الخميس، 19 أغسطس، 2010

السيميولوجيا والسينما في لغة الفيلم (الجزء الثاني)


كتابة: بيتر والن

ترجمة: أمين صالح



(2)
رولان بارت (مواليد 1915، مؤلف "الكتابة في درجة الصفر" 1953، و"عناصر السيميولوجيا" 1964) كنتيجة لبحوثه في لغة الأزياء، استنتج أن من المستحيل الإفلات من الحضور المتخلل للغة الشفوية. الكلمات تدخل في محادثة ذات نظام آخر إما لتثبيت معنى غامض وملتبس، مثل نعت أو عنوان، أو للمساهمة في المعنى الذي لا يمكن توصيله بطريقة أخرى، مثل الكلمات المدوّنة في المساحات الأشبه بالفقاعات في الرسوم الهزلية. الكلمات إما تثبّت المعنى في موضعه أو تنقله.
فقط في حالات نادرة جداً يمكن للنظم غير الشفوية أن توجد بلا دعم إضافي من الشفرة الشفوية. حتى النظم المعطاة شكلاً أو مضموناً عقلانياً، والمتطورة جداً، مثل الرسم والموسيقى، باستمرار تلتمس العون من الكلمات، خصوصاً في المستوى الشعبي الرائج: الأغاني، الرسوم المتحركة، الملصقات الدعائية.
في الواقع، سيكون ممكناً كتابة تاريخ الرسم بوصفه دالاً على العلاقة المتحولة بين الكلمات والصور. أحد الإنجازات الأساسية لعصر النهضة كان في إبعاد الكلمات عن حيّز الصورة. مع ذلك، كانت الكلمات على نحو متكرر ترغم نفسها على العودة وتفرض حضورها. إنها تعاود الظهور في لوحات إل جريكو، على سبيل المثال، وفي لوحات دورير وهوجارث. بوسع المرء أن يقدّم أمثلة لا تحصى. في القرن العشرين، عادت الكلمات بإفراط.
في الموسيقى، الكلمات لم يتم إبعادها والتخلّص منها إلا مع بداية القرن السابع عشر. الكلمات فرضت نفسها في الأوبرا، في الموشّحات الدينية، في اللّيْدة (أغاني ألمانية). أما السينما فكانت حالة جلية أخرى في صميم الموضوع. بضع أفلام صامتة تم تحقيقها بدون عناوين.
لقد توصل رولان بارت إلى نتيجة مفادها أن السيميولوجيا ربما تكون مرئية على نحو أفضل كرافد لعلم اللغة بدلاً من أن تكون العكس. هذا يبدو استنتاجاً يائساً. الفرع ينتهي بأن يصبح "الأكثر تعقيداً وشموليةً" إلى حد أنه يغمر الكل.
مع ذلك، فإن تجربتنا مع السينما توحي بأن التعقيد الكبير للمعنى يمكن التعبير عنه من خلال الصورة. بالتالي، لأخذ مثال واضح، نلاحظ أن أكثر الكتب عاديةً وتفاهة وابتذالاً يمكن أن يتحول إلى فيلم مشوق جداً، مثير للاهتمام، ويحمل مغزى ودلالة. إن قراءة السيناريو هي عادةً تجربة غير ممتعة وغير مثمرة فكرياً.. وعاطفياً أيضاً. المعنى الضمني لهذا، أنه ليس فقط النظم التي كلياً "معتمدة على اعتباطية العلامة" تكون معبّرة وحافلة بالمعنى. العلامات الطبيعية لا يمكن أن تكون مرفوضة كما تصوّر سوسير. إنه هذا المطلب، بإعادة دمج العلامة الطبيعية في السيميولوجيا، الذي قاد كريستيان ميتز لأن يعلن بأن السينما هي بالفعل لغة، لكن لغة بلا نظام شفري. إنها لغة لأنها تملك نصوصاً. ثمة خطاب ذو معنى. لكن بخلاف اللغة اللفظية ، لا يمكن إحالة هذه اللغة إلى شفرة كائنة.
إن افتراض ميتز يورّطه في عدد كبير من المعضلات التي لا يستطيع أن يتغلّب عليها على نحو مرْض. إنه يجد نفسه مرغماً على العودة إلى مفهوم "منطق المعنى المتضمن" الذي به الصورة تصبح لغةً. إنه يستشهد برأي الناقد والمنظّر الهنغاري بيلا بالاش القائل بأن من خلال "تيار الاستقراء" نحن نجعل الفيلم يبدو معقولاً ومفهوماً. لكن ليس واضحاً ما إذا علينا أن نتعلم هذا المنطق أو أنه طبيعي وفطري. من الصعب فهم كيف أن مفاهيم مثل "منطق المعنى الضمني" و "تيار الاستقراء" يمكن دمجهما في نظرية السيميولوجيا.
ما كنا نحتاجه هو بحث أو نقاش، أكثر دقةً، لما نعنيه بـ "العلامة الطبيعية"، وسلسلة من الكلمات مثل: المتشابه، المتواصل، المحفّز.. هذه الكلمات التي يستخدمها بارت وميتز وآخرون لوصف مثل هذه العلامات.
(3)
لحسن الحظ أن الأساس الضروري لتوفير دقة أبعد قد تم انجازه سابقاً من قِبل شارلز ساندرز بيرس، عالم المنطق الأمريكي. كان بيرس معاصراً لسوسير، ومثل سوسير، جُمعت بحوثه ونُشرت بين 1931 و 1935، أي بعد وفاته في 1914 بعشرين سنة.
كان بيرس من أكثر المفكرين الأمريكان أصالةً وتجديداً، كما أشار رومان ياكوبسون، إلى حد أنه لسنوات طويلة من حياته العملية لم يستطع الحصول على وظيفة في الجامعة. إن شهرته الآن ترتكز قبل كل شيء على أعماله الأكثر قابلية للفهم، وبشكل أساسي على تعاليمه في الذرائعية. أما اشتغاله على السيميولوجيا فقد تم – للأسف - إهماله والاستخفاف به. وقد ساهم مريده شارلز موريس في الإساءة إلى نظريته، المتصلة بعلم اللغة وعلم الجمال، عبر ربطها بشكل خبيث من أشكال السلوكية التي وُجهت إليها انتقادات شديدة وقاسية من كتّاب مثل جومبريش ونعوم تشومسكي. في السنوات اللاحقة، استطاع رومان ياكوبسون أن يوجه اهتمام الآخرين إلى سيميولوجيا بيرس، وأن يعيد إحياء حماسة تأخرت زمناً طويلاً.
في عدد من كتب بيرس نجد تصنيفاً لطبقات مختلفة من العلامة، والتي كان ينظر إليها بوصفها الأساس السيميولوجي الجوهري لمنطق لاحق ولعلم بلاغة. التصنيف، الذي هو هام بالنسبة للنقاش الدائر حالياً، هو ذاك الذي يسميه بيرس "الانقسام الثاني للعلامات"، المؤلف من ثلاثة أجزاء أو عناصر، حيث العلامات تكون:
دلالية.. العلامة التي فيها المعنى مبني على رباط وجودي بين الدال والمدلول.
أيقونية.. العلامة التي تمثّل مادتها، في الدرجة الأولى، بواسطة الشبه المادي، الفيزيائي.
رمزية.. العلامة التي تكون اعتباطية ومشفّرة.
في الأيقونة، العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطية بل ذات تماثل أو شبه. هكذا، على سبيل المثال، الصورة الشخصية (البورتريه) لرجل يشبه نفسه. من جهة أخرى، بإمكان الأيقونات أن تكون منقسمة إلى شعبتين رئيسيتين: الصور والرسوم البيانية أو التخطيطية. في حالة الصور تكون "الخاصيات البسيطة" متشابهة. وفي حالة الرسوم البيانية تكون "الصلات بين الأجزاء". ثمة رسوم بيانية عديدة تتضمن معالم معبّر عنها بالرموز. وبيرس أكّد هذا نظراً لأنه المظهر الغالب الذي كان يهتم به.
بشأن العلامة الدلالية، قدّم بيرس أمثلة عديدة: "أرى رجلاً ذا مشية متمايلة أو مترنحة.. هذه دلالة محتملة على أنه بحّار. أرى رجلاً متقوس الساقين، ببنطلون من القماش القطني وحذاء نصفي من المطاط وسترة.. هذه دلالات محتملة على أنه فارس (جوكي) في سباق الخيل أو شيء من هذا القبيل. المِزْولة (الساعة الشمسية) أو الساعة تشير إلى توقيت اليوم".
أما العلامة الرمزية فتراوغ الإرادة الفردية. يقول بيرس: "بإمكانك أن تدوّن كلمة "نجمة" لكن ذلك لا يجعلك خالقاً للكلمة، الأمر نفسه عندما تمحوها.. هذا لا يجعلك هادماً للكلمة. الكلمة تعيش في عقول أولئك الذين يستخدمونها".
العلامة الرمزية لا تقتضي تشابهاً مع مادته، ولا رباطاً وجودياً معها. إنها اصطلاحية، متفقة مع القواعد المقررة، ولها قوة القانون. بيرس كان قلقاً بشأن صحة أو ملاءمة تسمية هذا النوع من العلامة "رمزاً".. وهي الاحتمالية التي فكر فيها سوسير وأخذها بعين الاعتبار لكنه رفضها بسبب خطورة التشوّش. مع ذلك، من المؤكد أن سوسير قد بالغ في تقييد مفهوم العلامة بحصرها في "رمزية" بيرس.
تصنيفات بيرس كانت الأساس لأي تقدّم في السيميولوجيا. لكن من المهم ملاحظة أن بيرس لم يعتبرها حصرية على نحو متبادل. على العكس، كل الأوجه الثلاثة كثيراً ما – وعلى نحو ثابت أحياناً – تتداخل وتكون حاضرة معاً. إن هذا الوعي بالتداخل هو الذي ساعده على أن يدوّن بعض الملاحظات المتصلة خصوصاً بالتصوير الفوتوغرافي.
"الصورة الفوتوغرافية، خصوصاً الصور الفورية، هي مرشدة جداً، لأننا نعرف أنها، في نواح معينة، تشبه بالضبط الأشياء التي تصورها. لكن هذا الشبه ناشئ عن كون الصور منتَجة في ظروف معينة إلى حد أنها فيزيائياً تكون مجبرة أن تتوافق درجةً فدرجة مع الطبيعة. في ذلك المظهر، هي إذن تنتمي إلى الطبقة الثانية من العلامات، ذات الصلة الفيزيائية".
بين من كتبوا عن السيميولوجيا، رولان بارت يتوصل إلى استنتاجات مماثلة إلى حد ما، مع أنه لا يستخدم التصنيف "الدلالي"، لكنه يرى الصورة الفوتوغرافية المطبوعة بوصفها "أيقونية". مع ذلك، هو يصف كيف أن الأيقونة الفوتوغرافية تقدّم "نوعاً من الوجود الطبيعي للشيء هناك". ليس ثمة أي تدخّل بشري، أي تحوّل، أي شِفرة، بين الشيء والعلامة. التناقض الظاهري هنا أن الصورة الفوتوغرافية هي رسالة بلا شِفرة.
السينما تتضمن الصيغ الثلاث للعلامة: الدلالية، الأيقونية، الرمزية. الناقد الفرنسي أندريه بازان طوّر جمالية تأسست على الصفة الدلالية للصورة الفوتوغرافية. كريستيان ميتز خالف هذا بجمالية تفترض أن السينما، لكي تكون ذات معنى، لابد أن تحيل نفسها إلى نظام شفري، إلى قواعد خاصة، وأن لغة السينما يجب أن تكون رمزية في المقام الأول.
لكن كان هناك خيار ثالث: فون ستيرنبرغ كان، على نحو قاس، معارضاً لأي نوع من الواقعية. هو كان يسعى، قدر المستطاع، إلى أن ينكر ويهدم الرباط الوجودي بين العالم الطبيعي والصورة السينمائية. لكن هذا لم يكن يعني أنه تحوّل إلى الرمزي. عوضاً عن ذلك، هو كان يؤكد على الصفة التصويرية للسينما. كان يرى السينما، ليس على ضوء العالم الطبيعي أو اللغة الشفهية، بل على ضوء الرسم. "الكانفاس الأبيض الذي عليه تكون الصور مطروحة هو سطح منبسط ذو بعدين. ليس جديداً على نحو مروّع. الرسام استخدمه منذ قرون".
يجب على مخرج الفيلم أن يخلق صوره الخاصة ليس بمحاكاة الطبيعة على نحو خانع وصاغر، ليس بالانحناء أمام صنم الدقة والموثوقية، بل بفرض أسلوبه الخاص، تأويله الخاص.
"سلطة الرسام على موضوعه هي غير محدودة، مطلقة. سيطرته على الشكل البشري والوجه البشري هي استبدادية". لكن "المخرج هو تحت رحمة كاميرته". مأزق مخرج الفيلم هو في هذا، في الأداة الميكانيكية، غريبة الشكل، التي يجد نفسه مجبراً على استخدامها. ما لم يسيطر عليها، ما لم يتحكم فيها، سيكون متنازلاً عن حقه.
فون ستيرنبرغ خلق عالماً اصطناعياً تماماً، فيه الطبيعة تكون مبعدة على نحو صارم. قال ذات مرّة عن فيلمه The Saga of Anatahan أن الخلل الأساسي في هذا الفيلم أنه يحتوي على لقطات لبحر حقيقي، في حين أن كل شيء آخر كان زائفاً.
الفيلم لا يعتمد على أي نظام شفري مشترك، بل على الخيال الفردي للفنان. إنه المظهر الأيقوني للعلامة ذاك الذي يؤكده ستيرنبرغ، المظهر المنفصل عن الدلالي من أجل استحضار عالم، ممكن إدراكه بفضل التماثلات مع العالم الطبيعي، مع ذلك هو ضرب من عالم الحلم، مختلف ومتغاير.
السيميولوجيون كانوا، على نحو غريب، صامتين إزاء موضوع العلامات الأيقونية. كانوا يعانون من انحيازين: الأول، لصالح الاعتباطي والرمزي. الثاني، لصالح المنطوق والصوتي. هذان الشكلان من الانحياز يمكن العثور عليهما في أعمال سوسير الذي، بالنسبة إليه، اللغة كانت نظاماً رمزياً يعمل في رباط حسّي مميّز. حتى الكتابة كانت قد عيّنت، بإصرار ومثابرة، مكاناً أقل شأناً بواسطة اللغويين الذين رأوا في الأبجدية وفي الحرف المكتوب فقط "علامة العلامة"، نظام فرعي خارجي، اصطناعي، ثانوي. هذه الانحيازات يجب تحطيمها. المطلوب هو إحياء علم القرن السابع عشر الذي يشمل دراسة المجال الكلي للاتصال ضمن الرباط الحسي البصري، من الكتابة والأرقام وعلم الجبر حتى التصوير الفوتوغرافي والسينما. ضمن هذا الرباط سوف يتضح بأن العلامات تمتد من تلك التي فيها المظهر الرمزي يكون مهيمناً على نحو بيّن، مثل الحروف والأرقام، إلى العلامات التي فيها المظهر الدلالي يكون مهيمناً، مثل الصورة الوثائقية. بين هذين الطرفين، في محور المجال، هناك درجة جديرة بالاعتبار من التداخل والتشابك، من التعايش، لأوجه مختلفة بلا أي غلبة بيّنة لأي وجه منها.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com