الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

عن التسجيلي والريبورتاج والسياسة




أمير العمري


نقلا عن "الجزيرة الوثائقية"



لاشك أن تطور صناعة الكاميرات الرقمية الصغيرة، محدودة التكاليف، شجعت، ولاتزال، الكثير من الراغبين في التعبير عن مواقفهم السياسية من خلال "أفلام" يصورونها، دون تكاليف كبيرة، على صنع هذا النوع من "الوثائقيات" أو الأعمال التوثيقية التي تعتمد في معظم الأحوال، على الجهود الذاتية.
ولعل هذا هو سر ذلك الزحام الكبير الذي تشهده عشرات المهرجانات السينمائية حول العالم، بمئات الشرائط المصورة من خلال كاميرا "الديجيتال"، منها أفلام حقيقية يمكن بالفعل اعتبارها من الأفلام الوثائقية التي تعبر عن رؤية مبدعيها المركبة تجاه الكثير من القضايا الإنسانية والسياسية في عالمنا، إلا أن معظمها لا يزيد عن كونه أعمالا مصورة يدخل قطاع كبير منها ضمن دائرة الريبورتاج التليفزيوني ، والباقي ضمن التجارب التوثيقية التي لا تحمل أي قيمة فنية معينة.

الوعي بالوثائقي
الفرق بين الريبورتاج التليفزيوني وبين الفيلم التسجيلي أو الوثائقي، يكمن في أن الأول يركز على فكرة معينة يظل يبحث حولها، ويتظاهر بالموضوعية حينما يلجأ إلى استقصاء آراء عدد من الأشخاص يمثلون مختلف أطراف القضية، دون أن يعني هذا أنه يتخلى عن وضع كل تلك الشهادات ضمن "سياق" معين يخضع لوجهة نظر مسبقة في القضية المطروحة في معظم الأحيان.
يستخدم صانع الريبورتاج أساسا، التعليق الصوتي، سواء المباشر الموضوعي القادم من خارج العمل، ويكون في هذه الحالة هو صوت صانع العمل نفسه أو من يمثله ويعبر عنه، أوغير المباشر من خلال صوت إحدى الشخصيات التي يصورها التي تنقب في الموضوع، أو يستخدم أكثر من صوت داخل العمل بالتناوب.

يهتم الريبورتاج كثيرا بالشخصيات المتكلمة، ولا يعير الكثير من الاهتمام للغة الفيلم الوثائقي أو طرائق المونتاج المختلفة: كيف يصوغ المادة المصورة ضمن سياق فني، فالمهم هو توصيل المعنى السياسي وليس البحث عن نسق فني يصوغ من خلاله أفكاره.
الفيلم الوثائقي له شكل، بناء، خط قصصي أيضا، ومحور واضح لا يشترط أن يكون داخل سياق يدعي "الموضوعية".. بل يمكن جدا أن يكون فيلما ذاتيا، يعبر فيه المخرج عن رؤيته الخاصة أو عن ذكرياته أو مواقفه السياسية دون أن يخشى الاتهام بخيانة النوع، في حين أن الريبورتاج يتلاشى فيه الخاص لحساب العام.. تحت تصور أنه بهذا يخدم القضية!
هذه المقدمة كانت ضرورية في رأيي قبل التطرق إلى عمل عرض في الدورة السادسة من مهرجان أبوظبي السينمائي تحت عنوان "كما لو أننا نمسك بكوبرا" للمخرجة السورية المقيمة في فرنسا هالة العبد الله. وسبق لهالة أن صنعت عملا بالاشتراك مع عمار البيك يحمل أيضا عنوانا شاعريا أدبيا هو "أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها".

القضية والتعبير
هالة في فيلمها "التسجيلي" الجديد (120 دقيقة) تسعى لتقديم عمل ينتمي إلى ما يمكن أن نطق عليه فيلم "القضية" وهو ما يعيد إلى أذهاننا ما كان ينتج في الستينيات من أعمال كان يطلق عليها "السينما النضالية" أو "المنشورات السينمائية" آخذين في الاعتبار أننا لسنا هنا أمام فيلم "سينمائي" بل أمام عمل صور بكاميرا الفيديو الرقمية وليس الكاميرا السينمائية، والفرق لايزال كبيرا بين النوعين في رأي كاتب هذا المقال!
إغواء التصوير بالديجيتال يتمثل في الوقوع في التقاط الكثير من اللقطات للشوارع والمحيط الذي يجري فيه التصوير، لا تضيف شيئا إلى العمل نفسه، كما يغوي أيضا بتحريك الكاميرا بضرورة أو دون أي ضرورة على الإطلاق أحيانا. ولا يهتم صانع فيلم الديجيتال كثيرا بالإضاءة بل لا يهتم بها في معظم الأحيان، ولا يهمه كثيرا جماليات الصورة السينمائية (أو ما يطلق عليه البعض "الكادر" السينمائي) أي مكوناتها التشكيلية ناهيك عن الإهمال التام لما يعرف بـ"عمق المجال" في الصورة وهو من أهم خصائص فن السينما أو الفيلم!


حالة ثورية
"كما لو اننا نمسك بكوبرا" (من إنتاج مشترك بين الإمارات وفرنسا) عمل تطمح مخرجته هالة العبد الله إلى التعبير عن تلك "الحالة" الثورية القائمة حاليا في كل من سورية ومصر، من خلال إظهار عدد من رسامي الكاريكاتير الذين يعبرون في رسوماتهم عن الثورة وعن غضب الشعوب، لكن الملحوظة الأولى التي تلفت النظر هنا تتمثل في سوء اختيار معظم هؤلاء الرسامين، بل وإغفال عرض رسوماتهم وكيف تعكس الثورة، اكتفاء بتصويرهم وهم يتحدثون عن العلاقة بين النقد السياسي وفن الكاريكاتير.

أهم من يظهر من الجانب السوري في الفيلم الرسام المعروف علي فرزات الذي اعتدى عليه قبل فترة من عملاء النظام السوري، ومن مصر الرسام محيي الدين اللباد قبيل وفاته، وهو ما لم أر له ضرورة لأن الرجل ظهر وهو في حالة من الضعف لا تسمح له بالحدث فبدا مثيرا للشفقة كثيرا، لكنها أرادت إطهاره كملهم ومعلم لأجيال الجديدة من الرسامين الذين كظهر بعضهم في العمل.


وتظهر رسامة مصري شابة تبدو متزمتة دينيا واجتماعيا، لكنها مع الثورة سياسيا دون ان تتوقف المخرجة مثلا أمام هذا التناقض الخطير الذي أصبح يصبغ شكل الحياة في مصر اليوم!
ويظهر الرسام فرزات متحدثا عن تجربته من خلال نظام التخاطب "سكايب" أي عبر شاشة الكومبيوتر لأن المخرجة لم تستطع التصوير في سورية. كما تظهر الكاتبة السورية سحر يزبك لتحتل المساحة الأكبر من الفيلم في الحديث حول الكثير من الجوانب النظرية حول السخرية والمبالغة في الأدب العربي، وتتطرق كثيرا الى الرقابة وما تقوم به من محاولة قمع حرية التعبير في سياق كلامي يختلط فيه المطلق بالنسبي، والعام الذي يبتعد كثيرا عن موضوع العمل، بالخاص الذي يرتبط بتجربتها هي الخاصة في الاعتقال بسبب آرائها ثم قرارها بمغادرة البلاد إلى الخارج وكأن هذا هو الحل!

فقر الصورة
يعاني العمل من فقر الصورة إلى درجة كبيرة واضحة، ومن غياب الخط القصصي، والبناء المحكم الذي يملك إيقاعه الداخلي الخاص، كما يعاني من افتقاد شخصيات الرسامين الذين يظهرون- خصوصا من مصر، إلى أي نوع من "الكاريزما" الشخصية أو التألق الفني، بل تركز المخرجة عليهم وهم يجلسون على مقاعد في المقاهي العامة يدخنون الشيشة كما لو كانت تقول إن تدخين الششيشة هي مصدر الإلهام الفني لديهم!
يمتليء العمل بالكثير من الحكي والكلام والأحاديث التي يتم تقطقعها ودمجها معا بعيدا عن أي سياق فني محدد، ومن دون أن يؤدي أحد المشاهد إلى الآخر في سلاسة ومنطق، فالانتقال هنا مزاجي تماما، من هذه الشخصية إلى تلك، ومن مصر إلى سورية أو العكس، ومن استخدام صور مباشرة إلى استخدام صور ضبابية مركبة فوق صور آخرى لمنظر طبيعي مثلا، كما في اللقطات الأخيرة لسحر يزبك، دون أن يكون هناك أي منطق فني لهذا الاختيار بل هو محض محاولة للتحلي بالتجريبية والحداثة الظاهرية!
ريبورتاج هالة العبد الله عن دور الكاريكاتير التحريضي في الثورة غير مكتمل بل ويعاني من الفقر الشديد في المادة المصورة التي يمكن أن تعكس قوة الكاريكاتير وكيف يمكنه أن يكون استفزازيا للسلطات كما يتردد كثيرا في الفيلم على ألسنة من يتحدثون، دون أن نرى ذلك على أرضية الواقع.
لهذا كله لا أظن أن هذا العمل سيضيف الكثير إلى وثائقيات الربيع العربي!

الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

مهرجان طهران السينمائي للأفلام القصيرة





أمير العمري- طهران



هذه هي المرة الثانية التي أشارك فيها في عضوية لجنة التحكيم بمهرجان طهران السينمائي للأفلام القصيرة الذي يقام سنويا ويعرض أكثر من 400 فيلم من الأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الرسوم (التحريك) وما يسمى بـ"الأفلام التجريبية".
افتتح المهرجان يوم الإثنين الأول من أكتوبر ويستمر حتى 8 أكتوبر ويعرض أيضا من خلال المسابقات الوطنية للأفلام الإيرانية عددا كبيرا من الأفلام تصل إلى حوالي مائتي فيلم إيراني من إنتاج مختلف الجمعيات والشركات التي تكونت خصيصا لتشجيع الشباب على تصوير الأفلام والتعبير من خلال السينما.
يدير المهرجان السيد هاشم مزرخاني، وتنظم المهرجان جمعية سينما الشباب في إيران ولها نحو 16 فرعا في مدن إيرانية مختلفة، وهي تنتج سنويا أكثر نحو 1200 فيلم قصير وتجريبي وتسجيلي، وهو عدد كبير حتى بمقاييس الدول الكبرى في السينما.
إضافة إلى المسابقات العالمية ومسابقات الفيلم الإيراني، هناك قسم خاص لعرض عدد من أحدث الأفلام القصيرة من البرازيل، ومسابقة خاصة لأفلام دول آسيا الإسلامية تضم 26 فيلما وتشكلت لها لجنة تحكيم دولية (يشارك فيها كاتب هذه السطور أيضا) لمنح جائزة أفضل فيلم يعكس القيم الإسلامية.
لجنة التحكيم الدولية تكونت هذا العام من أحمد نجفي (مخرج وممثل من إيران)، ومحمد رضا إسلام (مخرج إيراني) وجوليان بليسييه (أكاديمي فرنسي)، وفرنشيسكو لوبو دي أفيلا مدير مهرجان بورتو 7 للأفلام القصيرة في البرتغال، وسوراف سارانجي وهو مخرج تسجيلي من الهند، واميليو ديلا شيسا وهو مخرج تسجيلي ومدير مهرجان نهر بورتيللو في ايطاليا، وكاتب هذه السطور.
أما لجنة تحكيم أفضل فيلم من دولة إسلامية في آسيا فتتكون من محمد رضا إسلام وأمير العمري وسفيتلانا يونوسوفا من تاترستان، وهي مديرة مهرجان سينمائي في تلك الجمهورية الصغيرة التي استقلت عن موسكو.


أفلام كثيرة
تكتظ المسابقات الدولية الأربع بعدد كبير من الأفلام، فمسابقة الأفلام التسجيلية تضم 40 فيلما من الصين واسبانيا وألمانيا وغانا والفليبين وبريطانيا والبرازيل وبولندا وكيرغستان وجمهورية التشيك والمجر وإيطاليا وأمريكا وإيران وسويسرا وفرنسا وتايوان والنرويج وفلسطين وهولندا والعراق .
الملاحظة الأساسية على هذه المسابقة بل وباقي المسابقات أنها تضم أفلاما من إنتاج السنوات الثلاث الماضية، أي أن هناك أفلاما تعود إلى عام 2009، وهو ما يعني أن المهرجان لا يبحث بالضرورة عن أحدث الأفلام بل يسعى لضم أكبر عدد ممكن من هذه الأفلام، وهي نقطة لا أظن أنها تعمل لصالحه.
هذه الملحوظة تتضح أكثر إذا ما علمنا أن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة تضم وحدها 122 فيلما بالتمام والكمال وهو ما يلقي عبئا مضاعفا على لجنة التحكيم. وتضم مسابقة أفلام التحريك 61 فيلما ومسابقة الافلام التجريبية 33 فيلما، أي أن مجموع الأفلام المتسابقة في المسابقات الأربع يبلغ  256 فيلما.
أما مسابقة الأفلام الآسيوية فتضم 45 فيلما من إيران ومصر وماليزيا والأردن وتركيا وفلسطين وكيرغستان والمغرب وسورية والعراق.
وبطبيعة الحال يأتي أكبر عدد على الإطلاق من الأفلام في كل المسابقات من الدولة المضيفة إيران. وفي مسابقة الأفلام الروائية القصيرة وحدها هناك 25 فيلما.
خلال حفل الافتتاح تم تكريم عدد ممن قدموا الكثير للسينما الايرانية من شخصيات ايرانية واجنبية، واكتفى المنظمون بالقاء الكلمات وتقديم عرض موسيقي غنائي ولكن دون عرض أي أفلام وهو أمر مستغرب في مهرجان سينمائي.

جدران سراييفو
من أفضل أفلام مسابقة الفيلم الروائي القصير فيلم "4 جدران سراييفو" للمخرج نديم جوش من تركيا. وهو يقع في 24 دقيقة، ويدور في أجواء سراييفو الواقعية تماما من حيث الصورة.. الشوارع.. أطلال البنايات.. ولكنه عبارة عن حكاية خيالية مؤثرة عن التأثير المدمر للحرب على الوعي الفردي وعلى العقل البشري. والقصة تدور حول علاقة إبن بأبيه المقعد الذي فقد زوجته وابنته في حادث انفجار قنبلة في ساحة سوق سراييفو اثناء الحرب التي دارت هناك في منتصف التسعينيات، ونتجت عاهته بعد إصابته إصابة مباشرة جراء انفجار قنبلة السوق التي قضت على عدد كبير من الأبرياء.
الأب (سميل) يرقد الآن عاجزا، يعتمد في تدبير أمور حياته على ابنه الذي نجا من الموت "ميرزا"، وهو يقوم على خدمته، ويحمله لقضاء حاجته ثم يخرج للحصول على بعض الطعام لهما لنراه وهو يسير بين الأطلال والخرائب في حذر، يرتعد من فكرة التعرض لرصاصة من رصاصات القناصة. وعندما يعود بمشقة إلى الغرفة الأرضية الرطبة التي يقيم فيها مع والده يخشى أن يفتح الباب لرجل يأتي فجأة يطرق على الباب، ويؤكد على والده مرارا ألا يفتح الباب لأي إنسان فربما يكون القادم الغريب من الأعداء. لكن ميرزا يغادر ذات يوم متحسسا طريقه في رعب كعادته، ويأتي الرجل يطرق على الباب باصرار فيلقي له العجوز بالمفتاح من أسفل الباب لكي يدخل ونعرف أنه صديق قديم لسميل يدعى "معمر". يتعانق الرجلان، ويقول له الرجل إنه جاء من قبل حاملا معه بعض الطعام لكنه لم ينجح في الوصول إليه، وعندما يتطرق سميل إلى القول بأنه وابنه انتقلا للإقامة في هذه الغرفة بعد أن تهدم منزلهما في القتال، وإنها أفضل مكان للاحتماء من سقوط القنابل يقول معمر في دهشة: عن أي قنابل تتحدث وقد انتهت الحرب منذ سنتين!
لا يصدقه سميل ويعتقد أنه يمزح. لكن معمر يسأله كم مضى عليه دون أن يغادر هذه الغرفة إلى الخارج؟ فيقول له إنه لم يخرج منذ عامين ونصف العام.
يحمله صديقه ويخرج به إلى سراييفو حيث تسير الحياة الطبيعية، في حين نرى ابنه وهو يعود متلمسا طريقه في حرص بالغ كعادته، محتميا بالأشجار بين كل خطوة وأخرى.
لقد فقد الإبن عقله تماما، وأصبح أسيرا لفكرة الخوف من القناصة، ومن الموت العبثي على قارعة الطريق.
فيلم مصنوع ببراعة وفي بساطة آثرة، ودون استطرادات كثيرة.
أداء تمثلي واثق ومعبر من الممثلين الثلاثة الرئيسيين. موسيقى كلها ترقب وحذر وقلق وخوف. تصوير حساس يعرف كيف يتعامل مع الأحجام المختلفة للقطات، ومونتاج ينتقل بين اللقطات في اللحظة المناسبة. ومخرج يسيطر على مادته بحيث يوصل للمتفرج الحالة النفسية التي يريد أن يعكسها من خلال تلك الحكاية الرمزية عن أثر الحرب على العقل البشري، دون ثرثرة أو استغرق طويل في الوصف والشروح. وهذه هي طبيعة بل وجوهر الفيلم الروائي القصير، تماما مثل القصة القصيرة الناجحة الناجعة. 

الحب من أول نظرة
يعرض المهرجان أيضا فيلما روائيا قصيرا آخر يدور في أجواء سراييفو ولكن في الوقت الراهن بعد أن انتهت الحرب: هنا نرى من خلال هذا الفيلم "الحب من أول نظرة" (14 دقيقة) للمخرج البريطاني مارك بلاين، شوارع سراييفو الضيقة المرصوفة بالأحجار. المنازل المتلاصقة، نساء عجائز يذرعن الطرقات الصغيرة. شاب أسمر غريب يهبط إلى المدينة، يتجه إلى مسكن استأجره، يلمح جارته الحسناء في شرفة المنزل المقابل، يقع في غرامها على الفور.
يحاول الشاب أن يلفت نظر الفتاة الجميلة، لكنها لا تنتبه إلى وجوده. يبتكر حيلة بعد أخرى لكي يلفت نظرها لكنها ليست هنا، إلى أن يرى ذات يوم رجلا يدخل إلى الشرفة حيث تقف الفتاة ويجذبها للداخل في حب.
صدمة الشاب تدفعه للهرب إلى الخيال.. إلى أحلام اليقظة. في المقهى بينما يتناول قهوته. يغمض عينيه ويتخيل الفتاة تدخل للمقهى وتسير ببطء في اتجاهه وتجلس إلى جواره. تمد يدها في بطء شديد وتلمس يده. لكن الواقع أقوى من الخيال، تنتقل الكاميرا إلى مسكن الشاب حيث الورقة التي رسم فيها صورة تعبر عن اعجابه بالفتاة وأراد إرسالها إليها في الماضي القريب غير أنه لم يفعل. الورقة تطيروتسقط من النافذة، تلتقطها امرأة عجوز تقوم بتنظيف الشارع في أسفل. تتطلع المرأة إلى الصورة المعبرة، تبتسم وتتطلع إلى شرفة في الأعلى، تلمح رجلال يراها ويرى الصورة ويبتسم. تعتقد أنه هو مرسلها. هو أيضا لا يمانع من أن تفهم هي إعجابه بها. يبتسم الإثنان لبعضهما البعض. ربما يكون هذا هو الحب من أول نظرة، وينتهي فيلم آثر في خياله وفي قدرة مخرجه على التعبير من دون كلمة حوار واحدة.
هذا فيلم يعتمد أساسا، على التعبير بالصورة، من خلال حجم اللقطات، الانتقال السلس من لقطة إلى أخرى، الموسيقى الناعمة التي تصاحب الصورة، وتعكس القلق والرغبة في التواصل مع التردد، والحب الفياض العاجز عن التحقق، التكوينات التشكيلية المعبرة والاهتمام الكبير بالخلفية وبعمق المجال، والانتقال بين الحركة العادية والحركة الناعمة البطيئة، ومن اللقطات القريبة (كلوز أب) التي تعكس فوران المشاعر، إلى اللقطات البعيدة أو المتوسطة العامة التي توضح التناقض بين موقفي كل من الشاب والفتاة، وحركة الكاميرا التي تهبط تدريجيا وببطء لكي تتوقف على وجه المرأة وهي تلتقط الرسالة السحرية.
الفيلم أيضا من تلك التي سبق لها الحصول على عدد من الجوائز وربما يحصل أيضا على جائزة في مهرجان طهران السينمائي للأفلام القصيرة.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com