الأربعاء، 19 يناير 2011

حول فيلم "أشباح جويا"



ضياع الموهبة: حالة ميلوش فورمان


شعرت بنوع من الحسرة وأنا أشاهد فيلم "أشباح جويا" Goya’s Ghosts للمخرج التشيكي الأصل، الأمريكي الجنسية، ميلوش فورمان. فهذا المخرج الكبير (مواليد 1932) من أولئك السينمائيين الذي فتحنا أعيننا على موهبتهم الكبيرة الشاهقة، منذ أن كان الراحل الكبير فتحي فرج يأتينا بروائع السينما التشيكية الجديدة في السبعينيات من خلال عروض شبكة نوادي السينما المصرية التي لم يعد لها وجود حاليا في ظل تدهور الوضع الثقافي العام وانكفائه على فكرة "الاحتفالية" الدعائية الدائمة.
كانت أفلام فورمان الأولى التي أخرجها في تشيكوسلوفاكيا مثل "بيتر وبافلا" و"غراميات شقراء"، ثم فيلمه الأشهر "حفل رجال الإطفاء" الذي رشح للأوسكار عام 1968، أعمالا ملهمة، سواء في حداثة الأسلوب وطزاجته، أو جرأتها في التعامل مع المادة السينمائية رغم أنف الرقابة المشددة التي كانت قائمة، واستخدام المستويات المتعددة، من أجل تقديم رؤية ساخرة شديدة الهجائية للسيطرة الحزبية البيروقراطية على مصائر الأفراد، والتعريض بها وتحويلها الى عرض ساخر satire يمتليء بالابتكار وبالخيال الخصب المجنون الذي قد يصل الى حدود السيريالية.
هاجر فورمان بعد وقوع الغزو السوفيتي للأراضي التشيكية عام 1968 الى الولايات المتحدة حيث لايزال يعيش ويعمل حتى اليوم. وهناك أخرج عددا من الأفلام التي استقبلت استقبالا حافلا وتوجت بالعديد من الجوائز، كان أولها "طار فوق عش الوقواق" One Flew Over the Cuckoos’s nest عام 1975 (أول الأفلام "الكبيرة" التي وضعت الممثل جاك نيكلسون في دائرة الضوء)، ثم "الشعر" Hair عن المسرحية الانجليزية الشهيرة التي اعتبرت بداية حركة التمرد الجديدة في المسرح (1979)، ثم "أماديوس" (1984).
أخرج فورمان بعد ذلك ثلاثة افلام أخرى تراوحت في مستوياتها، وإن لم تخفق تماما، منها فيلمه الشهير "الشعب ضد لاري فلينت" The People vs. Lary Flynt الذي حقق نجاحا في السوق الأمريكية، وفيه يتناول قصة حياة ناشر مجلات العري "البرونوجرافيا" الشهير لاري فلينت الذي أطلق عليه مجهول الرصاص عام 1978 فأصيب بشلل نصفي وظل حتى يومنا هذا مقعدا.
وكان آخر ما أخرجه ميلوش فورمان من أفلام هذا الفيلم "أشباح جويا" عام 2006، عن سيناريو اشترك في كتابته مع جان كلود كارييه الذي تعاون مع السيريالي العظيم لوي بونويل في كتابة عدد من أهم أفلامه، كما كتب أيضا السيناريو لبعض الأفلام التي تعد من "العلامات" في تاريخ السينما الفنية مثل "الخفة غير المحتملة للوجود" The Unbearable Lightness of Being الذي أخرجه الأمريكي فيليب كوفمان، و"الطبلة الصفيح" The Tin Drum لشلوندورف الألماني، وقد كتب أيضا سيناريو فيلم "فالمونت"Valmont لميلوش فورمان نفسه، وهو فيلمه الذي سقط سقوطا كبيرا (1989) وكان مقتبسا عن المسرحية نفسها التي أعد عنها الفيلم البريطاني الشهير "علاقات خطرة" Dangerous Liasions الذي أخرجه ستيفن فريرز عام 1988 وتفوقت جلن كلوز Glen Close في أداء الدور الرئيسي فيه (أين أصبحت الآن بالمناسبة؟).
أما "أشباح جويا" الذي شاهدته أخيرا فقط ولم أكن قد لحقت به وقت ظهوره قبل نحو 4 سنوات، فممن الممكن القول انه يجسد "انتحار موهبة"، والمدهش تماما أن أهم عيوب الفيلم تتركز في السيناريو الذي اشترك فيه كارييه العظيم. كيف كان هذا؟ بل وكيف "تورط" فورمان في وصفة انتحارية على هذا النحو؟
أحداث السيناريو تدور خلال سنوات الثورة والغزو والحروب ومحاكم التفتيش الثانية في اسبانيا، زمن الثورة الفرنسية، ثم غزو جيش نابليون بونابرت لاسبانيا، ثم الغزو البريطاني الذي يطرد الفرنسيين بعد سلسلة من الحروب الشهيرة في شبه جزيرة أيبيريا، وما بين هذه الأحداث، تقع الكثير من التجاوزات، تولد مصائر، وتختفي شخصيات، لتعود مجددا، ونشهد ثلاثة أجيال من نسل امراة واحدة هي "إنيس" التي تقوم بدورها ناتالي بورتمان، كما تقوم بدور ابنتها "أليثيا"، في حين يقوم بدور القس الذي يتحول الى ثائر على الكنيسة الكاثوليكية حتى النهاية، الممثل الاسباني خافيير بارديم، ويقوم الممثل السويدي ستيلان سكارجارد بدور جويا.
ولعل من أكثر الأشياء مدعاة للشعور بالإحباط بعد مشاهدة هذا الفيلم، أنه يضيع ببساطة، فرصة ثمينة للتعامل الجاد مع شخصية الرسام الشهير فرنشيسكو جويا، فهو يتراجع هنا كشخصية درامية ثرية كان يمكن أن تحرك الاحداث، ليصبح مجرد ديكور خلفي يظهر أحيانا وسط الاحداث، يشهد عليها دون أن يتدخل فيها. ولذلك يمكن القول إن هذا أقل الأعمال السينمائية التي تعرضت لمشاهيرالرسامين.
إن جويا نفسه بهذا المعنى، يصبح "شبحا" في الفيلم، بل وحتى لوحاته الشهيرة لا نجد لها وجودا حقيقيا في حين يطرح كارييه- فورمان في الفيلم قضية أخلاقية تدور حول استخدام الفكر الديني كمبرر للقمع، لممارسة الاضطهاد السياسي والفكري، وكيف تتحول المؤسسة الكاثوليكية (كمؤسسة تقوم على اليقين الأيديولوجي المطلق) إلى مؤسسة قمعية، تكذب، وتلفق، وتسفك الدماء، بل ويمارس رموزها أبشع أنواع الاغتصاب والتستر والقتل.
ولعل الشخصية التي تجسد هذا المعنى أكثر من غيرها في الفيلم هي شخصية فرنانديز، القس الذي يرسم له جويا لوحة "بوتريه" خاصة في بداية الفيلم. وعلى حين يستنكر الأسقف وأتباعه هذا التصرف بدعوى أن جويا يسخر في رسومه من رجال اللاهوت، يدافع عنه فرنانديز لكنه سرعان ما يطرح نفسه مدافعا متشددا عن القيم الكاثوليكية، ويطالب بإعادة الوسائل والأساليب التي كانت سائدة في عهد محاكم التفتيش الأولى، أي التعذيب والتنكيل بكل من تتشكك الكنيسة في ولائه لمبادئها، حتى لو كانت تعلم ببرائته، بغرض التخويف والإرهاب، لإبقاء الحال كما هو.
فكرة استخدام التاريخ كخلفية لأحداث درامية مصنوعة سرعان ما تكشف عن تورط في نوع من الميلودراما التقليدية التي تمتليء بالمبالغات والتكرار والإطالة والمصادفات العديدة، مما يجعل متابعة الفيلم عملا ثقيلا.
فرنانديز يطمع في جسد الفتاة الحسناء "إنييس" رمز البراءة التي يرى لوحة لها في مرسم جويا في البداية، فيأمر رجاله بمتابعتها فيقبضون عليها ويجري التحقيق معها باستخدام أقسى وسائل التعذيب، لكي تعترف بأن رفضها تناول لحم الخنزير يعني أنها يهودية متخفية (دون أن تكون كذلك)، ويلقون بها بالتالي في السجن. ولكن أسرتها الثرية تستدرج فرنانديز عن طريق صديق الأسرة "جويا" الى حفل عشاء في منزل الأسرة حيث يتم ترويعه وإرغامه على التوقيع على وثيقة يعترف فيها بأنه تسلل إلى الكنيسة لتخريبها، وتهديده بأنهم سيسلمون الوثيقة الموقعة بخط يده الى الأسقف، ما لم يساعد على اطلاق سراح ابنتهم. غير أن الرجل يقوم باغتصاب الفتاة عدة مرات في السجن، ويهرب الى فرنسا، ثم يعود مع الجيوش الفرنسية وقد تبرأ من عمله الكنسي وأصبح من الداعين إلى مباديء الثورة الفرنسية، مناهضا للكنيسة، مستنكرا ماضيه دون ان يجرؤ على مواجهة نفسه بما ارتكبه في حق أنييس.
وتكون اينييس قد أنجبت منه طفلة في السجن، ومع اطلاق سراحها بعد دخول الفرنسيين، تذهب للبحث عن ابنتها التي أنتزعت منها قبل 15 عاما، ولكنها لا تعثر عليها بل يعثر عليها جويا ويكتشف انها تعمل "عاهرة"، وينبه الفاريز الذي يريد ارغامها على الذهاب ضمن العبيد الى أمريكا، الا أنها تفلت، ومع دخول القوات البريطانية وانسحاب الفرنسيين، تعود الكنيسة الى قوتها، ويسترد الأسقف مكانته، ويتم القبض على الفاريز والحكم عليه بالاعدام دون أن تبدو عليه اي علامة من علامات "الندم"، ويموت بينما يرى أمامه ابنته في صحبة ضابط بريطاني، في حين يسجل جويا بريشته الحدث.
الخطاب الأخلاقي وحده لا يصنع هنا فيلما عظيما، بل إن فورمان يبدو وقد فقد كل تألقه السابق، كما فقد قدرته حتى على إدارة طاقم تمثيل دولي في فيلم اسباني ناطق بالانجليزية. ورغم ما بذله الممثل السويدي في دور جويا الا انه بدا شاحبا مرتبكا، كما بدا خافيير بارديم نمطيا جامدا، وتلعثمت ناتالي بورتمان واتسم أداؤها بالمبالغة في دوري انييس واليثيا. معا.
لقد أراد فورمان أن يتعامل مع لقطات ومشاهد فيلمه كما لو كانت تنتمي الى تلك المرحلة "الرومانسية" الشهيرة في حياة جويا الفنية، لكن الفيلم جاء رغم الاهتمام الكبير بمصادر الضوء، وبالتكوين في اللقطات، باردا يفتقد الى الحرارة والحيوية بل والحبكة الدقيقة التي لا تمتليء بالشخصيات التي تخرج هنا كما دخلت، تظهر ثم تموت، أو تصبح منسية، أو تبدو في الخلفية عاجزة عن الفعل.
ولا تقول لنا نهاية فيلم "أشباح جويا" سوى أن جويا يكتفي بالرصد والتسجيل، كما لو كان الفيلم يريد أن يقول لنا أن الفنان عموما لا دور فاعلا له في الواقع سوى المتابعة والرصد، بل ان السيناريو الذي يتبناه بالكامل فورمان، يجعل الفاريز (الشخصية السلبية تماما في الفيلم) يوجه له في احد المشاهد انتقادات حادة عندما يتهمه بأنه يرسم لمن يدفع، اليوم للملوك الاسبان ثم للفرنسيين، وبعد ذلك يتوقع أن يوظف موهبته في خدمة الانجليز. أي أن جويا لا موقف له، ولا دور، ولا فائدة أصلا في مسار الأحداث، فهل هذا الموقف العبثي من الفنان ودوره خلاصة ما توصل إليه الفنان الكبير ميلوش فورمان بعد أن بلغ ذروة اليأس من تغيير العالم!

الاثنين، 17 يناير 2011

قولوا لي ماذا تشاهدون من أفلام أقول لكم من أنتم!

القاهرة ـ ' القدس العربي': يصدر خلال أيام عن مكتبة مدبولي في القاهرة، كتاب ' شخصيات وافلام من عصر السينما' للناقد السينمائي أمير العمري، هو الكتاب الثاني عشر للمؤلف. ننشر هنا مقدمة الكتاب الذي يعتبره مؤلفه ' أقرب كتبه إلى نفسه وأكثرها تعبيرا عن رؤيته وتجربته:
نعم كان هناك ' عصر السينما'. كان هذا ' عصرنا' نشأنا فيه وعشناه، وشهدنا كيف كان، وأين ذهب. وآمل أن تتكفل صفحات هذا الكتاب بالإجابة على التساؤلات الخاصة بعصر السينما: معناه ومغزاه وملامحه، كيف كان، وأين انتهى، ولماذا.
كان العصر الذي أقصده، في الماضي، في الخمسينيات والستينيات وقسط كبير من سبعينيات القرن الماضي، لكنه شحب وتضاءل في الثمانينيات، وانتهى عمليا في التسعينيات، بعد أن أصبحت الدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس، والسينما غير السينما.
كان عصر السينما عندما كانت الأسر من الطبقة الوسطى، تصطحب أبناءها وتذهب إلى دار السينما عصر يوم الخميس أو الجمعة، دون أي حرج، بل كانت رحلة الذهاب إلى السينما طقسا من الطقوس البديعة التي تستعد لها الأسرة في مصر، بإعداد الملابس التي سترتديها ربة الأسرة وبناتُها وأبناؤُها، وربما تُعد الأم أيضا بعض المأكولات الخفيفة التي يمكن تناولها خلال فترة الاستراحة بين الفيلمين، فقد كانت دور العرض، خصوصا في الأحياء وعواصم المحافظات، تعرض فيلمين، على طريقة ' العرض المستمر'، ينتهي الفيلم الثاني فيبدأ مرة أخرى، عرض الفيلم الأول، وهكذا.
كانت مشاهدة الأفلام في دور العرض السينمائي هي المتعة الأولى لدى أسر الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية، إلى جانب الاستماع للحفل الشهري الذي كان يبث إذاعيا، للسيدة أم كلثوم. وكان هذا الحفل يحظى في الكثير من الأحيان، بحضور الرئيس جمال عبد الناصر ومجموعة من صحبه.
كنا نعيش ' عصر السينما' عندما كانت السينما إحدى الركائز الثقافية في المجتمع، بل والأسس الاقتصادية للدولة أيضا. وكان الفيلم وسيلة وغاية في الوقت نفسه، كان وسيلة لتوصيل فكرة ما، أو موعظة، أو حكمة أخلاقية من وراء القصة التي يرويها. وكان هدفا في كونه وسيلة للتعبير الفني، لبيان قدرة الممثلين على التشخيص ومنافسة ممثلي المسرح، بل وكان الكثير من الممثلين ينتقلون ما بين المسرح والسينما، ويرتفعون بالتالي بفن الأداء التمثيلي كثيرا.
كان عصر السينما عندما كانت هناك قامات في التمثيل تتألق على الشاشة الفضية مثل حسين رياض، وعبد الوارث عسر، وسراج منير، وزكي رستم، وسليمان نجيب، ومحمود المليجي، ونجيب الريحاني، وزكي طليمات، ومحمود مرسي، وأمينة رزق، وفاتن حمامة، وشكري سرحان، ومريم فخر الدين، وفريد شوقي، ومحسن سرحان، ويحيى شاهين، ومحمد توفيق، وسعيد ابو بكر، وعدلي كاسب، وتحية كاريوكا، وشادية، وعمر الشريف، وغيرهم كثيرون.. كثيرون.
كان تعامل المخرج وباقي العناصر الفنية مع الفيلم، أثناء عملية التصوير نفسها، تعامل الهواة المحبين، الذين يسعون إلى التجويد والإجادة، ينشدون استخدام كل مفردات السينما كفن وصناعة، لتجسيد العالم كما يرونه: رومانسيا بسيطا، أو واقعيا معقدا. وفي الحالتين كان الجمهور يقبل على الفيلم، يدعمه بالقروش التي كان يشتري بها تذاكر دخول السينما، وكان هناك اهتمام بعدم التنازل على مستوى الصنعة، بل بالتطلع إلى مجاراة المستوى الاحترافي للفيلم الأمريكي عندما كانت هوليوود تعيش عصرها الذهبي. وكانت محاكاة الفيلم الأمريكي في ' عصر السينما' أمرا أساسيا، ولكن هذه المحاكاة لم تكن تتمثل في نقل القصة أو اقتباس السيناريو وتمصيره بالضرورة، بل في مجاراة أسلوب الإضاءة، واستخدام الظلال والديكورات، والتلاعب بالأبيض والأسود، وكان السينمائيون يكتشفون ' نجوما' يمكنهم تقديمهم كنماذج درامية عربية توازي نجوما آخرين اشتهروا في السينما الأمريكية.
كانت هند رستم مثلا نموذجا عربيا لمارلين مونرو. وقد ظهرت معها في نفس الفترة. وكان فريد شوقي معادلا عربيا لأنطوني كوين، في حين كانت مريم فخر الدين المقابل العربي لكاترين هيبورن، وكان محسن سرحان مقابلا لهمفري بوغارت.. وهكذا.
في عصر السينما كانت دار العرض السينمائي هي أساس السينما كلها وجوهر سحرها. فلم تكن شاشة التليفزيون قد أصبحت طاغية مسيطرة كما هي الآن. ولم يكن الفيديو قد ظهر أو انتشر كما حدث فيما بعد، ولم نكن قد عرفنا بعد الاسطوانات المدمجة ( دي في دي) ومشاهدة الأفلام عن طريق الصناديق الصغيرة الموضوعة فوق المكاتب والطاولات، أي عبر أجهزة الكومبيوتر وفضاء الانترنت.
كان الفيلم في نظر الجميع، هو المصور على شرائط من مقاس 35 مم، وليس المصور بكاميرا الديجيتال أو عن طريق تقنية الفيديو الرقمية المتقدمة كما حدث حاليا. ويعتبر شريط الفيلم ' السيلولويد' الركن الأساسي في تاريخ السينما وفي عصر السينما، وكنا نتهافت للحصول على بضعة ' كادرات' من هذا الشريط ونحن أطفال، لكي نستخدمها في محاكاة آلة العرض، باستخدام ضوء ' بطارية' صغيرة خلف ثقب في علبة من علب الأحذية، نمرر من خلاله شريط الفيلم لنرى الصور على حائط أبيض في شرفة نتحلق فيها ليلا، أو تحت سرير في الظلام.
كان الديكور السينمائي ركنا أساسيا من أركان صنع الفيلم، وهو عنصر يُحسب حسابه، له خبراؤه والمختصون في تصميمه وبنائه وتنسيق المناظر في داخله أيضا، قبل أن تصبح البيوت والشوارع والمحلات التجارية أماكن أرخص، مع تقدم الابتكارات في تقنيات الفيلم الخام وتقدم درجة حساسيته للضوء، والتقدم في استخدام تقنية التسجيل المباشر للصوت.
كانت السينما في العالم قد أصبحت فنا وصناعة وتجارة، وكان هناك حديث طويل ممتد، حول أن من يسيطر على الأذرع الثلاث للسينما، أي الإنتاج والتوزيع والعرض، يسيطر تماما على تلك الصناعة ويستطيع توجيهها. ولذلك اتجهت حكومات الدول الاشتراكية إلى احتكار العمليات الثلاث، لكنها فشلت في احتكار الأفكار، أو توجيهها، فقد كانت طاقة التمرد لدى الفنان أقوى من أي قيود. ولعل أبرز دليل على ذلك، ما أبدعه المخرج الروسي الكبير أندريه تاركوفسكي، الذي منع فيلمه البديع ' أندريه روبلييف' في الاتحاد السوفييتي عام 1966، وعندما اشتدت عليه وطأة النظام، هجر بلاده وعمل في إيطاليا والسويد إلى حين وفاته حيث أخرج فيلمين من التحف الكبرى في تاريخ السينما هما ' حنين' Nostalgia و' القربان' The Sacrifice .
وفي مصر خلال الستينيات، شهدت السينما تطورات درامية، بعد أن اتجهت أنظار الدولة أيضا إلى ضرورة دعم الصناعة، وتشجيع إنتاج الأفلام التي لا يستطيع المال الخاص تمويلها، وهي فترة ظهر فيها الكثير من الأفلام الجيدة دون شك، لكن هذه السياسة أصبحت مثار جدل ربما حتى وقتنا هذا، ولم تمر دون مجازفات ومخاطر بل ومنزلقات. فلم يكن ممكنا أن تتيح الدولة حرية النقد في مراحل وصفت بأنها ' مصيرية'، وعرفت مواجهات عسكرية مسلحة مع إسرائيل، وهو ما استدعى أن يكون هامش حرية التعبير محدودا للغاية، غير أن السينمائيين كانوا يستخدمون الهامش إلى أقصى مداه، ويلجأون إلى الرمز والاستعارة والتشبيه.
غير أن الجدل والصراع كانا يدفعان العجلة إلى الأمام. وكانت التجارب السينمائية الجديدة تسعى إلى أن تصبح جزءا من التيار السينمائي الإنساني عموما، أي أن تكون مصر في مجال السينما، جزءا من العالم، لا تنكفىء على نفسها مستندة إلى فكرة الريادة التاريخية وحدها، بل تلتحق بالعالم، سواء على مستوى السينما أو الثقافة عموما. فمصر شاركت في مهرجان كان مثلا، من البداية، أي في عام 1946 وامتدت مشاركتها طويلا قبل أن تتوقف.
كانت مصر، في الخمسينيات والستينيات، تسعى إلى استكمال مشروعها ' الحداثي'، وأن تنتقل لتصبح مجتمعا صناعيا إلى جانب المجتمع الزراعي الذي كان قد انتقل من نظام ري الحياض إلى الري الدائم، وفي هذا الإطار ' الحداثي' الذي يلتحق بالعصر، ويستخدم مفردات العصر، كانت السينما كفن وصناعة، تمر بفترة ازدهار كبير قبل أن تصاب بنكسة بسبب ممارسات البعض من الذين كانوا يعملون في الحقيقة، لحساب الموزع الخارجي، ويسعون لتلبية متطلباته، حتى لو كان معنى هذا تخريب السينما المصرية من الداخل. وسنجد بين طيات هذا الكتاب مثالا واضحا على ذلك النوع من التخريب.
وعندما اشتدت وطأة الأزمة السياسية في أعقاب هزيمة 1967 اصطبغ عصر السينما ببعض المتغيرات التي حملت الكثير من الآمال والطموحات، لكنها سرعان ما أجهضت.
في قلب عصر السينما، جاءت أيضا تجربة نوادي السينما، التي تعلمنا فيها كيف نتذوق الأفلام ونحللها ونناقشها ونستمتع بها. ودارت محاولات وقتذاك لجعل النقد السينمائي جزءا أصيلا من ثقافتنا، مثله مثل النقد الأدبي والمسرحي والتشكيلي، أي أنه نوع أدبي في الكتابة، يمكننا أن نأخذه على محمل الجد، وليس مجرد مادة مكتوبة لإلهاء وتسلية القراء في الصفحات الأخيرة من الصحف. اعتبر هذا الأمر، أي رسوخ النقد السينمائي كشكل أدبي جديد، أمرا مفروغا منه حتى نهاية السبعينيات. فماذا حدث الآن بعد أن غادرنا ' عصر السينما'، وأين نحن من العالم سينمائيا، وما الذي آل إليه مصير الفيلم الفني الطموح أمام الآلة الضخمة التي تضخ الأفلام الاستهلاكية السريعة؟
' قولوا لي ماذا تشاهدون من أفلام، أقل لكم من أنتم'. يصلح هذا التساؤل بالتأكيد، للتفرقة بين عصر السينما، وعصر ما بعد عصر السينما.
ولعل من الصحيح القول إن صفحات هذا الكتاب تعتبر، على نحو ما، رحلة إلى الماضي، إلى عصر لم يعد قائما، لكنها رحلة تقصد فهم الحاضر في ضوء الماضي، ومعرفة أين نضع أقدامنا حاليا، وهل من الممكن أن نستعيد النهضة، ونعود لكي نعيش الحلم من جديد، حلم السينما داخل دار السينما، وهل سيأتي وقت تعود فيه الأسرة المصرية والعربية، إلى دار السينما للاستمتاع، ثم يغادر أفرادها دار العرض وهم يتناقشون في الفيلم الذي شاهدوه لتوهم، مدلولاته الاجتماعية، ومستواه الفني، دون تشنج أو مناداة بالمنع، والتحريم، والعقاب، كما أصبح الوضع الآن، دون حتى الذهاب لمشاهدة الأفلام؟
هذا الأمل يظل قائما، شريطة أن تعتدل بوصلة المجتمع كله وتبدأ في الاتجاه نحو خلق وترسيخ ثقافة أخرى جديدة، ثقافة بالمعنى الشامل لكلمة ثقافة، تواجه الثقافة الغيبية السائدة المتخلفة التي انتشرت كالوباء في المجتمع طيلة السنوات الثلاثين الماضية، كما تواجه الثقافة الرسمية التي تميل إلى المهادنة مع التخلف، إن لم يكن التنافس معه أيضا.
من دون هذا سيظل ' عصر السينما' عالما سحريا من الماضي. أحاول أن أروي منه بعض ما أعرفه في هذا الكتاب الذي أرجو أن تصل رسالته دون حاجة مني إلى شرحها أو تبسيطها، فهي كامنة بين ثنايا السطور.
ولكن ينبغي أن أشير إلى أن الكتاب يتضمن الكثير من رؤيتي الشخصية لبعض الأحداث والشخصيات التي اقتربت منها والتي لعبت دورا مهما من وجهة نظري، في تشكيل عصر السينما كما عشته أنا على الأقل، كما أنها أحداث وشخصيات لا غنى عن التوقف أمامها في سياق وصف أجواء العصر الذي أتناوله، مع محاولة تقديم صورة لذلك الارتباط الحتمي في رأيي، بين السياسي والثقافي والسينمائي، والربط بين ما كان يقع من أحداث سياسية بارزة، وانعكاساتها على السينما وعلى العلاقة بين الدولة والسينما، وبين المتفرج الصغير، الذي كنته في تلك الفترة من عصر السينما، وبين أفكار كبيرة كانت تأتينا عبر الكثير من الافلام التي عشنا معها، وأصبح بوسعنا أخيرا، أن نستعيدها ونعيد اكتشافها ومشاهدتها بعد أن أصبحت متوفرة لحسن الحظ في الأسواق العالمية.
أخيرا، أرجو أن يكون التعريف بهذه الأفلام هنا، دافعا للشباب من محبي الفن السينمائي، للعودة إليها، والحصول عليها في نسخ من الأسطونات المدمجة ( دي في دي) ومشاهدتها والاستمتاع بها أيضا في ضوء ما ورد في هذا الكتاب من معلومات عن ظروف ظهورها على خريطة السينما المصرية أو العالمية.

الجمعة، 14 يناير 2011

الفيلم الوثائقي السيريالي

بقلم: بروس هودسدون

ترجمة: أمير العمري


"سوف أتأمل في الوجه الآخر من العالم"
بنيامين بيريه في "اختراع العالم"

 
يوصف الفيلم الوثائقي باعتباره "خيالي لا يشبه أي شكل خيالي آخر". وبدلا عن المفهوم القائل إن الخيالي يقدم مدخلا إلى "عالم"، يزعم الوثائقي أنه يقدم مدخلا إلى "العالم"، وهو زعم بأنه يمتلك وضعا خاصا، فيه نوع من التفوق الأخلاقي، يتمثل في الرابطة المباشرة التي تتكون بين الواقع وتجسيد الواقع في السينما.
الفيلم الوثائقي السيريالي يتحدى هذا الزعم ويطوع هذا الزعم لتحقيق وضعا خاصا.

لقد قام روبرت فلاهرتي بإعادة تجسيد بعض المشاهد من أجل المحافظة على أنماط حياة الإسكيمو المهددة بالتلاشي، على شريط الفيلم السينمائي، والجمع في سلاسة، بين اللقطات المصنوعة واللقطات الوثائقية المباشرة في فيلمه "نانوك من الشمال" (1922). وفي الوقت نفسه، كان بنيامين كريستنسن يقفز من مستوى للواقع الى مستوى آخر في فيلمه "هاكسن: السحر عبر العصور" Häxan: Whitchcraft through the Ages ".

الأشكال السردية التي وفق بينها كريستنسن، جامعا بين الواقع والخيال في "هاكسن" Häxan كانت نوعا من الإرهاصات الأولية لظهور الفيلم الوثائقي السيريالي. تطمس السريالية، خلال سعيها لفتح الخيال على الواقع، الفرق بين الحقيقة والخيال. في الأفلام الوثائقية السيريالية والأفلام السيريالية بشكل عام، يتم استخدام التأثير الواقعي لتقريب المتفرج من العالم الذي يجسده الفيلم، من أجل مصادرة الافتراضات المسبقة في ذهن المتفرج حول هذا العالم. وقد تجسد استخدام المزج بين الحقيقة والخيال في استخدام لقطات من فيلم وثائقي عن العقارب في المشهد الأول من فيلم "العصر الذهبي" للويس بونويل (1930)، وفي استخدام جان فيجو للمزج بين الذاتية، والتصويرالذي تتخذ فيه الكاميرا مكان العين، والهجائية الساخرة، والمسح الاجتماعي في تصويره لمدينة نيس في فيلمه " حول نيس" propos de Nice A(1930).

عرض فيلم "العصرالذهبي" عرضا عاما قبل 75 عاما في ستوديو 28 في باريس في 28 نوفمبر 1930. وقد أتاح هذا العرض وضع الفيلم الوثائقي على حافة المثلث السيريالي الذي بلغ ذروته عندما فتح الطريق أمام السيريالية الاثنوجرافية في فيلم "أرض بلا خبز" Las Hurdes (1933)، الذي كان ثوريا ورجعيا على حد سواء، غامضا ومتصل، منفصلا بقسوة في تعليقه الصوتي، ومتكلفا بعبثية في اختيار خلفيته الموسيقية.

كانت اللقطات الأولى في فيلم "العصر الذهبي" تعكس إشكالية الرغبة في اقتحام حقل اجتماعي أكبر من ذلك بكثير" من خلال فيلم لا يمكن تصنيفه بسهولة، سيريالي بشكل أساسي، مزيج من الأنواع السينمائية genres ومن الخيالي والوثائقي،و شبه التاريخي، والميلودرامي، وهو ما كان أكثر قدرة على مقاومة استفزازات فيلم "الكلب الأندلسي" لبونويل (1929) بلقطاته التي تشبه الأحلام، في سياق "خطاب التحليل النفسي للرغبة الكامنة على مستوى اللاوعي". لقد أصبح "العصر الذهبي" عرضة لهجوم متواصل من اليمين، ومنع من العرض العام في غضون أسبوع من عرضه الأول (استمر حظر عرضه عمليا لمدة 50 عاما) ، بينما تمتع فيلم "الكلب الأندلسي" بالعرض بشكل متواصل في باريس لمدة ثمانية أشهر، وهو نجاح استقبل استقبالا متناقضا في أوساط السيرياليين.

وإذا كان "الكلب الاندلسي" يعتبر مغامرة عظمى سيريالية داخل عالم اللاوعي، فربما يكون "العصر الذهبي" هو الأكثر في تعبيره الصلب والعنيد عن العزيمة الثورية.


من فيلم "العصر الذهبي" لبونويل
 وقد أعيد إحياء طريقة استخدام أسلوب التعارض بين اللقطات الخيالية والوثائقية في فيلم "فيلهلم رايش: ألغاز الكائن الحي" الذي أخرجه اليوغسلافي دوسان مكافييف عام 1971. وقد وصفه الناقد ديفيد تومبسون في دراسة له، بأنه "أسلوب صاعد ومترابط ينتقل من الخصوصية البشرية، إلى السلوك السياسي، وينظر أيضا إلى السلوك السياسي باعتباره رد فعل للإحباط النفسي والجنسي، وهو ما يمكن تطبيقه على قدم المساواة، على فيلم "العصر الذهبي".

بالمقارنة، يستخدم كريس ماركر أسلوبا يجمع بين اللقطات 'الحقيقية'، والتعليق الصوتي الخيالي، والبناء القائم على شكل الرحلة، وذلك في فيلمه "عديم الشمس" Sans Soleil (1983). إنه يتجاوز الأسلوب التقليدي الشائع لأفلام الرحلة، عن طريق الجمع بين المشردين الحقيقين والمتخيلين في سياق سيريالي يمكن مقارنته بما حققه السيريالي باتريك كيللر في فيلميه (من أفلام الرحلة): لندن (1994) و"روبنسون في الفضاء" (1997).

لقد أعرب سيرجي أيزنشتاين عن رفضه للسيريالية عندما تعرف عليها في باريس عام 1930. وقد وصفها بقوله: "إنها بعيدة كل البعد، سواء في الفكر أو في الشكل، عن كل ما قمنا به ونقوم به"، وهو رأي لا يشاركه فيه السيرياليون. بونويل، على سبيل المثال، اعترف في سيرته الذاتية بأنه كان على قناعة، لسنوات عديدة، بأن فيلم "المدمرة بوتيمكين" (1925) هو الفيلم "الأكثر جمالا في تاريخ السينما". ووصف أيزنشتاين فيلمه " الخط العام" (1929)، الذي يعتبر ظاهريا 'دراما وثائقية رسمية حول المزارع الجماعية" ، بأنه "محاولة لتصوير تجربة العمل اليومي عند الفلاحين بطريقة مثيرة للاهتمام ". وهو يحتوي على أحد أكثر المشاهد في ذاكرة السينما تعبيرا عن الشهوة الجنسية (بمعنى التحول المكثف)، الحصول على آلة لفصل الزبدة عن الحليب، حيث تتحول الإثارة الجنسية هنا"من الجسد البشري إلى الآلة" إن لقطات أيزنشتاين الأساسية المثيرة للنشوة في هذا الفيلم هي لقطات كان قد صورها أصلا لفيلمه المكسيكي " تحيا المكسيك" (1932).


لوي بونويل
 ويربط المونتاج بين التعارضات المقلقة، الكامنة في ثنايا الصور، وبين الصوت والصورة (التعليق، المؤثرات الصوتية الحية، والموسيقى) وذلك في الأفلام الوثائقية التي صنعها سينمائيون سيرياليون من أمثال جان بينليفيه Painlevé، هنري ستورك، جورج فرانجو Franju، آلان رينيه، وهمفري جينينجز، ويان سفانكماير Švankmajer، وفي هذه الأفلام يستخدم هؤلاء المخرجين ازدواجية المغزى الشعري في مادة الفيلم: العلوم الطبيعية، جزيرة عيد الفصح ، مسلخ، الضريح، المكتبة، ثقافة الطبقة العاملة، والعرض المروع للعظام البشرية في صندوق عظام الموتي داخل الدير. إن ما يجمع بينهم هو الإحساس الناتج عن خلق عوالم موازية، سطح كوكب حضارة ميتة (في فيلم L’Ile de Pâques، لهنري ستورك، 1935)، والضريح الذي هو أرشيف كبير (في "كل ذاكرة العالم" لآلان رينيه، 1956) أو الرعب المكتوم من المسالخ في الضواحي (في فيلم "البهائم"، لفرانجو، 1949)- العلاقة الكابوسية الخيالية في علاقتها مع العالم الواقعي. وحتى في تصوير كيف تقضي الطبقة العاملة أوقات الفراغ (كما في "وقت الفراغ"، 1939)، تمكن المخرج همفري جينينجز من العثور على "نوع من الخيال القاتم. وبعض الكرامة... ".

في السينما ، يتم التعبير عن خطابات متناقضة في سياق سائد يعمل بمثابة اللغة التي تستخدم في تعريف لغة أخرى metalanguage. وفي حالة السينما الوثائقية، عادة ما يحدث هذا من خلال التعليق الصوتي المصاحب الذي يربط معا، الرؤى المختلفة للواقع، التي تكشف عنها الصور والأصوات الأخرى في الفيلم. وفي الفيلم الوثائقي السيريالي، إما يتم الاستغناء عن التعليق الصوتي، أو يكون التعليق متناثرا وقليلا، أو يتم تهميشه ليصبح مجرد صوت نشاز أو مرتبطا بسياق محدد.

لقد تحدى لويس بونويل في فيلم "أرض بلا خبز" Las Hurdes، وجان روش في أفلامه الإثنولوجية، القواعد التقليدية للفيلم الوثائقي. ويمكن قراءة فيلم بونويل باعتباره محاكاة ساخرة سيريالية للفيلم الخيالي "يوسع مساحة اضطراب المفاهيم السينمائية التي سبق أن رسخها في "الكلب الأندلسي" و"العصر الذهبي"، بشكل يتلخص أساسا في طريقة استخدامه للتعليق الصوتي. ويسهم راؤول رويز في فيلمه "الأحداث الكبرى والناس العاديون، 1979) في استراتيجية التفكيك الذاتي للعديد من القناعات الموضوعية في الفيلم الوثائقي.

على مر السنين، كثيرا ما أسيء تفسير التناقض الواضح بين التعليق الصوتي و"الاستخدام غير المناسب" للسيمفونية الخامسة لبرامز في فيلم "أرض بلا خبز" على انه نتيجة تدخل فظ من جانب موزع الفيلم. إلا أن رويز، مع ذلك، لا يترك سببا لمثل هذا الغموض في سخريته اللاذعة من القناعات الواقعية كما تنعكس في التقارير التليفزيونية. إن غموض "الأحداث الكبرى" يكمن حيث يمكن أن يقودنا رويز. إن التأملات الأقرب إلى اليوميات لرجل تشيلي يعيش في المنفى، في فرنسا، في الانتخابات المحلية الفرنسية (رؤية رويز نفسه)، تفسح المجال لاستخدام مواد خارجية تأتي من مصادر أخرى، مما يجعل اليوميات التي كانت متدفقة، تتوقف. ومن أجل تقديم تعريف لما هو حقيقي وما هو دخيل في الفيلم الوثائقي يقوم رويز باستدعاء حالته الشخصية باعتباره رجلا من تشيلي يعيش في المنفي، في فرنسا. وهو يجعل النقد يتجه إلى ذلك الشعور بالقبول لدى المتفرجين عن طريق تثبيت ثلاث حقائق سيريالية تتعلق بالفيلم "الوثائقي المستقبلي" يمكن التعبير عنها من خلال هذه العبارة:


طالما ظل الفقر موجودا، سنكون أغنياء

وطالما ظل الحزن موجودا، سنكون سعداء

وما دامت السجون موجودة، سنكون أحرارا

(من بيل نيكولز: "تجسيد الواقع: قضايا ومفاهيم في الفيلم الوثائقي).
* جزء من دراسة بعنوان "السينما الوثائقية السيريالية: مراجعة الحقيقي"- 2005.

هستيريا التطبيع بين النقابة والرقابة والغرفة!

قدم برنامج "ستديو مصر" الذي تبثه قناة سينما النيل (نايل سينما) حلقة خاصة جيدة جدا وشديدة الجدية والعمق، عن قضية دائرة هذه الأيام في مصر، وهي قضية لم يخترعها البرنامج بالطبع ولا القائمون عليه، بل خلقها القائمون على بعض المؤسسات سواء بنزق وجهل، أم بسوء نية وقصد، مثل الرقابة والنقابة والغرفة، أي ذلك الثلاثي المرح الذي انبرى أخيرا، يعلمنا دروس العداء للصهيونية، ويمنح صكوك الوطنية باسم رفض التطبيع.
وبعدما جرى من هياج عصبي حاد من جانب نقابة المهن الفنية المصرية بعد عرض فيلم اتضح ان منتجته تحمل الجنسيةالاسرائيلية بالاضافة الى جنسيتها البريطانية، في مهرجان ابو ظبي، يثار حاليا موضوع عرض فيلم "لعبة عادلة" Fair Game وهو من بطولة شون بن، وشارك فيه الممثل المصري خالد النبوي الى جانب ممثلة اتضح انها اسرائيلية و تقوم بدور عراقية في الفيلم!
والطريف في الأمر أن المعارضة لعرض الفيلم بل وارغام الرقابة على المصنفات الفنية (وهو جهاز سيء السمعة تاريخيا!) على تأخير عرضه رغم اجازتها له، لم تأت من جانب دعاة التشنج التاريخيين ممن يمكن أن نطلق عليهم "عبيد الايديولوجيا" وأمثالهم، بل من جانب جهات لم يعرف لها أي موقف يتعلق بالقضايا "الفكرية" أو السياسية التي تشغل المجتمع، مثل غرفة صناعة السينما التي يفترض انها اساسا، تجمع للمنتجين والموزعين السيمائيين في مصر، والتي تنازلت تاريخيا، عن دورها الأساسي في دعم الصناعة والضغط على المجلس التشريعي من اجل اصدار قوانين وتعديلات تحمي هذه الصناعة من الانهيار وتشجع رأس المال المحلي لاقتحام عملية الانتاج، وضرورة محاسبة الفيلم كمنتج ثقافي وليس كسلعة.
بدلا من ذلك جاءت الغرفة لكي تبدي استغرابها الشديد ومعارضتها لعرض فيلم يدافع عن القضية العربية، ويدين السياسة الامريكية في العراق بشكل واضح، خاصة وان بطله شون بن، معروف بمواقفه المناهضة لسياسة التدخل في العراق وغيره. ووجود ممثلة اسرائيلية في الفيلم لم يغير شيئا في مضمونه، ولم يجعله باي درجة، أقرب الى الموقف الإسرائيلي مثلا، بل ضده في الواقع!
هنا يبدو أن منطق المزايدة فيما يتعلق بموضوع الوطنية، والتطبيع، وإسرائيل، أصبح هو الغالب بشكل هستيري على بعض المؤسسات التي لم يعرف لها أي اهتمام باي قضية، بل ولا حتى بقضية وجود السينما.
ماذا فعلت "الغرفة" مثلا لحماية التراث السينمائي المصري ومنع بيعه للخارج؟ ماذا كان رد فعل اساطين الغرفة وكهنتها عندما اكتشفنا وكشفنا عن ضياع "نيجاتيف" معظم الافلام المصرية المنتجة قبل عام 1950، والتهديد باختفاء ما بقى منها؟
لقد كان للمنتج- الموزع صفوت غطاس قول شهير عندما رد على موضوع تهالك النيجاتيف وفساد طرق الحفظ وغياب السينماتيك، بقوله إن يستطيع اشعال النار في كل شرائط النيجاتيف القديمة بعود كبريت وينتهي الامر، لأن "لدينا "الديجيتال" فما حاجتنا لنسخ النيجاتيف التقليدية، وهو قول لا يعكس فقط جهلا فاضحا بل تحريضا على ارتكاب فعل إجرامي كان ينبغي أن يحاسب عليه. وكلامه هذا مسجل بالصوت والصورة في فيلم "كلاسيكيات السينما المصرية" الذي عرضناه قبل 8 سنوات في المجلس الاعلى للثقافة.
هل كان خالد النبوي يعمل جاسوسا لإسرائيل عندما قبل القيام بدور في فيلم يخدم القضية العربية ويدين السياسة الأمريكية- الإسرائيلية في الشرق الاوسط؟
هل كان ممدوح الليثي نقيب اتحاد الفنانين، اكثر وطنية من عمرو واكد عندما قام الأخير بدور في مسلسل "بيت صدام" الذي يقوم ببطولته ممثل اسرائيلي.
ولماذا لا يستنكف الإسرائيلي، العنصري، المتعالي، صاحب عقدة التفوق، التمثيل جنبا الى جنب مع ممثل عربي، تعتبره بعض الأوساط في إسرائيل أدنى، بل ويستحق السحق مثل ذبابة!
كيف لا تستنكر المؤسسة الإسرائيلية قيام ممثليها بالتمثيل في الأفلام الامريكية التي يشارك فيها ممثل مصري مثل سيد بدرية في هوليوود، وهل يلعب الاسرائيليون دائما أدوار البطولة فيما يلعب العرب دائما أدوار النذالة؟
إن الأمر بات في حاجة إلى "قرصة" وليس وقفة، مع أمثال تلك المؤسسات الوهمية التي تستخدم فزاعة التطبيع لاشغالنا عن القضية الأساسية وهي مقاومة إسرائيل على الارض، وليس في السينما، ووقف زحفها العسكري والاستخباراتي، والحيلولة بينها وبين التغلغل الاقتصادي بالتعاون مع أنظمة قائمة بالفعل. وهذا هو جوهر الموضوع لمن يريد أن يناضل ضد الصهيونية بالفعل بعيدا عن مكاتب (وسط البلد)!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger