السبت، 15 نوفمبر، 2008

احتكارالدولة للثقافة والبحث عن ثقافة بديلة



الدولة المصرية تصر وتؤكد ليلا ونهارا أنها فتحت كل الأبواب أمام القطاع الخاص ورجال الأعمال والاستثمارات الخاصة. وهي تتحدث كثيرا عن "الانفتاح" و"اقتصاد السوق" و"العرض والطلب" و"الخصخصة".
إلا أن الشواهد كلها تؤكد أن قبضة الدولة لاتزال قائمة، من الخلف، أي خلف كل رأسمال خاص أو رجل أعمال يحصل على شريحة كبيرة من السوق، تقف الدولة الرسمية أم ممثلي الدولة لحسابهم الخاص. ولم يعد سرا أن المال اختلط بالسياسة، وأصبحت العلاقة وثيقة بين الاثنين: من ينجح في السوق عليه أن يؤدي الضريبة في السياسة: للحزب ولدولة الحزب بالطبع، إن لم يكن لأفراد محددين في الدولة وليس لدولاب الحكم نفسه. وهذا ما ينكشف عنه الغطاء يوما بعد يوم في قضايا الفساد الشهيرة.
وفي الثقافة تتبع الدولة أو النظام الحاكم أو الحكومة (اختر ما يناسب ذوقك!) سياسة مشابهة، فهي تعلن أنها مع تشجيع المجتمع المدني والمبادرة الفردية لكنها لا تبدي عمليا ما يشير إلى أنها حقا مع هذا الاتجاه بل على العكس، تقبض بقوة على كل مواقع القوة، وترفض أن تدعم التجمعات المستقلة التي تتكون على استحياء هنا وهناك.
وفي حين أن الدولة ممثلة في وزارة الثقافة تمارس احتكارا للسلطة الثقافية، لا يتردد وزير الثقافة فاروق حسني في كل مناسبة في إعلان أن وزارته لا تمارس الثقافة، ولا تحتكر العمل الثقافى، وأنه مع إلغاء وزارة الثقافة!
إن تحرير الثقافة ليس مجرد كلمات، ولا شعارات، بل موضوع يرتبط أساسا بقضية الحرية في المجتمع عموما.
لاشك أن للدولة دورا مهما في دعم الثقافة في العالم الثالث، ولكن هذا الدور لا يتحدد على أساس من معي (أيديولوجيا وسياسيا) أساعده وأمده بالمال وأسمح له بالوجود والانتشار، أما من ليس معي فهو ضدي بالضرورة، وبالتالي أصادر حقه في الوجود المستقل، وأمنع عنه الماء والهواء، وأحظر ظهوره في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة كما يحدث بالفعل، فالثقافة المسموح لها بالوجود هي الثقافة التي تجاري السائد في المجتمع بدلا من الدعوة إلى تغييره، والتأسيس لثقافة أخرى تدريجيا تحل محل ثقافة "الموالاة" السائدة التي أثبتت إفلاسها.
إن مشكلة المثقف الديمقراطي المستنير أنه أصبح بلا مؤسسات عامة أو خاصة تحتضنه، يجدا نفسه في داخلها ويعبر من خلالها دون أن يخشى الهجوم المزدوج عليه: أولا من جانب المؤسسة الرسمية التي تعادي كل ما هو مستقل عنها أيديولوجيا كما ذكرت، وثانيا من جانب جماعات التطرف والتشنج الفكري والدعوة إلى استقالة المرأة من التاريخ وهروب الرجل خارج العقل والمنطق والانتحار في الماضي بحثا عن المدينة الفاضلة التي لا وجود لها.
إن الإرهاب والتطرف وكل الظواهر العنيفة تقتضي العمل على إرساء ثقافة أخرى: ديمقراطية، شفافة، تستند إلى مكتسبات الحضارة الإنسانية بأفق مفتوح، والاهم من هذا وذاك أنه لم يعد يجدي أن يختبئ المثقف الديمقراطي وراء لافتات ذات صبغة مهادنة، تتخلى طواعية عن برنامج التغيير المنشود ولو بعد سنوات أو تؤجله كما تؤجل المواجهة الفكرية التي لابد أنها ستأتي، وعندما ستنتهي فترة الـتأجيل يمكن جدا أن تتخذ تلك المواجهة أشكالا صدامية عنيفة.
ولنأخذ مثالا قضية العلمانية التي نجحت أصوات الماضويين في وصمها في عقول العامة بالكفر والإلحاد والمروق في حين غابت تماما الأصوات القادرة على تقديم الفكر العلماني كفكر "إنساني" يكفل ويؤكد ويكرس حرية الفرد وحرية العقيدة، بل ويوفر الحماية لممارسة العقائد، كل العقائد، في مجتمع مفتوح متعدد الأطياف.
ومن الصحيح القول بأنه ليس من الممكن الحديث عن الديمقراطية مع تجاهل العلمانية (أو تأجيلها أو إغفالها عمدا بدعوى تحاشي صدام لا نقدر عليه الآن)، بل إن هذا التراجع الدائم والمستمر والتخلي الطوعي عن إبراز سمات الثقافة الأخرى البديلة التي نريد الوصول إليها مستقبلا، هو الذي يزيد من مساحة الهزائم الفكرية، ويترك الفرصة سانحة دون أي تحد، أمام زحف قيم التصحر الفكري ومقاييسه وأشكاله الخارجية التي ترتبط عضويا بما تمثله.
ولاشك أن فاروق حسني عندما يدعو بشكل ما، إلى إلغاء وزارة الثقافة، فإنه لا يأمل في تفعيل مؤسسات المجتمع المدني المعطلة والمشلولة عن العمل، فهو يدرك جيدا أن الدولة لن تتخلى ببساطة عن فكرة "التوجيه" و"الإرشاد" التي سادت منذ الخمسينيات وسيطرت على ما يسمى بأجهزة الإعلام والثقافة الرسمية، بل ستمنح حق الممارسة الثقافية إلى مؤسسات رأس المال التي توجد أساسا، بقرار من الدولة الحالية ونظامها، وتحتمي بها وترتبط بمؤسساتها ولا يمكنها إلا أن تعمل لصالحها. وبهذا تكتمل الدائرة المفرغة التي لا مناص من الخروج منها بتحرير الثقافة وإعادتها إلى المثقفين الديمقراطيين.

2 comments:

إسلام يقول...

أحييك يا أستاذ أمير على هذا المقال...أحيييك بشدة على مقال يجب إزالة قبيلة آل سعود من عالمنا....أنا عندي 23 سنة و كل يوم في حياتي بحاول أحارب التخلف اللي القبيلة دي بتحاول تنشره ف مصر

يسلم قلمك

:)

غير معرف يقول...

مقال يجب ازالة قبيلة آل سعود من عالمنا يعكس كل ما يشعر به المصريون بعد قرار جلد الطبيبين.. هؤلاء الجرذان ابنءا هذه القبيلة القذرة يجب أن تقطع الحكومة المصرية العلاقات معهم على الفور إذا كانت تحترم نفسها حقا..

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com