الخميس، 5 نوفمبر، 2009

'المسافر' وحديث الجوائز والمهرجانات


ردّاً على مقال أحمد يوسف


أدهشني كثيرا جدا أن يكتب الزميل الناقد أحمد يوسف مقالا (من اليونيسكو إلى فيلم 'المسافر': مؤامرة لقد خدعنا العدو الجبان- القدس العربي 27- 10- 2009) يعلق فيه بثورته المعهودة، على خروج فيلم 'المسافر' (الذي لم يشاهده) من مهرجان فينيسيا السينمائي (الذي لم يحضره)، بدون الحصول على جائزة، ويعتبر أن هذا 'الفشل' فشل لـ'الأمة' و'الدولة' أي مصر، بسبب غياب ما يسميه بـ'النظام' الذي يضبط الأشياء كما تفعل إسرائيل (من وجهة نظره).
ويقارن أحمد يوسف بين عدم حصول 'المسافر' على جوائز، وحصول الفيلم الإسرائيلي 'لبنان' (الذي لم يشاهده أيضا) على الجائزة الكبرى، معتبرا أن هذا يجسد بالضرورة التقدم الكبير الذي حققته السينما الإسرائيلية، بل ويؤكد أن إسرائيل تعرف - حسبما يرى - كيف 'تتآمر' علينا في المجال السينمائي، ويطالب بضرورة أن 'نتآمر' نحن أيضا عليها في نفس المجال، ويلوم الدولة - المؤسسة- وزارة الثقافة - المركز القومي للسينما - لجنة السينما وغيرها، على ذلك الفشل.ويدين أحمد كل من كتبوا عن فيلم 'المسافر' ويتهمهم بالسطحية والتلعثم وعدم القدرة على تبرير لماذا فشل الفيلم.
وليسمح لي أحمد يوسف أن أختلف معه، وأنا دائما مختلف معه في المنهج والطرح والأسلوب والرؤية، فهو ينظر إلى الإبداع السينمائي، وأقصد تحديدا علاقة الفيلم بصانعه أو بصاحبه باعتبارها علاقة أمة بصراعاتها السياسية والفكرية و'الحضارية'، أي أننا عندما نذهب لعرض فيلم في مهرجان ما فإننا نخوض صراعا مع 'الأعداء' على الصعيد الثقافي، ويصبح الفيلم بالتالي ممثلا للمجتمع والشعب والدولة والنظام، وهنا تصبح مهرجانات السينما ساحة صراع مفتوح ذات أبعاد 'قومية' على طريقة منتخبات كرة القدم التي تحولت مبارياتها إلى حروب مستعرة تغذي نيران الحقد والعنصرية والكراهية!
في حين أنني كنت أرى دائما، أن الفيلم عمل إبداعي فردي، أي أنه يعبر عن رؤية مبدعه 'الفرد' وليس عن الضمير الجمعي العام، كما أنه يمثل صانعه، لا المؤسسة التي صنعته أي الدولة أو وزارة الثقافة في حالة فيلم 'المسافر' تحديدا. وربما يكون الدليل على ذلك أن الفيلم يقدم رؤية سوداوية للشخصية المصرية منذ تسلسل النكبات بدءا من 1948، حتى ما بعد 2001 مرورا بـ1973، وهي تواريخ ذات دلالة دون شك، ويرى الفيلم أنه كلما سار التاريخ إلى الأمام، تراجع الإنسان 'المصري' إلى الوراء (وليس النظام ولا السلطة) وتضاءل دوره وأصبح أكثر 'كلبية' بالمفهوم الفلسفي أي cynical لا يقيم وزنا للبشر من حوله حتى عند زيارته للمشرحة التي يرقد فيها جثمان ابنه 'المفترض' حيث يسخر ويلقي نكاتا سخيفة فجة. ولا شك في أن هناك من أوحى إلى وزير الثقافة المصري فاروق حسني أنه بهذه الطريقة السلبية في التناول، يمكن أن يحقق الفيلم مصداقية في المهرجانات الدولية التي تنبذ عادة الأفلام الدعائية ذات الصبغة الرسمية، ولعل هذا أيضا صحيح بشكل ما.
هذا التفسير لمضمون الفيلم هو بالطبع ما كان أحمد ماهر المخرج ـ المؤلف، يأمل في توصيله باستخدام أبجديات السينما الحديثة. ولا بأس في هذه الرؤية، فلست من المعترضين على أي رؤية مهما اشتط بها الخيال، ولكن العبرة بالتجسيد والتعبير والقدرة على الإقناع. وقد أتاحت وزارة الثقافة للمخرج أحمد ماهر فرصة عمره لتحقيق حلمه الكبير، لكنه أهدر الفرصة تماما بسبب مراهقته البصرية والأسلوبية، وعجزه عن تجسيد فكرته بطريقة مؤثرة، يكون فيها من الشعر، ومن مفردات الحداثة البصرية، ما يغري أي مشاهد في العالم باستكمال المشاهدة، والقدرة على الاستمتاع بالصور والمعاني والرموز التي تتداعى من الصور التي يشاهدها.
وقد سبق أن كتبت ونشرت نحو 2500 كلمة في نقد وتحليل لماذا فشل 'المسافر' في الوصول إليّ أنا - على الأقل - كرجل درب نفسه منذ أكثر من ثلاثين عاما، على مشاهدة الأفلام الصعبة، والمغرقة في التجريد والرمزية واللجوء إلى الاستعارات وغير ذلك من أساليب السينما الحديثة، في حين كتب كثير من الصحافيين الذين ذهبوا إلى فينيسيا - على نفقة وزارة الثقافة المصرية جهة الإنتاج - في مهمة 'قومية مقدسة' لتبني الفيلم والدفاع عنه.
إن احمد يوسف يترحم في مقاله على دور الدولة في الإنتاج، وكأن وجود الدولة في حد ذاته (حتى مع وجود ذلك النظام الإنتاجي الذي يرغب في وجوده) سيكفل إنتاج أفلام جيدة.. ألم تكن دولة الستيينات الأبوية تنتج 'الحرام' و'القاهرة 30'، وكانت في الوقت نفسه تنتج 'من أجل حنفي' و'يوميات عازب' و'خذني بعاري'.. وكل ما عرف بأفلام حرف ب الرديئة (الشبيهة بأفلام المقاولات) والتي أوكلت إنتاجها إلى حلمي رفلة!
إسرائيل لم 'تنتصر'- باستخدام التعبيرات العسكرية - في 'معركة فينيسيا' لأننا تخاذلنا كأمة أو كشعب أو كوطن او كدولة أو كوزارة كما يرى أحمد يوسف، بل لأن الفيلم الذي ذهب أساسا لتمثيل مخرجه أحمد ماهر، وهو فيلم من الإنتاج المصري، كان رديئا من الناحية الفنية، وهو ما أجمع عليه كل خبراء السينما والنقاد الكبار في العالم، ومقالاتهم موجودة ويستطيع أحمد يوسف العودة إليها وأنا أعرف مدى اهتمامه بقراءة المجلات الأمريكية والبريطانية.وقد شاهدت بنفسي في العرض الصحافي الخاص بنقاد الصحافة اليومية (وهو يقام في قاعة خاصة) كيف بدأ الانسحاب الجماعي بعد 6 دقائق من بداية الفيلم، في حين أن فيلما مثل 'تيزا' الإثيوبي مثلا، وهو فيلم يبلغ طوله ساعتين ونصف الساعة، ويمتلىء بالمشاهد المتداخلة بين الأزمنة والأماكن، جعل نفس هؤلاء النقاد في الدورة السابقة (2008) يتسمرون في أماكنهم حتى النهاية ثم يصفقون له بحرارة، وجعل الفيلم يحصل على الجائزة الخاصة التي تمنحها لجنة التحكيم الدولية!
لم تكن هناك مؤامرة، ولم يخسر العرب 'حرب فينيسيا'، ولم تربحها إسرائيل، بل فاز فيلم جاء من إسرائيل، بسبب حرفيته العالية، ورسالته السياسية التي تغري بعض محبي السلام بالتصويت له تحديدا بسبب مجيئه من دولة معروفة بمغالاتها في قوتها العسكرية واستخدامها. لإيجاز ما أردت قوله ليسمح لي الأستاذ أحمد يوسف أن اذكره بالنقاط التالية:

* إن 'المسافر' كان لا بد سيفشل حتى لو عرض على لجنة محايدة في مسابقة مثل مسابقة جمعية الفيلم بالقاهرة، وها هو قد فشل في الحصول على مجرد تنويه في مهرجان أبو ظبي السينمائي الأخير.

* إن فوز الفيلم الإسرائيلي ليس فيه مؤامرة إسرائيلية حتى لو أمدته الدولة الإسرائيلية بالدعم والعون، بل لأسباب لم تخطط لها إسرائيل وإن سعت إليها وخدمتها الظروف، وبينما يعد السعي أمرا طبيعيا، فالتآمر والنجاح فيه في مهرجان دولي يصبح نوعا من الفضيحة الكبرى لأي مهرجان. ولماذا لم تتآمر إسرائيل لكي يخرج أي من أفلامها الثلاثة في مهرجان كان الأخير مثلا بجائزة أو أخرى؟ بل وكيف ذهبت إحدى جوائز النقاد الرئيسية (وكنت عضوا في لجنة تحكيم النقاد في كان) إلى الفيلم الفلسطيني 'أمريكا' وليس الإسرائيلي 'عيون مفتوحة تماما'؟ وعموما يمكن القول إن الفيلم الأفضل في مسابقة فينيسيا كان فيلم 'الرأسمالية: قصة حب' لمايكل مور، وليس الفيلم الإسرائيلي، لكن لجنة التحكيم لم تشأ ان تمنح جائزة المهرجان لفيلم 'مناهض' بوضوح للمؤسسة الأمريكية في الوقت الحالي أي بعد مجيء أوباما.
كتبت مقالا وحيدا تفصيليا عن فيلم 'المسافر'، ولم يكن بأي حال يحمل أي نوع من 'الشماتة' وهي الكلمة التي وصف بها أحمد يوسف ما كتبه 'البعض' عن الفيلم دون أن يحدد لنا هوية هذا البعض، ولعلي لم أر ما يوازي مقالي المشار إليه، من حيث التوسع والتفصيل والتحليل ولو في امتداح الفيلم وتفسيره من قبل 'نقاده' المخلصين الذين رشحوه للإنتاج أو من جانب الذين أوفدوا من طرف الوزارة للتمجيد للفيلم، بل قرأت مقالات صحافية سريعة لا تقول شيئا واضحا.. وقد افترضت أن أحمد يوسف لم يقرأ مقالي لذا فقد أرسلته إليه!
المشكلة ليست في تدخل الدولة من عدمه، بل في الثقافة السائدة في المجتمع، وفي النخبة المثقفة التي لا تعرف سوى استدعاء الدولة للبطش بمعارضيها تارة، أو بالرضوخ تحت التهديد لأفكار من القرون الوسطى والانحناء للعاصفة كما يقولون، فهل تشجع الدولة بالفعل الإبداع وتطلق العنان للتعبير الحر الجريء وتملك خطة لدعم الأفكار والسيناريوهات الجيدة المتوفرة بالعشرات في أدراج أصحابها، أم أنها تصادر بانتظام الإبداع، تارة باسم الدين وتجنب إثارة حساسيات طائفية في مجتمع يفاخر رسميا طيلة الوقت بتماسكه الاجتماعي ووحدته الوطنية، وتارة أخرى، باسم المحافظة على النظام الاجتماعي والأخلاق العامة وثوابت المجتمع - التي تتغير باستمرار على أي حال.. أليس كذلك؟
(نشر في "القدس العربي" بتاريخ 4 نوفمبر 2009)

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com