لا أظن أننا ينبغي أن نحاسب أي فيلم على مدى قربه من "الواقع" كما نعرفه، فالفيلم الروائي- الدرامي- القصصي، هو أساسا، عمل "خيالي" أو "متخيل" أي أنه لا يعيد خلق وتجسيد الواقع، بل يقدم فقط صورة للواقع كما يتخيله الفنان، المؤلف، المخرج، صانع الفيلم. وقد تصدمنا الصورة التي يقدمها أو لا تعجبنا، لكن الحكم عليها وعلى مدى إخلاصها "للواقع" يجب أن يكون مبنيا على "الصدق"، وعلى قدرتها على الإقناع، وعلى الجمال أيضا.. فمن الممكن أن يلتصق صانع العمل بقدر ما يمكنه، بصورة في الواقع سبق له أن شاهدها بعينيه أو حدثا رآه يحدث أمامه، أو شخصية عايشها بنفسه.. وغير ذلك. لكنه عندما يقدمها في فيلمه فهو يعيد تقديمها كما استقبلها هو أي من زاوية ذاتية مهما زعمت الموضوعية، والمهم عند الحكم عليها أن تكون مقنعة لنا كمشاهدين ومستقبلين ومحللين للعمل. كما أن المهم أن تكون المعالجة أو تقديم الصورة المتخيلة للواقع، فيها نوع من الجمال، الإبداع، الخلق، فالفيلم أساسا هو عمل فني إبداعي وليس وصفة طبية. وأي سينمائي يزعم أنه يقدم "الواقع" كما هو، يكذب على نفسه، فهو يقدم ما يتخيله هو سينمائيا من الواقع أو عن الواقع، فللفيلم، أي فيلم، واقعه الخاص، فهو واقع سينمائي يرتبط بزاوية التصور، باللون، بالحركة داخل الكادر، بخلفية الصورة والديكور، بطريقة الأداء التمثيلي، بعلاقة اللقطات ببعضها البعض، بالتحكم في الزمن.. وغير ذلك من العوامل.
وقد لا يكون هذا القول جديدا، لكن من الواجب استعادته وتذكره لكي نتفادى مطالبة أي صانع فيلم بما "يجب" أن يقدمه، أو نفرض عليه من الخارج رؤيتنا نحن للواقع طبقا لتجربتنا الشخصية في الحياة، ولكن هل معنى هذا أنه لا توجد أدوات محددة نقيس بها جودة الفيلم؟ نعم لكنها لا تخرج عما ذكرته، أي الصدق والإقناع والجمال. أي توظيف عناصر السينما من أجل تحقيق هذه الغايات الثلاث. والمرء يظل في حالة مراجعة مع نفسه باستمرار.

