الأربعاء، 3 يونيو 2015

حول إيقاف مهرجان أبوظبي السينمائي







مهرجانات السينما في العالم تتوسع، في برامجها وأقسامها وطموحاتها بل وتتجه أيضا إلى عرض الأفلام في مدن أخرى غير المدينة التي يقام فيها المهرجان، ومهرجانات السينما تنشر الثقافة السينمائية وثقافة الصورة، وتساهم في محاربة الفكر المتطرف، وتلعب دورا حضاريا من خلال عرض أفلام العالم، من تواصل بين الثقافات. وهي ليست فقط مناسبات احتفالية بانجازات الفن السابع، لكنها أرضية صلبة للمناقشة والبحث وأساس حقيقي لدعم صناعة السينما في البلد الذي يقام فيه المهرجان.
وقد جاء خبر إيقاف مهرجان أبوظبي السينمائي مفاجئا وصادما لكل عشاق السينما ليس فقط في العالم العربي، بل في العالم. فهذا مهرجان أثبت خلال ثماني دورات، أنه ولد ليعيش ويستمر، وقد لعب بالفعل دورا رائدا في دعم الإنتاج السينمائي العربي من خلال المنح المالية والفنية التي يقدمها "صندوق سند" الذراع الإنتاجية التابعة له. وكان من المدهش أن يصدر بيان من الجهة التي تنظم المهرجان يقول إن إيقاف المهرجان جاء بسبب الرغبة في التركيز على نشاط "صندوق سند" ونظام دعم الأفلام!
فهل كان وجود المهرجان عائقا أمام نشاط صندوق الدعم (سند) أم أن "الصندوق" كان يستند عمليا إلى كيان المهرجان ويحقق ما يحققه بفضل ما اكتسبه المهرجان من سمعة دولية بفضل جهود عشرات الأشخاص الذين عملوا في إدارته وعلى رأسهم المخرج الإماراتي الشاب علي الجابري، الذي أدار الدورات الثلاث الأخيرة، ومن قبله المدير الأمريكي بيتر سكارليت،. والغريب أن إيقاف المهرجان يأتي بعد أن كان قد أصبح حدثا سنويا راسخا متميزا ببرنامجه وأفلامه وندواته ومطبوعاته، على نحو لا يتوفر لكثير من المهرجانات السينمائية التي تقام في العالم العربي.
لقد توقف مهرجان دمشق السينمائي منذ فترة بسبب الأوضاع المضطربة في سورية، ووصل مهرجان قرطاج العجوز إلى حالة من الإرهاق والتعب أصبح يحتاج معها الى دخول "العناية المركزة"، وتوقف مهرجان ترايبكا – الدوحة بعد فشل التجربة التي حاولت استنساخ تجربة المهرجان الأمريكي الشهير في نيويورك، غافلة عن طبيعة المنطقة التي يقام فيها المهرجان، ودوره الأساسي في جمع شمل السينمائيين العرب والأجانب معا، كما توقف منذ العام الماضي مهرجان أفلام الخليج، ولم يعد هناك سوى مهرجان دبي السينمائي الذي شهد خفضا في ميزانيته من العام الماضي بنسبة كبيرة أدت إلى الغاء بعض أقسامه وإلغاء السوق الدولية التي كانت تقام على هامشه.
لم يعد يقام في المنطقة حاليا سوى مهرجان القاهرة السينمائي الذي يكافح من أجل استعادة دور سابق له كان قد ولى بعد ذلك التراجع الكبير في مستوى السينما المصرية بشكل عام والثقافة السينمائية في مصر بوجه خاص، وفساد المؤسسات الرسمية على أكثر من صعيد. كما يستمر مهرجان آخر ولد ميتا في مصر هو مهرجان الاسكندرية السينمائي، ويحاول مهرجان مستجد هو الاقصر للسينما الإفريقية أن يعلب الدور الذي كان لمهرجان قرطاج في الماضي ولكن في ظروف متغيرة عسيرة.
يأتي توقف مهرجان أبوظبي يأتي في الوقت الذي كان قد بدأ يصبح نافذة مهمة للأفلام التي تظهر في المنطقة بل وفي الإمارات أيضا حينما عرض في افتتاح دورته الماضية فيلما إماراتيا روائيا طويلة من "من ألف إلى باء" يعتبر رغم أي ملاحظات سلبية عليه، خطوة إيجابية على طريق التأسيس لسينما روائية في الإمارات. كيف يمكننا أن نستوعب فكرة أن إيقاف مهرجان أبوظبي يمكن أن يخدم ويفيد المؤسسات الإنتاجية التي تركز أساسا على دعم مشاريع الأفلام سواء من خلال "سند" أو الأفلام الأجنبية التي تصور في الإمارات وتمولها شركة "إيماج نايشن" الإماراتية؟
كيف يصدر قرار كهذا في وقت تشهد المنطقة هجمة من التطرف السياسي باسم الدين، بينما يمكن أن تصبح السينما حاجزا منيعا في وجهه؟ وهل من الممكن إعادة النظر في هذا القرار الذي أرى صادقا- أنه يؤدي إلى خسارة فادحة بالنسبة لدولة الإمارات، وهي في النهاية خسارة تتجاوز كثيرا أضعاف ما كان ينفق من مال على إقامة المهرجان!

الثلاثاء، 24 مارس 2015

عقدة تاركوفسكي









الكثير من هواة السينما وأيضا من المخرجين الشباب في العالم العربي، أصبحوا اليوم مولعين، حد الهوس أحيانا، بأفلام المخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي. هذا الولع يتجسد في الاستشهاد بأقواله أو بمقاطع من أفلامه أو بمحاكاة أسلوبه في الإخراج كما يتضح في كثير من الأفلام الجديدة التي يصنعها شباب يتصورون أنهم بهذا، سيتخلصون من الأساليب التقليدية، ويصلون إلى العالمية.

مع الانتشار الكبير لشبكة الانترنت، أصبح الشباب ممن يخرجون أفلاما محدودة الإمكانيات، يستطيعون مخاطبة الكثير من مهرجانات السينما العالمية التي تقام في الشرق والغرب، وكثير منها، خاصة المهرجانات الأوروبية، ترحب بالطبع بمشاركة "عينات" من أفلام الشباب من "العالم الثالث"، سواء تحت إسم "الربيع العربي" أو "الخريف البطريركي" وغير ذلك!

وأصبحت النظرة السائدة المستقرة لدى هؤلاء الشباب، أن مهرجانات السينما الغربية يمكنها أن ترحب بهم فقط إذا كانوا يصنعون أفلامهم طبقا للأساليب الغربية في السرد والتصوير، خاصة لو كانت أفلامهم تحاكي أسلوب تاركوفسكي.

وينسى هؤلاء أن تاركوفسكي هو إبن ثقافته ومحيطه الاجتماعي والتاريخي، أي انه مخرج روسي ينتمي للثقافة الروسية بكل مكوناتها وجوانب الخصوصية فيها. صحيح أنه من كبار المجددين، أو من "فلاسفة التعبير بالصورة"، وصحيح أنه كان يطبق طريقته الخاصة في التعامل مع الصورة ومع الزمن، إلا أن إيقاع أفلامه لاشك أنه يستند إلى تراث خاص تتميز به الثقافة الروسية. هذا التراث لاشك أيضا أن له علاقة باللغة، بالحركة، بالأدب، بالتاريخ المصطبغ بالحزن، بالعلاقات بين البشر، بالثقافة المسيحية الأورثوذوكسية الروسية، بالشخصية الروسية التي عانت كثيرا في الماضي، وتأثرت بالسينما الأوروبية الحديثة، سينما بريسون وبرجمان وبونويل وأنطونيوني.

يمكنك أن تأمل في التعبير عن هواجسك وأحلامك من خلال أسلوبك الخاص في التعامل مع الصورة في فيلمك، لكن من حق الجمهور الذي توجه له أفلامك، أن يرى ما يثير اهتمامه. إن الناس في بلادنا عندما يتكلمون معا فإنهم يواجهون بعضهم البعض، يتطلعون في وجوه بعضهم، بل يمكن القول إننا ننتمي إلى "مجتمعات التحديق" بامتياز، التحديق في الآخر، وليس غض النظر والتظاهر بأننا لا نقتحم الآخر بنظراتنا كما في ثقافة تاركوفسكي والثقافة الأوروبية عموما، التي تعتمد على اللامباشرة، ويمكن بالتالي لشخص ما أن يتخاطب مع شخص آخر بينما هو جالس يدير له ظهره مثلا.

أليس لإيقاع اللغة التي يتكلمها الناس في الشارع، صلة مباشرة بإيقاع الفيلم، بحرارته وتوهجه ومناطق السخرية فيه مثلا؟ هل كانت أفلام صالح أبو سيف مثلا، ستصبح أفضل لو أنه صنعها على غرار أفلام برجمان؟ أليس لكل واقع خصائصه؟

إن "عقدة تاركوفسكي" لن تساهم في تطوير الفيلم العربي، بل في طمس هويته وتدمير علاقته بالجمهور، ايا كان المستوى الفني للفيلم نفسه.

الثلاثاء، 17 مارس 2015

هل الناقد أكبر من الكتابة؟




لاشك أن مهمة نقاد السينما الأساسية هي نقد الأفلام، ومهمتهم التالية نقد الظواهر السينمائية والقضايا التي تلعب دورا رئيسيا في العملية السينمائية بل ونقد الظواهر الثقافية بشكل عام، فالسينما لا توجد في عزلة عن غيرها من النشاطات الثقافية، وهي تتأثر بشكل كبير بالمفهوم السائد للرقابة على الإبداع وبالثقافة السائدة في المجتمع، وهنا يتعين على الناقد أن يلعب دورا مباشرا في قيادة حركة الوعي الثقافي والسينمائي، يدافع عن حرية الفكر وحرية الإبداع، كما أن من واجبه الدفاع عن سينما الفن في مواجهة سينما التجارة والمقاولات التي لا تقيم لقيم الفن بحثا عن تقديم التسلية بأي طريقة.

ومن الظواهر التي باتت تشكل منعطفا واضحا في مسار النقد السينمائي العربي، أن أصبح الكثير من نقاد السينما المخضرمين، الذين يعرفون الفرق بين الغث والسمين، ويعرفون أهمية تحليل الفيلم وتفكيكه ورده إلى مصادره ثم إعادة تركيبه وشرح مغزاه ومفاهيمه للقاريء- المشاهد، اختاروا طواعية التوقف عن ممارسة النقد السينمائي، بدعوى أنهم كتبوا كثيرا في الماضي ولم تجدي كتاباتهم شيئا، فلم تتغير السينما، ولم يتغير المشاهدون.

هذه الفرضية ليست صحيحة بالقطع، فالمشاهد الذي يقرأ ليس هو نفسه مشاهد السينما بالأمس، قبل ظهور وسائل الاعلام الجديدة المتعددة الوسائط، التي جعلت الأجيال الجديدة من الشباب يقبلون على المشاهدة المكثفة، والاستمتاع والبحث عن كل ما يتعلق بالأفلام التي يشاهدونها، من نقد وتحليل ومعلومات، وأحيانا أيضا يدخلون في جدال حول ما يشاهدونه، على مواقع التواصل الاجتماعي.

أصبح بعض النقاد الذين كانوا يمارسون دورهم بصلابة في الماضي يبحثون اليوم عن أدوار أخرى، مثل العمل بالمهرجانات السينمائية، أو الاكتفاء بكتابة عمود قصير إسبوعي يحمل بعض الأفكار العامة، ولا يخرج في معظم الأحيان عن إطار المجاملات أو التعليقات التي تتحاشى توجيه نقد حقيقي للظواهر السلبية في حياتنا الثقافية والسينمائية. وأصبح النقد بالتالي في أزمة، وأصبح الشباب يكتفي بالتعليقات العابرة التي تتنشر على موقع التواصل الاجتماعي، أو يبحثون عن النقد في الصحف والمواقع الأجنبية.

هذه النظرة التي تتعالى على النقد، أو ترى أن "الناقد" أكبر من كتابة النقد، وأن دوره أكبر من مجرد الكتابة، وأن بوسعه مثلا الاكتفاء بالظهور أحيانا على شاشة التليفزيون للحديث عن السينما في إطار الاحتفال والمجاملة، يمكن أن يجنبه الكثير من المتاعب مع السينمائيين، بل قد يجعل منه "نجما" يتمتع بجماهيرية مثلما يتمتع النجم السينمائي.

لكن الناقد أولا وأخيرا، مثقف وليس نجما، وطبيعي أن يختلف دور المثقف عن دور النجم، والمثقف الحقيقي يختلف مع المنظومة السائدة التي تعادي الإبداع، ويدفع بالتالي ثمن مواقفه.




الأربعاء، 25 فبراير 2015

حول كل هذا الاقبال على فيلم الاثارة "خمسون ظلا لجراي"!


لم يكن أحد من صناع فيلم “خمسون ظلا للرمادي” (أو لـ”غراي”، فالعنوان يتلاعب بالكلمة الأنكليزية التي هي أيضا اسم بطل الفيلم)، يتخيل أنه سيصبح خلال أيام قليلة من عرضه، ظاهرة تجارية واجتماعية، وإن كان من المؤكد أنه لن يصبح ظاهرة فنية.
فالفيلم المستمد من رواية بالعنوان نفسه ضمن ثلاثية للكاتبة البريطانية إل جيمس، ومن إخراج الأميركية سام تايلور جونسون، ليس من الممكن مثلا مقارنته بالفيلم الفني الشهير "التانغو الأخير في باريس" (1972) للمخرج الإيطالي برتولوتشي، الذي قام ببطولته مارلون براندو، سوى في كمية مشاهد الجنس التي يحتويها، والتي وصفت بأنها أكبر من كل مشاهد الجنس، التي تضمنتها “كل الأفلام” التي عرضت (للبالغين فقط) في الولايات المتحدة وبريطانيا خلال عام 2014 مجتمعة، فمن بين 125 دقيقة زمن الفيلم، هناك حوالي 22 دقيقة من المشاهد الجنسية.
شهد مهرجان برلين السينمائي العرض العالمي الأول للفيلم، ثم بدأت عروضه الأميركية والعالمية يوم 13 فبراير، الذي صادف “يوم فالانتين” والذي يعرف بـ”عيد الحب”، وهي مفارقة غريبة، فالفيلم أبعد ما يكون عن الرومانسية، بل هو أقرب إلى أفلام الإثارة الإيروتيكية المصنوعة صنعا خارج أي سياق فلسفي، أو فكري وبعيدا عن أيّ طموح جمالي. فهو يحتوي على تنويعات في ممارسة الجنس، بما في ذلك العلاقة السادية وأيضا المازوشية، والألعاب الجنسية التي تقترب من دائرة “الفانتازيا” أو الخيالات الجنسية، أكثر من الممارسة الجنسية الطبيعية.
الفيلم أصبح ظاهرة تجارية بعد أن حقق من عروضه الأولى خلال اليومين الأولين لعرضه أي في نهاية الأسبوع، 100 مليون دولار، ثم مضى فحقق أكثر من 300 مليون دولار في عروضه الأميركية والعالمية. وهو رقم لم تسبقه إليه سوى أفلام قليلة في تاريخ السينما.
ربما يكون من أسباب الإقبال الهائل على الفيلم، ذلك الرواج الكبير الذي حققته الرواية من قبل التي قيل إنها باعت نحو مئة مليون نسخة عالميا، وترجمت إلى خمسين لغة.
في المقابل يظل التساؤل قائما: هل يحتاج الشباب إلى مشاهدة فيلم من هذا النوع، بعد أن أصبحت الشرائط الإباحية الصريحة “أفلام البورنو” متاحة على شبكة الإنترنت؟ ربما يكمن السبب هنا في رغبة جمهور السينما، ومعظمه من الشباب بين 18 و25 سنة، في مشاهدة عمل يطرق أبواب الجنس من زاوية مختلفة، مجردة، بعيدة عن الفلسفة والأفكار المعقدة، فمحور هذا الفيلم أن بطليه يسعيان إلى العثور على توافق جنسي بينهما، عن طريق تجريب الطرق والأشكال المتعددة، بمعزل عن أيّ مغزى روحي أو فلسفي، وبقرار بارد تماما.
وقد يكون في عرض هذا الفيلم على الشاشة الكبيرة، في دور العرض الرئيسية على المستوى العالمي، إضفاء نوع من “الاحترام” أو “الطابع الرسمي” (وليس السري) عليه، وبالتالي يشعر جمهور الشباب بالمشاركة في المشاهدة معا بشكل مفتوح، وليس من خلال الانعزال أمام شاشة الكومبيوتر المنزلي وسرقة أفلام يقال عنها شديدة الخصوصية أو “محظورة”، فلا بدّ أن هناك طعما آخر لذلك “المحظور” الذي أصبح مسموحا به.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger