الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

فيلمان من سورية: "حسيبة" و "أيام الضجر"



الأسطورة والرمز والواقع السياسي

عرض في 2008 فيلمان من سورية طافا على عدد من المهرجانات السينمائية الدولية في العالم العربي مثل دمشق والقاهرة ودبي. الفيلمان هما "حسيبة" للمخرج ريمون بطرس، و"أيام الضجر" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد.
السمة السائدة في الفيلمين أنهما من أفلام الماضي، أي أن أحداثهما لا تدور في الزمن المضارع بل في الماضي الذي كان، سواء في عشرينيات القرن العشرين كما في الفيلم الأول، أو في زمن الوحدة المصرية- السورية كما في الثاني.
واختيار "الزمن"، رغم مشروعيته، يعكس مع تكراره كثيرا جدا، نوعا من "الهروب" من مناقشة المشاكل الحالية في الواقع السوري التي يعرفها المشاهد السوري جيدا ويمكنه التعرف على نفسه فيها. وهذه "الماضوية" إذا جاز التعبير، سمة سائدة في معظم أعمال "الدراما السورية".. أي في الأعمال السينمائية والتليفزيونية السورية على نحو لافت للنظر.
السمة الثانية أن المحور الرئيسي للفيلمين يدور حول المرأة، وهي في الفيلمين، ضحية للرجل: تارة كنوع من اللعنة التي تطاردها بسبب اختيارها أن تسلك مسلك الرجال كما في "حسيبة"، وتارة أخرى كضحية مباشرة لما يفعله الرجال. ولكن في الفيلمين أيضا يبدو "القدر" الذي لا يستطيع الابطال منه فكاكا، هو القوة العاتية التي تسوق الشخصيات إلى نهاياتها الحتمية المأساوية.
"حسيبة"
فيلم "حسيبة" مقتبس عن رواية لخيري الذهبي. وهذا ليس عيبا بل يمكن أن يكون ميزة إذا عرف كاتب السيناريو والمخرج (وهما شخص واحد هنا) كيف يتوصل إلى معادل سينمائي يجعل شخصيات الرواية تنبض، والأهم، أن يوصل المغزى الاجتماعي والسياسي ويجيد استخدام الجانب الأسطوري في الرواية، لكي يمنح المتفرج المتعة ولو من خلال تصوير أقصى درجات المأساة.
لكن ما حدث أن مخرج هذا الفيلم ريمون بطرس، يقع في كل الأخطاء التي كان يتعين عليه أن يتلافاها وهو ينقل عملا أدبيا إلى لغة السينما.
ولعل الخطأ الأول في رأيي يعود إلى الرغبة في "الإخلاص" الشديد للعمل الأدبي، وهو هاجس يسيطر على كثير من المخرجين وكتاب السيناريو، ويتسبب في إفساد الكثير من الأفلام التي يتيح نسيجها أن تخرج بمستوى فني متميز، بينما المطلوب لتحقيق النجاح استلهام روح العمل الأدبي وجوهره والابتعاد تماما عن أسلوبه ومفرداته واستطراداته واعتماده الأساسي على الوصف المسهب.
ريمون بطرس، الذي لاشك في موهبته السينمائية ورؤيته البصرية المتميزة، يرتكب هذا الخطأ، رغبة منه في تجسيد ما لن ينجح في تجسيده على الشاشة، لسببين أساسيين:
الأول: أسلوب رواية الأحداث ذو الطابع الأدبي الذي يمتلئ بالثرثرة والتفاصيل، وتعدد الشخصيات على نحو محير أحيانا، والاعتماد الأساسي على الحوار الطويل الذي يبدو أحيانا أقرب إلى "المونولوج" منه إلى "الديالوج" أي على طريقة المسلسلات، وغياب تبرير تصرف الشخصيات، ورغم تصويره حرمان المرأة من الرجل عموما إلا أنه يبتعد عن التصوير الحسي المباشر خوفا من الرقابة بل تغيب عن الفيلم حتى الايحاءات الجنسية.
أما السبب الثاني فيعود إلى عدم توفيق المخرج في العثور على لغة سينمائية تتناسب مع موضوعه، فنراه يلجأ إلى التداخل في الأزمنة أحيانا لا لكي يسلط الضوء على نقاط محددة يريد أن يبرزها من أجل أن يعطينا صورة محددة عن الموضوع الذي يتناوله ويريده أن يصل إلينا بل لكي يروي كل شيء عن كل شيء، وينتهي بالتالي إلى فقدان السيطرة على الإيقاع واستطالة الفيلم وانفراط شخصياته دون أن يكون هناك اي تطور في الحدث بل دوران مكرر حول الفكرة نفسها.
الفيلم ببساطة واختصار شديد، يصور واقع الحياة في دمشق في عشرينيات القرن العشرين وتحديدا واقع المرأة من خلال شخصية "حسيبة" التي تذهب مع الرجال إلى الجبال للكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وتعود لكي تتزوج لكنها لا تنجب ذكورا بل تنجب فتاة وحيدة.

يموت زوجها فتكافح من أجل الاستمرار في الحياة وتلجأ إلى صناعة الجوارب وبيعها وتحقق تجارتها رواجا، لكن عندما يأتي صحفي مناضل للسكنى في بيتها تقع في حبه بينما يقع هو في حب ابنتها.
وينتهي الأمر بأن يتزوج الصحفي الإبنة وينجب الاثنان ولدا هو الذي سيموت فيما بعد لكي تكتمل المأساة. وستموت أيضا كل شخصيات الفيلم من النساء بعد حياة جافة، ومعاناة لافتقاد الرجال، كما ستفقد الإبنة عقلها تماما بعد أن يغادر زوجها إلى فلسطين ثم يعود إلى دمشق كما نعرف، لكنه لا يعود إلى البيت.
اللعنة التي تحل على حسيبة سببها قد يعود إلى أنها تشبهت بالرجال واختارت طريق الكفاح وحمل السلاح، رغم أن سلاف فواخرجي الجميلة لا تبدو عليها أي آثار للكفاح المسلح ولا حتى للتمرد.. في الفيلم طبعا!
إلا أن الفيلم في الحقيقة يقتبس من الجانب الميتافيزيقي الكائن في الرواية ولكن بطريقة مباشرة لا تتناسب أصلا مع الأجواء التي تدور فيها الأحداث.
ويتمثل هذا الجانب في الاعتقاد بوجود شؤم ناجم عن روح شريرة ترقد داخل النافورة التي تتوسط المنزل الدمشقي الذي تقيم فيه حسيبة مع ابنتها ومع شقيقة زوجها الراحل "خالدية" (التي تقوم بدورها ببراعة الممثلة جيانا عيد).
هذا الجانب الأسطوري كان ينبغي أن تدور حوله الأحداث أو أن يجعل الشخصيات تلقي مساحة أكبر من الاهتمام به، أو أن يصبح محورا لبعض الأحداث المتعاقبة وكلها أحداث سيئة في الحقيقة، لكنه يُهمل إلى حد بعيد، إلى أن يتم تذكره قبل النهاية.
الأسطورة والواقع
فيلم "حسيبة" لا يبدو أن له مغزى ما يلقى اهتمام المخرج- المؤلف، بل إن غرابة أجواء الرواية تبدو هي الأساس الذي استند عليه صانع الفيلم ولكنه عجز عن التوصل إلى لغة سينمائية تلعب في المساحة الرمادية الغامضة بين الأسطورة والواقع، وانشغل بدلا من ذلك، باستعراض دروس من التاريخ، وما استتبعه ذلك من بعض الحوارات التي تمتلئ بالخطابة والمباشرة وكأنه يتباكى على أحوال الأمة، أو بالأحرى، وكأنه يضع على ألسنة الشخصيات رسالة سياسية مؤداها التباكي على ما آلت إليه أحوال الأمة وهو خطاب يشوب الكثير من المسلسلات والأفلام السورية التي تدور في التاريخ وتعشق الاستغراق في الماضي، لكي تلعب من خلاله على الرمز الذي لا يتجاوز عادة "غمز الواقع" من بعيد وعلى استحياء.
والنتيجة أننا في حالة "حسيبة"، أمام عمل مثقل بالمشاهد الطويلة، والحوارات الزائدة عن الحاجة، بل والشخصيات التي لا تقدم ولا تؤخر، والتي تظهر وتختفي، أو تموت فجأة بطريقة تجعل الجمهور الذي لم تنجح الدراما السينمائية التي يشاهدها في استيعابه والاستيلاء على مشاعره وذهنه، يضج من الملل، خاصة وأن إيقاع الفيلم يهبط كثيرا بعد نصف الساعة الأولى، وخاصة وأن الأداء التمثيلي، رغم براعته، لا يتخلص من الطريقة المسرحية التي تعتمد على المبالغة.
لا عيب على الإطلاق في اختيار موضوع "مأساوي" أو تراجيدي، لكن التراجيديا أيضا لها شروطها وحدودها، التي إذا أفلتت أصبحت أقرب إلى السخرية بدلا من التعاطف.


"أيام الضجر"
أما فيلم "أيام الضجر" فيبدو بعد مشاهدته أن المخرج الموهوب عبد اللطيف عبد الحميد تعجل اختيار موضوعه دون دراسة كافية، ودون تطوير كاف لفكرته. تدور أحداث الفيلم في زمن الوحدة المصرية السورية، أي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.
ولاشك أن جانبا كبيرا مما يرويه الفيلم مستمد من التجربة الشخصية لمخرجه ومؤلفه، ومن ذكريات طفولته. ولكن ليس كل ما يمر به المرء يصلح لتقديمه في السينما وعرضه على الجمهور العريض. وفيلم عن الضجر يجب ألا يسقط في الضجر بل يجب أن يتمتع بالقدرة على إثارة اهتمام المتفرج.. الأمر الذي يفتقده "أيام الضجر" بوضوح.
هنا أيضا امرأة تنعكس عليها كل سلبيات المرحلة هي وأولادها الأربعة وزوجها "مصطفى" الجندي في الجيش.
الأسرة تعيش في هضبة الجولان، والأولاد يبتكرون شتى أنواع الألعاب والحيل للتغلب على الملل الذي يعيشونه.
والأب "مصطفى يستدعى في مهمة داخل إسرائيل لا يبدو أنها تحقق أي شئ يذكر، ويغيب عن المنزل فترة طويلة تتكفل فيها الأم برعاية الأولاد.
وتضطر الأم إلى الانتقال مع الأولاد لفترة بعيدا عن الجولان مع تفجر الأزمة اللبنانية في أواخر الخمسينيات واحتمالات اندلاع عمليات عسكرية بعد تدخل الأسطول السادس الأمريكي إلى جانب حكومة كميل شمعون، وبعد سقوط نظام نوري السعيد في بغداد.
أما الجانب الذي يحظى كثيرا باهتمام الفيلم فهو صورة الوحدة كما يراها المخرج- المؤلف، ويجسدها أولا في ضابط مصري مسؤول عن المنطقة كل ما يشغله إقامة مسابقات للجري بين تلاميذ المدارس وتوزيع هدايا بسيطة على المتفوقين منهم، ودعوتهم إلى ترديد الهتافات بحياة الرئيس جمال عبد الناصر، ووجود دبابة معطوبة ضخمة قرب منزل أسرة الجندي مصطفى، لا يتم إزالتها إلا في النهاية (على سبيل الرمز للوحدة المعطلة!)، وتحركات عسكرية تبدو هزلية، ومهمة يقوم بها عدد من الجنود والضباط داخل إسرائيل لا يبدو أنها تحقق أي شئ، وفي النهاية عودة مصطفى إلى أسرته بعد طول غياب وقد فقد عينيه وذراعه بعد أن انفجار لغم أرضي في جسده.

ويقوم بدور الضابط المصري ممثل سوري يفشل في اتقان اللهجة المصرية، بل يبدو كما لو كان يسخر منها من خلال كلماته الطفولية الساذجة وتعبيرات وجهه التي تكشف عن غباء واضح، وربما يكون هذا نفسه مقصودا فلا نتصور أن عبد اللطيف يعجز عن العثور على ممثل مصري يقوم بالدور.
ومن الواقع إلى الرمز، يصور الفيلم عجز الزوجة عن الحصول على ابنة لمصطفى بعد أن أنجبت 4 أولاد وعندما تحمل أخيرا في البنت المنتظرة تتعرض للإجهاض وتفقدها.. والبنت رمز الخصوبة.. فهل السبب في الإجهاض هو أيضا الوحدة!
إطالة واستطرادات
يعاني الفيلم من الإطالة والاستطرادات ومن ضعف الإخراج في بعض المشاهد مثل مشهد الحافلة التي تنقل المهاجرين التي يبدو واضحا أنها لا تتحرك. ويعاني مشهد الأطفال وهم يحاولون الامساك بالدجاج من الترهل الواضح، وهناك إطالة لا معنى لها أيضا في مشهد ولادة الزوجة الذي ينتهي بنزول جنين ميت.
ولم يكن هناك أي معنى لتخصيص مشهد طويل آخر لدفن الجنين في بكائية حزينة لا معنى لها.
ويعاني مشهد الجد وهو يعزف على الناي والأولاد حوله يتراقصون ويقفزون من الإطالة بلا معنى، ويبدو رقص الخال قبل مشهد النهاية في حركات بلهاء مشهدا لا يضيف شيئا، بل يبدو غليظا، ونرى بعده مباشرة عودة مصطفى عاجزا معوقا. لكن مصطفى نفسه، كما يريد أن يقول لنا الفيلم، لم يفقد الأمل رغم إصابته، لذا فهو يغني ويطلب من أبنائه الاستمرار في المرح والغناء والرقص، وهو اصطناع يتوقعه المتفرج في السياق فيبدو مفتعلا أيضا.
ولا ينجح موضوع الفيلم في تكثيف "رؤية" معينة ذات دلالات إنسانية عميقة عن معاناة أسرة في زمن "الضجر" أي زمن الوحدة، التي يحملها الفيلم كل خطايا الواقع في تلك الفترة. ولا تكفي هنا تصريحات المخرج عن رغبته في الحديث عن عدم تغير ما يعيشه الناس خلال خمسين سنة، فهو لا يروي قصة خمسين سنة ولا يقول لنا ما الذي حدث بعد انهيارالوحدة، ولا كيف يرى الناس الوضع الحالي في سورية المعاصرة بعد أن انقضى زمن الشعارات الكبيرة.
الأولاد يصابون في البداية بالتخدر بعد أن أكلوا ثمرة مسمومة كادت تودي بحياتهم، والأم فقدت الأمل في إنجاب بنت، والأب ينتهي معاقا بعد أن يفقد عينيه وذراعه، تراجيديا قدرية مكتملة.. كان يمكن أن تصنع فيلما تجريديا رائعا إذا ابتعد مخرجها ومؤلفها عن الإفراط في الرمز السياسي المباشر، والركون إلى الغمز الذي لا جدوى منه ولم يعد الجمهور في حاجة إليه بل في حاجة إلى النقد السياسي المباشر الموجع والحديث عما يجري اليوم.
كان حري بعبد اللطيف عبد الحميد أن يطلق على فيلمه "أيام الكوارث" بدلا من "أيام الضجر"!

الجمعة، 26 ديسمبر، 2008

أفلام أجنبية يحتفى بها باعتبارها مغربية

يسعد محرر مدونة "حياة في السينما" أن يستضيف هنا الصديق الناقد المغربي الكبير مصطفى المسناوي الذي ننشر مقاله الجديد المثير للجدل حول الوضع الراهن للسينما في المغرب، نظرا لأنه يكشف لنا ما لا نعرفه من جوانب متعددة تتعلق بالنشاط السينمائي الحالي هناك وما يكتنفه من صعوبات وإشكاليات تجلت أخيرا، كما يوضح، في مسابقة الأفلام المغربية السنوية التي أقيمت في طنجة.
هل هي نهاية "السينما المغربية"؟
بقلم: مصطفى المسناوي

من فيلم "كل ما تريده لولا"

رغم الخطابات "التهليلية" التي تروج لها جهات و منابر معينة بخصوص "النهضة" التي تعرفها السينما المغربية في الوقت الحالي، ينبغي الاعتراف بأن وضعية هذه الأخيرة صارت تبعث على القلق فعلا؛ وذلك عبر العديد من العلامات والتجليات التي لا تخطؤها العين، والتي تواترت في الآونة الأخيرة بشكل بلغت معه حد الاستهتار: الاستهتار بالحدود الدنيا لقيم دافعنا ومازلنا ندافع عنها في المشهد الثقافي – الفني المغربي، والاستهتار بالحقائق الملموسة وبعقل المشاهد – القارىء – المتابع المغربي المغلوب على أمره.
وبصرف النظر عن "العلامات" اليومية التي تشي بدخول السينما بالمغرب مرحلة الاحتضار (من قبيل الإغلاق المتزايد للقاعات السينمائية في غياب إرادة فعلية لإنقاذها، وتحوّل "صندوق الدعم" إلى عرقلة تحول دون "مغامرة" الرأسمال الخاص بالدخول إلى مجال الصناعة السينمائية)، كان اختيار فيلم "قنديشة" لتمثيل المغرب في الدورة الأخيرة لمهرجان مراكش السينمائي الدولي "علامة" كاشفة نبهت من تبقّى من الغافلين إلى أن خطاب "كولو العام زين" في السينما ليس سوى محاولة للتغطية على إخفاق كبير يهم تدبير المجال بأكمله مثلما يعبر عن غياب رؤية استراتيجية للسينما ببلادنا ودورها المفترض في بناء "المغرب الحداثي" كما يطيب للبعض أن يسميه.
إن هذا الفيلم، ولنقل ذلك دون تردد، فيلم فرنسي الجنسية من إنتاج شركة فرنسية وليس فيلما مغربيا أبدا، لا يشفع له في ذلك اختياره لموضوع اعتبره "مغربيا" ولا استعانته بممثلين "مغاربة". ولعل خير شهادة على "فرنسيته" قول مخرجه السيد جيروم كوهين أوليفار بلسانه – أثناء تقديم الفيلم بمهرجان مراكش- إنه "يشكر المغرب الذي ساعده على إخراج فيلمه إلى حيز الوجود"؛ وهو أمر لا يمكن أن يفعله مخرج مغربي الجنسية فعلا (مصطفى الدرقاوي أو أحمد البوعناني أو الجيلالي فرحاتي أو عبد القادر لقطع أو محمد العسلي أو محمد عبد الرحمن التازي، على سبيل العد لا الحصر) لأنه سيعتبر، حتما، أن دعم بلاده له – إن هي دعمته - لا يدخل في باب الفضل والصدقة الذي تستحق الشكر عليه وإنما هو حق من حقوقه عليها يندرج مباشرة في باب تشجيع الدولة، كل دولة، للمبدعين من مواطنيها الذين لا يملكون جنسية غير جنسيتها، ولا يقفون لنشيد وطني غير نشيدها، ولا يربطون الانتماء إليها بالحصول على مصلحة أو على منفعة من المنافع المادية الخاصة.
يضاف إلى ذلك أن اختيار فيلم فرنسي لتمثيل المغرب في مهرجان مراكش هو عبارة عن إدانة لمجمل الإنتاج السينمائي المغربي لهذا العام: فإما أن المخرجين المغاربة لم يخرجوا أي فيلم هذه السنة (وهذا يناقض تصريحات بعض القائمين على أمر القطاع بأن إنتاجنا السينمائي وصل إلى معدل 15 فيلما في السنة)، وإما أن كل ما أنجزه هؤلاء المخرجين لا يرقى – في نظر الإدارة الفنية للمهرجان- إلى مستوى الاختيار للتباري مع غيره من الأفلام.
وقبل أن تغيب هذه "العلامة" عن أذهاننا وأعيننا، ها هي ذي "علامة" أو "علامات" أخرى تأتينا من طنجة، على رأسها حصول فيلم "كل ما تريده لولا" لصاحبه نبيل عيوش على الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للسينما في دورته العاشرة.
ومرة أخرى، بصرف النظر عن أن الفيلم لا يستحق المشاركة في دورة هذا العام لأنه من إنتاج عام 2007 وكان مفروضا أن يشارك في الدورة التاسعة للمهرجان قبل عام لولا أن صاحبه رفض ذلك، فإن "كل ما تريده لولا" فيلم فرنسي – كندي من جهة إنتاجه، وموضوعه بعيد كل البعد عن المغرب (الذي جعل المخرج ممثليه يتحدثون بعامية مصرية رديئة ويلعبون أدوارا ثانوية هامشية)، كما أن مخرجه مزدوج الجنسية (فرنسي- مغربي).
معنى هاتين "العلامتين" – كي نتوقف عندهما دون غيرهما – هو أن كل الخطاب الرسمي الذي تم تداوله في وقت من الأوقات عن "دعم السينما المغربية" ( بأموال دافعي الضرائب) قد انتهى عمليا إلى دعم وتشجيع شركات الإنتاج الأجنبية وخاصة منها الفرنسية؛ بل إن الأمر أخطر من ذلك حين يتم، مثلا، إعطاء "جائزة المونتاج" في مهرجان طنجة الأخير (الخاص بالسينما المغربية) لتقني فرنسي الجنسية هو جوليان فور (عن فيلم "قنديشة")؛ حيث إن المعنى الوحيد لذلك هو أن السينما المغربية التي يحتفل البعض هذا العام بالذكرى الخمسين لظهورها (وهو تاريخ غير صحيح) لم تنجح طيلة نصف قرن من الزمان في إعطائنا ولو تقنيا (أو فنيا) واحدا مختصا بالمونتاج (من مراجعة الأفلام الطويلة المشاركة في مهرجان طنجة ويبلغ عددها 14 فيلما نجد أن 10 من بينها أنجز عملية "مونتاجها" أجانب).
لقد انشغل المسؤولون عن الشأن السينمائي ببلادنا، وطيلة ما يزيد على عقدين من الزمن، بالتركيز على "الإنجازات اللحظية البرّاقة" التي من شأنها أن تدغدغ مشاعر العاملين بالميدان وتثير ضجة إعلامية حولها (في الخارج بالخصوص) لكن دون أن يكون لها تأثير يذكر على تطوير الفن السابع والصناعة السينمائية ببلادنا: هكذا، وبدل إنشاء معهد عال للسينما وتطوير شبكة القاعات السينمائية (مع إعادة النظر في النظام الضريبي المفروض علىالتوزيع والاستغلال)، تم الذهاب باتجاه "دعم" إنتاج الأفلام فحسب، والرفع من قيمة "الدعم" من حين لآخر إلى أن بلغ اليوم ستة مليارات سنتيم سنويا.

وكانت النتيجة هي ما انتهينا إليه اليوم:
- ندرة، بل غياب مختصين مغاربة في مهن السينما (من مدراء التصوير إلى مهندسي الصوت مرورا بفنيي المونتاج...)؛
- إغلاق متزايد لقاعات السينما واختفاؤها من الأحياء وتحول الجديد منها إلى "غيتوهات" معزولة وبعيدة عن الأحياء السكنية؛
- تزايد عدد "المنتجين" المعتمدين على "الدعم العمومي" وغياب تام للمنتجين الخواص المغامرين بأموالهم في مجال السينما؛
- تحويل دعم الدولة (المقتطع من أموال دافعي الضرائب المغاربة) من المخرجين والأفلام وشركات الإنتاج المحلية إلى المخرجين والأفلام و شركات الإنتاج الأجنبية؛
وهاهي ذي، في نهاية المطاف، "مهرجانات" محلية ودولية منظمة ببلادنا تختار أفلاما أجنبية لتمثيلنا وتوزع جوائزها عليها وعلى التقنيين العاملين فيها؛ وكل المطلوب منا هو أن نلعب دور المتفرج المصفق على مأساة عبثية تتخذ شكل ملهاة.
لن نستغرب، والحالة هذه، إذا سمعنا غدا أن السلطات الإسبانية ضبطت على شواطئها قاربا للهجرة السرية مليئا بسينمائيين مغاربة هاربين من "نهضة" سينمائية مفترضة لم يعد للفن السابع ولهم فيها مكان.

الخميس، 25 ديسمبر، 2008

هارولد بنتر العظيم يغادر عالمنا


توفي في لندن في وقت متأخر من الرابع والعشرين من ديسمبر عن 78 عاما.. البريطاني العظيم هارولد بنتر الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 2005. كان بنتر كاتبا مسرحيا كبيرا، وكاتبا للسيناريو كما عمل ممثلا ومخرجا مسرحيا، وكتب الشعر كما عرف كناشط سياسي يدافع عن حقوق الإنسان، ويناهض التعذيب كما كان له موقف مناهض للحرب في العراق. وقد رفض الحصول على لقب "سير" أو فارس من ملكة بريطانيا.
كتب 29 مسرحية بارزة من أهمها "الحارس" و"الحجرة" و"حفل عيد الميلاد" و"الخيانة".كتب السيناريو لعدد من أهم الأفلام البريطانية والأمريكية مثل "الخادم" و"الحادث" و"الوسيط" لجوزيف لوزي، و"عشيقة الملازم الفرنسي" لكاريل رايز، و"التايكون الأخير" لإيليا كازان، و"المحاكمة" لديفيد جونز، و"سلوث" لكينيث برانا. وشارك كممثل في ثمانية أفلام منها "كسر الشفرة" و"حديقة مانسفيلد". وأخرج 3 أفلام.
كتب الناقد البريطاني مايكل بيلنجتون سيرة حياة هارولد بنتر وأصدرها في كتاب (حوالي 450 صفحة) تناول خلاله أعمال بنتر في كل المجالات، ومواقفه السياسية المميزة، وصراعه ضد "المؤسسة" مثله في ذلك مثل كل الكتاب والفنانين والمفكرين العظام في عصرنا.

«التبديل» لكلينت ايستوود.. خير مطلق وشر مطلق.. وبينهما فوضي




مقال أمير العمري في جريدة "البديل"

كلينت ايستوود ممثل عظيم، شكل جانبا كبيرا من خيالنا ونحن صغار من خلال أفلام "الويسترن سباجيتي"، التي قام ببطولتها وأخرج الفيلم الأول منها "من أجل حفنة دولارات" مخرج كنا نظنه أمريكيا، فقد كان يطلق علي نفسه اسم بوب روبرتسون ثم عرفنا بعد ذلك أنه إيطالي وأن اسمه هو سرجيو ليوني، أحد أعظم السينمائيين في عصرنا، رغم أنه لم يخرج طوال حياته سوي 10 أفلام فقط.
كان ايستوود في الحقيقة صنيعة ليوني، كما أن جانبا كبيرا من النجاح المدوي الذي حققته ثلاثية ليوني الشهيرة يعود أساسا إلي كلينت إيستوود.
هذا الممثل الذي اكتسب مع الزمن خبرة أكبر، وأصبحت له ملامح مميزة في الأداء البسيط غير المتكلف، أصبح أيضا مولعاً بالإخراج منذ وقت مبكر، وقد أخرج حتي الآن 29 فيلما إلا أنه لم يحقق في الإخراج ما حققه في التمثيل رغم تميز عدد لا بأس به من أفلامه كمخرج.
شاهدت منذ أيام فقط فيلمه الأحدث كمخرج "التبديل" Changeling وهو الفيلم الذي عرض في مسابقة مهرجان «كان» الماضية، وكانت له أصداء جيدة.
ولكن يمكنني القول إنه رغم الطموح الكبير من أجل تحقيق عمل ملحمي كلاسيكي كبير إلا أن ايستوود لم ينجح في رأيي في الوصول إلي ذلك بسبب تفكك السيناريو، واعتماده علي التداخل بين الزمان والمكان، خاصة في الثلث الأخير من الفيلم، وهو منهج يجب أن يتم بحذر شديد وبدقة بالغة، حتي يأتي الفيلم متوازنا وواضحا ومفهوما أيضا. أما هنا فالانتقال في الزمن بدا كما لو كان يحدث بدون ضرورة حقيقية، وفقط من أجل الشرح والمزيد من الشرح.

هذا فيلم موضوعه الأساسي عن أم وحيدة فقدت ابنها الوحيد وأعادت لها شرطة لوس أنجلوس الفاسدة (في أواخر العشرينيات من القرن العشرين) طفلا آخر وطالبتها بالاعتراف بأنه ابنها رغم انه ليس كذلك، وكان يتعين عليها أن تواجه مغبة رفضها الانصياع لمطلب الشرطة التي لا تريد أن يفتضح عجزها وفشلها في القيام بواجبها، في وقت كانت سمعتها فيه قد وصلت إلي الحضيض، وهو ما يؤدي بالسيدة (التي تلعب دورها أنجلينا جولي بماكياج وملابس مبالغ فيها كثيرا وبمبالغات شديدة في الأداء أيضا) أن تدفع الثمن، فتودع في مصحة للأمراض العقلية حيث تلقي من العذاب والتعذيب والهوان ما سبق أن شاهدناه في الكثير من الأفلام التي تصور أجواء مشابهة.
لكن الشرطي الشرير الذي يسوقها إلي العذاب يظهر في مقابله بعد ذلك كشرطي شريف يقرر إعادة فتح التحقيق بعد العثور علي صبي يعترف بقتل 20 طفلا مع رجل مضطرب عقليا في مزرعة دواجن بطريقة بشعة، ودفنهم تحت الأرض.
أيضا في مقابل مدير الشرطة الفاسد هناك القس المثالي (جون مالكوفيتش) الذي يقدم برنامجا إذاعيا يوميا يفضح فيه فساد الشرطة، بل يقوم بتصعيد موضوع السيدة كولينز التي تختفي داخل المصحة- السجن، ويقود أيضا المظاهرات التي تحاصر مبني الشرطة، وينجح في العثور علي محام شريف يتنبي قضية المرأة ويخرجها من المصحة ويواجه الشرطة في القضاء إلي أن ينجلي الأمر ويحصل ضابط الشرطة الفاسد ومديره علي ما يستحقانه من عقاب، ويقع قاتل الأطفال في قبضة العدالة وينتهي إلي حبل المشنقة.
إلا أن الفيلم يمتلئ بالاستطرادات الميلودرامية التي لا لزوم لها والتي كان يمكن ببساطة الاستغناء عنها، ويعاني بالتالي من الترهل في الإيقاع، وتكرار الفكرة الواحدة في عدد كبير من المشاهد التي لا تضيف جديدا، وتعدد النهايات بحيث يقع المتفرج في حيرة قبل نصف ساعة من نهاية الفيلم ويتساءل: متي وأين يمكن أن ينتهي الفيلم؟ وكان يمكن اختصار أكثر من عشرين دقيقة من الأحداث الزائدة التي يصورها ايستوود فربما ساهم هذا في اعتدال البناء، كما كان يمكن الاستغناء عن عدد من المشاهد الكاملة، بل الشخصيات التي لا تخدم الفيلم.
الغريب مثلا أن الفيلم يتضمن في ثلثه الأخير مشاهد كاملة للمحاكمتين: محاكمة الشرطة، وقاتل الأطفال. ويتحول بالتالي إلي أحد أفلام المحاكمات التي تعتمد علي المرافعات القانونية والاستجوابات الطويلة الأمر الذي لا يسبب فقط الشعور بالملل، بل يخرج المتفرج تماما بعيدا عن البؤرة الدرامية الأساسية التي يقوم عليها الفيلم، وهي: امرأة وحيدة في مواجهة مؤسسة فاسدة، تصمد وتدفع الثمن ثم تنتصر دون أن تحصل علي الابن المفقود، بل إنه يجعل الشخصية الرئيسية تتحول من المرأة إلي قاتل الأطفال، ويصر علي تصوير مشهد المواجهة بين القاتل المفترض والأم الضحية.
لكن حتي قبولنا كمشاهدين في سياق الفيلم، لما يكشف عنه من مقتل الطفل علي أيدي قاتل الأطفال السيكوباتي الذي لا يوجد تبرير لسلوكه، سرعان ما يخذلنا الفيلم عندما يتراجع أمام الرغبة في تحقيق نهاية سعيدة تمنح الأمل للسيدة كولينز.. في العثور علي ابنها حيا، وهنا تُختلق العديد من المشاهد الزائدة والساذجة أيضا لهروب طفلين أو ثلاثة من القاتل ونجاة أحدهما مع احتمال نجاة الابن المفقود!
كان يمكن أن يصبح فيلم "التبديل" تحفة حقيقية لو أن إيستوود سيطر أكثر علي أحداث وتفاصيل الفيلم منذ مرحلة السيناريو، فاستبعد منها كل ما هو زائد، وركز فقط علي مأساة المرأة الوحيدة مع استبعاد الشخصيات النمطية المكررة، والتخفيف من الحوار وحذف كل مشاهد المحاكمة. ولاشك أن هناك جهدا واضحا في هذا العمل في محاكاة كل تفاصيل الفترة (من 1928 إلي 1938) إبان الأزمة الاقتصادية الكبري (أو التي اعتبرت كذلك قبل أن نصل إلي أزمتنا الحالية!) والتعامل بدقة شديدة مع الديكورات والتفاصيل الخاصة بالمدينة والشوارع والسيارات والملابس وتصفيفات الشعر وتصوير مشاهد المظاهرات وغيرها، ولكن هكذا عودتنا أفلام هوليوود الكبيرة منذ سنوات طويلة.


وقد نجح ايستوود في وضع موسيقي الفيلم الشاعرية الحزينة التي تغلب عليها نغمات البيانو والتي تناسب تماما طابع الفيلم.
وكان من الممكن أن يصبح الفيلم أيضا أكثر إمتاعا وأقل تشتتا إذا ما عرف ايستوود أين يتوقف عند النهاية الطبيعية لمشاهد فيلمه، لا أن يترك العنان لممثليه للاستطراد وتكرار العبارات والصراخ والانهيار علي الأرض، وكأنه يعتصر الأداء اعتصارا من أجل الوصول إلي أقصي ذروة ميلودرامية يمكن أن تنتج عن الأداء.
ونتيجة لذلك يعاني الفيلم من الطول المفرط، ومن الفوضي والتداخل بين الشخصيات، والافتقاد لوجود دوافع حقيقية لدي الشخصيات والوقوع بالتالي في التبسيط والتجريد والنمطية. فالشخصيات تتمحور هنا بين "الأخيار" الأقرب إلي الملائكة مثل القس الذي يبدو عداؤه للشرطة وانسياقه في الدفاع عن قضية المرأة غير مفهوم تماما، وبين "الأشرار" مثل مدير المصحة الذي يبدو نذلا حتي النهاية الدموية، بل خصم عنيف للمرأة طوال الوقت دون مبرر مقبول، والشرطي الذي لا يتوقف لمراجعة نفسه مطلقا، حتي بعد أن اتضح أنه كان مخطئا. فالشخصيات كما قلنا، هي نماذج للخير المطلق والشر المطلق.
وربما ترجع "محدودية" تأثير أفلام ايستوود أيضا إلي أنها تركز، عادة، علي الجوانب الشديدة المحلية في الموضوع، وتأتي بالتالي مفتقدة للطابع الإنساني العام، الذي يغلف أفكاره ويضفي عليها رؤية فلسفية أشمل وأعم، وتخلو أفلامه رغم قوتها، من الأبعاد الإنسانية العامة التي تمس الناس في كل مكان. فالمشكلة أننا بعد نحو ساعتين ونصف الساعة من مشاهدة حكاية "مسز كولينز"، نتأثر حقا، وربما أيضا نبكي وننفعل ونغضب، لكننا نخرج إلي الحياة دون أن يبقي في أذهاننا وذاكرتنا شيء منها يصبح جزءا مؤثرا ينعكس علي تجربتنا الخاصة.

الأحد، 21 ديسمبر، 2008

فيلم "بصرة" لأحمد رشوان: حيرة الشباب وحالة العصاب الاجتماعي



تبدو تجربة فيلم "بصرة".. الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج أحمد رشوان، كما لو كانت بحثا في "العصاب" الاجتماعي الذي يسيطر على جيل من الشباب المصري الحالي، أو رحلة بكاميرا دقيقة ملتوية داخل جهاز عصبي لشاب يوهم نفسه بأنه في قلب الأحداث، لكنه في الحقيقة عاجز عن فهمها أو استيعابها أو التعامل الواقعي معها.
إنه يرى كل شئ من خلال عين الكاميرا الفوتوغرافية التي اختارها أداة لمهنته، بينما هو في الحقيقة، يقف على الهامش، كلما أمعن في علاقاته الجنسية كلما ازداد إحساسه بالوحدة.
إن بطل الفيلم "طارق" (الذي يقوم بدوره باسم سمرة) هو المعادل السينمائي لكثير من الشباب الذي يشبهه، والذي يبرر لنفسه منذ بداية الفيلم قضاء ليلة أخيرة مع زوجته السابقة بعد طلاقه منها مباشرة طبقا لما يطلق عليه "قانون الطلاق". قوانين الوجود
وسرعان ما تتوالى "القوانين" التي يبرر من خلالها طارق لنفسه الهرب بعيدا عن الواقع. إنه يعمل بكاميراه في قلب الواقع، يصور المظاهرات المناهضة للحرب في العراق، وربما أيضا مظاهرات الغضب المصري على ما يحدث في الداخل، يبحث عن الوجوه التي يمكن أن تثير في نفسه إحساسا مختلفا بطعم الحياة، لكنه مندفع أيضا من الناحية الأخرى للهرب من الواقع وإحباطاته وسط شلة المخدرات واللهو والصخب والغرق في الجنس.
خلال هذه الرحلة الوجودية التي يقطعها بطل فيلم "بصرة" يحاول القفز فوق الواقع، ليس عن طريق رفضه العنيف له على طريقة بطل "على آخر نفس" لجان لوك جودار، بل عن طريق الاكتفاء بملامسته السطحية له مختبئا وراء العدسة دون أن يدرك أن ما يكمن وراء الصورة أعمق كثيرا مما يوجد أمامها أو على سطحها.

ويصبح بهذا المعنى أقرب إلى بطل انطونيوني في "تكبير" Blow Up لاشك أن هناك بعدا وجوديا في "بصرة" يدور حول مغزى الحياة والموت: الحياة الصاخبة التي لا نعرف لها هدفا، ربما سوى الهرب من الواقع المتأزم، والموت الذي قد يداهمنا فجأة عن غير ميعاد، موت الصديق الشاب "حمادة" تحت وطأة المخدرات بعد أن يؤدي الصلاة الأخيرة مع والده. الفرد والعالم
غير أن الفيلم يدور أساسا حول علاقة الفرد بالآخرين، وبالعالم. وعلاقته بالمرأة: هل يمكن أن تصبح كل امرأة هدفا للمتعة الجنسية، أم أن المرأة يمكن أن تصبح في النهاية صديقة مخلصة أقرب إلى روح الطفولة كما تفعل "هند" التي تريده أن يشارك بصوره ولقطاته في عرض مسرحي تستعد لتقديمه باستخدام العرائس.
هند هذه نموذج آخر مضاد لنموذج الفتاة الأخرى المشغولة أيضا بالجسد، والتي تريد الاستيلاء عليه من الفتاة الأخرى أو النموذج المختلف الذي عثر عليه في المصورة الفوتوغرافية "نهلة" التي لا تعيش اللحظة كما هي بل تحاول أن تكون لها "وجهة نظر" فيها، تريد أن تحافظ على استقلاليتها، وتبقي على ثقتها بنفسها في مواجهة الإلحاح الجنسي لدى "طارق" لقضاء ليلة من المتعة الجسدية قبل توفر الفهم الحقيقي المشترك والإحساس المتبادل بين الجسدين كما تقول له.
ما الذي يشد طارق المصور إلى نهلة؟
نموذج نهلة المتمردة على التقاليد حقا لكنها الحريصة على عدم خيانة الذات، يهزم نموذج "خالد" الذي يبحث عن لحظة "التجلي" الفني من خلال صور ربما لا يشعر تماما بها أو يريد أن يبعدها عنه طوال الوقت، و"لذة" عابرة لا يريد أن يفوت أي فرصة للحصول عليها.
أخيرا تأتي لحظة التوافق بعد أن يقتنع طارق بأنه يحب نهلة، وبعد أن تعود نهلة إليه، لتجده مع هند التي أصبحت بمثابة "ابنته" كما يقول. ولكن هذه اللحظة تأتي وهو يواجه أخيرا مشهد سقوط بغداد على شاشة التليفزيون، وهو المشهد الذي يريد أحمد رشوان أن يجسد من خلاله الشرخ الكبير الذي يعانيه هذا الجيل من الشباب الذي لم يعد شبابا.
هناك تحريك جيد للممثلين، وتصوير جيد لشخصيات متباينة تتجادل وتختلف وتتصارع، لكنه الصراع داخل الوحدة، صراع الأصدقاء الذي يجمعهم رغم تباينه، هم واحد. البعض يضل الطريق، والبعض الآخر يتخلى عن الصحبة لكي يحقق شيئا لنفسه، لكن لحظة وفاة "حمادة" تجمعهم معا.. ويصبح مشهد الجنازة نقيضا كاملا لمشهد اجتماعهم معا في ليلة صاخبة.
رشوان يقدم كل شخصيات فيلمه بحب كبير، فهو لا يدين أحدا، بل ولا يرغب حتى في تقديم تحليل اجتماعي ونفسي للدوافع والظروف والمبررات، بل يكتفي باقتناص الشخصيات من حيث وجدت نفسها أخيرا.. ويضعها في مواجهة نفسها، ومواجهة ما يقع على الصعيد العام.

ورغم توفيقه الكبير في العثور على مجموعة من الممثلين الذين أدوا أدوارهم بحب وحماس كبير للتجربة، ونجاحه في اقتناص الكثير من اللقطات المعبرة بمساعدة مصور موهوب، إلا أنه لم يوفق في فكرة المقابلة بين الأزمة الشخصية لبطله ومشهد سقوط بغداد أو بين حالة "العصاب" الفردي الذي يسيطر على شخصياته، والعصاب العام السياسي في المنطقة، فقد كان هذا التصوير يقتضي مدخلا دراميا شديد الاختلاف.
ولعل البعد السياسي في فيلم رشوان لهذا السبب، هو الأضعف والأقل أهمية. ولعل اختياره مشهد سقوط تمثال صدام حسين تحديدا رمزا لهذا السقوط وتصوير تأثيره على بطله لم يكن موفقا، وفيه هبط أداء باسم سمرة إلى أدنى مستوى له في الفيلم.
كان من الأفضل، في تصوري، أن يكتفي المخرج- المؤلف بالإطار الاجتماعي الذي يغلف حياة شخصيات فيلمه في مصر دون إحالة إلى موضوع العراق كمصدر للتمزق، خصوصا وأن ابطاله بطبيعة الحياة التي يعيشونها، حتى مع قبول أن بطله يقوم بتصوير المظاهرات المناهضة للحرب، بعيدين منطقيا ودراميا، عن التفاعل المباشر مع سقوط بغداد ومع موضوع العراق بشكل عام.
لكن يبدو أن هذه الفكرة تحديدا هي التي راقت للطرف الإنتاجي الذي تكفل تحويل الفيلم من شريط مصور بكاميرا الديجيتال إلى شريط سينمائي.
ولاشك أن أحمد رشوان الذي أخرج عددا من الأفلام القصيرة والتسجيلية الجيدة للسينما والتليفزيون، سيتمكن من الاستفادة من هذه التجربة، وتجاوز أي أخطاء في تجربته القادمة التي نتطلع إليها.

عن موقع بي بي سي العربي

الجمعة، 19 ديسمبر، 2008

كلاسيكيات حديثة: الوصية الأخيرة للمعلم



"كلا.. ليس بعد أيها الموت"


تقديم: كتبت هذا المقال عام 1993 بعد أن شاهدت فيلم "مادادايو" للمخرج الياباني الراحل أكيرا كيروساوا مع الجمهور العام، وشاهدت كيروساوا نفسه يدخل إلى قاعة لوميير بقصر المهرجان قبل بدء عرض الفيلم يصحبه بمديرالمهرجان جيل جاكوب، وكان المهرجان قد أعلن من قبل أن كيروساوا لن يحضر إلى كان، وكان حضوره مفاجأة سارة للجميع. وقد وقف الجمهور يحييه ويصفقون لمدة عشر دقائق والشيخ العجوز كيروساوا يرد التحية. وبعد أن انتهى عرض الفيلم أدركت وقتئذ أن الفيلم سيكون الأخير في حياة هذا المخرج العظيم، وأنه يلخص فيه ببساطة شديدة، فلسفته ويرتد إلى براءة الطفل كيروساوا بينما هو يتأهب لعبور عتبات الموت. وكان كيروساوا وقت عرض الفيلم قد أكمل 82 عاما من عمره، ولم يخرج بالفعل أي فيلم بعد "مادادايو"، وتوفي عن 87 عاما عام 1998. وقد ذكرني ما نشره أخيرا الصديق المخرج الكبير محمد خان عن فيلم "مادادايو" بهذا المقال الذي نشر وقتها في صحيفة "القدس العربي". وأعيد نشره هنا بنفس عنوانه الأصلي وكما نشر.

يعود المخرج الياباني الكبير (82 عاما) حامل السعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمه التحفة "كاجيموشا" (1980) إلى المهرجان هذا العام حاملا معه فيلمه الجديد "مادادايو" الذي يعرض خارج المسابقة والتسابق على جوائز الذهب والفضة، لكي يلقننا درسا في بساطة وسمو اللغة السينمائية التي تولد منها عشرات الأفكار والتأملات والمشاعر، بعيدا عن سينما التقعر والحذلقة واستعراض العضلات.
و"مادادايو" هو التعبير الذي يستخدمه الأطفال في اليابان وهم يلعبون ما يطلق عليه لعبة "الاستغماية" التي تتطلب من الأطفال تغطية عيونهم بأيديهم بينما يختفي واحد منهم في مكان ما، ويصبح مطلوبا من الآخرين العثور عليه. غير أن كيروساوا يستخدم التعبير في الفيلم في مواجة الموت، فإذا كان الأطفال ينادون على الطفل القابع في مكمنه بالتساؤل: هل أنت مستعد؟ لكي يجيئ جوابه: "مادادايو" أو كلا ليس بعد، فإن كيروساوا يجعل الكلمة في فيلمه على لسان الأستاذ الشيخ هازئا من الموت، معبرا عن مقاومته له ورفضه الاستسلام له قبل أن ينتهي من إنجاز ما يتعين عليه إنجازه في الحياة الدنيا، فتلاميذه الذين يحتفلون بعيد ميلاده سنويا يسألونه في صوت واحد: هل أنت مستعد" فيرد هو: مادادايو.. أي كلا.. ليس بعد أيها الموت.
هذا فيلم عن الحياة، وليس عن الموت، وعن الزمن وما نعتقد نحن أنه يفعل بالإنسان من تقدم وهرم واختلال، بينما يجعله في الحقيقة وهو في أواخر العمر، يرتد إلى الطفولة. إنه أيضا فيلم عن العرفان بالجميل، وعن وفاء التلاميذ لأستاذهم الذي أخلص لهم فأخلصوا له بعد أن تخلى الصبا والشباب عنه.. عن الصداقة بين الرجال، وعن العلاقة الدافئة بين الإنسان والإنسان، كما بين الإنسان والحيوان الأليف الجميل، رمز البراءة بل ورمز طفولتنا جميعا.
و"مادادايو" من ناحية أخرى، فيلم عن مأساة اليابان الحديثة، عن الحرب والقنبلة والاحتلال الأمريكي، الذي كان لايزال، عن النفاق الاجتماعي والطموح السياسي الذي يفسد الإنسان.

وفي معظم لقطات هذا الفيلم المصنوع بدقة شديدة من ناحية حساب الزمن اللازم لكل لقطة، ترى عمق المأساة من دون تشاؤم بل على العكس، هناك روح من التفاؤل والمرح والأمل في التجدد والاستمرار واجتياز كل الصعاب. هناك البسمة والأغنية والموسيقى والرقص الجماعي الياباني، ولكن من دون إفراط أو مجانية، فكل شئ موظف – دون أن يكون وظيفيا- للتعبير عن (وليس لخدمة رسالة محددة) أحاسيس وأفكار فنان السينما الكبير الذي يدرك أن الموت كامن يمكنه أن يناله في أي لحظة، غير أن استمراره في العطاء والإبداع أقوى رد على الموت الكامن بالقرب منه: كلا.. ليس بعد أيها الموت.. فعندي لايزال ما أقوله!
في "مادادايو" يقدم كيروساوا لوحة بليغة لشخصية البروفيسور الياباني "هايكن أوشيدا".. أستاذ الجامعة الذي هجر التدريس الجامعي لكي يتفرغ للكتابة، وأصبح من كتاب الأدب المعروفين في اليابان، كما يعرف بحسه الساخر ومرحه واستمتاعه بالحياة (وعلى الأخص، بإفراطه في تناول الشراب).. وإضافة إلى هذا كله، يعرف عنه أيضا إفلاسه الدائم.
يبدأ الفيلم من زمن الحرب العالمية الثانية والبروفيسور يمارس التدريس الجامعي، يقيم علاقة صداقة وطيدة مع طلابه وتلاميذه، يتسامر معهم خارج الجامعة، يدعوهم إلى بيته حيث يتناولون الشراب ويتبادلون الرأي في شتى المواضيع، ثم يترك الجامعة لكي يتفرغ لكتابة المقالات والكتب.
وفي عيد ميلاده الستين يقيم طلابه السابقون حفلا كبيرا يغني هو فيه ويمرح معهم، ثم يبوح لهم بوصيته الأخيرة التي تتلخص في كلمة "مادادايو" التي يحولها إلى أنشودة عذبة قوية يرددها ويرددونها معه: كلا.. ليس بعد أيها الموت.
يقول له طلابه الذين أصبحوا الآن رجالا من ذوي الشأن في المجتمع إنهم يرغبون في تقديم هدية له بمناسبة عيد ميلاده لكي تساعده على التقاعد الكريم. لقد اشتروا له قطعة أرض وشرعوا في تشييد منزل متواضع لكي يقيم فيه مع زوجته التي لم تنجب أطفالا.

وسرعان ما ينتهي تشييد المنزل، وينتقل الرجل للإقامة فيه مع زوجته وهو يشعر بالسعادة الكبيرة بسبب تقدير تلاميذه السابقين له، ويدعوهم ليلة بعد ليلة، لتناول العشاء في منزله، ويقدم لهم ذات مرة، لدهشتهم الشديدة، حساء لحم الحصان الذي يجدونه شهيا، ويروي لهم كيف أنه بينما كان يشتري لحم الحصان توقف أمامه حصان يجره رجل، عرف فيه على الفور حصانا كان يخدم في الجيش أثناء الحرب، وصوب الحصان نظراته عليه وكأنه يسأله: ماذا تفعل أنت في هذا المكان؟
وتستمر مسامرات المجموعة، وتكون الحرب بالطبع قد وضعت أوزارها، لكن الرجل يشعر بغصة في حلقه مما يدور في مجتمع اليابان فيما بعد الحرب العالمية الثانية. وذات أمسية ينشد لهم الرجل أنشودة يسخر فيها من الحديث المتواصل عن الديمقراطية بينما ينتشر الفساد السياسي في البلاد، ويسخر من الحديث عن الحرية بينما اليابان أصبحت دولة واقعة تحت الاحتلال. ونرى مثلا كيف يهرع رجال الشرطة العسكرية الأمريكيين إلى مكان حفل عيد الميلاد لتقصي الأحوال، ظانين أن هناك اجتماعا سياسيا من الاجتماعات المحظورة. كذلك نلاحظ مظاهر البؤس والفقر المنتشرة في اليابان بعد الحرب. لكن ليس هذا هو الموضوع فالموضوع أكثر خصوصية من ذلك، فالرجل لديه قط قام بتربيه صغيرا، وأشرف عليه مع زوجته حتى أصبح لا يطيق فراقه أبدا، بل وظل دائم الحديث عنه مع أصدقائه، يلاعبه ويلاطفه أمامهم، ممتدحا كثيرا مظهره وشكله وشعره المميز وحركاته، بينما يندهش الأصدقاء من انشغال أستاذ وأديب كبير بقط.
وذات يوم يوزر الأصدقاء أستاذهم الكبير فيجدونه حزينا باكيا موشكا على الانهيار النفسي، والسبب في كل هذا الكرب، أن القط خرج في الليلة السابقة ثم هبت عاصفة هوجاء- كما نرى في لقطات العودة للماضي، أعقبها سقوط المطر الغزير فاختفى القط ولم يعد للظهور في المنزل منذ تلك اللحظة. ومن شدة تأثر الرجل يبدأ في البكاء وهو يروي لأصدقائه مدى علاقته الحميمة بالقط الذي يريد استعادته بأي ثمن. ويأخذ في تخيله وهو وسط العواصف والأحجار وفي الأماكن المقفرة البائسة، عديم الحيلة، ضالا جائعا لا يجد من يشفق عليه، والأصدقاء في حيرة من أمرهم أمام الأستاذ الكبير وعواطفه الجياشة تجاه القط الضال.
يحضر فجأة رجل يقول إنه اشترى قطعة الأرض المجاورة لمنزل الأستاذ، وإنه يعتزم تشييد منزل عليها، وينذره بضرورة إغلاق أبواب منزله المطلة على ذلك الجانب. ويحاول الأستاذ استثارة عطف الرجل واستدعاء مروؤته قائلا له إنه يرغب في الاستمتاع بالضوء الذي يأتي من تلك الناحية في سنوات تقاعده. لكن الرجل يتمادى في الوعيد والتهديد رافضا الاستجابة لتضرع صاحبنا. وعندما يعلم مالك الأرض الواقعة في ضواحي المدينة بالأمر، يتراجع عن بيع قطعة الأرض للرجل الشرير تعاطفا مع الأستاذ النبيل الطيب القلب وإرضاء له رغم حاجته الشديدة للمال لكي يشتري منزلا بسيطا في المدينة.
ويتفق الأصدقاء على شراء قطعة الأرض المجاورة تقديرا للرجل الذي قدم كل تلك التضحية ورغبة في تكريم أستاذهم المتواضع، لكن صاحبنا يبدو مهموما أكثر بالقط الذي لم يعد للمنزل. ويسعى الأصدقاء للعثور على القط، ويقنعون الأستاذ بنشر إعلان في الصحيفة المحلية، غير أنه لا يتلقى إلا بعض مكالمات هاتفية تسخر منه ومن تشبثه الطفولي بالقط الضال، كما يتكاثر الأدعياء والكاذبون الذين يزعمون العثور على القط طمعا في الحصول على المكافأة السخية.
ويلجأ الرجل إلى حيلة أخرى، فيقوم بطبع مئات الأوراق التي تحمل أوصاف القط ويذهب بنفسه لكي يوزعها على تلاميذ المدرسة القريبة من منزله. لكن هذا كله لا يجدي فالقط لا يظهر ولا يعثر عليه أحد، ويفقد الأستاذ مرحه تماما، ويظل الأصدقاء يتداولون فيما بينهم في كيفية مساعدته على الخروج من حالة الاكتئاب هذه. وذات يوم، يموء قط في حديقة المنزل، قط آخر جاء بنفسه يطلب الطعام، تناوله زوجة الأستاذ بعض الطعام، يربت الأستاذ على ظهره، ويقرر أن يطلق عليه اسما. لقد جاء هذا القط لكي يبقى، لكي يصبح بديلا عن القط الضائع.
وتنتهي الأزمة التي لم يستطع تلاميذ الرجل وأصدقاؤه فهمها أبدا. ويشرح هو الأمر لهم فيقول: "إن هذا القط بمثابة ابن لي، أرتبط به ولا أقوى على فراقه".
وتمر السنون، ولكن.. "كلا.. ليس بعد أيها الموت". يتجمع الأصدقاء، يحتفلون ببلوغه الثمانين وقد نال الشيب ما ناله من رؤوسهم جميعا، وتهدجت أصواتهم بمرور الزمن، لكنهم ينشدون "مادادايو".. تماما كما يطلب منا كيروساوا الذي يقول في تقديمه لفيلمه هذا: "آمل أن كل من يشاهد هذا الفيلم سوف يغادر قاعة العرض وهو يشعر بالانتعاش، وقد ارتسمت البسمة على شفتيه".
إنها الوصية الأخيرة للمعلم الكبير كيروساوا، يصوغها ببساطة في فيلمه رقم ثلاثين، مبتعدا فيه عن أسلوبه الذي ارتبط به في أفلام مثل "الساموراي السبعة" و"كاجيموشا" و"ران"، لكنه ليس بعيدا تماما عن الأفلام الأقدم له مثل "أن تحيا".
يقوم بالدور الرئيسي هنا الممثل الياباني الكبير تاتسو ماتسومورا الذي قام ببطولة عدد كبير من أفلام كيروساوا، مجسدا شخصية البروفيسور أوشيدا ببراعة مذهلة، منتقلا بين شتى المشاعر والتعبيرات: الأداء الصامت الرصين، المرح، السخرية، الود، الحزن، الحيوية الشديدة المتدفقة، وبراعة اللفظ والكلمات.
أما كيروساوا فيلجأ إلى طريقة سرد قصص الأطفال بل إنه يبدأ الفيلم فعلا بلعبة "الاستغماية" أو "مادادايو" يلعبها الأطفال في الشارع قبل أن يدخل بنا إلى موضوع الفيلم.
لا توجد في هذا الفيلم معارك مبهرة، ولا سيوف ولا مناظر تاريخية أو ملابس وتصميمات معقدة في حركتها كما في "ران" مثلا أو "عرض الدم"، بل عمق في الديكور وبساطة في الخطوط، وإيقاع هادئ رصين يساهم في تعميق إحساسنا بتعاقب الزمن، وهو ما يساعد عليه أيضا اللجوء إلى استخدام المزج، والإظلام التدريجي والظهور التدريجي كوسيلة للانتقال بين اللقطات والمشاهد.
كيروساوا يبدو في هذا الفيلم وقد عاد من حيث بدأ، أي إلى جوهر السينما كفن، وعلى مستوى الفكر، بدا وكأنه يوجه لنا وصيته الأخيرة التي تتلخص في ضرورة التمسك بالأمل والتفاؤل والاستمتاع بالحياة دون أن يغيب عن بالنا أبدا ضرورة العطاء والبذل لمن نحب.
لقد أراد هو تكريم الأديب الذي يحبه، وهو رجل ينتمي لأبناء جيله، لكنه، قام في الوقت نفسه، بتكريم الإنسان في كل مكان.

الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

قصة حب ضائعة على الحدود




عرض مهرجان دبي فيلما تركيا من النوع "غير الخيالي" سبق أن شاهدته قبل 11 شهرا في مهرجان روتردام السينمائي الدولي حيث عرض للمرة الأولى هناك بحضور مخرجه. وهو يحمل عنوانا غريبا هو My Marlon and Brando وهو تعبير تقوله البطلة عن حبيبها في اطار تعبيرها عن الحب باستخدام الكثير من الأوصاف التي تعتبر هذا الحبيب هو..كذا وكذا..وروميو وقيس ومارلون وبراندو وكل شئ.
ينتمي هذا الفيلم إلى ما يعرف بسينما الحقيقة التي تتميز باستخدام ممثلين غير محترفين يقومون عادة بإعادة لعب أدوارهم في الحياة حيث يختلطون بشخصيات حقيقية من الواقع، وكاميرا صغيرة تتابع وتسجل وترصد وتستفز، وتصوير في الاماكن الطبيعية، وموضوع حقيقي تماما لا يدخله أي افتعال درامي أو إضافات مثيرة.
والموضوع هو ببساطة قصة حب بين ممثلة تركيةهي عائشة داماغسي التي تقيم في اسطنبول والممثل العراقي الكردي حمة علي الذي يعيش في السليمانية في شمال العراق. وقد سبق أن التقى الإثنان لفترة قصيرة اثناء اشتراكهما في فيلم في تركيا قبل غزو العراق عام 2003، ثم عاد الرجل إلى بلاده، وظلت العلاقة بينهما قائمة من خلال الاتصالات الهاتفية والخطابات وغير ذلك.
الآن تقرر عائشة أنها لا تستطيع احتمال الفراق، وتتصل بحبيبها حمة علي تريد أن تتأكد من أنه مازال يحبها ويرغب في رؤيتها، فيؤكد هو لها حبه بل ويبعث إليها بألف مليون قبلة (على حد تعبيره) ولأسرتها ملايين القبلات، ويقول إنه يرغب في رؤيتها لكنه لا يستطيع الخروج من البلاد بينما تتأهب القوات الأمريكية للغزو.
وتقرر عائشة أن تذهب بنفسها إلى شمال العراق رغم كل المعوقات، لاعنة الحدود والجيوش والحروب، ويمضي الفيلم معها لتصوير المصاعب المستحيلة التي تلاقيها في طريقها، وكيف تفشل أولا في دخول العراق بسبب منع السلطات التركية لها، ورفض العراقيين الأكراد التصريح لها بالدخول، ثم كيف تقرر أن تدخل إلى العراق عن طريق إيران وكيف تعبر الحدود إلى إيران بالفعل وتتوجه مع سائق تاكسي إلى بلدة قريبة بعد أن قضت ساعات في انتظار أن يسمح لها الايرانيون بالدخول.
وتصبح عائشة شاهدة على الفظائع التي تقع بعد اندلاع الحرب، ولا نعرف في النهاية ما إذا كانت قد وصلت إلى حبيبها أم أنها ظلت تهيم على الحدود. ولكن لاشك أن الحبيبين اجتمعا بعد الحرب وإلا ما كان هذا الفيلم الذي ولدت قصته من قصتهما معا.

إنه فيلم من أفلام الاحتجاج السياسي ولكن في أسلوب شاعري رقيق، احتجاج على الحرب وعلى المعاملة التي تلقاها المرأة، وأساسا، هجائية عذبة ضد الحدود التي تفرق بين البشر وتعيق الاتصال فيما بينهم.
ويصور الفيلم أيضا نوعية المشاكل التي يمكن أن تتعرض لها امرأة وحيدة تعيش بمفردها في تركيا، ثم المضايقات التي تتعرض لها بعد ذهابها إلى إيران.
وقد صور الفيلم في المواقع الطبيعية لأحداثه، ولعب البطلان دوريهما كما سبق أن خبراه في الواقع. واستخدم المخرج في الفيلم رسائل الفيديو الحقيقة والخطابات التي أرسلها الرجل لحبيبته، كما استخدم لقطات لمظاهرات حاشدة اندلعت في تركيا ضد الغزو الأمريكي للعراق شاركت فيها بطلته عائشة.
والفيلم من إخراج المخرج التركي حسين كرابي الذي حصل على تمويل لفيلمه من هولندا وبريطانيا وصوره بكاميرا الفيديو (الديجيتال).
وقد حقق نجاحا كبيرا في الحصول على نتائج نهائية ممتازة من ناحية الصورة، وهو ما يؤكد الدور المتنامي لكاميرا الديجيتال في المستقبل، كما نجح في خلق إيقاع لاهث سريع، وبرع بوجه خاص في التفاصيل الخاصة بالجزء الإيراني، ومزج التسجيلي بالتمثيلي، واستخدم الموسيقى والأغاني العذبة المعبرة بالتركية والكردية من البلدان الثلاثة.

عن السياسة والصحافة والفن

كتبت من قبل حول الطريقة الساذجة السطحية التي تتناول بها صحف المعارضة وما يسمى بالصحف المستقلة في مصر (وغير مصر بكل تأكيد) السينما فتجعل منها مجرد سلة من الأخبار والمقابلات التافهة التي تشيد وتجمل وتمجد وتخلع العظمة على النكرات والتفاهات ممن يطلقون عليهم "فنانين" رغم ما تتمتع به نفس هذه الصحف من قدرة على الصياح بأعلى صوتها فيما يتعلق بالسياسة، تنتقد وتهاجم وتشجب وتدين، وخاصة رئيس الجمهورية الذي يحملونه كل أوزار البشر، بينما لا يتجرأون على مناقشة مسؤول صغير في منصب ثقافي معين يساهم مباشرة في "تدمير" عقول الشباب وتدمير القيم والذمم بشكل منتظم، دون أن يكون قصدي هنا شخصا بعينه بل مجرد نموذج عام متكرر ومستنسخ ومجسد أمام عيوننا يوميا.
ولست أدري حقا كيف تسمح صحف "الحنجوري" السياسي (من الحنجرة) بكل هذا التساهل الذي يصل إلى حد الدعاية المباشرة (التي قد تكون مدفوعة أيضا) فيما يتعلق بالفني والثقافي.
واقرأوا معي مثل هذه النماذج من ثلاث صحف يشار إليها بالبنان في مصر المحروسة:جريدة "المصري اليوم" التي تعتبر نفسها ليبرالية مستقلة جريئة تنشر هذه التفاهة في عدد اليوم (15 ديسمبر) عن فتاة تطلق على نفسها اسم "سمراء" تنشر لها صورة مثيرة:" عشقت الفن منذ نعومة أظافرها.. لكنها توقفت حوالى عشر سنوات بسبب هجرتها إلى سويسرا، وعادت مؤخراً لتستأنف حياته إنها الممثلة الاستعراضية «سمراء» التى شاركت فى العديد من الأفلام والمسلسلات، وتستعد الآن لمسلسل «أدهم الشرقاوى» مع المخرج باسل الخطيب والمؤلف محمد الغيطى، و«ليلة الرؤية» مع المخرج مجدى أبوعميرة، وانتهت من تسجيل أغنية فيديو كليب بعنوان «فوق ولا تحت» من كلمات حسن عزو، وألحان هانى زكريا، وتوزيع تامر صقر".
أما جريدة "العربي الناصري" لسان حال الحزب الناصري المعارض فهي جريدة متشنجة جدا في كل ما يتعلق بما يسمى بمكتسبات التجربة الناصرية، تقيس على أساسها الأفلام والروايات والأفكار، أي أن فيلمك تنحدد قيمته بناء على موقفه من السد العالي أو تأميم قناة السويس أو القطاع العام مثلا، فإذا كان الفيلم يشير إلى معاناة عامل في مصنع من مصانع الثورة مثلا فهو فيلم رجعي، أما إذا كان يعلق في خلفية أحد المشاهد صورة جمال عبد الناصر فهو فيلم تقدمي ممتاز بالضرورة!
إلا أن "العربي الناصري" ليست متشنجة على الاطلاق فيما يتعلق بـ"الوجود الجديدة الحلوة.. ياحلوين وياحلوات".. ولنقرأ ما نشرته في عددها الأخير في صفحة الفن: " وفاء عامر: لست فنانة شعارات.. والنجومية «قسمة ونصيب".. فى سنوات قليلة صنعت لنفسها اسما فنيا تجاوز مرحلة «تأطير الإغراء المُتبل بالشائعات» التى حاول البعض ربطها به. ومن يقرأ أخبارها.. ويشاهد صورها فى بدايات مجيئها من الإسكندرية.. سيفاجأ اليوم بقراءة مختلفة.. لأخبارها الشخصية.. والعائلية.. وحين سألناها عن سر هذا التغيير قالت: لا توجد أسرار بل هو الاستقرار الأسرى والفنى والحمد لله".
وتنشر جريدة "الدستور" المستقلة التي خصص ابراهيم عيسى نصفها بكل أسف لمقالات وأخبار وأفكار جماعة "الإخوان المتسعودين" الشهيرة بجعجعاتها الكثيرة وفلوسها الكثيرة أيضا، فقد نشرت التالي في صفحتها الفنية عن شخص مغمور يدعى ادوارد لا أعرف ما مصلحة المتسعودين في تلميعه:"رغم اشتراكه في ثلاثة أفلام في هذا الموسم وهي «بدون رقابة» و«المشمهندس حسن» و«بلطية العايمة» إلا أن دوره في الفيلم الأخير جاء مختلفا تماما عن كل ما قدمه إدوارد من قبل، فدور «قاهر» ليس فقط واحداً من أجمل الأدوار الموجودة في الفيلم - إن لم يكن أجملها- بل هو من أجمل الأدوار التي قدمها إدوارد طوال مشواره الفني، فهو يحمل ملامح من الحزن تماما كما يحمل ملامح كوميدية قادرة علي انتزاع ضحكات الجمهور في قاعة العرض".
هل هناك بعد ذلك أي أمل في أن يتسق "الحنجوري" السياسي مع الفني، أو يتخلى السياسي للفني عن نصيب معقول يسمح بتناول قضايا حقيقية في الساحة الفنية والثقافية. أم أن قضية "بلطية العايمة" وما شابه، أهم من كل قضايانا الحاسمة المؤجلة باستمرار!

الأحد، 14 ديسمبر، 2008

تداعيات عن سينما العالم والعام يوشك على نهايته

سالي هوكنز بطلة فيلم "تمشي على سجيتها"

من فيلم "هايمت" الألماني العظيم
يتجه عام 2008 نحو نهايته.. ونتطلع جميعا إلى استقبال عام جديد بأفلام جديدة ومفاجآت جديدة رغم الصورة القاتمة التي يبدو عليها الاقتصاد العالمي حاليا. حصاد 2008 سينمائيا كان ضعيفا بشكل عام.
السينما الأمريكية قدمت عملين أو ثلاثة من الأعمال ذوي القيمة. السينما الفرنسية رغم حصولها على سعفة كان الذهبية عن فيلم "الفصل" لا يمكن القول إنها حققت شيئا متميزا، فالفيلم لا يضيف أي جديد على مستوى الشكل أو المضمون، بل هو تكرار منسوخ من أفلام اخرى تلعب على فكرة واحدة هي نسخ الواقع دون أن إضافات إلى الموضوع أو المعالجة، والسينما البريطانية تراجعت بصورة مخزية، رغم إعجاب البعض بفيلم مايك لي "تسير على سجيتها" أو Happy-Go-Luky الذي لن أجد فيه شيئا مثيرا بعيدا عن أداء بطلته سالي هوكنز المعبر.
لم أشاهد فيلم "تشي" بعد عن البطل الأسطوري جيفارا، سيبدأ عرضه في لندن في اليوم الأول من العام الجديد بعرض الجزء الاول منه على أن يعرض الجزء الثاني في فبراير، وهي تجربة جديدة لعرض فيلم طويل يبلغ 5 ساعات.
وكنت قد شاهدت عام 1985 فيلم "هايمت" أو "الوطن" الألماني لادجار رايتز، وكان طوله أكثر من 16 ساعة، في أربعة أجزاء عرضت على مدار أربعة أيام متتالية في دار السينما، بتذكرة واحدة. وكانت تجربة لا تنسى، تشبه تجربة الفرجة الرومانية في الملاعب عندما كان الرومان يتوجهون ومعهم طعامهم وشرابهم ويقضون النهار بطوله، يشاهدون الألعاب الرياضية ويعيشون مع اللاعبين كل لحظة، ويمارسون الحياة بمتعة حقيقية. وكنت أقضي يوميا أكثر من اربع ساعات (ونصف ساعة استراحة) مع نفس الوجوه من الجمهور، حتى نشأت صداقات وعلاقات بين المشاهدين، وكنا نقضي الوقت أثناء الاستراحة في دار سينما "لوميير" في وسط لندن التي كانت تعرض الفيلم، ونحن نتناول المشروبات ونتبادل الأحاديث حول الفيلم- التحفة، الذي كان حدثا بارزا من أحداث السينما العالمية في الثمانينيات. وقد كتبت عنه تفصيلا في كتابي الثاني "اتجاهات في السينما المعاصرة".
لم أشاهد أيضا فيلم كلينت إيستوود الذي قيل فيه كلام كثير رغم أنني لست من المعجبين بايستوود كمخرج (أفضله ممثلا!) بعد أن عجزت حتى عن استكمال مشاهدة فيلمه الذي اقاموا الدنيا حوله الذي يحمل عنوان "فتاة بمليون دولار" بل وجدت أن فكرته عموما سخيفة ولا تثير أي خيال!
ربما يمكن اعتبار فيلم "تيزا: الاثيوبي للمخرج الكبير هيلا جيريما من أهم أفلام العام، وقد حقق ما حقق من فوز في فينيسيا وفي قرطاج، وأيضا فيلم "فروست/ نيكسون" لرون هاوارد الذي رغم موضوعه الذي يبدو مسرحيا نجح في تحويله إلى عمل ملئ بالحياة والاثارة والمتعة.
أما المخرج المتقلب اوليفر ستون (بالمناسبة قضيت أكثر من سنة في ترجمة كتاب كامل شامل عنه قبل سنوات صدر باسم "سينما أوليفر ستون" في القاهرة) فقد سقط تماما عبر أفلامه الثلاثة الأخيرة "الاسكندر الأكبر" و"مركز التجارة العالمي" وأخيرا "دبليو" الذي سبق أن كتبت عنه عند عرضه في مهرجان لندن السينمائي الأخير وقلت إنه لا يضيف شيئا بل يفتقر حتى لروح المرح والسخرية المحببة ويبدو ثقيلا وجافا.
أما السينما العربية فظلت هناك ثلاثة او أربعة افلام سنكتب عنها تفصيلا قريبا وهي "بصرة" لأحمد رشوان، و"حسيبة" لريمون بطرس، و"أيام الضجر" لعبد اللطيف عبد الحميد.
وفي مهرجان روتردام السينمائي الدولي الذي اذهب سنويا إليه في يناير أي في الشهر القادم، لافتتاح المشاهدات المكثفة في العام، سأرى مزيدا من الأفلام الجديدة، من عند العرب والعجم، وخصوصا "خلطة فوزية" لمجدي أحمد علي الذي فاتتني مشاهدته في القاهرة. ومهرجان روتردام هو المهرجان الدولي الكبير الأول في العالم ويعد من أكثر المهرجانات السينمائية تنظيما ودقة، وسهولة ايضا بالنسبة للنقاد والصحفيين في مشاهدة أفلامه وحضور عروضه. وهو يقام قبل مهرجان برلين، ويعرض عادة تجارب طليعية جديدة ويقدم عروضا عالمية أولى مثيرة للخيال والاهتمام.

الجمعة، 12 ديسمبر، 2008

رسالة وتعليق

تصلني عشرات التعليقات والرسائل من الأصدقاء والقراء، معظمها عبر البريد الالكيتروني أو الفيس بوك، وليس كتعليقات مباشرة ملحقة بالمواضيع المنشورة عبر الوصلة الخاصة لذلك في أسفل كل موضوع، وهو ما يقتضي مني جهدا إضافيا لإعادة نشرها والتعليق عليها، فالكثير من الأصدقاء يكررون أنهم مازالوا يجدون صعوبة في التعامل مع هذا النوع من كتابة التعليقات ويفضلون إرسالها مباشرة من خلال رسالة. لا بأس على الإطلاق وسأعمل على نشرها والتعليق عليها بانتظام بعد ذلك.
ولنبدأ من الرسالة الأخيرة التي وصلتني، أو بالأحرى الأولى التي جاءت تعليقا على الموضوع المنشور في أعلى الصفحة حول تلك الجلسة التي قضيتها في القاهرة مع لفيف من الأصدقاء ناقشنا فيها موضوع السينما المستقلة.
((مساء الخير.. لم يسعدني الحظ أن أحضر ليلة المناقشة الخاصة بالسينما المستقلة في مصر ولم اعتب سوي علي أصدقائي الذين لم يخبروني بهذه الجلسة ولكن علي اي حال سعدت كثيرا عندما قرأت نتاج هذه المناقشة علي المدونة الخاصة بحضرتك.
مرحبا بك في مصر ومرحبا بك في رحاب هذا الفن الوليد. اسمح لي بتعليق بسيط استخلصته من قراءتي لآراء الأصدقاء بخصوص شيئين الاول هو التمادي في البحث عن مشكلة وضع مصطلح محدد لمعني ما يقدم الان في مصر وما يسموه بالسنما المستقلة.برأيي اننا نستنفذ الكثير من جهدنا تجاه عملية الية مع الوقت هي بنفسها من ستضع لنا مفهوما محددا لنا وهي التي ستفرض علينا مفرداتها وافكارها واشكالها التي سنخضع لها دون عناء البحث عن اسم او قالب محدد لها ، فالبحث عن وسائل وحلول لتطوير هذا الشكل الجديد اعمق بكثير من ان نصرف مجهودنا في البحث عن شكل او قالب او حتي اسم محدد له.
الشيء الثاني الذي لفت نظري في الجلسة وفي آراء الحاضرين هو الاصرار علي وضع السينما المستقلة في صدام وتضاد مع ما يعرف بالسينما التجارية والسينما السائدة. لا يوجد أدني وجه للمقارنة بين النوعين سوي انهم في النهاية يقدمون ابداعا فنيا وبصريا في شكل صورة سينمائية.. لماذا لا نعتبر تيار السينما المستقلة تيارا موازيا للسينما التجارية دون ان نصنفه كتيار معاكس يريد القضاء علي الفشل التجاري للاعمال السينمائية التي نراها الأن؟اعتذر سيدي علي الاطالة، ولكن حقا حزنت كثيرا لعدم حضوري هذه الجلسة ولم استطع أن أري نقاشا يدور حول السينما المستقلة دون ان أبدي رأيي به..اشكرك علي الاهتمام وان شاء الله يكون لي الحظ الاوسع في المشاركة القادمة في مثل هذه الجلسات.. كل عام وأنت بخير)).
رانيا يوسف- كاتبة سينمائية بجريدة القاهرة

تعليقي على رسالة الأستاذة رانيا أولا الشكر الجزيل على اهتمامك بالكتابة والتعليق وهو ما يعكس أهمية الموضوع المطروح نفسه وثانيا: أظن أن جانيا أساسيا من الاهتمام بالظاهرة الجديدة أعني ظاهرة السينما المستقلة، كما أطلق عليها أصحابها وليس النقاد مثلا، يتضمن البحث عن تعريف لها بمعنى: ما هو المفهوم الذي تدور حوله فكرة "الاستقلال" هنا. ونحن طرقنا الباب ولم نصل كما قلت، إلى قناعات أو تفسيرات نهائية. وأظن أخيرا أن هذه الأفلام الجديدة لا تسعى للقضاء على السينما السائدة التجارية وإلا لكان هذا تصورا شديد السذاجة، فمن الذي يمكنه القضاء على صناعة ضخمة بهذا المستوى، وقد أصبت أنت عندما قلت إن الهدف هو صنع تيار مواز لها وأظن أن الجميع يتفقون على هذا بكل تأكيد.مرة أخرى أشكرك على اهتمامك وسأعمل على أن تصلك دعوة مباشرة في المرة القادمة، وبالمناسبة أنا الآن في لندن التي عدت إليها منذ أيام. كل عام أنت بألف خير.

جلسة في القاهرة حول السينما المستقلة

كان هدف اللقاء في أتيلييه القاهرة للفنون مساء الأربعاء 3 ديمسبر مع الأصدقاء من النقاد والسينمائيين والمهتمين من قراء هذه المدونة وأصدقائها يتلخص في المعرفة: معرفة ما هي السينما المستقلة التي يتكلم عنها كثيرون. وهنا كان لابد من الإنصات والتعلم والبحث المشترك عن المعنى والهدف والوسيلة كبداية بالطبع لمناقشات فكرية أكثر عمقا وثراء. ويمكنني القول أنني خرجت من تلك الجلسة التي جمعتني بعدد من أعز الأصدقاء، وعدد آخر من الأصدقاء الجدد الذين لم يسبق لي التشرف بمعرفتهم والذين جاءوا تلبية للدعوة التي وجهتها على هذه المدونة، وأنا أكثر إدراكا لما يدور في عقول السينمائيين الشباب حول السينما المستقلة، وما يدور في عقول المثقفين عن معنى الاستقلالية.
لكن ليس معنى هذا أننا أغلقنا معا الملف، بل لعلنا ساهمنا بقطرة في فتحه وفي تسليط الضوء على المعنى والتعريف، وبدأنا رحلة البحث من أجل المعرفة. ولا أزعم هنا أنني سجلت كل ما قيل في تلك الجلسة الممتعة التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات، بل أسوق فقط ما تمكنت من تسجيله بسرعة وباختصار شديد من ملاحظات قيلت خلال تلك الجلسة، بينما كنت مشغولا أيضا بالانصات والمتابعة وأحيانا بالتدخل والتعليق.


دور التكنولوجيا
كان التساؤل الأولي الذي طرحته عن دور التطور في مجال التكنولوجيا على صناعة الأفلام وعلى وجود هذا التيار الذي أطلق على نفسه السينما المستقلة تحديدا.
المخرج ابراهيم البطوط صاحب فيلمي "إيثاكي" و"عين شمس" اللذين صنعهما بامكانيات محدودة، قال إنه لا يرى أي علاقة بين ما سبق من تراث سينمائي وبين ما هو موجود اليوم عندما يشرع في صنع فيلم جديد فالتكنولوجيا في رأيه غيرت تماما من أشكال التواصل ومن الطريقة التي نستقبل بها الأفلام. وقال إنه لم يعد مضطرا للمرور بسيناريو على الرقابة بل إن أشكال التصوير والعرض الجديدة خلقت نوعا جديدا من المتقلين الذين يفرضون أيضا جماليات جديدة. وضرب ابراهيم مثالا بكيف أصبح بوسع العالم مشاهدة صور إعدام صدام حسين التي تم تصويرها بالموبيل. وقال إن الشخص كان ينتظر لكي يستمع أو يشاهد حفلات أم كلثوم أول كل شهر لم يعد قائما، بل أصبح هناك مشاهد من نوع آخر، ولم يعد يمكن منع عرض الأفلام فهو نوع من الوهم.
الروائية سلوى بكر فاجأتنا فقالت إنها كانت تكتب النقد السينمائي لعدة سنوات عندما كانت تقيم في قبرص وتعمل لإحدى المجلات هناك في الثمانينيات. وهي ترى أن السينما المستقلة مهمة لأنها تتصدى لتيار تزييف الوعي بالحقائق الذي نراه في التليفزيون وأجهزة الإعلام عموما. أما صديقنا مدير تحرير جريدة "الدستور" الصحفي والناقد خالد السرجاني فقد لفت نظرنا إلى ضرورة توخي الحذر في التعامل مع التجارب الجديدة في السينما المستقلة، وعدم الإفراط في التفاؤل بشأنها، فعلى الرغم من إمكانية أن تصدر عنها أفلام جميلة وواضحة المعنى إلا أن من الصعب أن تجد هذه الأفلام طريقها للعرض على الجمهور الذي يجب أن تصل إليه، وإذن فأزمة العرض أمر حقيقي وليس فقط حل مشكلة التصوير أو الإنتاج.
الزميل ضياء حسني اعترض على ما قاله ابراهيم البطوط من نفي تاريخ السينما السابق على التطور التكنولوجي الحالي واستبعاده من الحسبان، وقال إنه لابد من تطور الأفكار حتى يمكننا استخدام الوسيط، وإن التشبع بالكتنولوجيا بدون تاريخ من الأفكار يجعل الأفلام فارغة تماما. وضرب ضياء مثالا بفيلم "نابليون" للمخرج الفرنسي أبيل جانس الذي أخرجه عام 1927 كمثال على تطور الأفكار مع التطور الكتنولوجي وضرورة دراسة مثل هذه التجارب القديمة التي لاتزال تصلح دروسا نتعلم منها.

تعريف المستقلة
الصديق الصحفي محمد فوزي (جريدة الدستور) وهو من المهتمين بالسينما طالبنا بضرورة الخروج من الجلسة بمقترحات محددة تتعلق بتعريف السنيما المستقلة، وحاجة الجمهور إلى معرفة ماهيتها.. أفكارها.. أنماطها.. اهتماماتها.. ما إذا كانت هي الأفضل فنيا، كما طالب بضرورة نشر ثقافة سينمائية جديدة ترتبط بالسينما الجديدة المستقلة والوصول بها إلى الفضائيات، وقال إن من المهم أن يوجد تيار سينمائي مستقل في مصر يغير الواقع ويتصدى للنمط السائد في الإنتاج، ونبدأ في المراهنة على من لديهم نواة صلبة حقيقية وليس على منتجي الأفلام السائدة.
وطالبت سلوى بكر بضرورة بحث سبل وأساليب دعم السينما المستقلة عن طريق دعم وتطوير أشكال النقد المواكبة لها، وقالت إنه لايوجد إبداع في الهواء الطكلق بل إن ظاهرة مثل السينما المستقلة تؤدي للبحث عن أشكال أخرى للتعبير في غير ذلك من المجالات. ولفتت النظر إلى ضرورة أن تتوفر الأفلام المستقلة على نوع من المتعة للجمهور وقالت إن ما شاهدته من أفلام قصيرة لم يكن ممتعا.

بعضنا كان رايه أن السينما المستقلة هي تلك التي تصنع بعيدا عن قيود الإنتاج التقليدي، والبعض الآخر رأى أنها تلك التي تبحث عن أشكال جديدة في التعبير بالضرورة.
خالد السرجاني نبهنا إلى أن أهمية إنتاج سينما عكس التيار قد تتلاقى مع الآخر، وأما صنع فيلم للذهاب به إلى مهرجان سينمائي دولي تحت شعار "الحوار بين الشمال والجنوب" أو اليهود في العالم العربي أو الأقليات فهو موضوع آخر قد يكون قائما في اهتمامات الآخر ولا يمكن أن يكون من أهداف السينما المستقلة.
استغرقنا وقتا طويلا بعد ذلك في محاولة التفكير والبحث عن تعريف مناسب للسنيما المستقلة في مصر تحديدا بحيث نفرق بينها وبين ما أشير إليه في الولايات المتحدة على سبيل المثال. وكان رأي السرجاني أن الأمريكيين المستقلين لا يبتعدون كثيرا في اهتماماتهم عن التيار العريض في السينما الأمريكية بل هم يسعون أصلا إلى النفاذ إليه من خلال استخدام الفيلم المحدود الإمكانيات.
الدكتور ناجي فوزي قال إنه أمر مشروع أن يبدأ السينمائي وعينه على الوصول إلى الإنتاج الكبير أي أن يكون الهدف الانتقال من الأفلام المحدودة التكاليف إلى صنع أفلام كبيرة. وأشار إلى أهمية دور مؤسسات الثقافة السينمائية القائمة في تبني دعوة السينما المستقلة، وقال إنها عجزت حتى الآن عن الترويج للسينما التسجيلية مع أنها موجودة طوال الوقت، وأشار إلى عجز التجمعات الثقافية عن فرض الفيلم التسجيلي منذ ندوة الفيلم المختار التي بدأت قبل أكثر من 50 عاما.. وكان رأيي الشخصي ولايزال، أن العبرة بما يتقدم به السينمائي وما يرغب في تحقيقه فإذا قبلت أي جهة دعم فيلم ما دون أن تطلب أي تنازل من مخرجه ودون أن يكتب صاحب الفيلم مشروعه أصلا ويتقدم به وعينه على أنماط معينة يعتقد أنها سترضي جهات التمويل وتسيل لعابها، فلا تثريب ولا حرج، ولكن المشكلة أن الكثير من السينمائيين العرب تحديدا يتقدمون طواعية بالتنازلات مسبقا للحصول على التمويل. وكان رأيي أيضا أنه لم يعد هناك تمويل من طرف واحد أو سينما "وطنية" تماما مع وجود الأفلام التي تمول من جهات متعددة تشمل عددا من محطات التليفزيون من اليابان وأوروبا ومن الداخل ومن شركات سينمائية وجهات حكومية، وهنا ليس من الممكن القول بتبعية الفيلم المنتج فكريا لجهة ما واحدة محددة بل ربما تتلاقى هذه الأطراف وتتفق دون أي ترتيب، على شكل فني معين طموح تدعمه وتروج له كبديل لما هو سائد ومتخلف.

العامل المشترك
المخرج أحمد رشوان قال إن السينما المستقلة لا تمثل تيارا أو موجة مثل الموجة الجديدة التي كان يجمعها- حسب رأيه- تيار فكري، وأشار إلى غياب المشترك الفكري من أفلام السينما المستقلة في مصر، أما الجامع بينها فهو مجرد الرغبة في التعبير. واتفق مع الرأي القائل بوجود اختلاط في المفاهيم. وأضاف أن التصوير بكاميرا الديجيتال لا يقدم الوصفة السحرية للسينما المستقلة وذكر أن المنتج- الموزع صفوت غطاس وخمسة من المنتجين التقليديين في السوق اشتروا أخيرا كاميرات ديجيتال، فهل ستكون الأفلام التي سينتجها هؤلاء أفلاما مستقلة. وقال رشوان إن الاستقلال ليس ضد الاحتلال بل ضد التبعية أي التبعية للمنتج التاجر. وأشار إلى أن هناك فرقا بين الأفلام التي تصلح للعرض على جمهور عام وتلك التي لا تصلح سوى للعرض على جمهور محدود، وقال إن المشكلة ليست في الدراسة. أي دراسة الجمهور بل في تطوير القدرات الإبداعية. ويرى رشوان أيضا أن معهد السينما يخرج شبانا عيونهم على السوق، في حين تساهم تجارب مثل مدرسة السينما في الجزويت في توفير بديل جيد.
خلال تلك الأمسية استمتعنا أيضا بمداخلات من الصديق الجديد أحمد أبو الفضل وهو طبيب أسنان ومدون لديه مدونة باسم إنكشاريات. وقال أحمد إنه يتابع المدونات السينمائية على شبكة الانترنت وإنه يجد أن ثلاثة أو أربعة منها تقدم خدمة مفيدة وإنه شخصيا تمكن من متابعة الكثير من الأحداث السينمائية من خلالها، ولكنه أشار إلى محدودية جمهور المدونات عموما، وأشار كذلك إلى تجربة قامت بها ساقية الصاوي في مجال عرض الأفلام المجهولة التي يجب أن يلم بها عشاق السينما.
حضرت معنا أيضا الفنانة التشكيلية جيهان جاد التي أبدت حماسا كبيرا للسينما المستقلة وطالبت بوصولها للجمهور وضرورة أن تطور نفسها وآلياتها ولا تقتصر على أن تكون "سينما فقيرة". بالضرورة في مواجهة سينما غنية بالإمكانيات المادية.
كانت الأمسية دون شك، مفيدة لي شخصيا في التعرف على الكثير من الأفكار التي تشغل القريبين من السينما المستقلة في مصر، كما أتاحت لي الفرصة للتعرف على زملاء وزميلات جدد مثل بسمة ياسين الصحفية في جريدة "نهضة مصر" وزينب مصطفى المخرجة بالمركز القومي للسينما وهي فنانة تشكيلية أيضا. وقد تلقيت بعد تلك الأمسية اتصالا هاتفيا من الصحفي الشاب الأستاذ محمد فوزي الذي حضر الجلسة، اقترح علي ضرورة التوصل في مرة قادمة إلى إطار محدد لدعم تيار السينما الجديدة في مصر أو تأسيس كيان ما يجمعنا ويطور أفكارنا. أسعدني كثيرا جدا الحماس، وأتمنى أن نصبح قادرين قريبا، في زيارتي القادمة إلى القاهرة، على الوصول لشئ ملموس في هذا المجال أو على الأقل، في تأصيل ما هو مشترك بيننا، وهذا هو الأهم.. أليس كذلك؟

الجمعة، 5 ديسمبر، 2008

يوسف شاهين وسمعة مصر


المقال التالي نشر في عمود أو زاوية "هواء طلق" الموجودة في الصفحة الأخيرة من صحيفة "القدس العربي" الصادرة في لندن في 31 مايو 1991.
هنا نص المقال، أعيد نشره لأن القضية التي يطرحها لاتزال، بكل أسف، قائمة، يعبر عنها كثير من الكتاب والنقاد رغم كل ما وقع من تغيرات في العالم، في الأفكار والقيم والمفاهيم فالتشكك من الآخر هو السمة التي لاتزال تحكم نظرة قطاعات كبيرة من القوميين- البعثيين- اليساريين- الإسلاميين، أو المنتمين لهذه "الخلطة"العجيبة الهجينة من الفكر السياسي التلفيقي. وإذا كان يوسف شاهين قد تعرض لموجة عاتية من الهجوم والاتهامات قبل نحو 17 عاما، فهناك آخرون يتعرضون حاليا لاتهامات مشابهة بسبب خروجهم عن قاموس الدعاية الرسمية، والأيديولوجية الأحادية التي ترفض الاختلاف. والغريب أن الذين طالبوا بمحاكمة شاهين بدعوى إساءته لبلاده هم أنفسهم الذين عادوا فرفعوه إلى عنان السماء عام 1998 عندما حصل على جائزة تكريم من مهرجان كان، فنسبوها لمصر وليس للفنان الفرد الذي حصل عليها بمجهوده الفردي، رغبة منهم في التمسح بالنجاح الذي يحققه الفنان الفرد. هنا نص المقال للتاريخ وحتى يعرف من يريد أن يعرف كيف كان الموقف الشخصي لكاتب هذه السطور، وماذا كان موقفهم هم، وفي أي خندق كانوا يقفون وقتذاك بكل "شجاعة" و"عنترية" المحمي من السلطة الرسمية والذي يأتمر بأمرها:

((بين وقت وآخر تتصاعد حملات الهجوم والتشكيك كلما ظهر فيلم يصور الواقع المصري كما هو، ويحمل رؤية صادقة لمخرجه. حدث هذا قبل أكثر من عشر سنوات عندما ظهر الفيلم التسجيلي الممتع "القاهرة كما لم يرها أحد" إخراج ابراهيم الموجي. وقد منع عرض هذا الفيلم في مصر كما منع تصديره وعرضه في الخارج. وحدث الشئ نفسه مع فيلم المخرج داود عبد السيد التسجيلي "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم"، وكانت الذريعة في كلتا الحالتين "الإساءة إلى سمعة مصر".
ولست أدري حقا كيف يمكن أن يسئ فيلم أيا كان، لسمعة بلد وشعب وتراث وتاريخ وثقافة، هكذا وببساطة تامة إذا ما كان يعرض لجانب أو لعدة جوانب في الواقع!
بل ولست أدري كيف يمكن لصحافة تحترم نفسها وقراءها أن تشن حملات على أفضل ما لدينا من فنانين سينمائيين كان آخرهم يوسف شاهين الذي اتهم فيلمه التسجيلي القصير "القاهرة منورة بأهلها" بالإساءة إلى سمعة مصر والتعريض بها وبشعبها، ووصل الحد أيضا إلى أن تساءل "بعضهم" في الصحافة الرسمية المصرية، عن سر الكراهية العميقة والدفينة التي يكنها يوسف شاهين لمدينة القاهرة، مقارنة بمدينة الاسكندرية التي ولد ونشأ فيها وصورها في عدد من أفلامه في صورة "إيجابية" كما رأى ذلك العبقري الذي كتب كلاما من هذا النوع!
وكان صحفي ناشئ يحمل اسم والده الصحفي الشهير، قد نشر مقالا في إحدى الصحف الدولية الملونة ووضعت الصحيفة صورته في قلب المقال وكأن القائمين على أمر تلك الصحيفة يعتبرونه مفكرا من "المفكرين" الذين نبتلى يوميا بمطالعة مقالاتهم الرنانة على صفحات "الملونة"!
كرر الصحفي الشاب في مقاله نفس ما يقال عن فيلم شاهين- رغم اعترافه بأنه لم يشاهده، مشيرا إلى أن الفقر ليس عيبا، موجها اللوم إلى يوسف شاهين لاظهاره الفقراء المصريين في عاصمة المعز، ولكن دون كلمة واحدة في الدفاع عن حق السينمائي في أن يرى ما يرى، وأن يصوره بأمانة على حقيقته.
وإذا كان من المنطقي أن يستخدم وزراء السياحة وموظفو السياحة تعبيرات من نوع "الإساءة لصورة البلاد" وما شابه من تعبيرات أخلاقية ساذجة، فمن الحمق أن يردد "نقاد" أو رجال إعلام كلاما من نفس النوع، غير مدركين أن ما يرددونه هو في حد ذاته، إساءة لسمعة البلاد، فهو يكشف عن نظرة جاهلة ضيقة الأفق للفنون عموما، وللسينما بوجه خاص، طبيعتها ووظيفتها في العصر الحديث.
إن الأعمال السينمائية المتميزة التي تحقق أصداء طيبة في عروضها الجماهيرية أو في المهرجانات السينمائية الدولية، أغلبها يمتلئ بالنقد الاجتماعي والسياسي القاسي الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى نقد مؤسسات الرئاسة نفسها بصورة موجعة، ومع هذا لا ترتفع أصوات المثقفين والصحفيين والكتاب تطالب بمنع هذه الأفلام أو إيقاف تصديرها وعرضها في الخارج، أو محاكمة صناعها، ودون أن يتهم فنان في ولائه لبلده، ويشكك في انتمائه إلى البلد الذي صنع فيه فيلمه. هذا لا يحدث سوى في مجتمعات القهر والإرهاب والفاشية حالكة السواد، فماذا يضير مجتمع ما أن يراه فنان بعين تنقب في الواقع بمساوئه وحسناته. وإذا كان البعض حريصا على "صورة مصر" فلماذا لا يجندون أقلامهم من أجل إيقاف التدهور، ومقاومة الردة الحالية بدلا من توجيه الاتهامات إلى سينمائي يعبر بالكاميرا عما يراه مهما كان قاسيا في رؤيته!
يوسف شاهين ينتمي إلى القاهرة وناسها، وهو عاش ولايزال يعيش بينهم، يصنع أفلاما قد نتفق أو نختلف مع مضمونها وأفكارها، وقد نناقش مدى تماسك بنائها الفني، وقد نجد خياله يمتد إلى آفاق غير مقبولة من جانب البعض منا بحكم نظرتهم الأخلاقية الجامدة، ولكن دعونا لا نصادر حريته وحقه في التعبير، فهو ابن السينما المصرية والعربية، بل وعلم من أعلامها، فإذا أردتم نقد أفلامه فلتفعلوا، فهذا حقكم، ولكن لا يهيلوا التراب عليها، فليس من حق أحد أن يتشكك في ولائه ومصداقيته، فيوسف شاهين ليس عميلا للغرب، وللصهيونية العالمية – كما ردد أحدهم- بل هو عميل مخلص للفن السينمائي، يدرك جيدا مسؤوليته في المجتمع الذي ينتمي إليه)).

الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2008

مغزى الحرب القائمة ضد السينما المستقلة


مقال أمير العمري الجديد المنشور في جريدة "البديل"


في كل بلاد الأرض تدرك "النخبة" معنى ومغزى وأهمية وجود جيل آخر جديد من السينمائيين، وأهمية إتاحة كل الفرص أمامهم، للتجريب والسباحة في مناطق غير تقليدية، في ثقافة الصورة، بعيدا عن كل القيود التقليدية التي يفرضها السينمائي عادة على نفسه لكي يتواءم مع ما يسمى بـ"متطلبات السوق".
ومهرجانات السينما الدولية الكبيرة حقا، تاريخا ومقاما، والتي تريد أن يحسب لها أنها لا تستبعد الجديد مهما كان جامحا في تجريبيته وأفكاره، عادة ما تسمح بمساحة على الهامش لتلك "السينما الأخرى".
منذ عام 1969، أي بعد عام على موجة التمرد والثورة والغضب في فرنسا، بدأ اتحاد السينمائيين الفرنسيين تنظيم وإقامة ما يعرف باسم "نصف شهر المخرجين" على هامش مهرجان "كان" السينمائي، وهي تظاهرة خاصة مستقلة تماما عن المهرجان، أو مهرجان مواز للتجارب الابداعية السينمائية الشابة. ومن قلب هذه التظاهرة خرجت إلى العالم عشرات المواهب السينمائية الأصيلة الجامحة التي سرعان ما ذهبت أفلامها فيما بعد للعرض في برنامج مهرجان كان الرسمي لكي تلقى الكثير من الاحتفاء بها وبأعمالها. ويمنح "نصف شهر المخرجين" جوائزه الخاصة، ويصدر مطبوعاته، ويوجه دعوات خاصة للسينمائيين وينظم مناقشات أفلامهم بعيد عن أروقة مهرجان كان الرسمية.
ويوجد على هامش مهرجان برلين حدث مواز للمهرجان الرسمي هو "الفوروم" الذي أقامه عدد من السينمائيين والنقاد الشباب لعرض الأفلام الطليعية التي قد لا يرحب المهرجان الرسمي بضمها إلى مسابقته.
ويقيم شباب السينمائيين الايطاليين ما أطلقوا عليه تظاهرة "أيام فينيسيا" على هامش مهرجان فينيسيا السينمائي سنويا، وهو حدث مشابه لنصف شهر المخرجين، والفوروم، أي أنه "معرض" لأفلام المخرج المؤلف صاحب الرؤية "المستقلة" التي تختلف وتتباين مع المقاييس السائدة.
ولكن الغريب أن يكون في مصر مهرجان سينمائي دولي كبير منذ 32 عاما هو مهرجان القاهرة السينمائي، دون أن يسمح أبدا في أي وقت، بوجود حدث مواز يقام على هامشه للسينما الأخرى، المصرية على الأقل، التي تعكس هموم وأحلام شبباب السينمائيين الذين يتخرجون من مدرس السينما سنويا، ولا يجدون فرصة حقيقية لإخراج أفلامهم في إطار منظمومة السينما السائدة في مصر.
وعندما يحاول تجمع ما يسمى بالسينما المستقلة في مصر إقامة مهرجان خاص بأفلامهم التي تنتج عادة بدون ميزانيات حقيقية، اعتمادا على العمل التطوعي، أو المغامرة عن طريق التمويل الذاتي المحدود، يتدخل المسؤولون في مهرجان القاهرة السينمائي لوقف هذا الحدث وإبادته من أساسه.
ولا يقتصر تدخل المسؤولين في المهرجان الكبير فقط على رفض وجود مهرجان لا ينافس ولا يهدف إلى انتزاع الأضواء من ذلك الحدث الآخر "الكبير" بل لقد وصل الأمر إلى حد إبلاغ الشرطة لكي تتدخل، كما حدث، وتقوم بقطع التيار الكهربائي عن القاعة التي استأجرها السينمائيون الشباب المستقلون لعرض أفلامهم، في حدث هو الأول في العالم، فهل هذه التصرفات البوليسية الإرهابية في صالح مستقبل السينما!
والغريب أن أي منطق في العالم يقول إن الترحيب بمهرجان مستقل للسينما المستقلة في مصر، يضيف إلى مهرجان القاهرة السينمائي، ولا ينتقص منه، ويقويه ويدعمه، لا يضعفه أو يهز صورته أمام ضيوفه. وكان حري بهؤلاء المسؤولين تشجيع ذلك الحدث الموازي لعله يساهم في إضفاء صبغة ما من الجدية على ما يقام في القاهرة في هذا الوقت سنويا!
كيف يمكن أن نبرر "قمع" الصوت الآخر في مجتمع تتردد فيه ليلا ونهارا فكرة التعددية والليبرالية الاقتصادية وحرية السوق، في حين تريد الدولة، ممثلة في مؤسساتها الرسمية ومن ضمنها مهرجان القاهرة السينمائي، احتكار العمل الثقافي ومحاربة العمل المستقل بدلا من دعمه وإعداده لكي يحل محل المؤسسات الرسمية القائمة التي تنوء بموظفيها!
إن موقف مهرجان القاهرة السينمائي لا يعكس فقط رفضا للجديد، وعداء له، ورغبة في استئصاله، بل في محاولة صارخة وفظة للوقوف أيضا في وجه المستقبل، مستقبل السينما، واحتكار الحديث عنه باسم تشجيع تجارب الديجيتال في نفس الإطار الرسمي المتهالك الذي فشل حتى في العثور على فيلم واحد يليق باسم السينما المصرية للعرض في المسابقة الرسمية لهذا المهرجان العجوز الذي آن الأوان لمراجعة أسسه ولائحته بل ووجوده نفسه بهذا الشكل المتهالك الحالي.
ولا ينفصل هذا الحدث المشين الذي تعرض له السينمانيون المستقلون في مصر عما وقع أخيرا من قيام الشرطة بمداهمة منزل بسيط في بلدة العياط أثناء تصوير فيلم قصير عن الحجاج واحتجاز مخرج الفيلم التليفزيوني البراء أشرف، الذى كان يصور فيلماً تسجيلياً مستقلاً عن طقوس الحج عند المصريين، ومظاهر الفرحة بالحج، وقيام الشرطة بمصادرة الشرائط.
هذه الواقعة قد يفسرها البعض في ضوء أن القانون يشترط الحصول على تصريح بالتصوير، لكن في هذه الحالة تحديدا كان التصوير داخل البيوت وليس في الشارع، وهو أمر لا يستلزم الحصل على أي تصريح. ومن جهة أخرى لماذا لا يطالب هؤلاء بتعديل ذلك القانون البالي المتخلف الذي عفا عليه الزمن، ومن قال إن القوانين صنعت لكي تعيش إلى الأبد رغم تغير العالم من حولنا طولا وعرضا!
إن هذه الواقعة المشينة أيضا تعكس حالة الهلع التي أصابت بعض الأجهزة أخيرا من زحف السينما المستقلة بهدوء وإصرار، لكنها تؤكد على نحو ما أيضا، أن السينما المستقلة قادمة، يؤكد وجودها انتصار فيلم "عين شمس" لابراهيم البطوط، في معركته الدامية مع الرقابة بعد أن رضخت أخيرا للأمر الواقع وقررت السماح بعرضه كفيلم مصري وليس مغربيا، متغاضية عن عدم حصوله على تصريح مسبق على السيناريو أو التصوير، وهو ما يؤرخ لبداية نهاية الرقابة بشكلها القائم المتخلف.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com