، وتقود أهالي قريتها لاستعادة المسجد الذي دمرت القوات الحكومية جزءا منه، وتحاول سرقة الأختام الرسمية التي تستخدمها الجهة الإدارية لختم أوراق الهوية الجديدة للسكان الأتراك. وهنا يقع احتكاكها الأول بالمجند الشاب إيفان الذي تعجبه شجاعتها وتمسكها بقضيتها.
وفي مواجهة بين قوات الجيش وأهالي قرية مسلمة – ومن بينهم آيتان- يقع حادث بشع عندما يقود إيفان عربة مدرعة استجابة لأوامر قائده، مباشرة في اتجاه تجمع احتجاجي لنساء القرية مما يؤدي إلى مقتل ابنة آيتان الصغيرة. ويتسبب الحادث في أزمة نفسية عميقة لدى كل من إيفان والأم الشابة، ويُلحق كلاهما بمستشفى للعلاج النفسي.
ولا يكف إيفان منذ تلك اللحظة عن متابعة آيتان، يريد أن يكفر بكل طريقة ممكنة عن خطيئته، بينما لا تستطيع هي رغم انجذابها الواضح له، أن تسامحه أو تغفر له، فقد حرمها من أعز ما تملك في لحظة انصياع أحمق لبطش السلطة.
ويسعى شقيق الفتاة إلى إقناعها بمغادرة بلغاريا إلى تركيا، حيث يرى أنها ستصبح بمأمن هناك. إلا أنها تفضل البقاء في بيت قديم بالقرية. يطاردها إيفان ويبوح لها بالحب، ويقول بأنه متمسك بها وأنه يحترم عقيدتها بل ويعرض على جدها الشيخ، أن يصبح واحدا من الأسرة، ينتمي إلى عقيدتها.
التمسك بالهوية
وفي مشاهد تشيع فيها الشاعرية والرقة، يتغنى الفيلم بتمسك المرء بهويته، فالدين هنا جزء من الهوية، وليس مرادفا للتعصب الفكري.
ويعد "العيون المسروقة" الفيلم الروائي الثاني للمخرج سباسوف، الذي درس التصوير السينمائي وعمل مصورا في أكثر من 20 فيلما بلغاريا، قبل أن يتحول للإخراج.
ولا شك أن تجربته في التصوير تنعكس هنا كأفضل ما يكون، وتتبدى في اهتمامه الكبير بالتكوين والتشكيل والاستفادة الكبيرة من مواقع التصوير التي اختارها بعناية كبيرة، ونجح في استغلالها في تأكيد العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الماضي والحاضر، تأكيدا على فكرة التمسك بالهوية.
ولا شك أيضا أن من أكثر الجوانب بروزا في هذا الفيلم، الأداء الرفيع المتميز للممثلة فاسيلا كازاكوفا في دور آيتان (التي ترفض تغيير اسمها إلى آن)، بتعبيرها الدقيق عن التطور الذي يطرأ تدريجيا على الشخصية. فهي تبدو في البداية شديدة التمسك بجذورها، أقرب إلى العناد الطفولي في مواقفها ورفضها للآخر والتشكك فيه لمجرد انتمائه للطرف الثاني. وبعد وقوع الحادث وفقدانها ابنتها تمر بمرحلة صعبة، بين الجنون والعقل، وهنا تتألق الممثلة كثيرا وتجيد التعبير بالعينين والحركة الرصينة والصمت.

نهاية سعيدة
ولا يتخذ الفيلم مسارا منطقيا في خط صاعد نحو الذروة ثم الهبوط نحو الانفراجة الأخيرة، بل يبدأ من حيث تأزم الموقف بين أبناء الأقلية المسلمة والسلطات، ثم يعود إلى متابعة نمو العلاقة بين الشاب والفتاة، قبل أن يعود أخيرا إلى تأكيد فكرة الارتباط القدري بين الطرفين: آيتان وإيفان.
تمر فترة اختبار طويلة وشاقة، لتهيئة إيفان للانضمام إلى الأسرة المسلمة، وتحت رعاية ومراقبة الجد الشيخ، ينجح إيفان أخيرا في كل ما تعرض له من اختبارات، فهو يتخلى عن شرب الخمر، وينصاع لفكرة الانتظار لممارسة الحب بعد الزواج، ويبذل كل ما يمكنه من جهد في ترميم المسجد، وأخيرا يتزوج الاثنان ويقوم إيفان بترميم المنزل القديم في البلدة الحدودية المدمرة التي يقرر الاثنان البقاء فيها رغم كل ما يحدث.
هذه النهاية السعيدة التي يختتم بها الفيلم تحمل هنا معنى رمزيا: فهي ترمز إلى إمكانية التعايش بين البشر، وانتصار إرادة التسامح على روح التعصب والبغضاء.
وتعبر اللقطة المتكررة في الفيلم لدقات جرس الكنيسة القديمة في القرية التي تختلط – على شريط الصوت- بصوت المؤذن أعلى مئذنة المسجد، عن التعايش بين الأديان والعقائد، وعن الروح المشتركة التي تواجه معا الظلم.
ولعل من أكثر ما يؤكد تلك الروح التي يشيع فيها الحس بالتسامح والرغبة في التكفير عن الماضي، والتطلع المشترك إلى المستقبل، أن هذا الفيلم جاء ثمرة للإنتاج المشترك بين بلغاريا وتركيا، وإن كانت الفكرة والنص والإخراج لمخرجه البلغاري.

الأحد، 26 أبريل، 2009

واقع الكتابة السينمائية في المغرب

من فيلم "كل ما تريده لولا"


ندوة في طنجة تطرح إشكالية علاقة القلم بالصورة

عبد الله الدامون


لماذا نحب الخيال ونعشق الحكايات؟ ما هي أفضل كتابة سينمائية؟ ما هو موقع المخرج داخل هذه الكتابة؟ ما هو واقع الكتابة السينمائية في المغرب؟ مخرجون منتجون، نقاد، مبدعون يقاربون هذه الأسئلة من خلال ندوة في موضوع «واقع الكتابة السينمائية في المغرب» شارك فيها أيضا الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، وهي ندوة نظمت مؤخرا بمدينة طنجة على هامش معرض الكتاب.
أجمع المشاركون في ندوة «واقع الكتابة السينمائية في المغرب» على أهمية الكتابة السينمائية التي تعتبر الرافد الأساسي لسينما متطورة، غير أنهم اختلفوا في تقييم طبيعة الكتابة ودرجة أهميتها.
شارك مخرجون وكتاب ومنتجون، بينهم الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، في الندوة، التي نظمت بقصر مولاي عبد الحفيظ بطنجة، على هامش المعرض الدولي للكتاب والفنون، وهي ندوة من بين عدة ندوات وموائد مستديرة نظمت على هامش معرض الكتاب وتطرقت إلى المواضيع مختلفة تهم الفنون والثقافة بشكل عام.
وقال محمد نجيب الرفايف (صحافي ومدير بالقناة الثانية)، الذي تكفل بتنسيق الندوة ، إن الفن السينمائي، خلافا لباقي الفنون الإبداعية مثل الكتابة والمسرح والتشكيل، لا يعتبر موجودا إلا عندما يشاهد الناس الفيلم، وهذا مصدر تميز السينما التي تحتاج إلى المال لأنها صناعة.
وقدم، في بداية الندوة، محمد باكريم، ناقد سينمائي ومسؤول في المركز السينمائي المغربي، حصيلة السينما المغربية التي قال إنها تطورت كما وكيفا، وقدر عدد الأفلام الطويلة التي يتم إنتاجها سنويا بما بين 12 و15 فيلما، والأفلام القصيرة في حدود 50 فيلما سنويا.
وقال باكريم إن الإنتاج السينمائي المغربي موجود ويفرض نفسه بقوة، عبر المهرجان الوطني السنوي للسينما المغربية الذي ينظم كل عام في طنجة، بالإضافة إلى مهرجان الأفلام القصيرة في نفس المدينة، وعدّد مظاهر اختلاف وتميز السينما المغربية التي قال إنها تحظى بوجود جيل سينمائي جديد، مشيرا إلى أن نقطة الضعف الكبير للسينما المغربية هي قلة قاعات العرض.
وأشار باكريم إلى ما أسماه «السنوات الصعبة للسينما في المغرب»، وأن هناك «سينمائيين صمدوا خلال تلك الفترة، وهم اليوم يجنون ثمار صمودهم»، مضيفا أن «المغرب يدعم السينما الوطنية بحوالي 6 ملايين أورو في السنة، رغم أنه ليس بلدا بتروليا».
تدخل باكريم وصفه منسق المائدة المستديرة، نجيب الرفايف، بأنه متحمس، على الأقل في نبرته وأرقامه، وأثار أيضا تعليقا ساخرا من جانب المخرج السينمائي أحمد معنوني الذي علق بقوله إن «تفاؤل باكريم يعني أن الإيطاليين، الذين ينتجون أفلاما أقل كل عام، سيهاجرون قريبا إلى المغرب من أجل إنتاج أفلامهم، وأن واقع السينما المغربية لا تعكسه نبرة التفاؤل».
المخرج السينمائي جيلالي فرحاتي، الذي يكتب أفلامه بنفسه، قال إن رؤية المخرج الشخصية أساسية، وأن الكتابة السينمائية لا تنفصل أبدا عن رؤية المخرج. «لنا الحق في التصرف في الكتابة السينمائية ونمضي وقتنا في فعل ذلك، والمخرج له رؤية خاصة في رسم الواقع والشخصيات»، مضيفا أن «السيناريو يكون مقدسا في البداية، ثم تتم التضحية به بعد ذلك تبعا لضرورات كثيرة من بينها المونطاج»، مشيرا إلى أن السينما صنعت أساسا من أجل الذين لا يعرفون القراءة، أو للذين يتكاسلون عن القراءة. وختم فرحاتي تدخله بالقول إن «الواقع في المغرب يفوق الخيال». من جهته، تساءل المخرج أحمد معنوني عما يوجد وراء إنتاج 12 أو 15 فيلما كل سنة. ووصف واقع السينما المغربية بأنها سلسلة غير مكتملة ومليئة بالثقوب». وقال معنوني: «صحيح أنني يمكن أن أرتدي بذلة، لكنها بذلة يمكن أن تكون كلها مثقوبة».
وأشار معنوني إلى أنه لا يتم التركيز كثيرا في المغرب على الكتابة السينمائية، وأعطى مثالا حول فيلمه «ليام آليّام» الذي قال إنه قضى في كتابته سنة كاملة، وتحدث عن فيلم «قلوب محترقة» الذي قال إنه حاول أن يعكس من خلاله نفسه وطفولته، وأيضا مغربيته وتخيلاته.
وتحدث الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، الحاصل على جائزة الغونكور الأدبية في فرنسا، والذي أنتج وأخرج بدوره عدة أفلام تسجيلية، عن أن ولادة السينما كانت سردية، وأن مشهد وصول قطار إلى محطة مثلا يحمل في طياته صيغة حكائية لأن الكتابة السينمائية تولد في الحركة.
وتساءل رحيمي قائلا: لماذا نحب الخيال كثيرا ولماذا نعشق الحكايات؟. وأجاب عن تساؤله بنفسه قائلا: «لكي تصبح الواقعية حقيقة يجب أن نحكيها».
واعتبر رحيمي أن السينما لا ينبغي أن تتجاوز الأدب، بل يجب أن تتجاوب معه، وعلاقة التجاوب لا تحدث فقط بين الأدب والسينما، بل في فنون أخرى مثل التشكيل حيث إن فهم لوحات بيكاسو مثلا تتطلب فهم تاريخ الفن لأن الحركة السردية توجد وراء كل الفنون.
واعترف رحيمي بأنه يستعين شخصيا بكاتب سيناريو من إيران من أجل تحويل النصوص الأدبية إلى نصوص سينمائية لأنه لا يستطيع شخصيا القيام بهذا العمل. واعتبر الكاتب والسينمائي الأفغاني أن المرور من النص الأدبي إلى السينما يتطلب تدمير أشياء كثيرة. في البداية يتم تدمير الرواية لصناعة سيناريو، وبعد ذلك يجب تدمير السيناريو لصناعة فيلم، وأن القضية في عمقها عملية تدمير مستمرة للوصول إلى الصورة، وصولا إلى المونتاج الذي يعتبر عملية كتابة سينمائية جديدة، مضيفا أن «إنتاج فيلم فن يكتب باستمرار».
من جهته، تساءل الناقد السينمائي المغرب حمادي كيروم عن أي سينما نصنع في المغرب، معتبرا أن مدارس السينما تصنع التقنيين في الأساس، وأنه شخصيا حين يتوجه إلى السينما فإنه يتصرف كطفل ويبحث عن الحكاية.
وعبر كيروم عن إعجابه بالفيلم الإيطالي «سارق الدراجات»، وقارن بين نص السيناريو وبين مشاهد الفيلم التي كانت مختلفة عن نص السيناريو، معتبرا أن السينما ليست كتابة في المكان بل في الزمن، وأنها مثل حبة تزرع فتكبر باستمرار.
وجهة نظر المنتجين السينمائيين قدمها صارم الفاسي الفهري، الذي كان وجيزا في تدخله، وأشار إلى أن أفضل الكتابة بالنسبة إليه هي الكتابة الموجودة على شيك بنكي، مضيفا أن المنتجين ينظرون إلى الزمن السينمائي بطريقة مختلفة، يعني أن المخرجين ينظرون إلى المشهد السينمائي كونه من بضع دقائق، بينما ينظر إليه المنتجون ماديا لكونه مشهدا من عدة ملايين.
وأشار الفهري إلى أن اختيار الأعمال السينمائية من طرف منتج تبدأ باختيار سيناريو، وهو سيناريو يمكن تنقيحه بعد ذلك لكي يعجب المنتج والمشاهد معا.
الصورة الصغيرة: نور الدين الصايل مدير المركز السينمائي المغربي
* عن جريدة "المساء" المغربية

الخميس، 23 أبريل، 2009

فيلم "واحد صفر": رؤية اجتماعية ساخرة معاصرة

من أفضل الأفلام المصرية التي ظهرت في الفترة الأخيرة فيلم "واحد صفر" للمخرجة كاملة أبو ذكري (ملك وكتابة، عن العشق والهوى). والسبب يعود إلى الأسباب التالية:
أولا: سيناريو الكاتبة الشابة مريم ناعوم المتماسك الذي يفضح ويكشف ويعري فساد الواقع بل وفساد البسطاء من الناس وأفراد الطبقة الوسطى الذين يحتالون جميعا بشكل أو بآخر من أجل الاستمرار في الحياة، ولكن لا يتعامل الفيلم معهم بقسوة بل بحب وتفهم، ويكشف السيناريو ولغة الإخراج والتحكم في أداء الممثلين، عن الجوانب "الإنسانية" في الشخصيات، بل إن طريقة المعالجة الساخرة الخفيفة تجعلهم يبدون وكأنهم يشتركون جميعا في لعبة واحدة لها قواعدها المشتركة التي يحترمها الجميع ويرتضون بها من أجل التحايل على جوانب الحياة الشاقة.
ثانيا: مازلنا في السيناريو أيضا، الهيكل العظمي للدراما أو العمود الفقري للفيلم، وهو هنا لا يعتمد البناء التقليدي الذي يروي قصة لها بطل أساسي وشخصيات فرعية، بل يقدم نماذج لشرائح اجتماعية متباينة ومتعددة تصل إلى نحو عشر شخصيات، تتداخل علاقاتها معا على نحو أو آخر، وتتشابك، لكي تصل إلى الذروة. وتدور الأحداث كلها في يوم واحد، هو يوم مباراة كرة القدم بين منتخب مصر ومنتخب الكاميرون في بطولة الأمم الإفريقية. ويتخذ الفيلم من هذا الحدث (الذي انتهى كما نعرف مسبقا بفوز مصر واحد صفر وحصولها على البطولة) "موتيفة" أو اللحن المتكرر الذي يجمع كل الشخصيات من كل الطبقات وعلى كل المستويات، ويجعلها تضل وتتوه وتتصاعد وتيرة رغبتها الهستيرية في الحصول على التعويض النفسي الجماعي عن طريق الانتشاء بتسجيل هدف أو الحصول على "النصر" في الملعب بينما يحصد الجميع كل الهزائم في الواقع. وعندما يأتي النصر في المباراة في نهاية اليوم، يكون الغطاء قد انكشف عن كل إفرازات الهزيمة الاجتماعية على بساط الحياة.

مسخرة
وبدلا من جعل هذا اليوم يوم فرح وانتصارات وتفاؤل وأمل يجعل منه السيناريو وأسلوب معالجة السيناريو سينمائيا من خلال الإخراج والأداء التمثيلي، نوعا من "المسخرة" فالجميع، الذين تبدو مصالحهم ومشاربهم متناقضة أو متفاوتة يتفقون على الاهتمام بالمباراة القادمة، ويتحسبون ويستعدون لها: ضابط الشرطة لا يهتم باجراء التحقيق المطلوب مع المذيع التليفزيوني الذي يتصور أنه يصدم بسيارته طفلا صغيرا هو حفيد سايس موقف السيارات بينما الحفيد يمثل تمثلية يتحايل من خلالها للحصول على تعويض مالي، ونيللي كريم الممرضة المحجبة وحبيبها العامل في محل الأطعمة الشعبية ينتقم منهما أمين الشرطة الفاسد بعد أن ترفض الفتاة الاستجابة له والذهاب معه متخلية عن موعدها مع الحبيب أو الخطيب المنتظر.
والمستشفى التي يتوجه إليها المذيع بالطفل الجريح (ولو تمثيلا وتحايلا) يتوقف تماما عن العمل وعن الاهتمام بتقديم الاسعافات اللازمة للطفل المصاب ولغيره من المرضى، فالكل في انتظار المباراة الكبرى.
وهناك العارضة "زينة"- شقيقة نيللي كريم - التي تحولت، على النقيض من شقيقتها، إلى مغنية للأغاني الشائعة التافهة وهي القادمة من بيئة شعبية (تقطن أحد الأحياء العشوائية) وتقبل بإقامة علاقة جسدية مع "حسين الإمام" منتج الأغاني المصورة (المعروفة بالفيديو كليب) رغم حبها بمساعد الكوافير (أحمد الفيشاوي). وهي تستغل الفرصة اليوم وتقدم أغنية من تلك الأغاني الهابطة التي تتغنى فيها بالمنتخب الوطني وبالحلم الوطني الكاذب، بالنعرة الوطنية الشوفينية التي يسخر منها الفيلم في هذا المشهد بشكل واضح وغير مسبوق في السينما عموما، مما يجعله يقول الكثير عن تدني شخصية الإنسان الفرد وتدني طموحاته.
يستغل الفيلم فكرة المباراة النهائية في البطولة الافريقية لكشف عورات المجتمع وما حدث له من تشوه، ليس من خلال شعارات أو كلمات كبيرة، بل من خلال نسيج العلاقات والتفاصيل الصغيرة بين الشخصيات.
المرأة "البلانة"- أي تلك التي تعمل على تجميل النساء في البيوت (تؤدي الدور انتصار في أفضل أداء على الإطلاق في الفيلم كله)- تحتال وتوهم زبوناتها من النساء بأنها تقدم لهم إحدى مواد التجميل "المستوردة" بينما هي تقوم بتركيب "الاختراع" بنفسها بخلط مواد بدائية تنتج عنها التهابات شديدة في الجلد كما نرى.
ابنها "أحمد الفيشاوي" مساعد الكوافير، يغش ويسرق معلمه صاحب المحل، ثم يسعى أيضا لسرقة الزبائن منه إلى المحل الذي يعتزم هو افتتاحه لحسابه.
المذيع التليفزيوني خالد أبو النجا (المسيحي) الذي أدمن الخمر ربما هربا من شعوره بالتوتر بسبب مشكلة إلهام شاهين التي تكبره في السن والتي أقام معها علاقة جسدية، والتي تحمل منه دون أن تنجح أبدا في الحصول على الطلاق من زوجها بسبب تعنت الكنيسة ورفضها الطلاق حسب قوانينها الخاصة العتيقة.
وهكذا تدور الأحداث وتتشابك وصولا إلى حالة النشوة التي تشبه الغيبوبة الكاملة بفوز منتخب كرة القدم، وكأن لا شيء يحدث سوى الاستغراق في مزيد من الأوهام.. أوهام المجد والنصر بينما الجميع يواصلون الاحتيال على بعضهم البعض.

روح الفيلم
ولاشك أن كاملة أبو ذكري نجحت في تجسيد السيناريو، ونجحت في إضفاء طابع الكوميديا الاجتماعية على فيلمها. وهذا النوع عادة ما يرتبط بالمبالغات وبالتصوير الكاريكاتوري للشخصيات، لكنها نجحت في تجنب المبالغات رغم بعض المغالاة أحيانا كما نرى في المشهد الذي يسخر فيه المذيع من المغنية ويهينها، أو كما في مشهد الحافلة عند تصوير رد فعل الناس بعد محاولة رجل اغتصاب "انتصار" أمام الجميع بعد تلامس جسدي مثير. وإن كانت المخرجة نجحت في تركيب المشهد منذ البداية بحيث تجعل انتصار أيضا تكاد تستجيب، كامرأة وحيدة وهبت نفسها سنوات طويلة لتربية ابنها الوحيد، لنداء الرغبة، أو على الأقل تسرح بفكرها في ثنايا الشوق إلى لحظة لقاء جسدي من خلال لقطات "الفلاش باك" قبل أن تستفيق على الفعل الخشن من جانب الرجل الجالس إلى جوارها وتعود إلى التمسك بل والمغالاة في التمسك بالمفهوم الاجتماعي السائد لفكرة "الفضيلة".
هذا المشهد الجريء الذي يقتحم المسكوت عنه، جنبا إلى جنب مع تصوير العلاقة بين "إلهام شاهين" المنفصلة دون طلاق عن زوج لا تريده، والتي تصارع الكنيسة للحصول على حقها في الزواج ممن تحب، وترفض اللجوء إلى الإجهاض للتخلص من الجنين، كما ترفض تغيير دينها واعتناق الإسلام كما يقترح محاميها، ضمانا للحصول على الطلاق، وهو ما يجسد التناقض الكائن داخل الكنيسة كرمز من رموز المؤسسة الاجتماعية القائمة، التي تدعي ظاهريا، المحافظة على القيم، فيما تحول بتمسكها بالقوانين العتيقة بين المرأة والحصول على حقها الطبيعي في إقامة علاقة شرعية مع من تحب.
هذا الجانب في الفيلم، الذي لا يحتل سوى مساحة صغيرة، هو الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، بعد أن رفع البعض دعاوى قضائية ضد الشركة المنتجة والمخرجة والممثلة، علما بأن كاتبة السيناريو مريم ناعوم تنتمي لأسرة مسيحية وتعرف عما تتكلم. وما المانع إذا كانت تدعو في فيلمها إلى تغيير التقاليد والقوانين العتيقة البالية لصالح الإنسان.. وهل جاء الدين لمعاقبة الإنسان أم لوضع أسس لسعادته في الدنيا والآخرة!

الفيلم كله مصور باستخدام الكاميرا الحرة المحمولة على الكتف بغرض إضفاء الواقعية على الشخصيات والأحداث، لكن هناك إفراطا، في مشهد أو اثنين، في استخدام الحركة الأفقية السريعة pan من اليسار لليمين وبالعكس، للانتقال بين شخصيتين تتحاوران بطريقة تعكس قدرا كبيرا من التوتر الذي لا يخدم هدفا، ولا يجسد فكرة بل يشتت المتفرج ويجعله يشعر بالاصطناع الواضح في تحريك الكاميرا. ولا أدري ما الذي يدفع كاملة أبو ذكري إلى هذا النوع من المراهقة التقنية في استخدام الكاميرا!
ولعل من المآخذ التي يمكن رصدها على الفيلم أيضا جنوحه إلى المغالاة في الشرح وإلى إضفاء منطق على الأشياء، بينما في هذا النوع من الأفلام تحديدا (الكوميديا الاجتماعية) لا تكون هناك حاجة إلى الشرح والتفسير والتبيان. ولعل مشهد المواجهة بين الهام شاهين ومحاميها مثال على ذلك، فهو كله مبني على اللقطات المتوسطة المتبادلة عن طريق القطع، والحوار الذي تردده الشخصيتان هو حوار مصطنع يذكرنا بالحوار في المسلسلات التليفزيونية، أي حوار يبدو مقتبسا من الكتب والمقالات، لكي ينقل للمشاهد أكبر قدر من المعلومات. وهو بالتالي نموذج للحوار غير السينمائي الذي يجب أن يتميز بالتلقائية والبساطة والتناسب مع طبيعة الشخصية التي تنطق به.
ويتميز الفيلم بإيقاعه السريع المتدفق، وبانتقالاته السلسة بين الشخصيات، وبمنحها جميعا مساحات جيدة، رغم أن شخصية الممرضة (نيللي كريم) تختفي لبعض الوقت قبل أن تعاود الظهور. ولا يهبط الإيقاع سوى في المشهد الذي يتوقف أبو النجا فيه على بوابة المستشفى في انتظار أن يفتحه له الحارس ليدخل بسيارته وهو مشهد لا حاجة ليه في السياق.
الأداء حماسي من جانب الجميع باستثناء أداء خالد أبو النجا في دور المذيع. والحقيقة أن خالد يؤدي الدور كما يؤدي كل أدواره في سائر الأفلام التي يمثلها، أي بنوع من التكاسل والآلية والتهام مخارج الحروف والكلمات. وأظن أنه في حاجة إلى تدريب شاق على النطق وعلى الأداء التمثيلي باستخدام صوته، حتى يمكنه الابتعاد عن النمطية. فالملاحظ أنه لا يتعلم شيئا من كثرة ظهوره في الأفلام وهي آفة لا علاج لها إلا بالخضوع للتدريب إذا كان حقا يريد أن يواصل ويصبح ممثلا حقيقيا.
لا يبتعد الفيلم بالتأكيد تماما عن السينما السائدة، لكنه يسعى بجدية إلى تجاوز قوالبها وحبكتها وأبنيتها الفنية، ويعكس بروحه الساخرة "رؤية" حارة وصادقة لأصحابه، ستنجح، إذا أتيح لها أن تمتد على استقامتها، في تجاوز السمات التقليدية للفيلم المصري.
ويبقى أهم ما في الفيلم روحه المعاصرة التي تتكلم عن أناس وأشياء يعرفها المشاهد جيدا حقا، لكنه يراها في سياق العمل الفني كما لو كان يراها للمرة الأولى.. وهذا هو سحر السينما.

الثلاثاء، 21 أبريل، 2009

معركة حديثة .. دراما تسجيلية : سرقة أم تناص؟


بقلم: حسن الكعبي

لا يوجد ما يدعو للتساؤل عن كون المقال الموسوم - معركة حديثة دراما تسجيلية عن ‏واقعة حقيقية للكاتب حسين علي ؟! - والمنشور في مجلة الشبكة العراقية / في العدد الواحد ‏والعشرين بتاريخ 4/5/ 2008، عما اذا كان المقال تناصا ام سرقة لانه وببساطة، مقال ‏مسروق حرفيا ودون أي تغيير من مقالين احدهما للكاتب أمير العمري الذي نشر في موقع ‏البي بي سي اربك كوم بتاريخ 16 /4 /2008 مقاله المعنون(رؤية سينمائية بريطانية لمعركة ‏حديثة) والآخر للدكتور إبراهيم علوش الذي نشر مقاله (فيلم معركة حديثة محاولة ‏بريطانية لتقليد افلام هوليوود الحربية بنكهة انسانية مفتعلة) في موقعين هما (مدونة القومي ‏العرب بقلم: حسن الكعبيي، والبصرة منبر العراق الحر).
لكن الطريف في تساؤلي هذا الذي أثبته بوصفه ‏عنونة لمقالي انه ورد وعن طريق الصدفة - طبعا - وجود مقال في نفس العدد من مجلة ‏الشبكة العراقية للدكتورة بشرى موسى صالح بشأن مصطلح التناص في فضائيه العربي ‏والغربي وعن كيفية تطوير جوليا كريستفيا له كنظرية لعلم النص في اطار استفادتها من ‏حوارية باختين او البولوفونية (تعددية الاصوات) التي تشير الى الكرنفالية والتنافذات ‏الاجناسية باعتبار ان علم الانثروبولوجيا وجد ان ثمة مشابهات عائلية لمسرودات ‏ومثيولوجيات بين الشعوب، تسمح ببلورة مفهوم للهوية المرنة، لكن هذه المشابهات لا تعني ‏وذلك ما أوضحته الدكتورة أن يقوم فرد ما بنسخ تجربة الآخر ويدعي إنها تنتمي إليه (لأنه ‏في هذه الحال يتعدى الامر كونه تناصا ليغدو سرقة ليس إلا) وإلا فما الجدوى من البحث ‏والتقصي.. الخ من مشترطات الكتابة ؟
ان هذه الخصائص إنما هي تقاليد مهيمنة يعمل المبدع على تذويبها في منظومته وتطويعها ‏بحيث إن هذه التقاليد تعمل على إظهار قدرة المبدع وموهبته في الابتكار من داخل هذه ‏المهيمنات واعتقد إن التناص وتقسيماته أمر معروف بالنسبة للانتليجنسيا عموما..
لكن الإشارة ‏لمقال الدكتورة يصلح مبحثا تطبيقيا لمقال (حسين علي) الذي أشرت إلى انه مسروق من ‏المقالين المذكورين. ‏توخيا لعدم الإطالة فإنني سأثبت سرقة الكاتب عبر توليفه بين المقالين المجني عليهما من ‏خلال إثبات الجمل الأولى المسروقة انتقالا إلى الجمل الأخيرة أي عبر القفز على متواليات ‏الجمل التي تقع بين طرفي الجمل الأولى والأخيرة والتي ستنوب عنها علامات التنقيط،‏وذلك لان مقالة حسين علي انتحلت مقالتي علوش والعمري بالكامل وان كان العمري هو ‏المجني عليه كليا كما سيتضح لاحقا، وبالتالي فان مقالي سيشغل حيزا كبيرا من مساحة ‏المجلة هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنني حددت المواقع التي نشرت فيها هاتين المقالتين (‏المجني عليهما) ولذلك يمكن للقارئ الاطلاع عليهما، كما إني سأقوم بتثبيت مقاطع النصوص ‏الأصلية من دون اللجوء للمقارنة مع النص المنتحل لأن المقالة المنتحلة (بكسر الحاء) منشورة ‏حديثا وبإمكان القارئ أن يقوم بنفسه بالمقارنة (باستثناء بعض المقاطع التي سأقوم بمقارنتها ‏مع النصوص الأصلية لأنها خضعت للتقديم والتأخير والحذوفات الطفيفة)‏.
ولنبدأ بالعمري حيث يقول في ثنايا مقاله (ولا يجعل برومفيلد فيلمه يتمحور بين الأبيض ‏والأسود، بل ينجح في تحقيق التوازن في بناء الشخصيات.....دون أن يبرر لهم).‏انتحل حسين علي هذا المقطع وجعله مقدمة للمقال، لكن عبر تقديم بعض الجمل وتأخير ‏بعضها على هذا النحو (نجح المخرج البريطاني برومفيلد في فيلمه الأخير معركة حديثة في ‏تحقيق التوازن وبناء الشخصيات، ولم يجعل فيلمه يتمحور بين الأبيض والأسود.....دون أن ‏يبرر لهم).

يترك العمري ليتابع في المقطع التالي هذه المرة وحرفيا من دون أي تقديم أو تأخير الانتحال من ‏مقطع في ثنايا مقال الدكتور علوش حيث يقول هذا الأخير (فيلم معركة حديثة ليس فيلما ‏وثائقيا. بل......... في غرف منازلهم).‏
ويتابع انتحاله لعلوش بعد حذف بعض الجمل(وقد نقل نك برومفيلد القادم من تقاليد الأفلام ‏‏....... سبق أن قاتلوا في العراق) إلى هذا الحد ينتهي من علوش ليعود للعمري وحرفيا هذه ‏المرة لينتحل من البداية في مقال العمري الذي قسمها سياقيا وفق ثلاثة محاور على النحو ‏التالي (محاور الفيلم يعيد المخرج- المؤلف برومفيلد رواية ما وقع من خلال ثلاثة محاور ‏درامية : الأول محور المسلحين....... جنود المارينز. حياة أسرة عراقية المحور الثاني ‏يركز على أسرة عراقية...... القتل الجماعي المجنون. أما المحور الثالث فيركز على ‏فصيلة الجنود المارينز........ في البدن) ويتابع انتحاله للعمري بدون تقديم وتأخير و لكن ‏بحذف واو العطف وتحويل الفعل المضارع إلى فعل ماض يقول العمري (ويسيطر برومفيلد ‏سيطرة مدهشة على الأداء التمثيلي....... (حيث جرى تصوير الفيلم)) في حين يقول ‏حسين علي - في إطار الانتحال - (سيطر برومفيلد سيطرة مدهشة على الأداء التمثيلي ‏‏........(حيث جرى تصوير الفيلم)) ويتابع انتحاله للعمري حتى في الخاتمة التي عنونها ب ‏‏(مشاهد القتل)وهو العنوان الفرعي نفسه الذي وضعه العمري، وهذه المرة من دون أي تغير ‏اللهم إلا حذف واو الاستئناف حيث يقول العمري (ويصور برومفيلد مشاهد القتل........ ‏في،، معركة الجزائر،،) ويتابع حسين علي في إطار الانتحال ذاته، ولكن هذه المرة ‏بحذف أداة النصب (إن) حيث يقول العمري (إن فيلم،، معركة حديثة،، رغم أي ‏ملاحظات......... في تجربة شديدة الجرأة والشجاعة). وبالخاتمة نفسها يختتم حسين علي ‏مقاله المنتحل.‏
أعتقد إن الإجابة التي أكدت في مطلع مقالي ستتضح (ان لم تكن قد اتضحت) بمجرد عودة ‏القارئ إلى النصوص الأصلية التي ذكرت مواقعها ومقارنتها بالنص المنشور في مجلة يعتز ‏بها القراء لرصانتها وهذا دافعي الأول للتصدي لمثل هكذا سرقات (ولي من بعد هذا مآرب ‏أخرى).‏

رابط: مقال أمير العمري عن فيلم "معركة حديثة" في موقع بي بي سي


الأحد، 19 أبريل، 2009

فيلم "ميكانو": تمصير ممسوخ لفيلم لا يقدم شيئا

شاهدت فيلم "ميكانو" للمخرج محمود كامل في مهرجان تطوان السينمائي. ولاحظت من أول وهلة غرابة الموضوع وأجوائه تماما عن سينمانا بل وعن واقعنا وانعدام صلته بإيقاع الحياة المصرية وبالسمات السائدة في المجتمع ولو حتى من الناحية الشكلية الخارجية.
هذا فيلم يدرك المشاهد من أول وهلة، أنه فيلم أجنبي جرى تمصيره ولوي عنق أحداثه بقوة لكي تتلاءم أحداثه وشخصياته مع الممثلين الذين سيقومون بأداء الأدواء الرئيسية.
وفي مناقشة مع المخرج مجدي أحمد علي عقب مشاهدة الفيلم أكد لي مجدي أن الفيلم فعلا ممصر، وذكر أنه مأخوذ عن فيلم أمريكي هو فيلم "50 موعدا أول" (2004) First 50 Dates من اخراج بيتر سيجال، وكان مجدي قد شاهده ولم أشاهده. وقد حصلت على الفيلم وشاهدته لكي أتأكد من حقيقة نقله مع التصرف والتعديل إلى السينما المصرية، فبدلا من الفتاة التي تفقد الذاكرة نتيجة تعرضها لحادث، هنا شاب هو الذي يفقد ذاكرته تماما بين فترة وأخرى، بسبب ورم في المخ كان قد أزيل بعملية جراحية. وقد أحكم شقيقه الأكبر السيطرة على حياته بالكامل ومنعه من الخروج من المنزل وأبقى عليه معزولا عن العالم الخارجي يأتيه بكل ما يحتاج إليه، على اعتبار أنه "ثروة قومية" أو بالأحرى ثروة عائلية خاصة يستفيد منها الشقيق بل ويتعيش عليها أيضا!
فالأخ الذي يفقد ذاكرته، الذي يقوم بدوره الممثل تيم الحسن، مهندس معماري عبقري يقدم من التصميمات الفنية ما يعجز أي عقل بشري في مصر من تقديمه لمشاريع طموحة، ويقوم الشقيق بتسويق هذه التصميمات الفذة لشركات الإنشاءات مقابل مبالغ مالية كبيرة.
والسؤال البديهي هنا: إذا كان صاحبنا هذا يفقد ذاكرته تماما بحيث لا يتذكر حتى تلك الفتاة الجميلة التي قابلها قبل أسبوع (تقوم بالدور الممثلة نور) فكيف يظل محتفظا بذاكرته الهندسية طوال الوقت، يعرف بدقة كل الخطوط والأشكال ويمكنه التجويد والابتكار دون أي اضطراب!
لا يوجد في الفيلم أي تطور درامي حقيقي بل مجرد مجموعة من المشاهد التي تعكس أولا خشية الشقيق من افتضاح حقيقة شقيقه مما يمكن أن يؤدي إلى تخلي الشركات عن الاستعانة برسومه (وهو ما يحدث فيما بعد بالفعل) دون أن نعرف السبب، فماذا يهم من أمر الحالة الصحية للأخ العبقري طالما أن رسومه العبقرية تؤدي الهدف المطلوب!
ثانيا: نتابع تطور قصة الحب التي تبدأ أولا من طرف نور تجاه الأخ تيم الحسن، ثم يتجاوب معها تيم الحسن فيما بعد في أداء آلي كسول، وبطريقة نمطية تجعله يبدو أقرب إلى البلاهة منه إلى الشخص فاقد الذاكرة أو الذي يخشى أن يفقدها (في لحظات استفاقته بالطبع من نوبات الفقدان المتعاقبة التي لا نعرف متى تأتي)!
هناك استطرادات كثيرة في تفاصيل لا معنى لها سوى أنها تراكم من التأكيد على الفكرة البدائية القديمة التي تقول إن الحب يحقق المعجزات، ويصبح بالتالي بطلنا "تيم"، متيما بحب نور وعلى استعداد للتضحية بكل أموال الدنيا من أجلها رغم تحذير شقيقه له عدة مرات مما يمكن أن يؤدي إليه استغراقه في تلك العلاقة، ملوحا له باحتمال أن يرتد فاقدا الذاكرة، فلا يستطيع أن يتعرف عليها بعد ذلك.
أداء نور في دور الحبيبة التي لا تكف عن محاولة مساعدة حبيبها على التذكر ورغبتها في أن يبادلها الحب وأن يطلق العنان لمشاعره، هو أداء لا بأس به في اطار الحدود المغلقة للدور وطبيعته الرومانسية البسيطة.
أما الأداء الأكثر بروزا وتأثيرا في الفيلم ولعله أيضا الحسنة الوحيدة هنا، فهو أداء الممثل خالد الصاوي الذي يتقدم بقوة فارضا نفسه كأحد الممثلين الكبار في السينما المصرية، فهو يضفي الكثير بأدائه الواثق المعبر، وقوة شخصيته، على دور الشقيق المهيمن الذي يحب شقيقه ويخشى أيضا عليه، كما يخشى ضياع المستقبل إلى أن يستسلم للواقع ويقبل بحقيقة أن الحب يمكنه أن يصنع المعجزات، فيتخلى عن محاصرة شقيقه.
الأخ وائل حمدي (وهو صحفي يشاهد الأفلام ويكتب عنها أحيانا) يضع اسمه على الفيلم ككاتب للسيناريو متصورا أن لا أحد غيره شاهد الفيلم الأمريكي، وكان حري به أن يشير إلى اقتباسه له عن الفيلم الأمريكي، لكنه لم يفعل بل صرح بأن الفكرة من وحي خياله:
"فكرة الفيلم كانت من وحى خيالى، ولم أكن أعلم أن مرض فقدان الذاكرة المؤقت حقيقى، وعندما كتبت قصة قصيرة فى مجلة «جود نيوز سينما» عام ٢٠٠٥ بمناسبة عيد الحب، نشرت ضمن مجموعة قصص لأصدقاء فى المجلة، وبعد ذلك تلقيت اتصالا من صديق أبلغنى أن الحالة المرضية التى تعرضت لها فى القصة حقيقة، وأكد لى أن فقدان الذاكرة بشكل دورى حالة علمية وبعض الأفلام الأمريكية استعانت بها فى أفلام كوميدية ومن هنا بدأت أهتم بالموضوع بشكل أكبر" (جريدة "المصري اليوم"- 4-2-2009).
هذا هو الحال اليوم في السينما المصرية السائدة، فلا يبدو أن أحدا يمانع: لا المخرج ولا الشركة المنتجة، ولا نقاد ذلك النوع من السينما الذين اعتبروا الفيلم "من أفضل أفلام الموسم" كما قرأت، بل ولا حتى الجمهور الذي يرغب في رؤية أحلامه المجهضة باستمرار تتحقق على الشاشة: في الحصول على الحب رغم كل المعوقات، ولو خارج الدنيا وخارج التاريخ!

الأربعاء، 15 أبريل، 2009

"سميرة في الضيعة": الجنس في الغرب فقط!

ضجة كبيرة أثارها ظهور الفيلم المغربي "سميرة في الضيعة" للمخرج لطيف الحلو، منذ بدء عروضه في المغرب محققا اقبالا جماهيريا كبيرا. والسبب يعود إلى أن الفيلم يتناول "تابو" الجنس المستقر عميقا في الضمير العربي، وإن لم يكن في التراث العربي الذي يتضمن أكثر أنواع "الخيال الجنسي" إيغالا في الحسية والتصوير الحسي.
الفيلم الذي كتب له السيناريو ابراهيم هاني وأخرجه لطيف الحلو، يقوم على البناء الدرامي التقليدي (الأرسطي) أي يعتمد على وحدة الزمان والمكان والحدث، كما يتضمن بداية وذروة ونهاية، ويدور بين عدد محدود من الشخصيات هي هنا، مرة أخرى، الزوج والزوجة والعشيق: أي الثلاثي الشائع في الدراما الغربية لعقود.
الزوجة هي سميرة (سناء موزيان) إبنة الأسرة الفقيرة من الدار البيضاء التي ترغب في الزواج لكي تتحرر كما تظن من قيد الأسرة، والزوج هو إدريس (محمد خوبي) في الخمسينيات من عمره، وصاحب الضيعة والأرض الزراعية التي يسخر في العمل فيها عددا من المزارعين والعمال، والعشيق الذي سيكون، هو فاروق (يوسف بريطل) ابن شقيقة ادريس، وهو شاب يتمتع بالقوة والوسامة، يستقدمه الزوج لكي يساعد زوجته في كل ما يتعلق بأشغال المنزل.
سميرة تتزوج وتغادر المدينة إلى الريف، وبينما تتصور هي أنها تترك عالمها المغلق المقيد إلى حيث الحرية، تصبح الضيعة بمثابة السجن، سجن الحياة العقيمة الجافة التي تخلو من كل ود وحب، والأهم، من الإشباع الجنسي والارتواء الجسدي.
الزوج لا يشغل باله إلا أمران فقط: محصول الأرض ووالده المقعد العاجز. ويتعين على سميرة أن ترعى الوالد المشلول، وتعاني من أجل ذلك كثيرا، وهنا يأتي دور فاروق، الذي يبدأ في القيام بكل أعمال المنزل، بل إنه يقوم أيضا بطهي الطعام فيتحول من مجرد مساعد إلى شخص يهيمن على الأمور داخل البيت.
إدريس الزوج المشغول البال بأمور زراعته وتجارته عاجز جنسيا من البداية بل إنه لا يحاول حتى مجرد المحاولة الاقتراب من زوجته المثيرة جسديا التي تلجأ إلى كل ما تستطيع من وسائل لاثارته ولكن دون جدوى.
ويقع المحظور بالطبع، فتقيم سميرة علاقة جنسية عنيفة مع فاروق الذي يبدو في البداية مترددا قبل أن يستسلم للإغواء الذي لا يقاوم.
الزوج العاجز الذي يدرك عجزه، ويدرك أنه أتى بفتاة فقيرة اشتراها كزوجة- جارية- خادمة ،تسهر على خدمة والده أساسا، وسترا للمظهر الاجتماعي التقليدي في الريف، يبدأ في الشك فيما يمكن أن يحدث أثناء غيابه في العمل.. ثم يتيقن من وقوع المحظور، فيقوم بطرد فاروق من المنزل رغم بكاء الزوجة واستعطافها له أن يتركه، فهي تعرف أن خروجه من المنزل يعني الحكم عليها بالوحدة الأبدية داخل الجدران الأربعة للمكان المعزول.
الفيلم كما أشرت، يقوم على الصراع الدرامي التقليدي الذي يتجسد بشكل مباشر وليس من خلال إيحاءات أو رموز كثيرة. هناك فقط الحذاء المدبب اللامع الذي تشتريه سميرة لفاروق عندما تذهب إلى المدينة للتسوق وتعود لتهيديه إياه لكنه لا يرتديه بل يحتفظ به داخل دولابه الخاص، إلى أن يعثر عليه الزوج المتشكك فيكون رمزا لوقوع المحظور بين فاروق وسميرة.
ولكي يكسر وتيرة الإيقاع البطيء لفيلمه يلجأ لطيف الحلو من خلال المونتاج إلى استخدام "الفلاش باك" أو مشاهد العودة إلى الماضي التي نرى من خلالها كيف كانت سميرة تقيم علاقة جسدية كاملة مع شاب تحبه وترغب في الزواج منه لكنه يرفض أن يتزوجها رغم إلحاحها عليه، وهي مشاهد لا أرى إلا مغزى واحدا لها في سياق الفيلم، فهو يريد أن يقول لنا إن سميرة ضحية للرجل في كلتا الحالتين، سواء كان صحيحا أم عاجزا في إشارة إلى تخلف النظرة الذكورية للمرأة عموما في المجتمع الشرقي، فالذي يقيم علاقة عاطفية بما فيها الجنس يرفض الزواج من الفتاة التي أقام معها تلك العلاقة، والزوج العاجز جنسيا يرفض تطليق زوجته وإطلاق سراحها حتى تجد رجلا آخر يتزوجها، بل يعتبرها من ممتلكاته الخاصة التي لا يجوز التفريط فيها، وإلا أصبح الأمر نوعا من "العار"، وهي بالطبع نظرة إقطاعية ترتبط بقيم عتيقة، لا أظن أنها منتشرة على نطاق واسع في مجتمع المغرب حاليا.
هناك سيطرة لا شك فيها على الممثلين الذين يبدو أداؤهم جميعا في أحسن مستوياته، وهناك اختيار جيد لأماكن التصوير، وسيطرة على المشاهد، واحكام في التنفيذ بعيدا عن كل "شطحات" الإخراج السائدة في الكثير من الأفلام المغربية. لكن هناك أيضا نوع ما من الشعور بغرابة ما في سياق الأحداث والشخصيات رغم أنها ترتدي ملابس مغربية وتتحرك في ديكورات طبيعية مغربية وتتحدث باللغة العربية وباللهجة المغربية، هذا الإحساس بالغرابة قد يكون نابعا من استلهام موضوع الفيلم من بيئة أخرى، قد تكون اسبانية مثلا، فهو يذكرني بالفيلم الاسباني (القطالوني) البديع "السنيورة"La senyora (إخراج جوردي كادينا- 1987) وهو أيضا عن موضوعة القهر الجنسي كمرادف للقهر الاجتماعي، ويتضمن تحديدا ثلاثة شخصيات هي: الزوج (وهو عجوز منفر عاجز يتقزز من الجنس) والزوجة الحسناء التي تتفجر بالأنوثة، والخادم الوسيم). وكانت أحداث ذلك الفيلم تدور أيضا في ضيعة بالريف الإسباني، ويحتوي على الكثير من المشاهد الصريحة في الأداء الجنسي.
هنا مع فيلم "سميرة في الضيعة" قامت الضجة الكبرى في الإعلام الذي يبحث عن أي شيء مثير، بسبب كون هذا الفيلم يصور فكرة العجز الجنسي عند الرجل والرغبة الجنسية عند المرأة، ويصور مشاهد للزوجة وهي تمارس ما يعرف بـ"العادة السرية" (وهي تسمية خاطئة علميا على أي حال)، وأخرى للعلاقة الجنسية بين فاروق وسميرة وإن كنت أرى أن تلك المشاهد صورت من جانب لطيف الحلو على استحياء شديد وراعت عدم خدش حياء الجمهور في المغرب وفي العالم العربي عموما، الذي لا يمانع من مشاهدة مشاهد العري والجنس في الأفلام الأجنبية، بينما تصدمه مشاهد أقل حدة في الأفلام العربية، فاللحم الأجنبي "حلال" أو مستباح لنا لمشاهدته، أما نحن فالجنس في حياتنا مستور ومحجوب ووراء الستار ولا يجب أن نتكلم عن مشاكلنا الجنسية ولا هواجسنا ولا نعبر عنها بأي شكل من الأشكال، في القصيدة واللوحة والسينما والرواية وإلا أصبحنا من الهراطقة، بل وكثيرا ما نتظاهر أيضا بأن الجنس "لا وجود له".. إلا في الغرب بالطبع!

الثلاثاء، 14 أبريل، 2009

*عزازيل

رواية "عزازيل" التي فازت مؤخرا بجائزة بوكر العربية تأليف الدكتور يوسف زيدان، هي نموذج للعمل الملحمي الكبير الذي لا يطرق مؤلفه الطريق السهل بل يتعمق عبر طبقات من التاريخ، في بلاده وفي المنطقة عموما، ساعيا إلى سبر أغوار حقبة مجهولة لم يسبقه أحد في التعرض إليها على صعيد الابداع الأدبي.
والرواية أساسا، عمل فني كبير يقوم على أسس وحقائق تاريخية في شخصياتها وأحداثها، مع مزجها وتغليفها بالخيال الروائي الجميل، وهي تشبع الباحث في التاريخي والجمالي والسياسي والديني والايروتيكي في وقت واحد، وأهم ما يميزها التجرؤ على شق الظلام الدامس، وإخراج المسكوت عنه.
إنها أساسا رواية عن طعم الحرية، عن طريق التأمل في مغزى القهر باسم الدين، ولعل كاتبها يتمثل التاريخ لكي يسقطه على الحاضر، فهي رواية ليست بعيدة بمعانيها المتعددة وطبقاتها المتركمة فوق بعضها البعض، رغم أنها تغوص في التاريخ وصولا إلى القرن الرابع الميلادي.
وما الضجة والغضب والرفض من جانب كل من الجهات المتشددة المتزمتة على الطرفين، المسلم والمسيحي، إلا لأن الرواية عمل إبداعي كبير ينتصر للفنان، وللمفكر ضد سلطة القهر سواء جاءت من الكنيسة أم الجامع، باسم محمد أو باسم المسيح.
وربما إذا كانت الرواية قد صدرت في مجتمعات تتمتع بقدر حقيقي من الحرية لأنتجت هذه الرواية في السينما والتليفزيون، بل ولتقرر تدريسها على طلاب المدارس العامة، فهي تحفة فنية بصورها وبنائها بل واهتمام مؤلفها الكبير بالكشف عن كنوز خافية في اللغة العربية.و"عزازيل" أيضا عمل أدبي يتجاوز بكل أسف الحركة النقدية العربية السائدة ويكشف تهافتها وعجزها عن مسايرة الإبداع واللحاق به شأنها شأن حركة النقد السينمائي التي لاتزال حائرة، تواصل الدوران بين "الشكل والمضمون"!

الاثنين، 13 أبريل، 2009

مهرجان تطوان السينمائي الـ15


أجمل ما في مهرجان تطوان السينمائي هو أنه لايزال رغم زحف الدولة عليه، يتمتع بطابع حميمي بفضل مجموعة من المخلصين من عشاق السينما الذين أسسوا سويا هذا المهرجان قبل أكثر من عشرين عاما، من خلال جمعية خاصة صغيرة لمحبي السينما أو بشكل دقيق "جمعية أصدقاء السينما بتطوان"، وأقاموه في البداية كحدث يقام كل عامين على غرار مهرجان قرطاج السينمائي الذي ربما يكون المهرجان الوحيد الدولي في العالم العربي، الذي ينعقد كل عامين بالتناوب مع مهرجان قرطاج المسرحي.
فرسان المهرجان يتقدمهم أحمد الحسني، ثم ادريس السكايكة وعبد اللطيف البازي ونور الدين بن دريس.
وقد استمر الأمر على هذا النحو إلى أن تحول مهرجان تطوان قبل ثلاث سنوات إلى حدث سنوي، يحصل على دعم من الجهات الرسمية، ويستضيف عددا أكبر من الضيوف، ويحظى بشكل تنظيمي أكثر دقة.
دورة هذا العام التي اختتمت في الرابع من الشهر الجاري بعرض الفيلم التركي "القردة الثلاثة" للمخرج نوري بيلج سيلان. وشهدت الدورة تكريم السينمائي المصري الراحل يوسف شاهين، وافتتحت بعرض فيلم "اسكندرية ليه" في الافتتاح، إلى جانب عرض عدد من أفلام شاهين بعد ذلك منها "اسكندرية نيويورك" و"هي فوضى".
وقد كرم المهرجان أيضا الممثل المغربي الراحل حسن الصقلي ونظم ندوة حول دوره في السينما المغربية.
ونظم المهرجان ندوة حول سينما شاهين شارك فيها عدد من النقاد والسينمائيين منهم الناقد المغربي مصطفى المسناوي والممثل المصري محمود حميدة الذي شارك في عدد من أفلام شاهين، وتحدث عن تجربته في العمل مع المخرج الراحل الكبير.
شهدت المسابقة الرسمية للمهرجان وهي مخصصة كعادة المهرجان منذ تأسيسه، للأفلام من دول بلدان البحر المتوسط، عرض 10 أفلام روائية طويلة، و9 أفلام قصيرة، إلى جانب 11 فيلما وثائقيا في مسابقة خاصة بالأفلام المصورة بكاميرا الفيديو.
وغاب الفيلم السوري "أيام الضجر" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد بسبب تعذر وصوله، كما لم يحضر مخرجه. وغاب أيضا الفيلم الفلسطيني "المر والرمان" للمخرجة نجوى النجار. وكان الفيلمان قد أدرجا في جدول المسابقة.
أما باقي الأفلام المتسابقة فكانت من البوسنة (ثلج) وايطاليا (سونيتاولا) وفرنسا (مرحبا) واليونان (إصلاح) واسبانيا (خطيب لياسمينة) ورومانيا(الصرف) والمغرب (زمن الرفاق) وتركيا (مارلوني وبراندو) ومصر(خلطة فوزية) وفلسطين (عيد ميلاد ليلى).
المهرجان احتفى احتفاء خاصا بالسينما الاسبانية وعرض عددا من أفلامها، كما نظم استرجاعا لعدد من أبرز الأفلام المغربية التي أنتجت خلال السنوات الأخيرة.
رأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة المخرج المغربي الجيلالي فرحاتي، وشارك فيها سينمائيون ونقاد من اسبانيا وفرنسا وإيطاليا وتونس. ومنحت اللجنة جائزة أحسن فيلم للفيلم البوسني "ثلج". ولثم يحصل أي فيلم عربي على أي من جوائز لجنة التحكيم.

باعتباري من المهتمين بوجه خاص بدور العرض السينمائي، أود أن أذكر هنا أن في تطوان، تلك المدينة الواقعة في أقصى الشمال المغربي (قرب طنجة) والتي كانت واقعة تحت الاحتلال الاسباني العقود طويلة، داران للعرض أعتبرهما من أجمل دور العرض في العالم: هما اسبانيول وأبينيدا. وقد حضرت المهرجان أيام أن كانتا مهملتان تماما وفي حالة رثة بعد إهمالهما طويلا.
لكن الأمر تغير منذ سنوات بعد إعادة الرونق والسحر القديم إليهما وترميمهما بالكامل واستعادة كل الملامح الأصلية لهما بالتعاون مع معماريين ومصممين من اسبانيا وبالاستعانة بالرسوم والتصميمات الأصلية.
وكانت دار إسبانيول تأسست عام 1911 كمسرح ثم تحولت إلى دار للعرض السينمائي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأقيمت دار أبينيدا في 1945. وتتسع كل منهما لـ 1100 مقعد. ومشاهدة الأفلام في الدارين متعة للعين وللقلب حقا، فالصوت والصورة على أعلى مستوى من الوضوح والنقاء، والراحة متوفرة تماما في المقاعد، ولتطوان أن تفخر بأنها تضم هذين الكنزين النادرين من كنوز فن العرض السينمائي في عصره الأول الجميل.
سبق أن انتقدت بشدة مهرجان تطوان على سوء التنظيم وبعد تجربتي الشخصية معه في 2005 لكن هذه العيوب تم تجاوزها الآن بشكل يدعو للإعجاب، والأهم أن النقد لم ينقص الود بل بدا أن أصحاب الشأن فهموا وتفهموا!

الخميس، 9 أبريل، 2009

"خلطة فوزية": إطلالة على سحر الدنيا من داخل الهامش

يبدو فيلم "خلطة فوزية" للمخرج مجدي أحمد علي متميزا كثيرا بلغته التي تقترب من عالم السينما الفنية، رغم أنه مصنوع في إطار السينما السائدة، فمجدي أحمد علي يطور في إطار ما هو سائد، ويلعب، بقدر ما تسمح به شروط السوق، في المساحة الواقعة بين السينما الشعبية والسينما الفنية، وطبيعة موضوعات أفلامه قد تفرض عليه احيانا بعض الأنماط في الأداء التمثيلي أو القوالب التي يقصد من وراءها عادة الإضحاك أو التأثير الكوميدي الخفيف، وهو ما يبدو وقد أصبح أحد شروط هذه السوق السينمائية بتضاريسها القاسية.
ولعل أهم ما يميز الفيلم ليس واقعيته في رسم ملامح الشخصية الرئيسية وما يقع لها في حياتها الصاخبة التي تتميز بالجمع بين أزواجها السابقين كل أسبوع، والاعتناء بهم، والاهتمام بأولادها منهم.، بل تعبيره عن الواقع بلغته الخاصة، ومن خلال رؤية للواقع قد لا تحاكي الواقع نفسه بالضرورة.
فوزية المرأة من قاع المجتمع، التي تقطن حيا هامشيا فقيرا وإن كان يتمتع بجمال خاص كونه يقع في بقعة ساحرة تطل مباشرة على النيل، تتزوج رجلا وراء الآخر، وهي تتزوج في لحظة احتياج إنساني ونتيجة لشعورها الدائم ربما بـ"انعدام الآمان" والرغبة في الاحتماء بالرجل، لكنها سرعان ما تكتشف أن الرجل الذي تتشبث بالبقاء في ظله يخذلها، ويفصح عن شخصية أكثر ضعفا منها، بل إنها أقوى كثيرا في الواقع بكل ما تملكه من قدرة على الابتكار (في إعداد وجبة عذائية خاصة تثير الشهية والشعور بالمتعة يطلقون عليها خلطة فوزية بل هي خلطة السعادة) إلى جانب نجاحها في العمل على ترويج منتجها هذا، وتطويره، والعناية أيضا بالأطفال الكثيرين الذين تنجبهم من أزواجها الأربعة الذين تتلاشى أحلامها معهم بالحصول على "الستر" واحدا وراء الآخر، أساسا بسبب خيانتهم لها أو عدم تحقق إحساسها المنشود بالسعادة و"غياب البسمة من البيت".
لكن عند فوزية يجتمع الأزواج الأربعة كل اسبوع لتناول الوجبة المفضلة من يديها، والائتناس معا وزيارة أبنائهم منها، الذين لا تهمل تربيتهم أو العناية بهم جميعا.. إلى أن تلتقي بشاب يصغرها سنا، هو السائق "حودة" الذي سرعان ما يصبح الزوج الخامس والذي يبدو أن زواجها منه سيستمر هذه المرة.
لا أهمية كبيرة لرواية تفاصيل قصة الفيلم، فالأفلام تصنع لكي تُشاهد لا لكي تٌقرأ ملخصاتها، لكن من المهم رصد هذا الخيط الرئيسي في الفيلم لأنه المدخل إلى الموضوع بأسره: حكاية هؤلاء الناس الذين يعيشون على الهامش، يرتبون حياتهم بحيث تتجاور مصائرهم وتتشابك، يملكون القدرة على خلق الإحساس بالسعادة، كما يعرفون كيف يحزنون ويتضامنون معا في المصائب، وصحيح أنهم يخالفون القانون، لكن هذا أولا نتاج لإحساسهم بالظلم الاجتماعي وقسوة الحياة، ورمز في الوقت نفسه للتمرد على السلطة، سلطة الدولة القمعية التي لا تعرف سوى التهديد والوعيد. هنا مثلا يجعل سيناريو الفيلم من فكرة تضامن السكان من أجل بناء حمام عام يليق بإنسانية الإنسان ودون أن يتعرض لتلصص الآخرين حتى عند ممارسة الاحتياج الجسدي الطبيعي بين الزوج والزوجة (كما نرى في مشهد غير مسبوق في السنيما المصرية بين فوزية وحودة) رمزا ما للرغبة في التحرر، في الحصول على المبادرة الفردية دون انتظار لتدخل الدولة، بل إن الدولة ممثلة في القضاء والشرطة، تريد هدم البناء يدعوى أنه يقوم على أرض مملوكة للدولة، وضع الفقراء الهامشيين أيدهم عليها.


ميزة السيناريو
لاشك هنا أن سيناريو هناء عطية يتميز بأجوائه الخاصة الحميمية التي تشع منها عشرات الإسقاطات على ما يجري في الواقع ولكن من خلال رؤية ما "سحرية"، تلمس المألوف مما يجري يوميا في حياة المهمشين، جنبا إلى جنب مع لحظات تأمل في مسار الحياة وهي تفضي إلى الموت. فالموت حاضر في الفيلم بقوة. "سيد" السباك، الزوج الرابع السابق لفوزية يرغب في الزواج من صديقتها "نوسة" (غادة عبد الرازق) وفوزية التي تقيم وزنا كبيرا للصداقة والعِشرة والجيرة بل والتضامن بين النساء، ترحب وتساعد وتذهب بنفسها لكي تشتري للعريس ملابس الزفاف، وتقدم النصائح لصديقتها أيضا في كيفية استمالة الزوج وكسب وده، لكن سيد يلقى نهايته بالموت في موقف عبثي تماما ليلة زفافه عندما يصاب برصاصة طائشة.
والموت الذي يجاور الحياة ويبدو لصيقا بها حاضر بقوة أيضا من خلال شخصية الراقصة العجوز (نجوى فؤاد) التي تتشبث بالحياة بل وتتطلع إلى علاقة عاطفية مع البقال، في الوقت الذي اشترت فيه قبرها، بل وأخذت ترقد فيه لكي ترى ما إذا كان حجمه سيناسب حجم جسدها بعد أن تموت وتدفن هناك، وهي تموت بالفعل بعد قليل، دون أن نشعر بالطابع المأساوي لموتها، بقدر بل نشعر بحتمية مسار الأشياء، هنا يتجاور الحب والموت.. الراقصة كانت قد اشترت بما تبقى معها من مال هاتفا محمولا لكي تتحدث يوميا مع البقال الذي لا يبعد دكانه سوى خطوات عن منزلها. بل إن الفيلم أيضا يصور لنا الكثير من المظاهر الشعبية المرتبطة بالموت مثل تغسيل الميت ودق المسامير في النعش وزيارة المقابر وتوزيع شطائر "الرحمة" على الفقراء وغير ذلك، ومع تجاور مظاهر الحياة مع تقاليد الموت، ففي الطريق أثناء نقل النعش لدفن الميت، تلتقي عربة نقل النعش بسيارة رجال الاطفاء التي يعمل عليها أحد أزواج فوزية السابقين، وتتصاعد الضحكات والتعليقات التي تعكس التشبث بالحياة والسخرية من عبثيتها.
والموت أيضا يتجسد ويتوقف الفيلم أمامه كثيرا من خلال الميتة العبثية الأخرى للإبن المعاق لفوزية الذي يلقى نهايته بعد أن تصدمه سيارة وهو يعبر الطريق بعربة المعاقين.
ومن أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها جرأة المشهد الذي يدور بعد العودة من دفن الإبن المعاق، حيث تجلس فوزية في صمت بينما يتناول الجميع الطعام ويضحكون ويتبادلون الحكايات، ومع تصاعد شعورها بالحزن تقلب المائدة وتطرد الجميع وتنفجر فيهم غاضبة بعد أن ظلت تكتم مشاعرها منذ أن تلقت خبر وفاة الإبن. وفي طقس يعود إلى بداية العلاقة بين الإنسان والكون، تتجه نحو شجرة في الفضاء، ترفع رأسها إلى أعلى وتناجي الله، وتساءل لماذا كتب عليها أن تفقد ابنها على هذا النحو!

مفهوم الواقعية
وربما كان من المهم التأكيد هنا على أن محاسبة الفيلم على مقدار واقعيته من حيث ما تتمتع به الشخصية الرئيسية من "صدق" هو مدخل يظلم العمل كثيرا، فالعبرة ليست بمدى مطابقة شخصية "فوزية" للواقع، أو مدى تطابق شخصيات الأزواج السابقين الذين يتقابلون أسبوعيا عندها بل ويتطرقون أحيانا إلى نوع من الإشارات اللفظية الواضحة التي تلمح إلى الجنس والتغزل في قدرات فوزية الخاصة ومفاتنها في هذا المجال، بل بما يكمن وراء تلك "الرؤية" السينمائية الخالصة التي قد تتجاوز كثيرا فكرة مطابقة الشخصيات أو حتى الأحداث لما يوجد بالفعل في قلب الواقع، وبما إذا كانت هذه الرؤية مقنعة وتتمتع بالحرارة سينمائيا، وهو ما يتوفر في الفيلم على نحو يتأكد من خلال اللغة السينمائية المستخدمة وأسلوب الإخراج والمزج بين صراحة الواقع ومباشرته، وبين ما يتولد من الشخصيات من مشاعر تأخذنا بعيدا عن الواقع إلى داخل النفس البشرية بتعقيداتها وعلاقتها بالكون وبالناس، بالحياة وبالحب والموت.
الأسلوب هنا يعتمد على السيناريو المتقن الذي يمنح مساحات كافية لكل شخصية: الأزواج الخمسة، فوزية وصديقتها نوسة والراقصة، والأم، ويجعل هذه الشخصيات تتمتع بالحرارة والحياة، ويضعها في مساحة ما بين الواقع الصلب والخيال السينمائي الجميل. وما المانع، فالسينما ليست فن مطابقة الواقع ولا حتى محاكاته مهما بالغ السينمائي في التوغل في تصوير المشاهد التسجيلية الطابع، كما يفعل مجدي أحمد علي هنا في لقطاته ومشاهده العديدة التي تدور داخل الحي "العشوائي" الشعبي بتفاصيله الحقيقية وديكوراته الطبيعية التي طوعها مصمم الديكور بحيث تصبح صالحة للتصوير مع تمتعها أيضا بجمال خاص رغم مظاهر الفقر الواضحة التي تتبثدى في جنباتها.
السينما تعتمد أساسا، على سينمائي يقدم "رؤيته" الخاصة للواقع وللدنيا والحياة والبشر كما يراها هو (يعبر عنها المؤلف ويجسدها المخرج) ومهما حاول أن يحاكي الواقع فإنه لا يمكنه أبدا مطابقته، لأنه يستخدم أدوات فنية مثل زوايا التصوير والمونتاج وأحجام اللقطات والإيقاع الخاص داخل المشهد الواحد، أو داخل الفيلم ككل.
في هذا الإطار يمكن فهم شخصية فوزية وأزواجها الخمسة، علاقاتها مع صديقاتها وجيرانها ودورها المحوري في المنطقة التي تسكن فيها، وعلاقتنا نحن كمشاهدين للعمل، نتلقى ما نراه ربما "خارجا عن المألوف" أو بعيدا عما نعرفه، غير أن استقبالنا له يعتمد على الصدق في التعبير، في الرؤية، في الأداء والتجسيد مهما بلغ من شطط بعيد عن المألوف.. فهل ما نشاهده في النهاية ممكن الحدوث دراميا أم لا، وما هي قدرة السينمائي وخياله الخاص على التعبير عنه بصدق.

رؤية متفائلة
مجدي يميل بالطبع إلى تغليب رؤية تفاؤلية تشيع بالمرح والتداخل بين الحكايات الشخصية الكثيرة المرتبطة بالشخصيات المتعددة: السباك الذي كان يراقب والده وهو طفل صغير كعامل للعرض السينمائي وولعه بالأفلام والخيال السينمائي ورشدي أباظة، السائق الرومانسي الذي يعرف كيف يقدم الورود لامرأة حتى لو كانت فوزية، والذي لايزال يمكنه أن يتذكر كيف كان يشم رائحة الفانيليا في فتاة صغيرة كان متيما بها قبل عشر سنوات. وهكذا.
ويجتهد مجدي كثيرا في اختيار أماكن التصوير وفي دفع الحركة داخل فيلمه: إنه مثلا يصور مشهد تذكر "حودة" وهو صغير فتاة الفانيليا، على ظهر قارب مع فوزية، ويجعل المشهد ينتهي برقص فوزية في حركة دائرية، وعلى خلفية موسيقية بحيث تساهم الموسيقى والحركة والحوار الشاعري البسيط ونظرات الحزن في عيني فتحي عبد الوهاب في إضفاء طابع غنائي خاص على المشهد.
إنه يستخدم مثلا الحركة الحرة للكاميرا في المشهد الذي يدور بين فوزية والراقصة العجوز، ويصل بالمشهد إلى لحظة شاعرية خاصة تمزج بين الحسي والروحي، وبين الماضي والحاضر، بين الجسد الذي كان (في ذاكرتنا لنجوى فؤاد) والقادم الذي لا محالة منه أي الضمور الجسدي ثم الموت.
وتتصاعد الشاعرية المشبعة بحزن كامن في المشهد الذي تروي فيه نجوى فؤاد، على خلفية لأغنية قديمة، موت طفلها الوحيد وهو بعد رضيع، وكيف ظل الحليب ينساب من ثديها.. وفي لحظة تسليم جميل بالقدر تستطرد قائلة "الحمد لله اللي ساب لي الفردة اللي ناحية القلب" مما يفهم منه أنها مرت بتجربة إزالة صدرها الأيمن بعد اصابتها بسرطان الثدي.. هكذا ببساطة ومن خلال حوار آسر ومقتصد، ولعل مشهد رقصها المشترك مع فوزية من المشاهد الموحية الجميلة التي لا تنسى خاصة وأنه يبدو ملاءما تماما لشخصية نجوى فؤاد نفسها حتى ليبدو وكأنه كتب لها خصيصا.
ويصور المخرج الكثير من مظاهر الاحتفال الجماعي بالحياة: الأفراح وموائد الرحمن التي تقام في شهر رمضان، وصور الإفطار الجماعي على الرصيف، واللقاءات الاسبوعية حول مائدة فوزية، كما يمزج بين الفرح والحزن، والسعادة والشقاء، والمأساة والجرأة الشديدة التي تجعل أهل الحي لا يتوانون حتى عن اختلاس النظر إلى حودة وفوزية وهما يمارسات الجنس داخل الحمام. وينجح أيضا في تجسيد العلاقة الخاصة المليئة بالحب والتمرد بين فوزية ووالدتها التي تُستدرج وراء عواطفها وتتوهم امكانية الحصول على قطرات أخيرة من السعادة لكي تجد نفسها ضحية لاحتيال الرجال، ويصور كيف تسعى فوزية إلى التسرية عن امها بالاغتسال معها داخل الحمام، والأخذ بيدها كما لو كانت الأدوار قد انعكست فأصبحت الإبنة تقوم بدور الأم.
ولاشك أن الفيلم بطابعه الخاص فيلم "أنثوي" تماما بمعنى اهتمامه الكبير بمشاعر المرأة وتناقضات العلاقة بين النساء في الأحياء الشعبية (الشروع في الخيانة الذي يتمثل في رغبة "نوسة" في مقاسمة فوزية زوجها "سيد" ثم محاولتها إغواء حودة الزوج الأخير لفوزية، ورغم ذلك تساعدها فوزية عند زواجها من طليقها الذي ينتهي قبل أن يبدأ بالموت، ثم عندما تتزوج من شاب آخر في النهاية.
ورغم تعامل الفيلم مع شخصياته بحب ونعومة شديدة إلا أنه لا يتجاوز عن رصد الملامح السلبية فيهم: السرقة والاحتيال والكذب والطمع وإهمال الأبناء والتورط في الخيانات أو الشروع فيها.
وكعادته يهتم مجدي أحمد علي كثيرا بشريط الصوت الذي يجعله يعلق من خلال الأغاني الرومانسية التي تنتمي إلى الماضي، على الكثير من الأحداث، أو لإبراز السمات المختلفة للشخصيات (لحن أغنية أهواك مثلا) أو تجسيد التناقض الكامن في الواقع، ويستخدم أيضا الأُغاني الشائعة التي تعكس الذوق السائد (أغاني الأفراح المتدنية)، كما يصل أيضا إلى التعليق المباشر من خلال الصورة في اللقطة التي نرى فيها صورة الرئيس مبارك أعلى خرائب الحي العشوائي فيما اللافتة المكتوبة تقول: "معا نصنع المستقبل"!
مشاهد زائدة
ومع ذلك، يبدو مشهد سيد السباك (عزت أبو عوف) وهو يروي في "مونولوج" عن ماضيه لنوسة (غادة عبد الرازق) ويحدثها عن أمه وأبيه وعن زواجه من فوزية، مشهدا زائدا في الفيلم، كما يبدو أن هناك افراطا في تكرار ظهور شخصية سيد بعد وفاته حينما يتبدى شبحه لفوزية في المواقف العديدة التي تمر بها (وفاة الإبن المعاق، الزواج من حودة.. إلخ) وهو تكرار ربما يكون قد أخل بالإيقاع، كما بدا أنه ليس من المنطقي أن تنسحب فوزية من حفل زفافها بحودة وتتجه شاردة نحو شبح سيد الذي يتبدى لها في صورة رومانسية وهو ويناولها وردة حمراء ويرتدي بذلة أنيقة (بالبابيون أيضا)!
ومن الشخصيات الزائدة في الفيلم وكان يمكن ببساطة الاستغناء عنها لربما أصبح الفيلم اكثر إحكاما، شخصية "ليلى" شقيقة حودة التي تقوم بدورها هالة صدقي، وهي ممرضة فضلت العيش مع المجانين داخل مصحة للأمراض العقلية على صحبة البشر في الحياة العادية التي تراها شديدة القسوة في الخارج.. وهي شخصية زائدة لأنها لا تلعب دورا أساسيا في تطوير رؤية الفيلم أو الإضافة إليها، وبدا أنها كتبت خصيصا لكي تؤديها هالة، أو أنها شخصية ثانوية "أدبية" أغوت الكاتبة بضمها إلى السيناريو. وربما يكون مشهد الفتاة الثرية التي تهبط من سيارة فاخرة في المقابر لوضع الزهور فوق قبر والدها أيضا من المشاهد الزائدة عن الحاجة، والمباشرة في تعبيرها عن التناقض بين تعامل كل من الطبقتين مع الموت.. وهو موضوع تم لمسه بشكل عابر لا يضيف للفيلم.
وربما يبدو أسلوب إخراج المشهد الافتتاحي في الفيلم الذي نعود فيه من خلال "فوتومونتاج" إلى زواج فوزية وطلاقها عدة مرات، مشهدا كاريكاتوريا في الأداء والحركة والأسلوب، ولاشك أنه صنع هكذا بقصد الاضحاك، وتصوير المدخل إلى "الحكاية" بطريقة تبدو "هزلية"، وهو ما يتناقض بالكامل مع الطابع العام الأكثر رصانة للفيلم.
ولعل من أجمل مشاهد الفيلم المشاهد ذات الطابع الايروتيكي التي تدور في الحمام بين فوزية وزوجها الشاب، وإن كانت مقتضيات الرقابة فرضت الاكتفاء بتصويرها من زاوية قريبة حتى تبدو الأجزاء العليا من جسديها فقط في الصورة. ويقترب الحوار في الكثير من المشاهد من مناطق محظورة على صعيد الإيحاءات الجنسية خاصة في الحوارات التي تدور بين النساء (بين فوزية ونوسة مثلا) وهي تتمتع بالمصداقية والحرارة والجرأة معا.
وربما يعاني الفيلم من غياب مساحات كافية للتنفس، للصمت، للتأمل، فتراكمت المشاهد واللقطات وغلب الحوار الطويل على البعض منها، وهو ما دفع مجدي لتنويع زاويا الصورة (كأن يلجأ للتصوير من زاوية عالية دون ضرورة درامية للتغلب على طول الحوارات).


أكثر من نهاية
وربما يكون من عيوب الفيلم أيضا وجود أكثر من نهاية لأحداثه: أكمل أهل المنطقة بناء الحمام بعد أن تضامنوا في شراء قطعة الأرض او حصلوا عليها بالتبرع من صاحبها.. وأكملوا وضع بلاطاته ومتعلقاته وأصبح لهم أخيرا حمام يحمي خصوصيتهم، وتتحرك الكاميرا خارج الحمام من اليمين إلى اليسار، في الفضاء الخارجي ملقية نظرة وداع رصينة على المنظر العام.. للنيل الجميل الحاضر بقوة في الخلفية، ونتخيل أن الفيلم بهذا بلغ نهايته الطبيعية من دون أي حاجة إلى شرح أو تعليق، ولكن مجدي يختار العودة إلى شخصيات الفيلم: الأزواج السابقون وفوزية معهم وتبدأ كل شخصية في الحديث كما لو كانوا يلقون "مونولوجات" فردية على خشبة مسرح، ثم يعيد إلينا لقطة ظهور عزت أبو عوف وهو يلوح بالوردة الحمراء ويضحك بسعادة.. ويختم على لقطة للجميع أمام مرآة الحمام وهم يضحكون بينما تظهر صورتهم مشوهة على سطح المرآة.. دون أن نعرف لماذا التركيز على لقطة بهذا الشكل وماذا تخدم!
هذه النهاية في رأيي تنتقص كثيرا من الفيلم، وتجعلنا نأسف لأن ينتهي عمل كبير فيه كل هذا الجهد هذه النهاية الضعيفة بينما النهاية الرصينة الجميلة الموحية كانت هناك، وكانت ستترك تأثيرا أكبر.. لكنه اختيار المخرج. وهو بالطبع حر في اخياراته.
تأثير مجدي على الممثلين وقدرته على التحكم في أدائهم وضبط ايقاعهم واضح في الفيلم الذي يعد أفضل أفلام الهام شاهين وفتحي عبد الوهاب وغادة عبد الرازق دون شك، بل إن نجوى فؤاد تختتم مسيرتها في السينما بدور سيبقى طويلا في الذاكرة.
ولعل أبرز ما يميز الأداء هو الانسجام التام وروح التعاون الواضحة بين الممثلين، والحماسة الجلية في المشاهد الخارجية التي يلعب فيها المكان دورا واضحا أيضا ويساعد الممثلين على تجسيد أدوارهم بإخلاص كبير دون أي افتعال، باستثناء دور عزت أبو عوف الذي انتزع مساحة أكبر مما تقتضي الأحوال داخل الفيلم، بل وتخرج عن نطاق القدرة على التلاحم مع باقي الشخصيات رغم إجادة أبو عوف لدوره في حدود المطلوب. ولكن مرة أخرى.. هذا اختيار المخرج، وكلنا مسؤول عن اختياراته. أليس كذلك!

((حقوق النشر محفوظة ويحظر تماما إعادة النشر بدون تصريح من الناشر))

الثلاثاء، 7 أبريل، 2009

دليل السينمائيين المغاربة

الزميل الناقد السينمائي المغربي خالد الخضري طاقة من الحركة والنشاط، فهو لا يعرف التقوقع أو التجمد أو يكتفي بالحديث عن أمجاد الماضي كما يفعل البعض، بل يقدم على تقديم الجديد من دراسات وكتب عاما وراء عام. وقد صدر له أخيرا كتابان الاول "خربوشة" عن الأسطورة المغربية الشهيرة التي تحولت مؤخرا إلى فيلم سينمائي كتب له الخضري السيناريو، والثاني وهو موضوعنا هنا، فهو قاموس أو بالأحرى "دليل المخرجين المغاربة" باللغة الفرنسية، وهذا الكتاب هو الطبعة الثانية من الدليل الذي كان قد أصدره على نفقته الخاصة عام 2000 وتمكن بنشاطه وقدرته الكبيرة على الحركة من توزيعه بالكامل.
الدليل مرجع لا غنى عنه أمام الدارسين للسينما المغربية والمهتمين بالاتجاهات والتيارات المختلفة داخل هذه السينما التي تزداد ثراء وتنوعا يوما بعد يوم. وليت خالد الخضري يصدر طبعة عربية منه، يوزعها عن طريق شبكة الانترنت.
يضيف الخضري إلى الطبعة الجديدة أسماء جيدة للمخرجين المغاربة الذين ظهروا منذ اصدار الطبعة الأولى مما يصل بالعدد الكلي للمخرجين الذين يقدم معلومات وافية عنهم هنا إلى 274 مخرجا. وتتضمن المواد المنشورة عن المخرجين معلومات شخصية عن كل مخرج مثل تاريخ ومحل الميلاد، والشهادات الدراسية التي حصل عليها، والخبرات المتعددة في العمل السينمائي ثم قائمة كاملة بالأفلام التي أخرجها والجوائز التي قد يكون حصل عليها ثم العنوان البريدي للمخرج أو المخرجة. ويحرص على وضع صورة فوتوغرافية لكل مخرج.
وفي القسم الثاني من الكتاب يقدم الخضري قائمة بالأفلام المعربية التي أنتجت من عام 1958 إلى 2008 أي عبر 50 عاما، ويقدم معلومات وافية عن كل الأفلام: أسماء العاملين وموجز لموضوع الفيلم، ويحرص على نشر صورة من الفيلم أو لملصق الفيلم بشكل فني جدير بالتقدير.
ويقدم المؤلف كتابه بمقدمة وافية يشرح فيها الاتجاهات المختلفة في السينما المغربية ويشير إلى الأسماء الجديدة التي برزت في عالم الاخراج السينمائي في المغرب ويقدم يقسم المواضيع التي تتناولها الأفلام المغربية التي ظهرت خلال السنوات الخمس (من 2001 إلى 2005) إلى أفلام تهتم بقضايا المرأة، وأفلام ركزت على الماضي أي على حقبة القمع والذاكرة المستمدة من سنوات المعتقل وفيها نوع من السيرة الذاتية أيضا كما في أفلام جيلالي فرحاتي "الذاكرة المعتقلة". وهناك أيضا الأفلام التي تتناول قضايا اجتماعية مثل "كازابلانكا في الليل" و"طرفاية" و"طنجة"، ثم الأفلام التي تتناول قضية الهجرة، والأفلام الكوميدية، والأفلام المغربية التي اقتبست من أعمال أدبية.
ويتناول الخضري أيضا ما يطلق عليه "مسألة المهرجانات" يسلط فيها الضوء على ما يقام في المغرب من مهرجانات تتكاثر باستمرار، كما يسلط الضوء تفصيلا على تناقص عدد قاعات العرض السينمائي في المغرب خلال خمس سنوات أي منذ صدور الطبعة الأولى من الدليل.
ولاشك أن الكتاب يوفر مادة مفيدة للغاية أمام دارسي السينما المغربية خصوصا النقاد الفرنسيين أو الناطقين بالفرنسية أو دارسي سينما المغرب العربي والسينما العربية عموما من الطلاب في فرنسا وبلجيكا تحديدا، وهو هدف جيد غير أنه يجعل الكتاب بعيدا عن متناول الدارسين والمهتمين في العالم العربية الذين لا يقرأون بالفرنسية، وليت الخضري يبادر بجهده الكبير وطاقته الهائلة، إلى ترجمة هذا المرجع المهم إلى اللغة العربية حتى يكتمل جهده ويكلل باعتباره ناقدا "عربيا" في الأساس، بل هو أيضا من النقاد المغاربة الذين يكتبون وينشرون أساسا باللغة العربية.

الكتاب يقع في 358 صفحة من القطع المتوسط وقد أصدره المؤلف على نفقته الشخصية.
للاتصال بالمؤلف:
khalid.elkhodari@gmail.com

الاثنين، 6 أبريل، 2009

لماذا نكره الجنس؟

يشعر كثيرون بالغضب من تناول السينما العربية لقضايا الجنس، فالمفاهيم "الأخلاقية" او تلك التي تتلحف بالأخلاق القويمة وتتشدق بالحديث عن "القيم" و"التقاليد" و"الثوابت"، ترى أن الجنس "حرام"، وتصويره يثير الغرائز، ويحض على الرذيلة بالضرورة كما لو أن الجنس فعل سري يجب إستنكاره، ويتعين علينا إنكاره أو تغييبه من تناولنا الأدبي والفني.
هؤلاء يذكرونني بالنعامة التي لا تريد أن ترى وتفضل أن تدفن رأسها في الرمال.نحن جميعا نعرف أن الشباب، وأعني كل الشباب في العالم بما في ذلك العالم العربي، مهتم كثيرا بالجنس، ويريد أن يفهم العلاقة بين الجنس والحياة، وبين المجتمع والجنس، وبين الفن وتصوير الجنس. وفي فهم الجنس فهم للعلاقة الصحية بين الرجل والمرأة، وكيف يمكن أن تصب في اتجاه صحيح وتبتعد عن الانحرافات والتشوهات النفسية الخطيرة، وفي فهم طبيعة الجنس فهم للحياة، ولا يمكن للسينما أن تنعزل عن الحياة. وأي إنكار لأهمية تناول الجنس على الشاشة وغير الشاشة، هو إنكار لأهمية التعلم والتنوير والفهم بل وإنكار للحياة نفسها.
وقد أثار الكثير من الأفلام العربية غضب الكثيرين واستنكارهم بعد أن أصبحت المجتمعات العربية تعود إلى الوراء بل وترتد، إلى مناقشة ما كنا نتصور أنه حسم من قضايا في بدايات القرن العشرين، وذلك تارة باسم "الصحوة" في حين أنها في الواقع "غفوة" جلبها تجار "الأفيون الفكري" معهم من جبال أفغانستان ووزيرستان وحطوا بها على مجتمعاتنا التي كانت مهيئة لاستقبال كل تلك الأفكار المتخلفة العتيقة البالية بعد هزيمة مشروع التحرر على أيدي الطبقات الحاكمة التي ارتضت حاليا بالتبعية (للغرب على الصعيد السياسي عموما، ولأكثر الأفكار البالية تخلفا على الصعيد الفكري خصوصا - وأنظر قناة الجزيرة الفضائية نموذجا بينا واضحا لتلك الازدواجية المرضية!).
لقد أثار فيلم "سميرة في الضيعة" للمخرج المغربي لطيف الحلو، مناقشات صاخبة بسبب تصويره لمشكلة الجنس في اطار اجتماعي واضح. وكان فيلم "حين ميسرة" قد قوبل من البعض بنوع من الهجوم غير المسبوق إعلاميا بدعوى تناوله البين للجنس، وقبل هذا وذاك، تعرض الكثير من السينمائيين لهجمات من أشخاص لا يحبون السينما أصلا بل يكرهونها ويعتبرونها شرا مستطيرا.
وسوف أتطرق قريبا إلى هذا الموضوع بالتفصيل من خلال التناول النقدي لفيلم "سميرة في الضيعة" لكي نرى حقا ما إذا كنا "جماعة بشرية" محصنة ضد إغواء الجنس بل ضد ضرورته، أم أننا نكذب على أنفسنا وعلى غيرنا ونريد أن يصدق الآخرون أكاذيبنا!

السبت، 4 أبريل، 2009

"طرفاية" نداء السفر إلى البلاد البعيدة القريبة


من أهم وأفضل ما أنتجته السينما المغربية من أفلام خلال السنوات الأخيرة فيلم "طرفاية" (أو "باب البحر) ثالث الأفلام الروائية الطويلة للمخرج داود أولاد السيد. وقد لقي هذا الفيلم اهتماما نقديا وجماهيريا كبيرا حيثما عرض، وفاز بجائزة النقاد في مهرجان تطوان السينمائي 2005، وكان كاتب هذا المقال عضوا في لجنة التحكيم التي منحت الجائزة للفيلم.
ويستمد الفيلم مادته الرئيسية من إحدى القضايا التي تتناولها، بشكل شبه يومي، عناوين الأحداث الجارية، وهي قضية تتعلق بالعلاقة المعقدة بين ضفتي المتوسط، بين أوروبا الغربية وبلدان شمال أفريقيا أو المغرب العربي.
يصور الفيلم كيف يستبد الحلم بالهجرة، من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني، بالشباب ويقض مضاجعهم، وينتهي عادة إلى كارثة يدفع ثمنها الفقراء الحالمون. إلا أن الفيلم لا يقتصر فقط على البعد السياسي الضيق للموضوع، بل يوسع إطاره، ويجعل من الحلم الدائم بالهجرة عند بطلته الشابة البريئة "مريم"، حلما تغذيه عشرات الإحباطات الاجتماعية المرتبطة بالفقر والتخلف والقهر والكبت: الجنسي والسياسي والاقتصادي.
الحلم والواقع
يبدو هذا الحلم - الذي يصل إلى مرتبة الهاجس القهري الذي يفرض سيطرته على الخيال والوعي - مرتبطا أيضا ومنذ زمن طويل، بأسطورة قريبة من أسطورة "النداهة" أو جنية البحر التي ترقد تحت الماء، تدغدغ مشاعر الحالمين، وتغوي الضائعين وتغريهم بقدرتها السحرية على انتشالهم من وهدة الفقر والوحدة والتشرد والضياع.
شخصيات الفيلم "الذكورية" من الرجال لا تقل ضياعا عن بطلتنا مريم: عبد السلام ضابط شرطة حراس الحدود الذي أوشك على التقاعد وبدأ يفقد توازنه بفعل ما يشاهده يوميا منذ سنوات من محاولات متكررة للفرار ينتهي معظمها بمأساة، وزميله الضابط الشاب الذي يبحث عن فرصة للتسلق الاجتماعي ولو عن طريق الارتباط مؤقتا بعاهرة، وحسن.. الصعلوك المغامر الذي أراد الإفلات من واقعه الاجتماعي القاسي بالسطو على البؤساء وحرمانهم من كل ما يملكون من مال يريدون أن يدفعونه ثمنا للحرية أي للذهاب إلى البلاد القريبة- البعيدة.
وهناك أيضا الضالعون في عمليات تهريب البشر بحرا، ومنهم "ريكي" الذي يمارس مهنته البشعة متسترا بثقوب في النظام، ويدفع ضحاياه ثمنا باهظا مقابل القيام برحلة تنتهي عادة إلى كارثة محققة، والصبي "نوح" الذي يعمل وسيطا بين الراغبين في السفر ومحترفي تهريب المسافرين.
هذه الشخصيات كلها تدور بشكل أو بآخر حول شخصية مريم.. الخادمة التي تسعى للفرار من مصيرها المحتوم، تراودها أحلام الثراء والحرية في أسبانيا، لا يستطيع أحد أن يثنيها عن المحاولة رغم أنها فقدت ثلاثة من أخوتها في محاولات مماثلة، إلا أنها تنتهي أكثر ضياعا وشعورا بالوحدة.
وهناك أيضا فاطمة: تلك المرأة المتبرجة، مخدومة مريم، التي جاءت إلى هذه المنطقة النائية للبحث عن مريم، تتهمها بسرقة بعض المال من مسكنها قبل هروبها.
وتثير "فاطمة" المطلقة اللعوب، بدلالها والحلي الذهبية التي تتدلى من ذراعيها، شهية ضابط حراس الحدود الشاب وتولد في داخله أحلامه الخاصة وتدفعه إلى رسم خططه الواهية لمستقبل قد لا يأتي أبدا.

نوح يقود مريم إلى "الحاجة" التي تمتلك منزلا غريبا في البلدة الساحلية، تؤجر غرفه للنساء الراغبات في الفرار من مصيرهن. محركها الأول كما نرى - هو المال، ورغم إلحاحها في الحصول عليه بشتى الطرق لا تعدم بعضا من طيبة قلب وإحساس خفي بالتضامن مع نزلاء منزلها.
أهمية المكان
المكان في الفيلم يكتسب أهمية خاصة. طرفاية هي تلك البلدة الساحلية في جنوب المغرب قبالة جزيرة "فيورا فنتورا" الأسبانية التي عرفت كمدخل إلى الأراضي الأسبانية والأوروبية عموما بالنسبة للكثير من الحالمين بالهجرة.
وفي البلدة التي يطلق عليها أيضا "باب البحر" تنتعش تجارة تهريب البشر، وإيواء الراغبين في أماكن هي أقرب إلى أقبية وكهوف تنعدم فيها أي وسيلة إنسانية، تمهيدا للمغامرة التي قد تنتهي بالهلاك.
مريم تتعرض للسرقة من جانب حسن مباشرة بعد أن تطأ قدماها أرض البلدة. عبد السلام الضابط ينجح في إعادة المسروقات إليها. حسن الضائع الضعيف يعاني بعد ذلك مباشرة من عقدة الإحساس بالذنب تجاه مريم، فيحاول أن يثبت لها أنه يصلح رجلا لها فيسرق أموال العصابة التي يعمل لحسابها لكي يعطيها لها علها تتراجع عن رغبتها في السفر.
الشرطي العجوز يسيطر عليه أيضا هاجس إنقاذ مريم. والحاجة تحاول أن تزين لمريم استغلال ما يبديه هو تجاهها من اهتمام دون ان تمنحه نفسها، لعله يساعدها في تحقيق حلمها بالسفر. ونكتشف أن مصدر اهتمام الشرطى العجوز بميرم لا ينبع من رغبة في مضاجعتها بل يرى فيها ابنته التي يخشى أن تلقى مصيرا مشابها.
عمل ملحمي
يصنع داود أولاد السيد عملا ملحميا كبيرا دون تزويق ودون ادعاءات، من خلال أسلوب سينمائي رقيق وحساس، وسيناريو مدروس بدقة. وهو يلمس بمبضع حاد الكثير من المناطق الحساسة: الازدواجية التي يكشف عنها التناقض بين مظاهر التدين الجوفاء وامتهان مهن أقرب إلى القوادة، ممارسة الشعوذة والاحتيال وادعاء الطهارة والرجولة والتجرؤ على إسداء النصح للآخرين، الاشتغال بمهنة حماية المجتمع (الشرطة) بينما الفساد الداخلي يعشش داخل الرؤس والقلوب، وهكذا. إنها ثنائيات يطرق عليها الفيلم دون أن ينجرف إلى الخطابة أو المباشرة الزاعقة.
مخرج الفيلم داود أولاد السيد

ويستخدم المخرج أسلوبا سينمائيا أقرب إلى الواقعية السحرية التي تميز الأدب الأمريكي اللاتيني، فهو يخفي أكثر مما يكشف، يتناول الواقع لكن بلمسة تأمل روحي عميق. وينجح في شد أنظار المشاهدين إلى فيلمه المتميز بلقطاته الموحية، من خلال الاهتمام الكبير بالتكوين وحركة الكاميرا واختيار زوايا التصوير والاستغلال البارع للمواقع الطبيعية.
ويتميز الفيلم أيضا بالمزج بين التسجيلي والروائي، فهناك رصد دقيق بالكاميرا لواقع البلدة: مظاهر الجفاف والفقر والتخلف والقهر والعزلة السرمدية والانتظار اللانهائي.
لحظات صمت
وهناك لحظات المراقبة والترقب التي تسيطر على الجميع، يتم التعبير عنها من خلال اللقطات الطويلة التي تتركز على سيارة الشرطة الكامنة في الانتظار أو على شخصيات النساء اللاتي يقبعن في منزل "الحاجة" في انتظار الخلاص، بعد أن هجرهن الأزواج أو تخلى عنهن الدهر.
وهناك أيضا التصوير الدقيق للحظات المطاردة بين المهربين والشرطة، والتواطؤ بين الشرطة الأسبانية وبعض رجال الشرطة المغربية، حيث يبدو الجميع كما لو كانوا يشتركون في لعبة مشتركة مستمرة طيلة الوقت.
في النهاية تنجح مريم في إقناع الشرطي بتقديم يد المساعدة لها، وتجد نفسها في سفينة صغيرة وسط عشرات البائسين الفارين، إلا أن مشاجرة بين الرجال تنشب في القارب بسببها، فتهرب إلى قارب صغير يتأرجح بها في عرض البحر. وينتهي الفيلم دون أن نعرف كيف يكون مصيرها.
تروي فاطمة للشرطي الشاب حكاية قصيرة ذات مغزى فتقول إنها أتت من بلدة تدعى "لاجارا" وهي مملكة ضاق ملكها ذرعا بشعبه فقرر بيعها للفرنسيين. هل يعني هذا أن شعب هذه المملكة أصبح عبيدا عند "الآخر"، أو أن شعبا بدون ملك أصبح شعبا ضائعا عليه البحث عن وطن آخر يحكمه ملك، أم أن "لاجارا" معادل مجازي للمغرب بأسره!
أخيرا ربما كانت "طرفاية" بأطلالها الباقية، تعبر بحق، كما يقول المخرج، عن قارة أفريقيا المفقودة التي يبدو أن الجميع قد أصبحوا يرغبون في الفرار منها. ولعل هذا هو مغزى المكان والزمن.. بطلا هذا الفيلم البديع حقا.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2015- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com