السبت، 12 يناير 2019

مفارقات في التاريخ






لم أفهم أبدا مواقف بعض أصدقائي المثقفين من الأحداث السياسية ولم أستوعب أبدا أن يكون للمرء موقفان، واحد معلن والثاني سري أو جاهز للإعلان عندما يقتضي الأمر أو عندما تقتضي الظروف وتسمح.

كان هذا على سبيل المثال موقف الكثير من "المثقفين" من ثورة يناير 2011 في مصر التي بدأها شباب لا ينتمي لكتل أو تنظيمات سياسية، وكانت شعاراتهم بسيطة للغاية، فقد كانوا يطالبون بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. ولم يكن هؤلاء الشباب سوى تعبير عن الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري، بل ربما كانوا في مطالبتهم بـ "الخبز" تحديدا يطالبون به لغيرهم من سواد الشعب، فهم من أبناء الطبقة الميسورة الذين تلقوا تعليما عاليا وكانوا في معظمهم يشغلون مناصب ومواقع مرموقة أي لم يكونوا يعانون أساسا من ضيق ذات اليد، لذلك كانت مطالبهم الأخرى استكمالا لمطلب العيش أو الخبز، تتعلق بالحرية والكرامة وهي من أوليات حقوق الإنسان.

وعندما كانت الصورة تعكس انتصار الثورة وتشير إلى أن التغيير قادم لا محالة، اتخذ عدد من المثقفين مواقف مؤيدة للثورة ومنحازة لمن قاموا بها بعد أن كانوا يشككون ويتشككون فيها، بل وهناك البعض منهم أدانوا أنفسهم وعبروا عن شعورهم بالخزي والعار أمام هؤلاء الشباب الذين كشفت مواجهتهم البطولية مبادرتهم بإعلان الغضب، عن تخاذل وضعف الكثير من المثقفين الذين رضخوا وروجوا طويلا للخضوع للسلطة.

وعندما بدا أن جماعة الإخوان المسلمين توشك أن تقفز على السلطة في ظروف مريبة عجيبة أثارت الكثير من التساؤلات، كتبت وقتها مرارا وتكرارا على مدونتي الخاصة، أحذر من احتمال أن تنتهي الثورة لصالح قوة رجعية معادية للتاريخ مثل الاخوان المسلمين. وفي فترة الغموض والاضطراب التي جاءت بعد رحيل مبارك، تحدثت عبر شاشة قناة محسوبة على تيار إسلامي في لندن، وفندت أكاذيب الاخوان ومزاعمهم مما أحرج المذيع الذي استضافني في برنامجه، وكان لعودتي للظهور فيما بعد ونقدي الشديد لفكر الإخوان، سببا في إلغاء البرنامج.

وقد توقفت أمام مشهد "هبوط" يوسف القرضاوي الزعيم الروحي للإخوان، على منصة الخطابة في ميدان التحرير فيما عرف بـ "جمعة النصر" وهو ما شبهته بعودة الخميني من باريس إلى طهران وركوبه الثورة الإيرانية.

وأسعدني أن يتفق معي في هذا الحدث، محمد حسنين هيكل الذي استخدم نفس الوصف في مقابلة أجراها معه محمود سعد في التليفزيون المصري (بتاريخ 20 فبراير 2011)، لكن ما كان صادما بالنسبة لي هو موقف الصديق الناقد الراحل سمير فريد الذي لم أفهمه أبدا، فقد كتب مقالا في "المصري اليوم" بتاريخ 19 فبراير 2011، تحت عنوان "القرضاوي في إحدى أعظم خطب العصر الحديث يؤكد استمرار الثورة" قال فيه:

"خطبة القرضاوي في ميدان التحرير، أمس، أمام ما يقرب من ثلاثة ملايين مصري في احتفال جمعة النصر، من النصوص التي يجب أن تدرس للطلبة والطالبات مع استئناف الدراسة في المدارس والجامعات بعد نجاح الثورة". ثم مضى يقول:

"كم ابتذل تعبير "خطاب تاريخي"، حيث أطلق على أي كلام فارغ يردده أي ديكتاتور يحكم بالقوة المسلحة ضد إرادة الشعب، ولكن ها هو خطاب القرضاوي يعيد المعنى الحقيقي لعبارة "الخطاب التاريخي"، بل إنه من أعظم الخطابات في العصر الحديث، في مصر والعالم، مثل خطاب مارتن لوثر كينج في أمريكا "لدىّ حلم"، ومن قبله خطاب غاندي في الهند، ومن بعده خطاب مانديلا في جنوب أفريقيا".

ولم يكن أمامي سوى أن أتذرع بالصمت، ولم يكن لدى سمير ما يقوله بعدما أسفر القرضاوي وجماعته عن وجوههم القبيحة. وكنت أعلم جيدا أن للتاريخ أكثر من وجه، ومن وجوهه الظالمة أن يصبح أشد أعداء الإخوان، "محسوبا على الإخوان" كما روج بعض المنتفعين والمرتزقة فيما بعد. وهو موضوع يطول فيه الحديث!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com