الأحد، 17 أغسطس، 2008

عودة إلى ملف الوزير"الرسام" فاروق حسني

فاروق حسني مع زاهي حواس عند الهرم الأكبر

القيمة الحقيقية لأعمال الوزير االفنية

وهل يستقبل فاروق حسني في معارض العالم كوزير أم كرسام؟

في مصر، الدولة المركزية الضاربة في عمق التاريخ، يوجد هيكل عتيق من موظفي الدولة الذين يحرصون بعد أن يتولوا مناصب رسمية عليا، على ارتداء الملابس الرسمية الرمادية الكئيبة لإضفاء نوع من الأهمية والخطورة على مظهرهم، أحيانا بدرجة مبالغ فيها خصوصا عندما يصعد أحدهم إلى منصة مسرح مثلا لافتتاح مهرجان فني، فيبدأ قبل كل شئ، بقفل أزرار السترة، وإلا اعتبر أنه ظهر بمظهر غير لائق امام الوزير والخفير مثلا.
من المقومات الأساسية لهذا الهيكل العتيق، أن كهنته لا يعرفون التمرد على أولياء نعمتهم من المسؤولين الأكبر نفوذا، وإذا حدث نادرا أن اضطر أحد الكهنة إلى مناقشة "الكبار" فإنه يستخدم كلمات التمجيد والتعظيم والترفيع قبل إبداء أي ملاحظة ولو على استحياء شديد.
اما التقليد الأكثر رسوخا فهو أن ينافق الموظف الكبير رئيسه الوزير ويشيد به في كل محفل، ويعتبره القدوة الحسنة والمثل الأعلى. وإذا وقع الوزير في ورطة أو أزمة، يسارع إلى حشد الموظفين الذين يخضعون تحت إمرته، لتأييد الوزير والتوقيع على بيانات وعرائض تعلن مبايعة الوزير وزيرا مدى الحياة، كما فعل حفنة من موظفي وزارة فاروق حسني ونفر من المثقفين والمتثاقفين المنتحرين في دولاب الدولة عندما استقال الوزير الرسام عقب محرقة بني سويف التي راح ضحيتها 52 مثقفا ورجل مسرح.
هذا كله من الأمور المعروفة والمألوفة في حياتنا، ولها بالطبع أسبابها التاريخية والنفسية المتراكمة التي لا نود الخوض فيها هنا.

مقال الفرعون الصغير
في إطار النفاق البين والمبالغات المفتعلة، التي تصل إلى درجة الغش والتزوير، قد يكتب المسؤول الكبير من المقالات ما يتناقض تماما مع حقائق الأمور، عن جمال الوزير، وحلاوة الوزير، وبراعة الوزير.. وتميز رسوم الوزير!
وهذا تحديدا ما فعله الفرعون الصغير زاهي حواس وكيل أول وزارة فاروق حسني والذي يرأس ما يسمى
بالمجلس الأعلى للآثار.
فقد نشر زاهي حواس مقالا بتاريخ 22 مايو الماضي في جريدة "الشرق الأوسط"، مكتوبا بلغة بدائية ومليئا بالأخطاء، ويعكس لهاث كاتبه من أجل لوي عنق الحقائق، دون أن ينتبه إلى أنه وهو في ذروة حماسه لتدبيج هذه الكتابة الرديئة، كان أحيانا يبدأ فقرة ما ثم ينسى أن يكملها!
إقرأ: مقال زاهي حواس في "الشرق الأوسط" بعنوان "لوحات فاروق حسني في تكساس
وتعالوا معا نرى عينة مما كتبه حواس عن قيمة فاروق حسني الفنية كرسام يشار إليه بالبنان في مدن العالم الكبرى.
يقول حواس وكأنه نصب من نفسه محاميا عن وزيره: " يتهم بعض المثقفين فاروق حسني أن لوحاته الفنية قد اشتهر.
ت نظراً لوضعه كوزير للثقافة، ولكن في الحقيقة أن هذا اتهام ظالم تماماً فقد حضرت افتتاح معرضه منذ حوالي ستة أشهر بمتحف الفن بمدينة فورت لودرديل بولاية فلوريدا وأخيراً نقل المعرض إلى متحف الفنون الجميلة بمدينة هيوستن بولاية تكساس".
أول مرة
ثم يواصل حواس موال المديح المجاني الفارغ فيقول "وعندما وصلنا إلى المتحف ودخلنا لنشاهد هذه اللوحات أحسست أن اختيار الألوان والموضوعات جعلت النقاد يشيدون بالفنان المصري الذي استطاع أن يخرج من المحلية إلى العالمية لأول مرة حتى طلب المتحف الذي عرض فيه هذه اللوحات بفلوريدا أن يقتني لوحة لكي توضع داخل المتحف وفي نفس الوقت طلب متحف هيوستن أن يعرض لوحة أخرى ليصبح أول فنان مصري تعرض لوحاته بصفة دائمة داخل المتاحف العالمية".
وليس صحيحا بالطبع أن فاروق حسني هو أول فنان مصري تعرض لوحاته بصفة دائمة داخل المتاحف العالمية فالفنان عادل السيوي، كمثال، تعرض له 10 من لوحاته بصفة دائمة في المتحف البريطاني فقط!

حواس يمارس هواياته المثيرة للسخرية في التشبه بملوك الفراعنة

إلا أن حواس يعود فيكشف عن الكذب والادعاء فيكتب: "وقد أشاد مدير المتحف بالمعرض وبالفنان فاروق حسني ولم يشر الكثيرون إلى وضعه كوزير لأن كونه فنان (هكذا كتبها حواس ونشرتها الجريدة كما هي!) طغت على وظيفته كوزير، وقد أسعده هذا تماماً حتى أن إحدى الصحف كتبت عن معرض الفنان فاروق حسني وزير الثقافة السابق".
أحقا؟ لم يشر أحد إلى كونه وزيرا؟ واعتبروه وزيرا سابقا. أحقا.. تجاهلوا كونه وزيرا، وكتبت الصحف عنه مشيدة به؟
في الموضوع الذي نشر في هذه المدونة قبل أيام بعنوان "لماذا يجب منع فاروق حسني من الوصول إلى اليونسكو" قلنا بالحرف الواحد إن "فاروق حسني رسام متواضع المستوى، لم يكن أحد يأخذه على محمل الجد بل هو من الرسامين محدودي الموهبة أو ما يطلقون عليه بالإنجليزية mediocre ، ومعنى هذا أن لوحاته لا تساوي كل تلك الملايين التي تدفع فيها والتي يزعم هو انها المصدر الأساسي لدخله. وهو يؤكد في مقابلاته الصحفية إنه وصل إلى ما وصل إليه في مجال الفن التشكيلي بسبب موهبته وحدها. ويضيف متحديا نقاده أنه حتى بافتراض أن هناك من يجاملونه بسبب منصبه داخل مصر، فماذا عن نقاد الغرب الذين لا يعرفون المجاملة.
نعم.. النقاد لا يعرفون المجاملة في الغرب.
تعالوا إذن نأخذ مثالا ما كتبه ناقد مهم هو دوجلاس بريت Douglas Britt في .chron.com.
إقرأ: مقال دوجلاس بريت "مذاق مصر المعاصرة
تحت عنوان "مذاق مصر المعاصرة" وبتاريخ 11 أغسطس 2008 كتب دوجلاس فريت يقول "نحن لا نشاهد الفن المصري المعاصر كل يوم هنا في تكساس، ولذا من الممكن أن نتصور أن متحف الفنون الجميلة في هوستون Houston يستحق الثناء بعد أن أتى إلى المدينة بمعرض "طاقة التجريد" لفاروق حسني.
ويواصل قائلا: (لكنك قد تقرر الاحتفاظ بالثناء إلى حين أن تعرف وظيفة فاروق حسني خلال النهار (على اعتبار أنه يمارس الرسم ليلا!). إنه وزير ثقافة مصر منذ عام 1987. وهذا ما يفسر التقديم المنشور في كتالوج المعرض بتوقيع كل من بيتر مارزيو مدير متحف الفنون الجميلة في هوستون، وإرفين ليبمان المدير التنفيذي لمتحف الفن في لدرديل، وهو المتحف الثاني الذي استضاف المعرض نفسه. والاثنان يتوجهان بالشكر إلى فاروق حسني على "التزامه الحفاظ على الآثار المصرية القديمة، وكذلك خلق أعمال فنية قادرة على الحياة بشكل مستقل).
ويستطرد الكاتب بكلمات تقطر بالسخرية قائلا: (لو كان فاروق حسني سائق تاكسي، فإنني أشك في أن المتحفين كانا سيتوجهان له بالشكر على التزامه بتوصيل الركاب إلى المطار في الوقت المناسب، ولا كانت مجموعة انشونز لدعم الفنون المعروفة بتنظيم المعارض الكبيرة، قد اهتمت بتقديم أعماله التي لا يمكن اعتبارها من الأعمال الكبيرة).

بعد ذلك يتطرق الناقد إلى مناقشة القيمة الفنية للوحات فاروق حسني المعروضة فيلاحظ مثلا (في أعمال مثل "تجريد 8" تبدو الألوان مسطحة. أما لوحات "الكانفاه" الصغيرة فهي في معظمها، منفرة وتجريبية، وكل اللوحات الملونة بألوان الأكريلك سريعة الجفاف، تبدو باهتة كما لو كان الرسام قد وضع عشرات الطبقات من الألوان ولم يستطع الاحاطة بحوافها، ثم اضاف أشكالا كاريكاتورية أو تخطيطية بفرش مختلفة السٌمك".

عرض مثير للاستياء
ويختتم الكاتب مقاله بالقول: (مارزيو يقول- وهو ما يحسب له- إنه مهتم بأن يعرض على جمهور متحف الفنون الجميلة أعمال الفن المعاصر من الشرق الأوسط. ولكن هذا المعرض لا يتيح الفرصة أبدا للجمهور لوضع الفن المصري المعاصر- أو أعمال حسني في هذه الحالة- في هذا السياق. لقد كنت سأشعر بالسعادة لو عرضت مختارات من أفضل لوحاته خلال المراحل المختلفة بدلا من هذا المعرض المثير للاستياء، الذي لا يوجد فيه ما يمكن أن يجعله متميزا عن المعارض التجارية، باستثناء أنه يحمل خاتم متحف الفنون الجميلة.. ألن يكون من الأفضل اختيار مجموعة منتقاة من الرسامين المختلفي المذاهب، لتقديم مثال للفن المعاصر في الشرق الأوسط).
انتهى المقال، لكن أحدا داخل مصر لا يعرف، ولا يقرأ، سوى ما يكتبه الجهلة والمنافقون في صحف الحكومة وغيرها.
لوحتك ياوزير
واقرأ هذا اللغو الفارغ لأحد شعراء العامية كمثال بارز على ما بلغه التدهور:
"فاروق حسني باندهلك.. كسر البرواز وطلعني من اللوحة بتعتك.. شدني من ورا القزاز.. لوحتك خطفتني من عنيه.. زي لغم قابض على الرجلين.. حبستني جوه البرواز.. كتفتني.. حللتني.. بالظبط زي الأرض ما بتحلل الميتين.. طلعني يافنان.. لوحاتك.. وقعت دماغي في دماغي.. جوه الألوان.. وروحي بتتنطط في جسمي.. جسمي اللي نايم في اللوحة الرابعة.. المتعلقة على الجدران.. لوحتك اللي موقعة الزمان.. ونايمة فوق الزمان.. طلعني يافنان"!

** أدعو القراء الأفاضل والفنانين التشكيليين والنقاد المستقلين عن حظيرة فاروق حسني إلى التعليق على هذا المقال وشكرا.

3 comments:

غير معرف يقول...

أعتقد إن مفيش حد حيعلق على هذا المقال لأنهم ببساطة خايفين من منع عطايا السلطان الفنان...!!!

أحمد

غير معرف يقول...

عزيزي الناقد الكبير أمير العمري

تحية طيبة و بعد
أعتذر أشد الاعتذار لأني لم أكن من أول المهنئين لك على مدونتك السينمائية الجديدة و ذلك لوجود ظروف خاصة مررت بها شغلتني عن المتابعة ، ولكنى أهنئك أشد التهنئة على هذا الموقف البناء الذي اتخذته لخلق تيار مغاير لما هو سائد في الكتابات السينمائية و الثقافية. التحية لك كل التحية ليس لما تكتب و تثير من قضايا فهذا ما تفعله منذ البداية و الجميع يعرف مواقفك و كتاباتك السابقة و مواقفك السابحة ضد التيار منذ الأزل و التي أثرت في جيل كامل من محبي السينما و أنا أولهم، بل أحييك و أنت الناقد و الكاتب المحترف قررت الكتابة و العمل دون مقابل لجمهور ترغب في وعيه السينمائي و الفكري و مواقفه فيما يحدث حوله. هذا هو كان دورك التاريخي و مازال، لعلك تذكر ما كررته على مسمعك كثيرا عن الدور الذي لعبه مقالك النقدي عن فيلم " الطبقة العاملة تذهب إلي الجنة " الذي كتبته في السبعينيات في تعريفي بأن هناك سينما أخري غير تلك المتاح لنا رؤيتها في مصر أو على الأقل بالنسبة لي ، فكنت أري السينما من خلال كتابتك أنت و الآخرين من النقاد الذين حاولوا التقديم و التعريف بالسينما الفعلية و المختلفة عن قمامة السينما المصرية و المخلفات العقلية التي كانت تصل إلينا من السينما الأمريكية. كل هذا ساعدني على البحث عن تلك الأفلام التي رأيتها من خلال الكتابات النقدية عند سفري للخارج ألذي تتاح فيه كل تراث السينما و ليس التجارية فقط. لقد كان لكم دور فعال في تعريف جيل بأكمله بهذا العالم السحري الخفي عنا و الذي لم نكن نعرف عنه شيء – فقد كنا غارقين في ركام سينما مصنع الأحلام . و هاهو أنت مازلت مستمر في مزاولة نفس الدور من خلال مقالتك على موقع البي بي سي و كتاباتك المختلفة. أما المدونة فهي تقدم دور أعمق أكبر من الذي يمكن أن يلعبه مقال نقدي أو تحليل لفيلم .. فهي تحاول تحطيم الأصنام التي طالما أرغم أبناء هذا الجيل على عبادتها من خلال البث المتواصل و الدءوب لوسائل الأعلام و حملة المباخر و جيوش المنافقين و الجهلة و هذا دور في حد ذاته ضروري من أجل وجود بصيص ضوء و لو بسيط داخل جدار العتمة الإعلامية و الثقافية التي تعيش فيها مصر الثقافية . كما أحييك على موقفك في عدم نشر أسماء الكثيرين ممن تنقد مواقفهم و سلوكهم و كتاباتهم فالأمر ليس شخصي بل هو مبدئي ، فكما وضحت أنت في مقال الوزير هذا أن هناك جيش من المنافقين الحالمين بالمكاسب و بالرضا من الذات العليا سواء كانت تلك الذات هي مسئول رسمي أو موظف حكومي أو حتى كاتب أو صحفي ذو نفوذ ، هناك أيضا جيش من المستهلكين لهذا الهجوم على هؤلاء و النميمة عليهم حتى أصبح الأمرهدف في حد ذاته و أمتلئ الهامش الثقافي بحكايات و سير هؤلاء الأشخاص و تحولت النميمة إلي عمل نضالي للكثيرين و تم الاكتفاء بها ، هناك ممن يمارسوها منذ السبعينيات و هناك الكثيرين أيضا ممن توقفوا عن ممارستها من بعد أن منحهم أصحاب السلطان بعض المكاسب حتى يتوقفوا عن أن " يجيبوا في سيرتهم " حتى أصبحت النميمة في حد ذاتها وسيلة من وسائل الحصول على بعض فتات الموائد الثقافية و أحد الأسلحة المهمة في الوصول إلي الرضا السامي. النميمة حتى لو لم تكن بغرض البحث عن المكاسب معطلة للمثقفين المصرين حيث يتم التفرغ لها و يم ترك العمل الإبداعي نفسه و نحن في ظل هذا الظلام الحالك المخيم على الثقافة العربية، سواء كان مصدره الحكومات المتخلفة الفاسدة الخائفة من كل ما ينتمي لكلمة ثقافة أو من التيارات الأصولية التي تجرم و تحرم الثقافة و تحصر العلم في الكتابات الصفراء المأخوذة من على أرفف علتها أتربة الزمن، في أشد الحاجة لأن يستمر العمل الإبداعي و لا يعطله شيء، لذا فأنا قد سعدت لنقدك للكتاب الصادر عن مئوية السينما دون الخوض في خلفيات شخصية لمن صنعوه ، فهذا ليس مهما المهم هو ما فعلته من هدم لمنهج التأريخ للسينما بهذا الطريقة و شرح الأسلوب البديل لكيفية الكتابة و التأريخ . تحياتي لك و تمنياتي لمدونتك بكل النجاح و تحتاج حياتنا الثقافية للكثير و الكثير من تلك المدونات و التي قد نختلف مع ببعض ما يكتب فيها و لكننا مع ما تحدثه من دوامات و حركة في مياه حياتنا الثقافية الراكدة الأسنة حتى لا نسبح في نفس النهر مرتين كما قال الفيلسوف القديم و الذي اثبت الحياة الثقافية و الفنية في مصر عدم صحة مقولته .... فنحن مازلنا نسبح في نفس المياه العفنة منذ عشرات السنين.
ضياء حسني

غير معرف يقول...

مقال متميز يبين انه لا وزير ولا فنان

محمد الوزيرى

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com