الجمعة، 16 أكتوبر 2009

من مهرجان أبو ظبي السينمائي (5)

طاقم فيلم "الطهي مع ستيلا"

لم يبق لي الكثير في أبو ظبي فلابد أن أعود إلى لندن غدا السبت، لن أحضر كالعادة حفل الختام بل سأتلقى نتائج المسابقات مساء بعد أن أكون قد بلغت مقصدي، أي بيتي.
التكهنات هنا ليست كبيرة: الأفلام العربية لابد أن تحصل على قسم لا بأس به من الجوائز (ذات القيمة المالية الكبيرة) بحكم النظام الجديد الذي ابتكره المهرجان وهو نظم عادل يرمي إلى تشجيع السينما العربية.
من بين افلام المسابقة التي عرضت عرضها الثاني مساء أمس الفيلم الكندي الإنتاج "الطهي مع ستيلا" وهو من اخراج المخرج الهندي ديليب ميهتا ومن تأليفه مع شقيقته المخرجة الشهيرة ديبا ميهتا.
وهو نوع من الكوميديا الاجمتماعية الساخرة يجسد مخرجه من خلال تداخل العلاقات فكرة العلاقة بين السادة والخدم، وتناقض المفهوم الغربي للموضوع مع المفهوم الشرقي، ومن خلال مآزق ومفارقات صغيرة متفرق. وستيلا هي الطاهية العجوز التي تنتهز كل فرصة لاستغلال مخدوميها ولا تقبل أبدا التعامل معهم على قدم المساواة كما يطالبونها. ورأيي الخاص أن الممثلة الرائعة التي قامت بالدور الرئيسي (أي دور الطاهية المتلاعبة) تستحق جائزة التمثيل.
الجمهور تجاوب كثيرا مع الفيلم وأحداثه وشخصياته، ولكن علمت من مخرجه أن السفير الهندي الذي حضر أمس عرضه الثاني في المهرجان أبدى استياءه الشديد بل واحتج لدى المهرجان على عرض الفيلم بدعوى أنه يسيء إلى الهند كشعب وثقافة (رغم اظهاره الوجه الايجابي من خلال شخصيات أخرى وبحثه عن مبررات لتصرفات الشخصية الرئيسية ورغم كونه من اخراج مخرج هندي).
هذا الأمر يذكرني بما ينتاب بعض المسؤولين المصريين في الكثير من الأحيان، تحت ضغط قوى الظلام التي يترك لها العنان لممارسة ابتزازها للشعب حتى يمكن استخدام هذ ا الابتزاز وسيلة لكي تبتز الحكومة دولا أخرى تدعمها، بدعوى "الخطر الأصولي" بينما يمكن مكافحة التطرف بكل أشكاله إذا تركنا الحرية تحلق.. لكن هذا موضوع آخر يرتبط بكل تأكيد، بنمو الحركة الشعبية وثقافة الناس. هؤلاء المسؤولين يهبون بين وقت وآخر لاتهام صانعي الأفلام وغيرها، بأبشع الاتهامات بدعوى الحفاظ على القيم ما يطلقون عليه "ثوابت الأمة" بينما يخالفون هم يوميا كل القيم والثوابت بما هو ثابت في سجلات البنوك والرقابة الادارية وملفات الأمن، بل ويوجد أحد رموزهم حاليا في السجن بعد الحكم عليه بالاعدام لتقل عشيقته التي طارت من قفصه!
سرقة جديدة
حدث أمس أن صديقا من الموجودين هنا دعاني إلى قراءة ما هو منشور في مدونة الصديق القديم الناقد محمد رضا، تحت عنوان "جنس وفلسفة" عنوان فيلم محسن مخملباف الشهير، لكي أفاجأ بسطو من النوع الوقح جدا على أفكاري ولغتي واسلوبي وعباراتي وصياغتي للمقال مع بعض التصرفات البسيطة التي يود السارق (وهو من السعودية ويدعى خالد ربيع السيد، لا أعرفه ولم يسبق ان التقيته) الإيحاء من خلالها بأن المقال من بنات أفكاره.
وقد أذهلتني المفاجأة، فما أكتبه في موقع بي بي سي أو غيره منشور ومعلن ويقرأه المهتمون، والعلاقات بين نقاد السينما وأصحاب المواقع تتيح لهم التواصل والاتصال مهما بلغت المسافات فيما بينهم، ويمكن كشف الأمر بسهولة لأننا لا نعيش في قرية معزولة عن الدنيا، بل في قرية الكترونية متصلة. والمقال المسروق من أكثر مقالاتي انتشارا وشيوعا بين القراء فقد تردد عليه عند نشره في موقع بي بي سي العربي أكثر من من مائة ألف قاريء، وعاد وقرأه كثيرون بعد ذلك عند نشره في هذا الموقع، كما أن أسلوب كاتبه معروف أيضا للقراء، ولم يسبق أن كتب نقاد عرب عن الفيلم غيري باستثناء بعض التعليقات العابرة المترجمة.
وقد أرسلت للأستاذ محمد رضا ألفت نظره للأمر فقام على الفور بحذف المقال المسروق من مدونته ونشر التنويه التالي الذي أعيد نشره هنا لعله يساهم في ردع السارقين:
((بعث لي الزميل والصديق أمير العمري برسالة تلفت النظر الى أن الموضوع الذي نٌشر هنا بتاريخ الرابع عشر من هذا الشهر تحت عنوان »جنس وفلسفة« (عنوان فيلم محسن مخملباف الأخير) بقلم الناقد خالد ربيع السيّد، هو منقول عن مقالته المنشورة عن الفيلم نفسه في موقع البي بي سي كما في موقعه الخاص "الحياة في السينما". وقد قارنت بالفعل بين المقالتين ووجدت أن مقالة خالد ربيع السيد مبنية بالكامل، مع تغييرات معيّنة، على مقالة الزميل أمير العمري٠بناءاً على ذلك، قمت على الفور بحذف مقالة الأخ خالد ربيع السيد وبعثت للأخ أمير بإعتذار خالص وأكرر هذا الإعتذار بمطلق اختياري وحرّيتي ورغبتي٠أضيف الى ذلك، أنني في خندق واحد ضد كل عملية سطو او لطش او نقل او سرقة أي مقال من أي كاتب لأن في هذا السطو، على أشكاله، إهانة لجهد الكاتب الأصلي لا تبرير لها على الإطلاق إلى جانب إنها بالدرجة الأولى إهانة للكاتب الناقل تسيء إليه قبل سواه، ويجب أن لا يرضى بها أساساً عبر الإمتناع عن السطو على جهد الآخرين جملة وتفصيلاً٠))
شكرا للزميل محمد رضا على موقفه الحاسم والحازم (وإن كان قد نسى حذف التنويه الموجود في فهرس العدد عن المقال باسم الكاتب- اللص)، وقد وعدته بأنني سأزوده بالمزيد من كتابات الناقد- المزعوم- السارق التي تمتليء بسرقات أخرى من مقالاتي ومقالات غيري والتي اطلعت على قسم منها.
وأود أن ألفت نظر السارق إلى أنني سوف ألجأ مستقبلا إلى مقاضاته في بلده وأطالب بتطبيق حد السرقة عليه أي قطع يده علانية، وربما لسانه أيضا، إذا لم يختف تماما من ساحة النقد السينمائي في هدوء.. وإن عادوا عدنا!

الخميس، 15 أكتوبر 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (4)

لقطة من فيلم "بالألوان الطبيعية"


اليوم الخميس يوم مزدحم للغاية، بالأفلام والجمهور من شتى التجمعات العربية وغير العربية في أبو ظبي.. دور العرض ممتلئة خاصة في العروض المسائية، وهو أمر يضفي الكثير من الحيوية، وهناك مناقشات للأفلام تدور داخل دور العرض أي عقب عرض الأفلام مباشرة.
لكني أود أن أسوق ملاحظة تتعلق بمقدمة (أو مقدم) الأفلام قبل عرضها أو قبل مناقشتها وبعد عرضها، وهي ملحوظة أساسها أن مقدم الفيلم لا ينبغي أن يقف لكي يقول شعرا في الفيلم وفي مخرجه ويتكلم (كما حدث مرارا وتكرارا) باستطراد وتفصيل لكي يمتدح الفيلم بل ويحلل أيضا بعض لقطاته واجزائه في حين أن الفيلم نفسه قد تختلف الآراء بشدة حوله بل وقد يكون كارثة كبرى أيضا (وهو رأيي المؤكد في فيلم من الأفلام التي حصلت على دعم مالي من المهرجان وسأكتب عنه فيما بعد تفصيلا وقد تم تقديمه بمديح مبالغ فيه لدرجة مقرفة).. ليس من حق موظفة في المهرجان أن تفرض أو تنحاز لأفلام تشارك في المسابقات الرسمية وتتنافس على جوائز مالية لما في ذلك من تأثير مؤكد، على الجمهور أو على لجنة التحكيم، أو حشد للرأي العام، أو بما يتنافى تماما مع قواعد اللياقة والأدب!
لم يحدث في تاريخ أي مهرجان سينمائي كبير ينظم مسابقة أن جاء مدير المهرجان مثلا لكي يمتدح بشكل خاص فيلما يتنافس على جوائز المهرجان بشكل مبالغ فيه يعكس أيضا نوعا من النرجسية أي الاشادة باختيار الفيلم والاعراب عن سعادة خاصة بالحصول عليه.. وهو ما يفعله مثلا مدير المهرجان بيتر سكارليت، وغيره من مساعديه!!
* النقطة الأخرى التي لاشك أن سكارليت يتحمل مسؤوليته عنها وكذلك المخرج المصري أسامة فوزي، تتعلق بأنه بعد أن تم ادراج فيلم أسامة الجديد المنتظر "بالألوان الطبيعية" في المسابقة قبل أن يتأكد المهرجان من وصول النسخة، وبعد أن وصلت متأخرة اكتشف المهرجان أن بها عيوبا في الصورة مدمرة تماما، فقاموا بتأجيل عرض الفيلم مما أصاب البرنامج بالاضطراب والفوضى وأصابنا نحن أيضا، الذين حجزنا بطاقات لمشاهدته، بالاحباط والاضطراب وأصبح علينا الحصول على بطاقات بديلة لمشاهدة أفلام بديلة.. إلخ
وبعد ذلك وفي اللحظة الأخيرة أي قبل ساعات من عرض الفيلم اليوم الخميس، أعلن المهرجان الغاء عرض الفيلم واستبعاده تماما من المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في حادث قد يكون الأول من نوعه في هذا المهرجان.. وأراه عيبا خطيرا.. فكيف لم يكلف أحدا نفسه بمراجعة النسخة قبل شحنها أو تسفيرها؟ وكيف يكتشف المهرجان عيوبها متأخرا إلى هذه الدرجة؟!
خسارة كبيرة بالتأكيد لنا ولعشاق أفلام هذا المخرج.
وقد علمت أن النسخة كانت قد حولت نسخة من مقاس 35 مم إلى نسخة رقمية (ديجيتال) ثم إلى نسخة سينمائية مرة أخرى .. وهي النسخة غير الصالحة للاستهلاك التي وصلت للمهرجان من لندن قبل أن يشاهدها المخرج على الأرجح!
وكنت قد كتبت من قبل أقول إنه كان يتعين على المهرجان أن يفتتح بهذا الفيلم بدلا من فيلم "المسافر" الذي سبق أن عرض في فينيسيا واحترق بسبب ما أثير حوله من خلافات بلغت مستوى الاتهامات من جانب بطله عمر الشريف لمخرجه أحمد ماهر. وقد اخطأت في تقديري فلم أكن أعلم أن المهرجان لم يكن قد أمن أصلا وصول نسخة صالحة من الفيلم، وربما كان سيضعه في الافتتاح إذا كان الفيلم قد أصبح وصوله مضمونا قبل الافتتاح.
* الفيلم الإيراني "عن إيلي"- خارج المسابقة- مفاجأة مدهشة بمستواه الفني ولغته السينمائية العالية وبساطة الفكرة التي تحمل الكثير من العمق رغم ذلك. وهو أيضا درس للكثير من مخرجي الأفلام الحديثة في الاقتصاد في السرد وفي الزمن، فبكل أسف أرى أن الكثير من هذه الأفلام، سواء في هذا المهرجان أو غيره، أطول كثيرا مما كان الأمر يقتضي، أي أنها "منفوخة" كثيرا، كما أرى أنها أيضا تخلو من رؤية فكرية أو فلسفية، وتمتليء بالكثير من الادعاءات الفنية والافتعال والتصنع والفلسفة الكاذبة، لضمان الحصول على إعجاب بعض الدوائر في فرنسا (أقصد الدوائر التي تقدم الدعم المالي). أفضل فيلم ايراني شاهته منذ سنوات بعد أن فقدت السينما الايرانية بريقها.
* سبق أن كتبت أن بيتر سكارليت مبرمج ومدير مهرجانات و"ناقد سينمائي" في حين أنه مبرمج ومدير مهرجانات فقط فلم أتمكن من العثور له على أي كتابات يعتد بها في النقد السينمائي (وهذا ليس عيبا شأنه في ذلك شأن مديري الكثير من المهرجانات السينمائية العربية الذين من بينهم أيضا من كانت سكرتيرة تدق على الآلة الكاتبة في مكتب كبير الرحمية قبلي رحمه الله وتعلمت "الصنعة" بالممارسة.. فينا بالطبع!). وقد سبق لبيتر سكارليت أيضا أن رأس السينماتيك الفرنسية لعدة سنوات. وقال لي الزميل الصحفي عاطف احمد إنه نشر في صحيفة الجمهورية أمس مقابلة أجراها معه قال له سكارليت فيها إنه "يهودي" لكنه محب كبير للسينما العربية وأكد أن إسرائيل لن تدخل مهرجان الشرق الأوسط وأنه ملتزم بسياسة المؤسسة التي يعمل لها وهي هيئة التراث والثقافة في دولة الإمارات. والعهدة بالطبع، على الراوي كما يقال.
* المخرج الكبير محمد خان عضو لجنة التحكيم (الأفلام الروائية الطويلة) موجود هنا مع زوجته كاتبة السيناريو وسام سليمان، لكنه يجد أيضا وقتا لمشاهدة الكثير من الأفلام الأخرى خارج المسابقة باعتباره عاشقا حقيقيا للسينما وليس فقط أحد محترفيها. قضينا معه، أحمد الحسني مدير مهرجان تطوان، وأنا، وقتا ممتعا بعد ظهر اليوم، تكلمنا وضحكنا وسخرنا من كل شيء واسترجعنا الماضي، وتفلسفنا أيضا، ولكن بدون الحصول على أي دعم من أحد!

الأربعاء، 14 أكتوبر 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (3)

مايا نصري


* دردشة طويلة على الافطار مع الناقد كمال رمزي وطارق الشناوي وانتشال التميمي. حديث كمال مثير للكثير من المواجع لكنه يمتلك القدرة على توصيل ما يريد من رسائل بأسلوب رشيق ودبلوماسي للغاية. اتفق معه في بعض النقاط وأختلف في غيرها. الوضع السينمائي المؤسساتي في مصر وما أطلقت عليه "مشروع تخريب السينما" كان محور الحديث.
* الفيلم الأول التحفة الذي أشاهده في المهرجان حتى الآن هو فيلم "مبدأ الصدمة" The Shock Doctorine للمخرج البريطاني مايكل وينتربوتوم الذي يوازي في قدرته التحليلية بالصوت والصورة فيلم مايكل مور الأخير "الرأسمالية: قصة حب".
* الإعلان مساء أمس عن إلغاء العرضين اللذين كانا مخصصين للفيلم المصري "بالألوان الطبيعية" للمخرج أسامة فوزي (جنة الشياطين، عفاريت الأسفلت، بحب السيما) أحدث ارتباكا ولازلت غير متأكد ماما من الأسباب. وقد أعلن عن عرض وحيد للفيلم بعد ظهر الجمعة. وقد سمعت أن مشادة بالصوت العالي وقعت أمس بين أسامة ومدير المهرجان بيتر سكارليت ربما ترجع لعدم تخصيص استعراض للعاملين بالفيلم على البساط الأحمر (موضة وصرعة اصابت كل المهرجانات العربية حاليا حيث يدعون المصورين ومحطات التليفزيون لالتقاط الصور فيما الممثلون يرتدون ملابس السهرة – أحيانا في عز الظهر- ويتمايلون على البساط الأحمر على غرار ما يحدث في مهرجان كان). وسمعت أيضا أن سكارليت عقد جلسة فيما بعد مع أسامة وقام بتهدئة الأمر.
* قابلت مصادفة الممثلة العملاقة كما تبدت في دورها في فيلم يسري نصر الله "احكي ياشهرزاد" رحاب الجمل. ودار حوار رائع بحضور الممثلة والمغنية اللبنانية مايا نصري التي اكتشفت أنها تتمتع بروح عالية وبقرة على "التأمل" الفلسفي أيضا في مغزى الحياة، وتطرح الكثير من التساؤلات الجريئة. وقد علمت من الصحفي وائل عبد الفتاح أنها خطبت للمخرج المصري ايهاب لمعلي مخرج فيلم "الدكتاتور". وقد انضم الينا في المناقشة الممثل الكبير محمود حميدة.
* فيلم محمد زرن "زرزيس" غير الروائي مثير للتأمل والاهتمام، وسأعود إلى مشاهدته في نسخة رقمية للاستمتاع به. بالمناسبة قاعة سيتي ستار التي عرضته كانت ممتلئة، كما امتلأت عن آخرها أيضا بالجمهور لمشاهدة فيلم "مبدأ الصدمة" وهو ما يؤكد نظريتي الخاصة بوجود جمهور عريض على استعداد لشراء تذاكر لمشاهدة أفلام تسجيلية.
* الفيلم الهندي "أزرق" يحمل نفس عنوان الفيلم الشهير من بطولة جوليت بينوش للمخرج البولندي الراحل كيشلوفسكي، نال الكثير جدا من الدعاية هنا.. لا أظن أنه سيتاح لي الوقت لمشاهدته. ومنتجو الفيلم أقاموا حفلا ساهرا كبيرا وجهوا فيه الدعوة إلى كل ضيوف المهرجان.
* من أكثر ما سمعت إثارة من تعليقات في الأفلام ما قاله رجل لمجموعة من الصبية في فيلم "زرزيس" التونسي "دعونا نفجر أنفسنا حتى يرانا الناس في قناة الجزيرة"!

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

في مهرجان أبو ظبي السينمائي (2)

من فيلم "الليل الطويل"


الآن بدأت معالم المسابقات تتضح بل وتشتد المنافسة بعد عرض حوالي نصف الأفلام المتسابقة.
النظام دقيق للغاية، وحركة الانتقال بين الفنادق وأماكن العروض متصلة ومنتظمة، وعدد المتطوعين وغيرهم من العاملين في المهرجان كبير بدرجة ملفتة، وبمجرد أن تطا قدماك أرض قصر الإمارات مثلا تجد الجميع في خدمة الضيوف والصحفيين بدون أدنى تفرقة.
مشكلة العرض في مهرجان أبو ظبي هي نفسها في كل مهرجانات السينما التي تقام من المحيط إلى الخليج كما سبق أن كتبت قبل عام بالضبط وأنا في صدد رصد سلبيات مهرجان قرطاج السينمائي ،وأقصد بالطبع أن المهرجان لا يخصص قاعة للعروض الصحفية أو للعروض التي يقتصر حضورها على الضيوف من السينمائيين والصحفيين شأن كل المهرجانات الكبيرة المعروفة في العالم. وهو ما يجعل النقاد مضطرين إلى حجز بطاقات المشاهدة للعروض مسبقا، فالبطاقة الصحفية حتى لا تكفي لدخولهم إلى قاعات العروض، وهو أمر أجد استمراره غريبا في ظل إدارة بيتر سكارليت الذي يمتلك خبرة كبيرة في هذا المجال. لكني أضيف أيضا للموضوعية، أن الحصول على بطاقات للمشاهدة سهل وميسور بل ومن الممكن أن يحجز الصحفي بطاقات كل العروض حتى نهاية المهرجان من اليوم الأول.
* لاشك على الإطلاق، وهذا أمر يجب تكراره والتذكير به دائما، على أن من أهم ما توفره المهرجانات العربية لنا نحن النقاد فرصة الالتقاء وتجديد الصلات والاتصالات بيننا وبعضنا البعض، وبيننا وبين السينمائيين أيضا.
* التقيت هنا بالصديق القديم الناقد السينمائي المصري كمال رمزي الذي تربطني به علاقة قديمة تاريخية من أيام بداياتي الأولى، من الزمن الذي ذهب ولن يعود، أيام نادي سينما القاهرة في السبعينيات. وميزة كمال أنه إنسان طيب ومتسامح وأيضا لا ينسى الأيام الجميلة والصحبة وما يعرف بالعيش والملح، وبالتالي هو على استعداد لأن يغلب الجانب الإنساني الجميل على أي شيء آخر. وكمال هو الناقد الرسمي لمسابقة أفلام من الإمارات هذا العام.
والتقيت أيضا بالناقد اللبناني والمخرج حاليا محمد سويد الذي لم أره منذ أن التقينا في مهرجان كان في منتصف التسعينيات تقريبا، كما قابلت الصديق الناقد المغربي الكبير مصطفى المسناوي، والمخرج التونسي الصديق محمد زرن (وسويد وزرن لهما فيلمان في المهرجان) وبالمناسبة صديقنا الناقد التونسي الكبير خميس الخياطي اعتذر لأسباب صحية عن عدم حضور هذا المهرجان شفاه الله وعافاه.
وهنا أيضا الناقد المصري المقيم في الكويت عماد النويري الذي لم أعد أراه كثيرا في المهرجانات العربية التي أحضرها، أقصد المهرجانات غير الخليجية، والناقد السوري الشاعر فجر يعقوب، وطبعا الناقد الأردني الكبير عدنان مدانات الذي لم أره منذ أن قابلته آخر مرة في أحد مهرجانات المغرب قبل نحو 17 عاما!
وقابلت الناقد الأردني الصديق ناجح حسن، وهو يدوم على المهرجانات العربية، وقد بادرني عندما رآني بضرورة حضور هذه المهرجانات، فلما أبديت بعض التحفظ استطرد قائلا "لكي نراك أساسا"!
هنا أيضا الصديق أحمد الحسني مدير مهرجان تطوان السينمائي، والصحفي طارق الشناوي، والصحفي وائل عبد الفتاح ومن السينمائيين الذين أرتبط بصداقات والموجودين هنا أيضا معهم محمد خان عضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية، ويسري نصر الله الذي يرأس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، وأسامة فوزي (الذي سيعرض فيلمه "بالألوان الطبيعية" بعد يومين، في عرضه العالمي الأول بعد أن انتهى من استكماله أخيرا)، والمخرج الفلسطيني الصديق رشيد مشهراوي (عضو لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية). وهنا أيضا الممثل البارز محمود حميدة، وطبعا كل أو معظم المثلين والممثلات في فيلم "هليوبوليس" (حنان مطاوع وهي ممثل رائعة لم تحصل بعد على فرصتها للوصول للنجومية)، وخالد أبو النجا، والممثلة الناشئة يسرى اللوزي (التي تحتاج بالتأكيد إلى تدريبات على الأداء الصوتي)، وغيرهم وغيرهن.
* وبمناسبة لجان التحكيم من ضمن ما يؤخذ على هذا المهرجان، وما أجده شخصيا أمرا شاذا ومثيرا للاستنكار أن تخلو لجان التحكيم الثلاث في المهرجان (الروائية الطويلة، والوثائقية الطويلة، والأفلام القصيرة) من النقاد السينمائيين تماما، كما لو كان نقاد السينما قد أصبحوا أعداء للسينما، في حين أن النقاد هم الأكثر قدرة في الحكم على الأفلام من الممثلين والممثلات بل وإحداث نوع من التوازن داخل لجان التحكيم لأنهم لا ينحازون إلى أسلوب سينمائي معين (أو هذا ما يفترض أساسا) بل ينحازون للأفلام الجيدة بغض النظر عن أسلوب الإخراج.
والأمر الآخر الأشد غرابة أن تضم لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية الممثلة هند صبري التي لا يعرف لها أي اهتمام أو ساق خبرة، لا بممارسة نقد وتحليل الأفلام الوثائقية أو صنعها، فكيف يمكن أن تحكم ممثلة على أفلام وثائقية أو تسجيلية. إنها المرة الأولى على حد علمي الشخصي، التي أرى فيها شيئا شاذا كهذا، بل وأضيف أيضا أن هند صبري قد لا تكون قادرة على الحكم على الإخراج في فيلم سينمائي بحكم النظرة الضيقة التي تنظر بها أي ممثلة عادة إلى الفيلم فهي عادة تقف أمام الكاميرا للقيام بدورها في سياق ربما سيقوم المخرج يتغييره وتعديله وإعادة توليفه على طاولة المونتاج.
أحمد عبد الله وخالد أبو النجا أثناء تصوير فيلم "هليوبوليس"

ومن ناحية أخرى تضم لجنة تحكيم الأفلام القصيرة الممثلة منة شلبي التي لا أعرف أيضا كيف يمكنها أن تحكم على هذه الأفلام بخبرتها المحدودة في العمل السينمائي عموما. ورأيي أنه إذا كان ولابد أن تضم لجان التحكيم ممثلين أو ممثلات للحكم على مستوى التمثيل في الأفلام المتنافسة فيجب أن تكون تلك الأسماء من الممثلين أصحاب الخبرة الطويلة في التمثيل، وليس من ممثلات شابات ناشئات مهما كان اعجابنا الشخصي بهن!
* شاهدت فيلم "الليل الطويل" السوري لحاتم علي، وهو دراما ثقيلة عن الاعتقال السياسي في سورية ولاشك في جرأته الفكرية، وشاهدت فيلم "هليوبوليس" المصري للمخرج الشاب أحمد عبد الله، وهو تجربة جديدة من تجارب "السينما المستقلة"، وطبعا يجمع بين الفيلمين أنهما صورا بكاميرا الديجيتال ثم جرى تحويلهما إلى شريطين سينمائيين. وقد توجهت بسؤال خلال المؤتمر الصحفي لفيلم "هليوبوليس" بعد ظهر اليوم إلى مخرج ومنتج الفيلم حول ما اذا كانت هناك أصلا "ضرورة" فنية وإنتاجية لتصوير الفيلم بكاميرا الديجيتال (الرقمية) فكان رأي المخرج أن طبيعة الموضوع الذي صور في حي مصر الجديدة بالقاهرة، في شوارع تمتليء بالرحكة والبشر، كانت تفرض الاستعانة بكاميرا صغيرة من نوع الديجيتال، وأضاف أن التكلفة الكلية للفيلم قلت بشكل واضح أي أن استخدام هذه الكاميرا أدى إلى تقليل التكلفة، في حين قال المنتج شريف مندور (صاحب تجربة انتاج فيلم "عين شمس") إن التصوير بكاميرا الديجيتال لم يقلل كثيرا من التكلفة إذا أخذنا في الاعتبار التكاليف الكبيرة التي تنفق لتحويل الفيلم إلى شريط سينما. ولكنه أوضح أنه والمخرج، ناقشا الأمر في البداية وكان القرار أن تستخدم كاميرا الديجيتال لأسباب فنية تماما وأساسا.
* وقد شاهدنا أيضا فيلم "كاريوكا" التسجيلي المنتظر للمخرجة نبيهة لطفي التي لم تقدم أفلاما منذ أكثر من عقد من الزمان، وفيلم "ما هتفت لغيرها" لمحمد سويد، وسنعود فيما بعد لتناول كل هذه الأفلام بالنقد والتحليل.
أخيرا، وعلى العكس من تقارير صحفية كثيرة في الماضي، تحدثت عن عدم وجود جمهور للأفلام في مهرجان أبو ظبي، أشهد أن الجمهور موجود، ويقبل على معظم العروض بل إن الأفلام الوثائقية أيضا لها جمهورها، وقد شاهدت أفلاما خارج قصر الإمارات (المقر الرسمي للعروض) في المجمع السينمائي بسيني ستار مثلا ووجدت إقبالا، بل وقابلت اثنين من الأصدقاء اللذين يأتيان يوميا خصيصا من دبي لمشاهد الأفلام والعودة في آخر الليل.. غير الطويل!
وللحديث بقية بالطبع.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger