الأحد، 24 أغسطس، 2008

كلاسيكيات معاصرة: "إمبراطورية الحواس"


الجنس كتعبير عن رفض الواقع


عندما عرض فيلم "إمبراطورية الحواس" للمخرج الياباني ناجيزا أوشيما Oshima للمرة الأولى في مهرجان كان السينمائي عام 1976، انقسمت الآراء حوله كما لم يحدث من قبل بالنسبة لأي فيلم. البعض اعتبره مجرد عمل مثير للغرائز وبالتالي للاشمئزاز والنفور والغضب، وفيلما من الأفلام الجنسية الإباحية أو ما يعرف بـ "الأفلام الزرقاء" (أو البورنوجرافيا) pornography. والبعض الآخر اعتبره تحفة سينمائية وقصيدة بصرية بليغة حول البحث المطلق في العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، والتأمل في جوهر وطبيعة العلاقة الحميمية الحسية كمعادل للوجود الإنساني نفسه أو ربما كتجسيد له.
منذ ذلك الحين برز اسم المخرج ناجيزا أوشيما على خريطة السينما العالمية، واعتبر أكثر السينمائيين اليابانيين تحررا في الفكر والصياغة الدرامية والقدرة على اقتحام المواضيع الصعبة وسبر أغوار الجوانب المسكوت عنها.
إلا أن "إمبراطورية الحواس" The Empire of Senses واجه مصاعب عدة مع الرقابة في الولايات المتحدة وبريطانيا رغم التصريح بعرضه دون مشاكل في فرنسا. وبمجرد وصول نسخة الفيلم إلى الولايات المتحدة، قام ضباط الجمارك بمصادرتها على الفور باعتبار أن الفيلم يتضمن تصويرا فاحشا اعتبر – على نحو ما- عملا منافيا للآداب العامة. وتكرر الأمر نفسه في بريطانيا.

في مملكة الحواس
هنا قام الطرف الفرنسي في الإنتاج بإعادة تصدير الفيلم إلى بريطانيا مرة أخرى بعد تغيير اسمه إلى "في مملكة الحواس" In the Realm of the Senses
ومنحت الرقابة البريطانية الفيلم تصريحا مقيدا يقضي بقصر عرض الفيلم على نوادي السينما ودور الفن والتجربة بعد أن حصل على علامة "إكس" المزدوجة التي لا تمنح عادة إلا لأفلام "البورنوجرافيا". ولم يعرض الفيلم بالتالي إلا في دارين لعروض الفن والتجربة في العاصمة البريطانية هما "سكالا" و"جيت نوتنج هيل". وكلاهما اليوم لم يعد له وجود مع زحف قيم أخرى ومفاهيم أخرى في السينما.
وبعد نحو خمسة عشر عاما من ظهوره سمحت الرقابة البريطانية (أي عام 1991) بعرض الفيلم عروضا عامة في دور العرض التجارية على نطاق واسع، ولكن نسخة الفيديو من هذا الفيلم ثم الدي في دي أو الاسطوانات الرقمية كان عليها أن تنتظر إلى ما بعد بداية األفية الثالثة لكي تصل إلى البيوت.
شاهدت هذا الفيلم للمرة الأولى في العاصمة الفرنسية عام 1981، وبهرني الفيلم، ليس فقط بجرأته الشديدة واقتحامه لخفايا وأسرار عالم قائم بذاته هو عالم الجسد، بل أيضا لأسباب تعود إلى التقنية العالية لمخرجه، وللأداء التمثيلي المقنع بشكل مدهش لبطليه، وكأنهما ارتبطا معا بالفعل بعلاقة عاطفية مشبوبة، خاصة أن الفيلم يعتمد اعتمادا رئيسيا على أداء البطلين ومناجاتهما الحارة وظهورهما معا في لقطات حب طويلة وتفصيلية.
وعدت لمشاهدة الفيلم مرة أخرى في عرض خاص نظمته الشركة البريطانية التي اشترت حقوق توزيعه في بريطانيا وهي معهد الفيلم البريطاني أو مؤسسة السينما البريطانية British Film Institute المدعومة من مجلس الفنون أي من المؤسسة الرسمية التي تعنى بشؤون التنشيط السينمائي من الناحية الثقافية. إذن فقد حصل الفيلم على اعتراف مؤكد من قبل أرقى هيئة سينمائية بريطانية، واعتبر عملا فنيا ذا قيمة طليعية وتجريبية.. ثم عدت لمشاهدته بعد ان صدر قبل سنوات في اسطوانة رقمية. ولكن ما الذي حدث أصلا وسبب كل ما سببه من متاعب للفيلم وصاحبه؟

عودة إلى الماضي
ربما يكون مناسبا العودة إلى الفترة التي شهدت ظهور الفيلم للمرة الأولى لكي نضعه في السياق التاريخي الصحيح لتطور التعبير السينمائي البصري في حينه.

كانت فترة منتصف السبعينيات فترة حافلة بأعمال فنية قطعت شوطا طويلا في استخدام الجنس صراحة، فقد اعتبرته محورا رئيسيا للعمل الفني، وصورته بجرأة تجاوزت كل ما كان مسموحا به من قبل. وكان هذا بالطبع محصلة للطفرة التي تحققت بفضل ما عرف في الستينيات بـ"الثورة الجنسية".
ولازلت أذكر الدراسة التي نشرها د. لويس عوض في صحيفة "الأهرام" وتحديدا في ملحقها الأدبي، عن مسرحية "هير" أي الشعر، وقت أن كانت للملاحق الأدبية سمعة محترمة، وقبل انهيار الأهرام نفسه مع انهيار الفكر السياسي على صعيد النخبة المستاثرة على الساحة وليس على صعيد النخب المهمشة التي تحتفظ بحيويتها طيلة الوقت.
وكانت تلك المسرحية تعتمد على ما يطلق عليه البعض الآن "مسرح الكباريه السياسي". وكانت تعبر – على نحو ما – عن غضب واحتجاج الشباب الأمريكي وإحساسه بالاغتراب، على خلفية الحرب التي كانت لا تزال مشتعلة في فيتنام. وكان التحرر قد وصل إلى أقصاه في تلك المسرحية: ممثلون يؤدون لأول مرة ربما في تاريخ المسرح- رقصات وهم عراة تماما، ويتخذون أوضاعا جنسية مباشرة. بعدها ظهرت مسرحية أخرى على خشبة المسرح الإنجليزي يمارس فيها البطلان – الممثل والممثلة – وهما هنا يلعبان دوري زوج وزوجة- الجنس صراحة كل ليلة على خشبة المسرح أمام الجمهور مباشرة.
ثم كان ظهور فيلم "التانجو الأخير في باريس" Last Tango in Paris للمخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي عام 1973 بمثابة صدمة كبرى للأوساط الرقابية والسينمائية. وقد ثارت حول هذا الفيلم ضجة هائلة، وأثار عروضه أصداء واسعة وقضايا متشابكة، فقد منع لفترة في معظم العواصم الأوروبية، بل ووصل الأمر إلى حد صدور حكم قضائي في روما بسجن مخرجه بتهمة المشاركة في صنع عمل يدعو إلى الانحلال.
وعادت الضجة مرة أخرى عندما قدم الإيطالي بيير باولو بازوليني فيلم "سالو" Salo (أو 120 يوما في حياة سادوم) الذي كان بالمناسبة آخر ما يخرجه من أفلام. وجاء "سالو" متجاوزا كل الحدود المعروفة والمألوفة، فقد كان بازوليني يصور فيه بجرأة وبأسلوب فني متميز وخلاق، العلاقة بين العنف الفاشي المجنون والشذوذ الجنسي، ليس بمعناه المثلي البسيط، بل بمعنى الإغراق في أكثر أنواع الجنس سادية ودموية عنيفة تصل إلى الحيوانية والبدائية المطلقة التي تذكرنا بفترة الانحطاط الأخيرة في عصر الإمبراطورية الرومانية. كان هناك بالطبع ربط مباشر وواضح – لمن يريد أن يقرأ بصريا ويدرك- بين دموية المنهج السياسي المعادي للإنسان، وبين الممارسات السلوكية الفردية التي يتحول خلالها الفرد إلى عضة في قطيع همجي يمارس كل ما يمكن تخيله من جرائم وبشاعات: من اغتصاب وقتل وقطع للأثداء وتمثيل بالأعضاء الجنسية وإرغام الآخرين الضحايا على أكل البراز وغير ذلك.
الفاشيون في إيطاليا – وهم ما زالوا موجودين حتى يومنا هذا – فهموا الرسالة بالطبع. ولم يكن غريبا أن يتربصوا بالفيلم ومخرجه، يقيمون الدنيا من حوله حتى قبل أن ينتهي مخرجه من إخراجه. وعلى إثر ذلك فقد بازوليني حياته في حادث بشع لا يزال البعض يرى من وراءه أصابع الفاشية.
كان "سالو" يعتمد على إعادة تجسيد أحداث حقيقية وقعت في الشمال الإيطالي قبيل اكتمال عملية تحرير البلاد في نهاية الحرب العالمية الثانية، في آخر معاقل الفاشية الإيطالية المهزومة.
ناجيزا أزشيما ومساعده وبطلا فيلمه "جوباتو"

أجواء الفاشية
أجواء الحرب وصعود الفاشية في اليابان ربما كان أيضا وراء ظهور فيلم "إمبراطورية الحواس" الذي يعتمد – شأن "سالو" – على حادثة حقيقية وقعت في طوكيو عام 1936 قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة.
تبدأ تلك الحادثة بقيام رجال الشرطة بالقبض على بائعة هوى قتلت عشيقها بطريقة وحشية عن طريق تجريده بقسوة من عضوه التناسلي، ثم هامت على وجهها في الشوارع وهي تحمل عضو الرجل الذكري. ووراء المرأة قصة هي التي يرويها أوشيما في فيلمه برصانة كبيرة، ويجعل عشرات المشاعر والتساؤلات تجول بخاطرك وأنت تشاهد فصولها المتعاقبة.
يبدأ الفيلم بامرأة شابة من بائعات الهوى تدعى "سادا" تهجر مهنتها وتلتحق بالخدمة في أحد منازل السادة في طوكيو. المنزل يملكه رجل متزوج حديثا، والخادمة واحدة من خادمات مثيرات غيرها يسهرن على شؤون المنزل وخدمة سيده الذي يعشق فيما يبدو، حياة اللهو الاسترخاء والكسل.
تقوم زوجته كل صباح بمساعدته على الاستحمام، ويمارس الإثنان الحب معا، برغم النظرات المتلصصة للخادمات الفضوليات من فرجة الباب ومعهن "سادا" التي تتفتح شهيتها الجنسية تجاه سيدها الشاب القوي، إلا أنه لا يبدو مدركا لوجودها. وذات يوم تقع مشاجرة عنيفة في المطبخ بين ربة البيت وسادا التي تصل في تهورها وحنقها إلى حد تهديد سيدتها بالسكين. ف يتلك اللحظة يصل الزوج وتلفت سادا نظره، بتوحشها وجمالها الفائق وفورانها الطبيعي، وسرعان ما تبدأ بين الاثنين علاقة حسية أو علاقة عشق ملتهب لا يعرف قيودا، تصبح علاقة شبه معلنة يعرف بها كل سكان المنزل.
الرجل – ويدعى "كيشي" – يكاد يصبح متفرغا لشؤون الحب والهوى، والمرأة من ناحيتها ترغب في الاستيلاء عليه استيلاء تاما كاملا غير منقوص، فهي تحظر عليه أن يقرب زوجته، تريد أن يكون معها ليلا ونهارا.

مفهوم الحب
ويستمر الإثنان في ممارسة الحب الحسي الجارف بكل صنوفه وأشكاله الممكنة وغير الممكنة. وأثناء ذلك يدور حوار طويل ممتد عبر الفيلم بأكمله، عن مغزى الرغبة وعن مفهوم الحب، عن معنى الألم وعلاقته باللذة، وعن الجاذبية الطبيعية بين الرجل والمرأة. تتفنن المرأة في ابتكار صور وأشكال الحب والجنس، وتكتشف باستمتاع خاص العلاقة بين اللذة والألم، وبين الجنس والسيطرة القدرة على تحطيم الحاجز القائم تاريخيا بين الطبقات.
يقضي العشيقان ليلة معا في أحد بيوت المتعة حيث تلحق بهما إحدى فتيات الجيشا، ثم تحضر مغنية عجوز تجلس أمام العشيقين، تغني وتعزف على آلة وترية شبيهة بالعود فيما العشيقان يمارسان الجنس أمامها، ثم يدور حوار غريب بين سادا والمغنية:
- كيف ترين هذا الرجل؟
- أجده جذابا شابا وسيما.
- كم عمرك؟
- ثمانية وستون عاما.
- هل تشعرين بالرغبة وأنت في هذه السن؟
- مشاهدة الشباب تغوي المرء!
- هل تريدين مضاجعته؟
- نعم.. ولكن...

من المشهد الأخير في "امبراطورية الحواس"

تتردد المرأة برهة، تتطلع بنوع من الاشتهاء إلى جسد الرجل العاري، وعلى الفور ينهض الرجل يجذبها ويمارس معها الجنس أمام سادا التي تراقب بانبهار ما يحدث، تكتشف على ما يبدو ألغازا كانت خافية عليها من خفايا عالم الجسد.تبتكر سادا فيما بعد طريقة شاذة للحصول على أقصى إحساس بالمتعة عن طريق المزج بين الجنس والألم، فهي تستخدم حبلا رقيقا تخنق به رقبة حبيبها أثناء ممارسة الجنس. يقول الرجل لها إنه لا يمانع طالما أن هذا يدخل السعادة على نفسها، لكنها تغضب وتلح عليه أن يغمض عينيه ويندمج مع الفكرة ومع الإحساس بها وأن يشعر بما تشعر به من لذة. يوافقها الرجل الذي يشعر بالانجذاب الشديد إليها ولا يمانع في إرضائها بأي شكل.
تدريجيا تتسلل إلى نفس سادا رغبة واضحة في الامتلاك.. امتلاك الرجل والسيطرة المطلقة عليه. إنها تغار من مجرد أنه يفكر في الرغبة في الحصول على قسط من الراحة بين أشواط المطارحات الجسدية التي لا تنتهي ولا تتوقف إلا لكي تبدأ مجددا. يريد هو أن يذهب لقضاء حاجته، لكنها لا تريد أن تمكنه من ذلك، فقد سيطرت عليها الرغبة سيطرة كاملة وأصبحت أسيرة لفكرة الانتحار في الآخر ومع الآخر، تريده أن يمتلكها كما تريد امتلاكه، ليس تحقيقا لتطلعات مادية أو شخصية بل فقط من أجل استمرار اللذة حتى النهاية.. نهاية الحياة المرتبطة بنهاية اللذة!
يسقط الرجل في النهاية فريسة للإرهاق الطبيعي. يسترخي يحاول أن ينال قسطا من الراحة. إلا أن سادا تواصل خنقه بالحبل لعلها توقظ فيه الرغبة مرة أخرى. تكاد تخنقه وهي تشدد من ضغطها على الحبل في إلحاح لإعادة الرغبة إليه. إلا أن الرجل يصل إلى ذروة الإجهاد فيستغرق في النوم. ينتهي الأمر بقيامها بتنفيذ رغبتها الراسخة المبيتة في امتلاكه إلى الأبد، فتقوم بطريقة وحشية بإخصائه باستخدام سكين، في مشهد صادم للعين.

الخوف من الموت
الموضوع الذي يطرحه أوشيما في "إمبراطورية الحواس" هو موضوع الجنس، ليس في حد ذاته، بل في ارتباط الحب بالجنس، اللذة بالألم، الألم بالسيطرة وبشهوة تحقيق التسيد إخفاء لضعف طبيعي يرتبط بالخوف من المستقبل، من النهاية أي من لحظة تنتهي فيها اللذة إلى الأبد ولا يمكن استعادتها كمعادل الموت. إنه الخوف من الموت، هو الموضوع الذي يشغل مخرجنا هنا. إنه نوع من البحث الصوفي المعذب عن الخلود، عن تخليد اللحظة، وعن مغزى الوجود من خلال العلاقة الحميمية اللصيقة مع الآخر.
أما على المستوى الأكثر شمولية يتعامل الفيلم مع الشخصية اليابانية لكي يجسد من خلالها حالة الفراغ المطلق والخوف من المجهول التي كانت تسيطر عليها قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، أي خلال فترة القلق فيما بين الحربين، وهي نفسها فترة قمع: اجتماعي ونفسي وجسدي مع صعود الفاشية التي تلغي الفرد لحساب الكتلة الصماء للمجموع.
إنه يعكس بوضوح رغبة عارمة في إغماض العين عما يحدث في الخارج (نحن مثلا لا نعرف اي شئ عما يجري خارج المنزل)، في الهروب من الواقع الكئيب الذي يتجه حثيثا نحو الحرب، ويجعلنا نتساءل: كيف يمكن لتلك التركيبة الرقيقة المعذبة بفكرة البحث عن اللذة أن تتجه إلى انكار الفرد تماما ودفعه دفعا إلى الذوبان وسط المجموع حسب الأفكار الفاشية التي لا ترى إلا أن الفرد ترس صغير في آلة الدولة، ولا تبالي بالتضحية به في سبيل بقاء الدولة.
إن الجنس في "امبراطورية الحواس" معادل موضوعي للتمرد، لرفض القيم السائدة الجامدة المتشنجة، والعاوى القومية الفاشية التي تطالب المرء بل ترغمه، على الذوبان في المجموع، أي ان يتحول إلى جزء من "قطيع" مدفوع بهاجس واحد فقط: خدمة الامبراطور الذي يعتبر إلها في اليابان، والامبراطور رمز لا يراه أحد، أماالمقصود فهو خدمة مؤسسة الدولة: التي ترغب في السيطرة والقهر والتوسع والتمدد الخارجي وإعادة صياغة إنسان جديد يتخلص من المشاعر الفردية، ويذوب في "الخف" الأكبر من جسده كثيرا، أي في جسد الأمة.
ولعل هذه النغمة حول العلاقة المعقدة بين الفرد وتطلعاته الذاتية ومشاعره من ناحية، وبين كونه جزءا من قطيع يمارس وظيفة "مبرمجة" هو الموضوع الذي مده أوشيما على استقامته في فيلمه المهم "عيد ميلاد سعيد يامستر لورنس" (1982).
ورغم الصدمة والقسوة إلا أن الفيلم يبدو عملا شاعريا يذوب فيه المجازي مع الواقعي، المتخيل مع المعاد تجسيده من الخيال، في بناء شديد التركيب رغم بساطته الظاهرية، وهذه هي عظمة العمل الفني الأصيل.

الهرب إلى الطبيعة
الهرب إلى الجسد هو ما يميز "إمبراطورية الحواس"، والاعتداء القاسي على العين، أي صدم المشاهدين بمشاهد لم يكن يمكن تخيل أن توجد في فيلم "جاد" من قبل ربما يذكرنا بفيلم آخر مثير للشجن كان أيضا نتاجا لثقافة الستينيات هو الفيلم السويدي الجميل "إلفيرا ماديغان" Elvira Madigan (1967) للمخرج بو فيدربرغ الذي يصور كيف يهجر ضابط في زوجته وأبناءه والخدمة العسكرية ويهرب مع فتاة سيرك، يتركان العالم الحديث في المدينة بأسره ويندمجان وسط الطبيعة في الريف، يمارسان الحب ويأكلان ما تجود به الطبيعة احتجاجا على القيم المتزمتة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر.

من فيلم "عيد ميلاد سعيد يامستر لورنس"

"موضوع "إمبراطورية الحواس" حاول أوشيما أن يمده على استقامته فيما بعد في فيلمه التالي "إمبراطورية العواطف" (1978) إلا أنه لم ينجح تماما شأن كل صناع "الاستكمالات الفنية"، ثم اتجه إلى محاولة سبر أغوار العلاقة المستحيلة المستغلقة بين التكوين النفسي الياباني، بعنفه الكامن وهواجسه الجنسية الخفية التي قد تتحول إلى طاقة مدمرة وولعه بالعمل وسط المجموع، والتكوين الغربي بحساسيته الخاصة: برودته وفرديته واعتزازه بنفسه، وذلك في فيلمه الأهم "كريسماس سعيد يا مستر لورنس" Merry Christmas Mr Lawrance.
والجنس في "امبراطورية الحواس" ايضا معادل للهروب من مواجهة ما يحدث في الخارج: خارج المنزل، وخارج الحي، بل وخارج اليابان. ففيلم أوشيما الجرئ هو نتاج مباشر أيضا – على الصعيد الياباني – لثقافة وفكر الستينيات، ثقافة التمرد على المجتمع بشتى أشكاله وصوره. هذا التمرد يتمثل هنا في الهرب والعزلة عن المجتمع، الإثنان يغلقان الباب عليهما بعيدا عن الخارج الذي لا نراه كثيرا، ويندمجان في لعبة اللذة والبحث عن مغزى لوجودهما الفردي من خلال إغماض العين عما يقع في العالم. إنه التمرد في أجلى معانيه.
"إمبراطورية الحواس" أخيرا فيلم قد يصدم الكثيرين من الذين لم يعتادوا ذلك النوع من التصوير الصريح الظاهر مع رسالة باطنية تحت جلد الصورة، من خلال خطاب بصري شديد الاقتحام والجرأة، إلا أنه يظل أحد الأفلام الأساسية التي يتعين على كل عشاق السينما مشاهدتها لمعرفة كيف تطور هذا الفن واكتسب لنفسه مساحة حيث يستطيع أن يجترئ على المحظور!

1 comments:

directedby يقول...

و لكن هل المقصود من حصولها على عضوه هو حصولها على اللذة او بمعنى اصح انها امتلكته . تحليلك للفليم يجعل من الصعب مشاهدة الفليم و للاسف لا اعتقد ان مثل هذه النوعية متاحة و متوفرة للمشاهدة

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com