الجمعة، 12 ديسمبر، 2008

جلسة في القاهرة حول السينما المستقلة

كان هدف اللقاء في أتيلييه القاهرة للفنون مساء الأربعاء 3 ديمسبر مع الأصدقاء من النقاد والسينمائيين والمهتمين من قراء هذه المدونة وأصدقائها يتلخص في المعرفة: معرفة ما هي السينما المستقلة التي يتكلم عنها كثيرون. وهنا كان لابد من الإنصات والتعلم والبحث المشترك عن المعنى والهدف والوسيلة كبداية بالطبع لمناقشات فكرية أكثر عمقا وثراء. ويمكنني القول أنني خرجت من تلك الجلسة التي جمعتني بعدد من أعز الأصدقاء، وعدد آخر من الأصدقاء الجدد الذين لم يسبق لي التشرف بمعرفتهم والذين جاءوا تلبية للدعوة التي وجهتها على هذه المدونة، وأنا أكثر إدراكا لما يدور في عقول السينمائيين الشباب حول السينما المستقلة، وما يدور في عقول المثقفين عن معنى الاستقلالية.
لكن ليس معنى هذا أننا أغلقنا معا الملف، بل لعلنا ساهمنا بقطرة في فتحه وفي تسليط الضوء على المعنى والتعريف، وبدأنا رحلة البحث من أجل المعرفة. ولا أزعم هنا أنني سجلت كل ما قيل في تلك الجلسة الممتعة التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات، بل أسوق فقط ما تمكنت من تسجيله بسرعة وباختصار شديد من ملاحظات قيلت خلال تلك الجلسة، بينما كنت مشغولا أيضا بالانصات والمتابعة وأحيانا بالتدخل والتعليق.


دور التكنولوجيا
كان التساؤل الأولي الذي طرحته عن دور التطور في مجال التكنولوجيا على صناعة الأفلام وعلى وجود هذا التيار الذي أطلق على نفسه السينما المستقلة تحديدا.
المخرج ابراهيم البطوط صاحب فيلمي "إيثاكي" و"عين شمس" اللذين صنعهما بامكانيات محدودة، قال إنه لا يرى أي علاقة بين ما سبق من تراث سينمائي وبين ما هو موجود اليوم عندما يشرع في صنع فيلم جديد فالتكنولوجيا في رأيه غيرت تماما من أشكال التواصل ومن الطريقة التي نستقبل بها الأفلام. وقال إنه لم يعد مضطرا للمرور بسيناريو على الرقابة بل إن أشكال التصوير والعرض الجديدة خلقت نوعا جديدا من المتقلين الذين يفرضون أيضا جماليات جديدة. وضرب ابراهيم مثالا بكيف أصبح بوسع العالم مشاهدة صور إعدام صدام حسين التي تم تصويرها بالموبيل. وقال إن الشخص كان ينتظر لكي يستمع أو يشاهد حفلات أم كلثوم أول كل شهر لم يعد قائما، بل أصبح هناك مشاهد من نوع آخر، ولم يعد يمكن منع عرض الأفلام فهو نوع من الوهم.
الروائية سلوى بكر فاجأتنا فقالت إنها كانت تكتب النقد السينمائي لعدة سنوات عندما كانت تقيم في قبرص وتعمل لإحدى المجلات هناك في الثمانينيات. وهي ترى أن السينما المستقلة مهمة لأنها تتصدى لتيار تزييف الوعي بالحقائق الذي نراه في التليفزيون وأجهزة الإعلام عموما. أما صديقنا مدير تحرير جريدة "الدستور" الصحفي والناقد خالد السرجاني فقد لفت نظرنا إلى ضرورة توخي الحذر في التعامل مع التجارب الجديدة في السينما المستقلة، وعدم الإفراط في التفاؤل بشأنها، فعلى الرغم من إمكانية أن تصدر عنها أفلام جميلة وواضحة المعنى إلا أن من الصعب أن تجد هذه الأفلام طريقها للعرض على الجمهور الذي يجب أن تصل إليه، وإذن فأزمة العرض أمر حقيقي وليس فقط حل مشكلة التصوير أو الإنتاج.
الزميل ضياء حسني اعترض على ما قاله ابراهيم البطوط من نفي تاريخ السينما السابق على التطور التكنولوجي الحالي واستبعاده من الحسبان، وقال إنه لابد من تطور الأفكار حتى يمكننا استخدام الوسيط، وإن التشبع بالكتنولوجيا بدون تاريخ من الأفكار يجعل الأفلام فارغة تماما. وضرب ضياء مثالا بفيلم "نابليون" للمخرج الفرنسي أبيل جانس الذي أخرجه عام 1927 كمثال على تطور الأفكار مع التطور الكتنولوجي وضرورة دراسة مثل هذه التجارب القديمة التي لاتزال تصلح دروسا نتعلم منها.

تعريف المستقلة
الصديق الصحفي محمد فوزي (جريدة الدستور) وهو من المهتمين بالسينما طالبنا بضرورة الخروج من الجلسة بمقترحات محددة تتعلق بتعريف السنيما المستقلة، وحاجة الجمهور إلى معرفة ماهيتها.. أفكارها.. أنماطها.. اهتماماتها.. ما إذا كانت هي الأفضل فنيا، كما طالب بضرورة نشر ثقافة سينمائية جديدة ترتبط بالسينما الجديدة المستقلة والوصول بها إلى الفضائيات، وقال إن من المهم أن يوجد تيار سينمائي مستقل في مصر يغير الواقع ويتصدى للنمط السائد في الإنتاج، ونبدأ في المراهنة على من لديهم نواة صلبة حقيقية وليس على منتجي الأفلام السائدة.
وطالبت سلوى بكر بضرورة بحث سبل وأساليب دعم السينما المستقلة عن طريق دعم وتطوير أشكال النقد المواكبة لها، وقالت إنه لايوجد إبداع في الهواء الطكلق بل إن ظاهرة مثل السينما المستقلة تؤدي للبحث عن أشكال أخرى للتعبير في غير ذلك من المجالات. ولفتت النظر إلى ضرورة أن تتوفر الأفلام المستقلة على نوع من المتعة للجمهور وقالت إن ما شاهدته من أفلام قصيرة لم يكن ممتعا.

بعضنا كان رايه أن السينما المستقلة هي تلك التي تصنع بعيدا عن قيود الإنتاج التقليدي، والبعض الآخر رأى أنها تلك التي تبحث عن أشكال جديدة في التعبير بالضرورة.
خالد السرجاني نبهنا إلى أن أهمية إنتاج سينما عكس التيار قد تتلاقى مع الآخر، وأما صنع فيلم للذهاب به إلى مهرجان سينمائي دولي تحت شعار "الحوار بين الشمال والجنوب" أو اليهود في العالم العربي أو الأقليات فهو موضوع آخر قد يكون قائما في اهتمامات الآخر ولا يمكن أن يكون من أهداف السينما المستقلة.
استغرقنا وقتا طويلا بعد ذلك في محاولة التفكير والبحث عن تعريف مناسب للسنيما المستقلة في مصر تحديدا بحيث نفرق بينها وبين ما أشير إليه في الولايات المتحدة على سبيل المثال. وكان رأي السرجاني أن الأمريكيين المستقلين لا يبتعدون كثيرا في اهتماماتهم عن التيار العريض في السينما الأمريكية بل هم يسعون أصلا إلى النفاذ إليه من خلال استخدام الفيلم المحدود الإمكانيات.
الدكتور ناجي فوزي قال إنه أمر مشروع أن يبدأ السينمائي وعينه على الوصول إلى الإنتاج الكبير أي أن يكون الهدف الانتقال من الأفلام المحدودة التكاليف إلى صنع أفلام كبيرة. وأشار إلى أهمية دور مؤسسات الثقافة السينمائية القائمة في تبني دعوة السينما المستقلة، وقال إنها عجزت حتى الآن عن الترويج للسينما التسجيلية مع أنها موجودة طوال الوقت، وأشار إلى عجز التجمعات الثقافية عن فرض الفيلم التسجيلي منذ ندوة الفيلم المختار التي بدأت قبل أكثر من 50 عاما.. وكان رأيي الشخصي ولايزال، أن العبرة بما يتقدم به السينمائي وما يرغب في تحقيقه فإذا قبلت أي جهة دعم فيلم ما دون أن تطلب أي تنازل من مخرجه ودون أن يكتب صاحب الفيلم مشروعه أصلا ويتقدم به وعينه على أنماط معينة يعتقد أنها سترضي جهات التمويل وتسيل لعابها، فلا تثريب ولا حرج، ولكن المشكلة أن الكثير من السينمائيين العرب تحديدا يتقدمون طواعية بالتنازلات مسبقا للحصول على التمويل. وكان رأيي أيضا أنه لم يعد هناك تمويل من طرف واحد أو سينما "وطنية" تماما مع وجود الأفلام التي تمول من جهات متعددة تشمل عددا من محطات التليفزيون من اليابان وأوروبا ومن الداخل ومن شركات سينمائية وجهات حكومية، وهنا ليس من الممكن القول بتبعية الفيلم المنتج فكريا لجهة ما واحدة محددة بل ربما تتلاقى هذه الأطراف وتتفق دون أي ترتيب، على شكل فني معين طموح تدعمه وتروج له كبديل لما هو سائد ومتخلف.

العامل المشترك
المخرج أحمد رشوان قال إن السينما المستقلة لا تمثل تيارا أو موجة مثل الموجة الجديدة التي كان يجمعها- حسب رأيه- تيار فكري، وأشار إلى غياب المشترك الفكري من أفلام السينما المستقلة في مصر، أما الجامع بينها فهو مجرد الرغبة في التعبير. واتفق مع الرأي القائل بوجود اختلاط في المفاهيم. وأضاف أن التصوير بكاميرا الديجيتال لا يقدم الوصفة السحرية للسينما المستقلة وذكر أن المنتج- الموزع صفوت غطاس وخمسة من المنتجين التقليديين في السوق اشتروا أخيرا كاميرات ديجيتال، فهل ستكون الأفلام التي سينتجها هؤلاء أفلاما مستقلة. وقال رشوان إن الاستقلال ليس ضد الاحتلال بل ضد التبعية أي التبعية للمنتج التاجر. وأشار إلى أن هناك فرقا بين الأفلام التي تصلح للعرض على جمهور عام وتلك التي لا تصلح سوى للعرض على جمهور محدود، وقال إن المشكلة ليست في الدراسة. أي دراسة الجمهور بل في تطوير القدرات الإبداعية. ويرى رشوان أيضا أن معهد السينما يخرج شبانا عيونهم على السوق، في حين تساهم تجارب مثل مدرسة السينما في الجزويت في توفير بديل جيد.
خلال تلك الأمسية استمتعنا أيضا بمداخلات من الصديق الجديد أحمد أبو الفضل وهو طبيب أسنان ومدون لديه مدونة باسم إنكشاريات. وقال أحمد إنه يتابع المدونات السينمائية على شبكة الانترنت وإنه يجد أن ثلاثة أو أربعة منها تقدم خدمة مفيدة وإنه شخصيا تمكن من متابعة الكثير من الأحداث السينمائية من خلالها، ولكنه أشار إلى محدودية جمهور المدونات عموما، وأشار كذلك إلى تجربة قامت بها ساقية الصاوي في مجال عرض الأفلام المجهولة التي يجب أن يلم بها عشاق السينما.
حضرت معنا أيضا الفنانة التشكيلية جيهان جاد التي أبدت حماسا كبيرا للسينما المستقلة وطالبت بوصولها للجمهور وضرورة أن تطور نفسها وآلياتها ولا تقتصر على أن تكون "سينما فقيرة". بالضرورة في مواجهة سينما غنية بالإمكانيات المادية.
كانت الأمسية دون شك، مفيدة لي شخصيا في التعرف على الكثير من الأفكار التي تشغل القريبين من السينما المستقلة في مصر، كما أتاحت لي الفرصة للتعرف على زملاء وزميلات جدد مثل بسمة ياسين الصحفية في جريدة "نهضة مصر" وزينب مصطفى المخرجة بالمركز القومي للسينما وهي فنانة تشكيلية أيضا. وقد تلقيت بعد تلك الأمسية اتصالا هاتفيا من الصحفي الشاب الأستاذ محمد فوزي الذي حضر الجلسة، اقترح علي ضرورة التوصل في مرة قادمة إلى إطار محدد لدعم تيار السينما الجديدة في مصر أو تأسيس كيان ما يجمعنا ويطور أفكارنا. أسعدني كثيرا جدا الحماس، وأتمنى أن نصبح قادرين قريبا، في زيارتي القادمة إلى القاهرة، على الوصول لشئ ملموس في هذا المجال أو على الأقل، في تأصيل ما هو مشترك بيننا، وهذا هو الأهم.. أليس كذلك؟

2 comments:

غير معرف يقول...

عزيزي امير قرأت مقالك عن المعوقات التي شهدتها السينما المستقلة في مصر أخيرا و كان تعليقي عليها الذي كتبته امير العمري هذا الشاب ذو الشعر البيض لا تخمد شعلة التمرد داخله من اجل التطور و هدم الجمود
ضياء حسني

ياسمين أسامة يقول...

أستاذ أمير ..كل سنة و حضرتك طيب و يا رب تكون قضيت وقت حلو فى مصر.كنت عاوزة أشارك برأيى المتواضع وسط اراء الأساتذة فى اللقاء الذى دار حول "السينما المستقلة فى مصر"..
أولا أتفق مع الأستاذة "رانيا" فى أن هناك دائما اصرار على الفصل التام بين السينما المستقله و التجارية، و الدليل اختيار القائمين على السينما المستقلة باختيار موعد المهرجان الخاص بها فى نفس توقيت مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، و هو أمر غريب فعلا..ذلك يعمق الفجوة،فتظل الأفلام المستقلة-عن تبعية شركات الانتاج الكبرى- حبيسة الامكانيات الضعيفة و المراكز الثقافية و العدد المحدود من جمهور المثقفين،فى حين يمضى المنتج التاجر بامكاناته المبهرة و أفكاره السطحية على عدد مهم من الجمهور.
كذلك لا أحد ينكر ما يقدمه أصحاب التجارب السينمائية المستقلة من اختلاف فى الرؤى و طرق التعبير،و لكنى أجد معظمهم يقدم هموم و قضايا شخصية ،أو فى أحسن الأحوال تخص طبقات اقتصادية و اجتماعية و ثقافية محددة جدا-أنا طبعا لست ضد ذلك- ،لكن لابد من التركيزعلى قضايا و مشكلات تخص المجتمع بشرائحه المختلفة..فانتشار هذا النوع من السينما لا يتطلب فقط أن يعجب الجمهور بالأفكارو لكن أن تمسه الموضوعات.
أيضا من أهم مزايا السينما المستقلة أنها تتحرر من الرقابةالتى كثيرا ما تفرض وصايا زائفة على المشاهدين،فتحول دون تقديم ما يهمهم و يعبر عنهم..و ربما استغل البعض تلك الميزة فى كسر تابو الجنس أو المحرمات الاجتماعية مثلا لكنها لم تستغل بشكل جيد فى اقتحام تابوهات السياسة و الدين.
لى ملاحظة أخيرة،هى أن كثير من الأفلام المستقلة تكون – من الناحية الفنية-أقرب للسينما التسجيلية ،و تفتقر الى البعد الجمالى فى تصويرها للحقيقة .. و لعل ما ميز فيلم مثل"بصرة" عن كثيرغيره هو جمال الصورة و حركة الكاميرا و الاخراج المتميز..
أشكرك مرة أخرى.. و فى انتظار مقالاتك الممتعة و المفيدة باستمرار

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com