الأحد، 28 أغسطس، 2011

مرة أخرى: عن السرقة والجهل وأشياء أخرى!


جان لوك جودار


السرقات السينمائية مستمرة على أشدها، بل لعلها زادت في حدتها ووتيرتها بعد أن وقع عدد كبير من السينمائيين والنقاد قبل نحوعامين، بيانا ضد السرقات ووقع معهم بكل أسف، عدد من اشباه النقاد والمدعين والذين ثبت فيما بعد أنهم هم أنفسهم من أكبر اللصوص الذين يسرقون بانتظام وبلا أي نوع من التردد أو الخجل، فهم أناس عديمو الشرف أصلا فكيف يخجل من يسرق ويعرف أنه يسرق أفكار وجهود الآخرين ويضع اسمه عليها!

آخر هذه الحوادث اللصوصية هو ما نبهني إليه قاريء أرسل الي رسالة نشرتها في هذه المدونة، تتعلق بسرقة مقال لي ووضعه في كتاب أصدره هذا السارق عن يوسف شاهين. وفي اليوم التالي اكتشفت أن صحفيا لبنانيا من الذين لا يعرفون اللغة الانجليزية سطا على جانب من موضوع ترجمه محررو موقع "عين على السينما" عن السينمائي الفرنسي الأشهر جان لوك جودار، وكان يحمل عنوان "جودار يعثر على حل "منطقي" للأزمة المالية الأوروبية!" وهو موضوع مترجم ضمن قسم "السينما في الصحافة الأجنبية" عن صحيفة "الجارديان" البريطانية. ولكن لأن الصحفي اللص (وكان بالمناسبة أحد المتحمسين للتوقيع على بيان ادانة السرقات السينمائية قبل نحو عامين!) لا يعرف أيا من الصحف البريطانية ولم يكن هو الذي عثر على الموضوع أو قرأه أو ترجمه بل اكتفى بنقل ما قرأه في الموقع المشار اليه، فقد اختلط عليه الأمر فكتب أن المقال منشور في صحيفة "الاندبندنت".

وبعد ذلك نقل حرفيا جانبا مما ورد في المقال المترجم، وذلك دون أي إشارة الى المصدر الذي نقل عنه، فهذا النوع من اللصوص المنتشرين بشدة حولنا، هم من النوع الذي لا يتحلى أصلا بفضيلة التواضع، أي أنه لا يعرف كيف يقول إنه لا يعرف وإنه ينقل عن مصدر هو كذا أو كذا، ولذلك فقد أصبح كل ما يكتبه هذا الصحفي عن الأفلام التي يشاهدها في المهرجانات السينمائية، محل شك كبير.

وأنا على ثقة من أننا لو بحثنا وراء كتاباته الغزيرة، لوجدنا الكثير منقولا بالحرف من الصحف الفرنسية (فهو يعرف بعض الفرنسية بالتأكيد)، كما أن ما يقوم به من مقابلات مع عدد من السينمائيين، يمكن جدا أن يكون خليطا من أحاديث مباشرة مقتصدة أجراها مع هذه الشخصية أو تلك، وبعض الترجمات "الرشيقة" أي المسروقة من صحف فرنسية دون أي خجل أو رادع.

والمؤسف بالطبع أن ناقدا زميلا أعاد نشر ما كتبه هذا الصحفي "الرشيق جدا" في مدونته دون أن ينتبه لأن نفس المادة (بالحرف الواحد) سبق أن وردت في الموضوع المنشور في "عين على السينما". وقد نشرها هو تحت عنوان "حلّ غودار للأزمة اليونانية: ماذا لو أعطيناهم عشرة أورو كلما استعملنا كلمة "اذاً"!

وكنت قد توقفت بسبب انشغالي عن مطالعة كل أنواع المدونات السينمائية لا لسبب سوى لضيق الوقت، إلى أن نبهني صديق أخيرا الى ذلك "التوارد" الخاص جدا في الخواطر كما علق هو ساخرا بالطبع، ففتحت وقرأت ووجدت وتعجبت.. ولكني على ثقة من أن ما خفي كان أعظم.. ولنا عودة الى الموضوع نفسه!

الجمعة، 19 أغسطس، 2011

في الطريق إلى الدورة الجديدة لمهرجان فينيسيا السينمائي




أمير العمري


مرت الآن خمسة وعشرون عاما بالتمام والكمال على بداية ترددي على مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي فقد كانت المرة الأولى التي أذهب فيها الى هذا المهرجان العريق الذي يعد الأول من نوعه في العالم، عام 1986.

كانت الكتابة عن السينما والأفلام والمهرجانات السينمائية في ذلك الزمن، تجد من يهتم بها من رؤساء التحرير في الصحف العربية، وكانت مقالاتنا ورسائلنا التي نبعث بها من المهرجانات تجد اهتماما كبيرا. كنت أقيم وأعمل وقتها في لندن التي قدمت للعيش فيها في مارس 1984.

أما اليوم، في عصر القنوات التليفزيونية التي تتوالد بغزارة، ولا تهتم سوى بنوع واحد فقط من البرامج هي البرامح الحوارية المسماة "التووك شو"، فلم يعد أحد يهتم بالنقد السينمائي في الصحف أو بالتغطيات النقدية المكثفة للمهرجانات السينمائية بل أصبح الاهتمام الغالب لا يتجاوز المساحات الخبرية المحدودة، والتحقيقات التي تدور عادة حول النجوم والكواكب وما شابه ذلك.

ورغم وجود عدد من القنوات المتخصصة في السينما الا أنها تهتم في معظمها سوى بعرض الأفلام، أي باستهلاكها دون الاهتمام بتقويمها وتقويم الحركة السينمائية عموما بشكل جدي، فمعظم هذه القنوات تبث من دول ليست بها حركة سينمائية أصلا، رغم أن مهرجانات السينما أيضا أصبحت تتوالد في تلك البلدان بل في العالم العربي كله شرقه وغربه، باستثناء الفشل الجزائري المشهود في اقامة أي مهرجان أو شبه مهرجان سينمائي له أي قيمة من أي نوع بسبب سيطرة العقلية الغاشمة السلطوية على التنظيم والادارة حتى يومنا هذا بحكم سيطرة العناصر الجامدة التي تربت في أحضان تنظيم شبه فاشستي يدعى جبهة التحرير أو حزب جبهة التحرير واسمه في حد ذاته يعكس جهلا فاضحا بأوليات اللغة العربية فكلمة حزب تلغي على الفور جبهة، ومعروف ان الجبهة السياسية عادة ما تتكون من عدة أحزاب، لكن موضوع اللغة ومشاكلها عند اخواننا في الجزائر هو موضوع آخر بكل تأكيد له شجونه وآلامه ومنغصاته أيضا!
الحياة على الليدو

في فينيسيا تلتقي السينما بالطبيعة الجميلة الساحرة، بالثقافة أيضا، هنا ليست هناك سوق سينمائية مزدحمة كما في مهرجانات أخرى شهيرة مثل كان، وليست هناك عروضا أو بالأحرى، استعراضات للأزياء الفاضحة على الشاطيء، كما أن الحياة عموما أكثر بساطة ورقة وسهولة في الحركة، وإن كانت الأسعار في قمة طغيانها، بسبب ضيق رقعة الجزيرة التي يقام فيها المهرجان (الليدو) وبالتالي محدودية عدد المطاعم والفنادق بشكل عام.

لقد كان دائما ما يدهشني في فينيسيا أن المهرجان، رغم كونه يقام في جزيرة رائعة وهادئة ونظيفة، إلا أنه يقام بعيدا عن فينيسيا "السياحية" أي فينيسيا ساحة "سان ماكو" والقنوات المتعددة والقوارب الفينيسية الشهيرة التي تسير قبيل الغروب في استعراضات خاصة مبهرة حينما يرتدي ملاحوها ملابس القرون الوسطى التي اشتهرت بها تلك المقاطعة "أو الدوقية" العريقة.

كثير من ضيوف المهرجان يفضلون الاقامة، ليس في جزيرة الليدو، بل في جزيرة فينيسيا الكبيرة (سان ماركو) أولا بسبب توفر الكثير من الفنادق التي يمكن أن تكون أقل كثيرا في أسعارها عن مثيلاتها في الليدو، كما أنها توفر بالطبع فرصة للتواجد وسط الأماكن التاريخية الشهيرة، لكن المرهق في الأمر أنه يتعين في هذه الحالة على المترددين بانتظام على عروض المهرجان، الذهاب والعودة بالسفن والعبارات التي تنقل مئات الأشخاص على مدار اليوم، ويستغرق الأمر وقتا طويلا بالطبع في الانتظار والابحار ثم الاتجاه من المرفأ الى موقع اقامة المهرجان، مما يقتضيه هذا كله من جهد ووقت ومال أيضا، خاصة اذا كنت مثلي تحتاج للعودة الى الفندق مرتين يوميا!

المنشآت الجديدة
صمت المهرجان هذا العام تماما عن ذكر أي شيء يتعلق بمسار العمل في تشييد القصر الجديد الكبير للمهرجان الذي بدا العمل فيه قبل ثلاث سنوات وكان من المقرر أن يفتتح قبيل انتهاء المدة الثانية لمدير المهرجان ماركو موللر باعتباره من قمة انجازاته خلال فترة توليه مسؤولية ادارة مهرجان فينيسيا التي دامت ثماني سنوات ولا يتوقع أن يتم التجديد له في العام القادم (نحن نتكلم هنا عن نظام ديمقراطي حقيقي تواري فيه العسكريون ورجال الدين تماما عن السلطة منذ دهر وليس كما في بلادنا التي يتوقع أن تشهد صراعات دامية قد تنتهي بالغاء السينما نفسها والشطب عليها بدعوى صلاح الدين والقوامة على المجتمع!!).

غير أن القائمين على أمر مهرجان فينيسيا يبشروننا بأنهم تمكنوا من استعادة رونق وبهاء "صالة جراندا" Sala Granda التي تعد القصر التاريخي الذي يقام فيه المهرجان العريق منذ عام 1937 (نشأ المهرجان أصلا في 1932 ولم يكن يقام في الليدو). هذه الدار الرائعة التصميم هي التي تقام فيها العروض الجماهيرية الرسمية للمهرجان، وقد تمكن المعماريون الايطاليون من إعادتها الى صورتها القديمة التاريخية التي كانت عليها، بل وبنفس طريقة الاضاءة التي كانت سائدة في ذلك الزمان من "عصر السينما"!

نقاد العرب
الغريب أن النقاد والصحفيين العرب قل اهتمامهم كثيرا بمهرجان فينيسيا عاما بعد عام. وقد كان حضورهم قد بلغ قمته في الثمانينيات عندما بدأت في التردد على المهرجان. كان يحضر عبد النور خليل وحسن شاه وسمير فريد وفوزي سليمان ومحمد رضا وعبد الستار ناجي وقصي صالح الدرويش وعرفان رشيد وغسان عبد الخالق وعز الدين مبروكي وربما فوزي سليمان وسمير نصري أيضا.

 



بقى من هؤلاء سمير فريد وعرفان رشيد ومبروكي ومحمد رضا وكاتب هذه السطور، وظل اسم أو اثنان جديدان يظهران أحيانا ثم يختفيان في العام التالي!


دورة حافلة
الدورة الثامنة والستون التي ستنطلق يوم 31 أغسطس الجاري أتوقع أن تكون دورة حافلة رغم غياب الكثير من الأسماء البارزة في عالم الاخراج السينمائي من الذين اعتادوا على القدوم الى فينيسيا وصنع المهرجان أسماءهم مثل الصيني جانج ييمو نجم سينما التسعينيات بلا منازع، والبريطاني بيتر جريناواي الذي توارى عن الأنظار منذ سنوات، لكن المهرجان سيعرض الأفلام الحديثة التي أخرجها رومان بولانسكي وأبيل فيرارا ووليم فريدكين (المخرج المخضرم صاحب تحفة الستينيات "الرابطة الفرنسية") وديفيد كروننبرج وألكسندر سوكوروف وأندريا أرنولد (مخرجة حوض الأسماك) وغيرهم.



المخرج الاسرائيلي عيران كوليرين يشارك في المسابقة أيضا بفيلم جديد يقال انه استكمال لرؤيته المتخيلة في فيلمه السابق "زيارة الفرقة الموسيقية" الذي أثار اهتماما وجدلا كبيرين في العالم العربي، بل وأثار أزمة كبرى لمهرجان الشرق الأوسط (أبو ظبي) في 2007 عندما تسربت أنباء عن اعتزام المهرجان عرضه تحت ستار انه فيلم يدعو الى السلام، ثم أنكر المهرجان الخبر ونفاه تماما، بعد أن قيل أن الدعوة كانت قد وجهت بالفعل الى مخرجه الذي يتباكى بأن فيلمه يدعو للسلام، بل ووصلت وقاحته الى القول بأن فيلمه فيلم "عربي"!

ومن المقرر أن يعرض فيلم "ليس هذا فيلما" للمخرج الإيراني جعفر بناهي خارج المسابقة دون حضور بناهي الممنوع من مغادرة بلاده ويقال انه في السجن بينما يقول مخرج ايراني معارض مقيم في باريس هو نادر همايوني انه غادر السجن، وانه لم يسجن أصلا بسبب افلامه بل لأسباب تتعلق بمعارضته السياسية للنظام أي بسبب موقفه السياسي في الحياة العامة وليس السينما بوجه خاص.
ولا أفهم ما المقصود بهذا من همايوني الا أن يكون تقليلا من شأن الضجة المقامة في الغرب بشأن موقف السلطات الايرانية من بناهي والاحتفاء المبالغ فيه بأفلامه. ويقال ان فيلمه الجديد أخرجه وهو في السجن، على طريقة المخرج التركي الراحل الكبير يلماظ جوني عندما أخرج رائعته الأخيرة "يول" أو "الطريق" (1982).



لننتظر ونرى ماذا سيحدث في فينيسيا 2011.. وانتظرونا في هذا الموقع يوميا من هناك.

الثلاثاء، 9 أغسطس، 2011

فيلم "شجرة الحياة": رحلة سيريالية لاكتشاف أسرار الكون




أمير العمري




بعض الأفلام لا يمكن الاكتفاء بمشاهدتها مرة واحدة فقط للإحاطة بها وبكل ما تتضمنه من إشارات، ورموز، وإيحاءات ، ومعان، وصور، قد تبدو متعارضة أو متناقضة أو ربما توجد في سياق لا يسهل تفكيكه بصريا للوهلة الأولى، أو من المشاهدة الأولى.

من هذه الأفلام الفيلم الحائز على "السعفة الذهبية" في "كان" والذي كنا ننتظره منذ سنوات، وهو فيلم "شجرة الحياة" The Tree of Life للمخرج الأمريكي تيرنس ماليك.

وقد شاهدت الفيلم للمرة الأولى عند عرضه في مسابقة مهرجان كان السينمائي ولكني عدت لمشاهدته مرة ثانية في اليوم الأخير من أيام المهرجان حينما يعاد عرض جميع أفلام المسابقة في مواعيد محددة لمن فاته مشاهدة البعض منها. وفي المشاهدة الثانية، أمكنني أن أتأمل، وأغوص في أعماق الفيلم، وأتمكن ولو بشكل ما، من تفكيك بعض عناصره، والأهم من هذا، الاستمتاع به وبإيقاعه الموسيقي الذي يقترب من إيقاع السيمفونية بل هو أقرب الى البناء السيمفوني ولكنه هنا، بناء بصري، مركب بدقة وبحيث يعبر عما يدور داخل عقل وقلب ووجدان ذلك السينمائي الأشهر الذي لم يخرج سوى خمسة أفلام فقط خلال ما يقرب من 40 عاما، وهذا الفيلم هو خامسها.

يتعين علي الاعتراف بأن "شجرة الحياة" من الأفلام التي يطلق عليها البعض "أفلاما صعبة" أي مركبة في بنائها ودلالاتها، فليس من الممكن قراءة واستيعاب كل ما تتضمنه من معالم وإشارات، من المستوى الأولى الخارجي، بل لابد من الغوص قليلا في أعماقها لكي يتمكن المشاهد من الاستمتاع بها.

تيرنس ماليك ليس كسائر المخرجين الأمريكيين، فهو ينتمي إلى فصيلة أورسون ويلز، أي أنه لا يخضع للمواصفات السائدة التي تفرضها ستديوهات هوليوود على المخرجين الأمريكيين وغير الأمريكيين في العمل، بل يعبر عن رؤيته الخاصة للعالم، من خلال إعادة تشكيل الأدوات التي يستخدمها في التعبير عن تلك الرؤية. هذه الرؤية تجنح عادة في كل أفلامه، إلى الميتافيزيقي والروحاني مضمونا، وتميل في "شجرة الحياة" بوضوح، إلى السيريالي شكلا.

هنا نحن أمام شخصية رئيسية هي شخصية "جاك" الذي نراه في البداية بعد أن أصبح رجلا في الخمسين من عمره أو ما يزيد، يعمل في أحد مكاتب الهندسة المعمارية في نيويورك، لكنه وهو ينشغل بالتطلع الى التصميمات الهندسية على شاشة الكومبيوتر، يسرح ببصره إلى النوافذ الزجاجية الضخمة التي تحلق على غابة ناطحات السحاب في المدينة المتوحشة، يتطلع إلى الماضي، ويعود بذاكرته إلى نشأته وهو بعد صبي، في بلدة من ولاية تكساس في خمسينيات القرن الماضي. وهكذا يعبر بنا تيرنس ماليك، من الحاضر الذي لا يعيره عادة اهتماما كبيرا ويعتبره مرادفا للتفكك والانهيار الروحي والأخلاقي والاجتماعي والإنساني، إلى الماضي الذي يعبر من خلاله في كل أفلامه السابقة، عن نزعة "ماضوية" بالمعنى الفلسفي، أي باعتبار الماضي مرادفا للبراءة، للبدايات، لتفتح الوعي على مكونات الدنيا والعالم، لطرح التساؤلات الصعبة عن معنى الوجود، ومغزى تلك الحياةعلاقة الإنسان بالطبيعة، وما يفعله بنا فراق الأحباء بالموت، بل ومغزى الموت نفسه. كل هذه المعاني لها ما يعادلها بصريا في سياق هذا الفيلم الذي قضى مخرجه نحو ست سنوات قبل أن يتمكن من الشعور بالرضا عنه، وجاء في ساعتين و18 دقيقة.




جاك يمرح مع شقيقيه في المزارع امحيطة ببيت الأسرة، ولكن ما هو أهم من الشقيقين والأكثر تأثيرا على حياة جاك وشقيقيه، هما الأب والأم، وهما شخصيتان مفصليتان في الفيلم: الأب يدعى مستر أوبريان دون أن نعرف اسمه الأول (يقوم بدوره ببراعة نادرة الممثل براد بيت ربما في أهم أدواره على الإطلاق حتى الآن).. وهو رجل حائر ممزق بين ميوله الفنية الموسيقية في الماضي التي لم تتحقق، وما يمكن أن يكون قد نتج عن ذلك من "إحباط"، وبين دوره الحقيقي الآن كموظف في شركة أو مصنع قريب للمواد الزراعية في تلك المنطقة الريفية التي تتميز بغاباتها ومزارعها الشاسعة الخلابة.

إنه يعزف على آلة الأورج، وعلى البيانو في المنزل، ويدير أسطوانة السيمفونية الرابعة لبرامز خلال العشاء، لكنه أيضا يتمتع بروح "عملية" تهتم بالبيئة حقا ولكن على أسس منفعية مباشرة، وهو يربي أولاده بطريقة خشنة، جافة، رغبة منه في تنشئتهم أقوياء. وهم لذلك يشعرون بالخوف أمامه، لكنهم يحملون له ايضا الحب: إنه شكل أقرب إلى مزيج من الاحترام والهيبة، والتقدير والعرفان والارتباط بقوة أكبر، يمكنها أن تمنح الشعور بالأمان، لكنها تفرض شروطا معينة من الانضباط السلوكي في مقابل ذلك.

أما الأم فهي على النقيض من ذلك الطابع الجاف المهيمن، إنها امرأة متدينة شديدة التعمق في تأملها الصوفي الذي يجعلها تربي أبناءها على عدم اغضاب أحد، وهي تتمتم بآيات من الأنجيل قبيل تناول الطعام. إلا أنها تصاب بصدمة هائلة، تتعرض لها الأسرة كلها أيضا، بل وتفجع بتلقي خبر وفاة ابنها الغائب، على الأرجح في الحرب الكورية، فنحن نشاهد عسكريا شابا يأتي لابلاغها بالنبأ المحزن قبل أن يختفي بسرعة.

الأم تخوض في رحلة روحية تلغي الحدود بين الواقع والخيال، اهتمامها بأبنائها يصل درجة الهوس خوفا عليهم ورقتها مبالغ بها، في التعامل معهم على النقيض من الأب (أوبريان) الذي يمثل نوعا من الرمز الذي يجمع بين القوة والجبروت والرقة، وبين الفن والروح العملية، وبين الخشونة الذكورية، والالتزام بالتقاليد الأسرية.

أما بطلنا جاك فهو ذلك المتأمل الذي نسمع صوته على مقاطع من الفيلم يروي لنا جوانب من تلك التجارب الأولية التي تركت تأثيرها القوي عليه، في حين يسحبنا تيرنس ماليك خارج هذه العائلة التي يعتبرها أصل المجتمع الدنيوي وأساسه، بعد حوالي 20 دقيقة من بداية الفيلم، في رحلة "أوديسية" سيريالية تتشكل الرؤى فيها من لقطات عديدة تتشابك وتتعاقب في تشكيلات لونية مذهلة، شديدة الجمال، تمتزج بالموسيقى الكلاسيكية فتصبح تعبيرا روحيا عن ذلك الأفق الأوسع الذي يصبح فيه العقل البشري أدنى مما يعتقد، وأقل من أن يحيط ويستوعب: تشكيلات لصور من النباتات والأشجار والسحب والمحيطات والحشرات، ولنهر يعرج على احدى ضفتيه ديناصور جريح بينما يقترب منه ديناصور آخر، صحراء قاحلة برمالها الناعمة التي تنعكس عليها أشعة الشمس الحارقة، مجموعات من الكواكب والنجوم تدور في مجراتها.. إنها عودة إلى أصل الحياة، أصل الكون، الوجود: ما الذي يجعله يستمر، ما معنى الحياة نفسها، كيف يستمر الإنسان رغم الموت، ما الذي يمكن أن يسلب الإنسان الحياة. تساؤلات غير مباشرة تدور تحت جلد الصور دون أن ترتبط بالضرروة ارتباطا "دراميا" بمسار الفيلم.

هذه اللقطات السيريالية تستغرق نحو 18 دقيقة على دفعتين، وقد استعان المخرج في تنفيذها بخبير المؤثرات البصرية الشهير دوجلاس ترومبل المسؤول عن المؤثرات المشابهة التي استخدمها ستانلي كوبريك في فيلمه الأشهر "2001.. أوديسا الفضاء" وهو ما جعل البعض يقارن بين "شجرة الحياة" وبين فيلم كوبريك، من حيث علاقة الفيلمين بعالم الميتافيريقا، وبالبحث الشاق عن أصل الوجود.

وعلى الرغم من الصور الخلابة، والاستخدامات المحسوبة بدقة لحركة الكاميرا (وهي تتحرك كثيرا في هذا الفيلم) والاختيار الدقيق لزوايا التصوير بحيث تصبح العلاقة بين الشخصيات والمكان، بين الإنسان والعالم، علاقة عضوية وثيقة ذات مغزى في السياق، ورغم أن خمسة من المونتيرين عملوا على التحكم في مسار الفيلم، وحساب الانتقالات بين مشهد وآخر، وبين التجسيد المباشر، إلا أن الفيلم يعاني من بعض الاستطرادات والتكرار خاصة في المشاهد التجريدية للطبيعة والكون، والانفجارات الكونية، كما يفتقد الفيلم الى الرابط بين ظهور جاك (شون بن) في النهاية وبين الشذرات التي شاهدناها من حياته.. إن المدخل الدرامي للفيلم، أي شخصية جاك تضيع وتضل في النهاية عندما يظهر وهو يسير على شاطيء يغوض بقدميه مرتديا بزلته الرسمية وربطة عنقه، داخل المياه مبتعدا تدريجيا دون أن نعرف علام استقر ضميره أو انتوت نيته. لكن المؤكد أنه لم يصل قط إلى اليقين.

من البديع أن نجلس لنشاهد ونتأمل كل ذلك السحر الذي يكمن في مشاهد "شجرة الحياة"، نرتد إلى أصل الخلق، وأصل الحياة، نحاول أن نفهم سر وجودنا ووجود الكون والعالم، لكن الأهم في رأيي، ولعله من أهم ما نخرج به من هذا الفيلم الكبير، أننا نخرج ونحن أكثر حبا للطبيعة ولجمال الحياة، وأكثر تقديرا وحبا للخالق العظيم الذي صنع كل هذا الجمال في الكون، وكل ذلك التوازن، في الحياة، وفي الفن أيضا!


الثلاثاء، 2 أغسطس، 2011

هذه الفاشية القادمة



إذا انتهت الثورات العظيمة بأن تأتي ببعض أشباه القرود في أمخاخهم وسحنتهم، وببعض الماضويين عبدة الفرد وليس الله العظيم، وعباد الانفراد بالرأي، والتضليل المتعمد استنادا الى المنطق الانتهازي المعروف الغاية تبرر الوسيلة، واذا كانت الغاية هي التحكم المطلق (باسم الدين) في العباد والقبض على الرقاب، وضرب وطعن واعتقال كل المخالفين في الرأي والعقيدة، وارغام المرأة على أن تصبح مسخا، وفرض طريقة واحدة للتدين يرونها الحق ودونها الباطل، كل هذه النهايات المفترضة التي تلوح لنا بشبح الفاشية، جديرة بأن تدفع كل القوى المدافعة عن الحرية إلى التسلح والاستعداد للدفاع عن الحرية ولو بالقوة وبالدم وبالسلاح، وغير ذلك لن يجدي بل سيتم ذبحها في الميادين العامة كما فعلت ميليشيات هتلر في قلب أوروبا في القرن الماضي!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2015- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com