الأربعاء، 4 نوفمبر، 2009

مرة أخرى: مشكلة مهرجان القاهرة السينمائي

سهير عبد القادر مع عزت أبو عوف

بقلم: أمير العمري

الذين بدأوا يتكلمون – حسب الموسم- عن مشكلة مهرجان القاهرة السينمائي عليهم أن يوفروا كلامهم، فالمهرجان سيستمر كما شاء له مؤسسوه ثم ورثته من سعد الدين وهبة الذي يضرب به البعض المثل في التفاني وحب السينما والادارة الرشيدة، إلى أعضاء جمعية المنتفعين بخراب السينما بل وخراب مصر من المهيمنين على كافة الأمور في المحروسة حاليا.
لم تنبع مشكلة المهرجان بعد رحيل سعد الدين وهبة، بل كانت قائمة منذ بداية المهرجان أي منذ أن أسسه الصحفي الراحل كمال الملاخ في اطار ما يسمى بـ"جمعية كتاب ونقاد السينما" بمباركة وزير "الأمن الثقافي" الساداتي المرحوم يوسف السباعي.
والذين يتباكون على أيام سعد وهبة تنبع مواقفهم بكل أسف، من إحساسهم بـ"العرفان بالجميل، فقد كان رحمه الله يشبه كثيرا عبد الحكيم عامر الذي كان يتصرف على اعتبار أنه "ابن العمدة" الذي يوزع العطايا على كل من يتقرب أو يقترب منه، أما من لا يقيم معه علاقة ولاء شخصي من أي نوع فلم يكن يلتفت حتى إلى وجوده. وكان سعد وهبة عموما يغدق على الكثير من الصحفيين والاعلاميين ويقرب منه المثقفين الذين يأمل في مساندتهم له، باستخدام سلاح الجزرة دون العصا، ودون الحظيرة.. ولعل هذه هي الميزة الوحيدة قياسا بما نشهده منذ 22 عاما على يدي "الوزير الرسام" وحاشيته!
وبكل أسف أيضا أقول إن أحدا في أوساط الانتلجنسيا السينمائية المصرية التي تزعم لنفسها الريادة والتقدم والسبق على أقرانها في العالم العربي، لم يكلف نفسه أبدا التساؤل عن علاقة سعد الدين وهبة أصلا بالسينما، وما إذا كانت كتابته بعض السيناريوهات واشرافه على احدى شركات الانتاج تسمح له بأن يستولي لنفسه على مهرجان القاهرة السينمائي ويضمه إلى خيمة "اتحاد الفنانين العرب" طوال سنوات، قبل أن تأتي الوزارة لتستولي بدورها عليه (منذ 1985) دون أن تعترف به ابنا شرعيا من أبنائها المباشرين (مثل مهرجان الاسماعيلية أو المسرح التجريبي..إلخ) أي دون أن يكون تابعا بشكل مباشر للدولة، ودون أن يكون مستقلا يحصل فقط على دعم من الدولة مثل مهرجان لندن السينمائي الذي لا يفتتحه بالطبع وزير الثقافة ولا أي وزير!
هل كان سعد الدين وهبة مؤهلا لأن يصبح الرئيس المتحكم في كل كبيرة وصغيرة في مهرجان القاهرة السينمائي فقط لأنه "رجل سلطة" ولأن السلطة سمحت له بأن يحصل على "اقطاعيته" الصغيرة داخل الدولة بعد أن خاصمه منصب الوزير؟
الإجابة بكل وضوح واعرف أنها ستغضب حملة لواء سعد وهبة: لا.. لم يكن سعد الدين وهبة يصلح إلا أن يكون ضيفا على المهرجان ربما يجري تكريمه في إحدى الدورات على ما قدمه من جهد في مجال السينما، (من 3 إلى 4 سيناريوهات) بينما أنفق معظم جهده على المسرح كما هو معلوم للجميع.
إذن ما الذي جعل "المرأة الحديدية" سهير عبد القادر على ما هي عليه أو ما أصبحت عليه (وأنا هنا أعلنها بملء الفم أنني أحتفظ بحق الامتياز في إطلاق هذا اللقب على هذه السيدة قبل نحو 5 سنوات في أكثر من مقال نشروا في مصر)، وهل كانت سهير عبد القادر بأي مقياس من المقاييس العلمية والفنية والأدبية، تستحق أن تحصل على لقب نائبة رئيس المهرجان؟
الإجابة أيضا وبكل وضوح: كلا.. فسهير عبد القادر التي كانت موظفة في مكتب سعد الدين وهبة في اتحاد الفنانين العرب (وهو كيان وهمي آخر ارتضت الدولة المصرية أن تركن إلى سعد وهبة مهمة رئاسته الفخرية التي لا يترتب عليها حتى دفع مرتبات من جانب الدولة) لم يكن أحد يعرف أي شيء يتعلق بعلاقتها بالسينما حتى كمتفرجة، ناهيك عن أنها لم تكن ناقدة سينمائية، ولا مخرجة، ولا مسؤولة في مؤسسة السينما السابقة، ولم يسبق لنا حينما كنا نجوب نوادي وجمعيات السينما في مصر طولا وعرضا في السبعينيات، أن عرفنا أصلا بوجود السيدة عبد القادر التي هبطت علينا فجأة بواسطة سلطة سعد الدين وهبة، لكي تصبح نائبة رئيس المهرجان، في حين أن مهمتها الحقيقية لم تكن تتجاوز القيام بأعمال الآلة الكاتبة وقص صور الضيوف و"تدبيسها" في البطاقات الخاصة بالمهرجان، إلى جانب القيام ببعض ما يسمى "التشهيلات".
وفي ظل الفراغ الذي خلقه سعد الدين وهبة حوله، بعد أن صادر المهرجان لحسابه، واستبعد كل من لهم صلة حقيقية وخبرة معروفة في مهرجانات السينما خوفا من منافسته على المنصب وكشف ضحالة معرفته بالسينما العالمية وتياراتها وأعلامها، فرضت سهير عبد القادر نفسها بقوة "البلطجة" والصوت العالي واهانة أشخاص قادرين، وان ارتضوا الوقوف في الظل، وأصبحت هي المديرة الفعلية للمهرجان حتى تخطت سلطتها سلطة الرئيس نفسه، بل انها نجحت حتى في التخلص من الرئيس الذي لم يعجبها ولم يكن يسير على هواها وهو الصحفي شريف الشوباشي، الذي هبط على المهرجان أيضا بسلطة وزير الثقافة الفنان، دون أن تكون له معرفة بالسينما.

سهير عبد القادر

وقد أصبحت السيدة سهير التي يرتجف أمامها عدد من كبار السينمائيين والنقاد والاعلاميين في مصر والعالم العربي، تستعذب أو بالعامية المصرية الأصيلة "تستحلي" حكاية السينما والسفر لمشاهدة واختيار أفلام من مهرجانات مثل كان وبرلين وغيرهما مع المرحوم سعد وهبة أولا قبل رحيله، ثم انفردت وحدها بالساحة، واصبح معروفا عنها أنها توقف أمامها كل صباح طابورا من المساعدين والمساعدات لكي تصدر إليهم هم التعليمات والأوامر بمنتهى الشدة العسكرية.. وكان هؤلاء بكل أسف، يطأطؤون رءوسهم ويطيعون في صمت رغم علمهم جميعا أن وجود هذه السيدة على رأس المهرجان (دعنا من حكاية الرئيس عزت ابو عوف من فضلك فهو "في الخارج لتناول الغذاء" أو كما يقول الانجليز ساخرين out to lunch) أمر مخجل لمصر امام العالم. ثم اقامت المرأة الحديدية علاقاتها الخاصة سواء بـ"القصر" أم بالخارج. وقد قال لي أحد النقاد في تونس العام الماضي متسائلا بسخرية: كيف تأتي هذه السيدة إلى تونس لتسأل سائقي التاكسيات عن أي معلومات لديهم عن الأفلام التونسية الجديدة!
ولكن الذين استيقظوا اليوم "لأسباب شخصية"، لكي يوجهوا انتقادات سبق أن وجهناها بوضوح منذ سنوات، وخصوصا العام الماضي في المقال الذي نشر في جريدة "البديل" القاهرية بعنوان "مشكلة مهرجان القاهرة السينمائي"، لا يقولون لنا شيئا عن ذلك الفساد المنتشر في أروقة الثقافة والسينما والمشروع المستمر لتخريب العقول والأشخاص والمثقفين، بدلا من الحديث عن "قانونية" بقاء بعض الأشخاص في مواقعهم لأسباب شخصية، دون أن يشيروا- لأسباب شخصية- إلى واحد بعينه من أقدم وأبرز المتربعين على عدد من المناصب الأرقى والأكبر نفوذا في وزارة الثقافة بدون وجه حق منذ سنوات!

أود أن أختم هذا المقال بالقول إن مشكلة مهرجان القاهرة السينمائي ليس لها حل فردي بمعزل عن الحل العام بكل أسف، فمهما خلصت نوايا البعض أو وجدنا من نتصور انه "يصلح" للمهمة، فالواقع نفسه سيرفض هذا الحل وذاك "الأصلح"، بل ستخرج من الجحور مئات الأفاعي والثعابين لكي تلدغ وتتهم وتشوه وتقوض وتتصارع من أجل محاصرة اي عمل للإصلاح، فإصلاح مهرجان القاهرة السينمائي يبدأ من حيث يبدأ إصلاح مصر.. التي انسدت ماسورتها تماما بكل أسف منذ سنوات بعيدة واصبحت في حاجة ليس إلى "تسليك" بل إلى "تغيير".. هل هذا الكلام واضح بما فيه الكفاية؟

1 comments:

omar manjouneh يقول...

صدقت استاذى العزيز,
الوضع لم يعد يحتمل التسليك. البالوعة (عفوا) أقصد البلد على وشك الانفجار.

العام الماضى كنت أم احدى دور العرض فى وسط المدينة بعد انتهاء احدى عروض المهرجان اذ فوجئت برجل بسيط جدا لم أكن أتصور وجوده فى هذا المكان على الاطلاق (وفقا لفكرة نمطية كانت لدى) , فوجئت بالرجل يسألنى , "انت عجبك التخريف ده" وأكمل معترضا على (الفشخرة الكدابة) كما سماها (فالحين فى السجادة الحمرا وشوبة الاراجوزات اللى بيتمشوا عليها , هو ده مش مهرجان سينما برده؟ ). لم أستطع الا سؤاله ان كان فهم الفيلم فعلا (أظن أنه كان المانى وكان مترجم بالانجليزية فقط والحق أنى كنت أتفق مع الرجل فى مستوى الفيلم ومعظم الأفلام المشاركة بصفة عامة). وكانت المفاجأة هى أن هذا الرجل يواظب على حضور المهرجان كل عام علما بأنه لا يفهم الانجليزية, كانت اجابته على سؤالى , انه لم يشعر بالفيلم (محستوش). ان كان مهرجان يصنفه (أصحابه) على أنه من أحسن عشر مهرجانات فى العالم لا يستطيع حتى القيام بمهمته الاساسية وهى ايجاد حالة من الوعى السينمائى , فهل يمكننا توقع شيئا أكثر؟

وتقبل تحياتى أستاذ أمير
عمر منجونة

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com