الاثنين، 28 مارس، 2011

"زمن الترسو": فصل من كتاب "شخصيات وأفلام من عصر السينما"


((هذا فصل من كتاب "شخصيات وأفلام من عصر السينما"- تأليف امير العمري، الصادر أخيرا عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، وهو احدث كتب المؤلف)).

عرفنا السينما، عندما كنا أطفالا وصبيانا صغارا في مقتبل العمر، أنا وأبناء جيلي، في "الترسو"، أي في الجزء الأمامي من صالات دور العرض الشعبية. فقد كانت "الصالة"، أو الجزء الخلفي من دار العرض، و"البلكون"، أي الجزء العلوي منها، لا يجلس فيه عادة سوى أفراد الأسر أو الكبار الذين يترددون على السينما بمعدل معقول، وليس مثلنا نحن الذين كنا نغشاها باستمرار، أحيانا فرارا من حصص الدروس الثقيلة التي لم تكن هناك ضرورة لها من وجهة نظرنا. ورغم الانسجام الشخصي مع الدراسة بشكل عام، إلا أن هذا لا يمنع من الإحساس بوجود دروس ثقيلة على النفس في مرحلة معينة، عندما بدأت المدارس "بقرار سياسي" مثلا، في تدريس ما أطلق عليه إبان العهد الناصري "ميثاق العمل الوطني"، فقد كنا نراه مليئا بالشعارات العامة التي لا نفهمها لأننا، بكل بساطة، لم نكن نستطيع أن نلمسها في الواقع.
لم يكن هناك في ذلك الوقت، لدى أي منا، أي موقف معارض لنظام عبد الناصر، فقد كنا أصغر من أن نستطيع أصلا الحكم على ما كان يجري على الساحة السياسية، بل على العكس، كنا نحب عبد الناصر حبا شديدا جارفا، ونؤمن إيمانا لا يتزعزع بقدرته على الإتيان بالمعجزات لمصر، وكان لدينا شعور غامر بالعزة الوطنية، خصوصا عندما كنا نستمع إليه وهو يلقي خطاباته الشهيرة التي كان يردد فيها كلمات تدغدغ حواسنا، بل وتهزنا هزا، وتشعرنا أن المستقبل أمامنا، ينتظرنا، ويدخر لنا مصيرا عظيما في بلدنا، ألم يكن عبد الناصر هو صاحب المقولة الشهيرة "إن هذا الجيل جاء في موعده مع القدر". ورغم أنه كان يقصد الإشارة إلى جيله هو، الذي صنع ثورة 23 يوليو، فقد كانت العبارة تطربنا أيضا، وتوحي لنا بأنه يقصد جيلنا، الجيل الصاعد الذي غنى له عبد الحليم حافظ أغنيته الشهيرة.
كنا نشعر ونحن نستمع إلى خطابات "الزعيم" بأنه يخاطبنا شخصيا، يوجهنا، يبثنا أفكاره وأشجانه، ويدفع فينا الروح الوطنية، والرغبة في الفداء والتضحية من أجل الوطن. كان عبد الناصر، دون شك، زعيما جماهيريا يمتلك "كاريزما" خاصة، ومشروعا سياسيا طموحا، ويحلم باستعادة أمجاد العرب القديمة، لكن الأخطاء أيضا كانت كبيرة.
صحيح أننا، ونحن أطفال، كنا نعيش في زمن عبد الناصر بشموخه، لكننا كنا نعيش أيضا، أحلى سنوات الحلم من خلال السينما، فقد كنا نعيش زمن "الترسو" الذي كنت أعتبره "عالما" قائما بذاته. كان جمهوره عادة من أولاد وشباب من أبناء الطبقة العاملة، وتلاميذ المدارس من أبناء الطبقة المتوسطة، وبعض الخادمات، اللاتي كان لديهن ميل واضح إلى التردد على الأفلام العاطفية والكوميدية بوجه خاص، وأتذكر ذلك بوجه خاص، لأن واحدة من تلك الخادمات، وكانت تدعى "جمالات"، كانت تتردد على منزلنا، لأغراض التنظيف الأسبوعي وقضاء بعض الحاجيات، وكانت، وهي تعمل في تنظيف الأرضيات والسجاجيد، لا تتوقف عن سرد قصص الأفلام بالتفصيل، وكنا نستمع إليها في انبهار، فقد كانت تمثل وهي تروي، وتجيد محاكاة الممثلين والممثلات، وعندما كانت تصل إلى سرد موقف عاطفي مثير، كانت أحيانا تبكي بالفعل، ولاشك أن تأثير "جمالات" علي وأنا بعد صبي صغير، كان عظيما، فقد أثارت خيالي، وجعلتني أحب السينما، لدرجة أنني كنت أترجى أمي أن تسمح لي بالذهاب إلى السينما مع هذه المرأة التي لم نكن نعتبرها مجرد "خادمة" بل واحدة من أهل البيت. وكانت جمالات تصطحبني معها أحيانا إلى عروض الساعة الثالثة بعد الظهر، بعد أن تكون قد انتهت من أشغال البيت عندنا. وكنا نجلس في "الترسو" بطبيعة الحال، وكانت تأتي معها ببعض حبات البطاطا الساخنة الشهية، والذرة المشوي، وكان تناول هذه المأكولات داخل السينما، من أجمل وأشهى ما يمكن ونحن نشاهد أفلاما مثل "شارع الحب" و"البنات والصيف". وكنت أفاجأ بأن هذه المرأة معروفة جيدا للكثير من رواد الترسو في دور العرض الشعبية التي كنا نتردد عليها، وكان الكثيرون يلقون إليها بالتحية، وكانت نموذجا مجسدا لبنت البلد التي تتميز بـ"الجدعنة" والذكاء وخفة الظل، ولم تكن متزوجة، وكانت بالتالي مطمع الكثير من الرجال، ومنهم من كان يعرض عليها الزواج بمنتهى البساطة، بشكل عابر عندما يرونها في دار السينما، وكانت هي تضحك وترد بنوع من الدلال قائلة "ده بُعدك"!
كان طعم "الترسو" يختلف بالطبع تماما، عن عالم "الصالة" و"البلكون" حيث كنت أتردد عادة في صحبة الأسرة في أوقات أخرى. ولازلت أتذكر أن من أوائل الأفلام التي شاهدتها وأنا طفل صغير، فيلم "غزل البنات". وكان يسبق الفيلم بث أغنية "عاشق الروح" تلك الملحمة الغنائية الرائعة التي تألق فيها محمد عبد الوهاب، واتضح فيما بعد، أي بعد مشاهدة الفيلم، أن عبد الوهاب كان يظهر بنفسه في الفيلم لكي يغني تلك الأغنية العبقرية الفريدة في موسيقاها (الشبيهة بالموسيقى الأوبرالية) باستخدامه المميز للكورس الذي يردد خلفه، وكانت مشاهدة عبد الوهاب للمرة الأولى على الشاشة في عمر مبكر جدا، أمرا خارقا من وجهة نظر طفل صغير. ولم أكن قد لحقت بالطبع بأفلام عبد الوهاب الغنائية الشهيرة التي قام ببطولتها وعرضت في الثلاثينيات والأربعينيات مثل "الوردة البيضاء" و"رصاصة في القلب" و"يوم سعيد" وغيرها من الأفلام التي لا تنسى أبدا، والتي شاهدتها مرات ومرات بعد أن بدأ التليفزيون فيما بعد، يعرضها باستمرار من وقت إلى آخر.


أما أكثر الأفلام جاذبية لجمهور الترسو فكانت تلك التي يقوم ببطولتها "ملك الترسو" بلا منازع، فريد شوقي. وكنا نستمتع أكثر وأكثر، عندما يكون أمامه في دور الشرير، الممثل الفذ محمود المليجي. والغريب أننا كنا نحب محمود المليجي كثيرا جدا رغم أنه كان يقوم عادة، بأدوار الشرير: القاتل والمخادع والمحتال. وكان جمهور الترسو، عموما، يحبه ويحترمه. وقد فكرت طويلا في السبب، وتوقفت أمام هذه الظاهرة الغريبة التي لم تكن معتادة، ففي العادة كان الجمهور، ولايزال، يتماثل مع البطل: المظلوم، المضطهد، الطيب القلب، الشجاع، الذي يعول أسرة، أو يبحث عن المال لإجراء عملية جراحية تنقذ ابنته الصغيرة من العجز أو المرض العضال، وقد تُورطه ظروفه وتجعله يقع ضحية لعصابة من الأشرار (يكون زعيمها بالضرورة هو محمود المليجي). وكان يقوم بدور البطل في الغالب، فريد شوقي، أو شكري سرحان.

أما أن يتعاطف الجمهور مع البطل، وفي الوقت نفسه ينظر بإعجاب إلى "الشرير" الذي يمثله محمود المليجي تحديدا، فهو أمر يستحق أن نفهمه. وما توصلت إليه هو أن جمهور "الترسو" كان يذهب إلى السينما لكي "يتفرج" على "فريد شوقي" و"محمود المليجي"، أي على هذين الممثلين العملاقين وهما يؤديان، أو يشخصان، أو يقومان بدورين، ويعرف الجمهور مسبقا أنهما "يمثلان"، أو يتقمصان دوريهما على الشاشة، كما لو كانا يشتركان معا في "لعبة" مسلية، يثق الجمهور أيضا في أنها ستنتهي بانتصار البطل الطيب على المجرم الشرير. ورغم هذا، كنا في "الترسو"، نشعر دائما بالإثارة والترقب، بل وننفجر أيضا في عاصفة من التصفيق عندما يقوم البطل بضرب الشرير ويتغلب عليه، أو عندما يتمكن البطل من إنقاذ ابنه الذي اختطفته العصابة، أو تخليص حبيبته من بين أيدي رجال زعيم العصابة، بينما كنا نستاء عندما تحضر الشرطة، كالعادة، في اللحظة الأخيرة، لكي تقبض على المجرم وأفراد عصابته، فقد كان ما تفعله الشرطة بالنسبة لنا نحن جمهور الترسو، نوعا من "تحصيل الحاصل"، في حين أن "البطل" أو "الشجيع"، أو تحديدا فريد شوقي (وحش الشاشة) يكون قد قام بالواجب كله على أكمل وجه قبل وصول الشرطة.

كان أساس الإعجاب هنا، أننا كنا نشاهد عرضا ممتعا. صحيح أننا نندمج مع أبطاله، لكننا نعلم مسبقا أننا سنشاهد "المليجي" وهو يلعب لعبة جديدة يتظاهر فيها بالشر، وأننا سنرى فريد شوقي يمثل علينا دور البطل الخارق الذي ينهض من العدم لكي يستعيد حيويته وطاقته، ويستعين بالله (كان كثيرا ما يردد لازمة كلامية شهيرة هي "ياقوة الله..." قبل أن يسدد ضربة موجعة إلى عدوه الشرير)، أو يحاول في البداية التظاهر بأنه رجل لا يريد اللجوء للأذى والعنف عندما يرمي خصمه بنظرة تحذير فيها الكثير من الطيبة والوداعة، ويقول له "الطيب أحسن"، ثم يعاجله بلكمة قوية تسقطه أرضا، أو وهو يحلف بـ"شرف أمه" أنه سينتقم من الأشرار، أو يردد القسم ذاته قبل أن يقوم بعملية غير قانونية، كأن يشترك مع العصابة في عملية سطو مثلا ويتعهد لهم بأنه سيحرص على نجاح العملية "بشرف أمه"، في حين نعرف نحن جمهور الترسو أنه يضحك عليهم بالطبع، وأن موضوع "شرف أمه" مجرد عبارة لا معنى لها في الواقع، مجرد خدعة. وقد اشتهر فريد شوقي أيضا بعبارته الشهيرة التي كان يوجهها إلى الشرير في الكثير من أفلامه الشعبية وهي: تصدق وتآمن بالله يامعلم؟ فيرد المعلم في عفوية: لا إله إلا الله يابني. هنا وبكل برود يرد فريد بقول: حلو.. مادام اتشهدت على روحك يبقى خد"، ويعاجله بلكمة قاسية ثم يهرب، ويجن جنون جمهور الترسو من السعادة بالطبع، فـ"الملك" لا يمكن أن يُهزم أبدا. وفي بعض الأفلام التي كان فريد شوقي يُضرب فيها أحيانا ضربا مبرحا من جانب أفراد العصابة حسب مقتضيات الدور وقبل أن يثار لنفسه، كان جمهور الترسو أحيانا يثير الشغب داخل دار العرض، فكيف يمكن أن يُضرب "الملك" بهذا الشكل؟ مستحيل!

ورغم عنف "وحش الشاشة" وضرباته الموجعة لخصومه الأشرار، وشجاعته التي لا يستطيع أن ينكرها أحد، كانت هناك أيضا طيبة ما في ملامح وجهه، وكان أداؤه مشوبا بخفة الظل، والكثير من "الجدعنة" التي تعجب بالطبع، جمهور "الترسو".

بعد أن تقدم العمر بـ"الملك" في السبعينيات والثمانينيات، تخلى عن أدوار العنف والمغامرات، أي خلع ببساطة، ملابس "وحش الشاشة"، وآثر أن يمثل دور الأب. وقد تفوق كثيرا على سبيل المثال في فيلم "قطة على نار" للمخرج سمير سيف أمام نور الشريف، و"السقا مات" للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، وهو من أجمل ما أنتجته السينما المصرية في تاريخها كله. وفيه قام فريد شوقي بدور "مطيباتي الجنازات" ببراعة كبيرة ذكرتنا على نحو ما، بدوره الذي لا ينسى في فيلم "بداية ونهاية" من إخراج صلاح أبو سيف، أمام عمر الشريف وأمينة رزق وسناء جميل، وهي كلاسيكية أخرى من كلاسيكيات السينما المصرية.


أما محمود المليجي فقد كنا نعلم جيدا أنه "رجل طيب"، رغم شره الواضح، ونظرات عينيه المخيفتين اللتين كان الشرر يتطاير منهما، وكان المليجي أحيانا يتكلم بطريقة تجعلنا نرتعد ونحن نشاهده ونتطلع إلى بريق عينيه الذي يشي بالجنون والقسوة المفرطة والسادية المرضية، خصوصا قبل إقدامه على قتل إحدى ضحاياه، خنقا مثلا، أو ذبحا بسكين. ومع ذلك، كان المليجي محبوبا. كنا نراه ممثلا لا غنى عنه أمام فريد شوقي في أفلام مميزة جمعت بينهما مثل "سواق نص الليل" و"رصيف نمرة 5" و"عبيد الجسد" و"المصيدة" و"سوق السلاح" و"النشال" والمصيدة" و"العملاق" و"بطل للنهاية".. وغيرها.

وكان المليجي قد برز وحده، أي دون مشاركة وحش الشاشة أو ملك الترسو، فريد شوقي، في فيلم "الوحش" (1954) الذي أخرجه ببراعة صلاح أبو سيف. وكان هذا الفيلم من الأفلام التي يعاد عرضها في دور السينما الشعبية لسنوات وسنوات بعد ظهوره. وكان يقوم فيه بدور سفاح أسيوط الذي ظلت الشرطة لسنوات تبحث عنه دون أن تتمكن من الإيقاع به، إلى أن سقط بسبب إدمانه الأفيون. وكان يقوم بدور الضابط أمامه أنور وجدي، فلم يكن الثنائي فريد والمليجي قد ارتبطا معا بعد.

ولعل من أهم ملامح أفلام سينما الترسو، أي الأفلام الشعبية التي كانت تلقى إقبالا كبيرا من جمهور السينما، وأنا هنا أتكلم عن "عصر السينما" أي في ذروة تردد الجمهور على دور العرض، أنها تمكنت من خلق "شيفرة" خطابية خاصة بينها وبين الجمهور. ويمكن اعتبار هذا أكبر ما حققته السينما المصرية من نجاح في تاريخها كله، أي ابتكار تلك "الشيفرة" الخاصة، التي أصبحت وسيلة "مضمونة" للتخاطب بين السينمائيين والمشاهدين، أو بين الفيلم – كوسيط، والجمهور كمتلقي.

وقد تكونت تلك اللغة الخاصة أو "الشيفرة" المميزة في لغة التخاطب التي تستند إلى الثقافة الشعبية، عبر عشرات الأفلام. وقد نجحت هذه الأفلام، رغم تأثر الكثير منها بأفلام أجنبية، في خلق "خيالها الخاص" الذي يستطيع المشاهد أن يتعرف عليه، ويتمثله، ويجد نفسه في داخله. وقد يدور هذا الخيال حول "الحكاية" أو رواية قصة، تحتوي على الصراعات بقدر ما تحتوي على دروس أو حكايات ذات مغزى أخلاقي واجتماعي، مع تقديم هذه الأفلام في إطار من التزويق والمشهيات والمشاهد المثيرة التي تشد المتفرج لكي تجذبه داخل "الحلم" الذي كان ينتهي عادة، نهاية سعيدة. ورغم أن هذه النهاية السعيدة تكون معروفة سلفا، إلا أن الجمهور يظل دائما يتطلع إليها وينتظرها.

كان الجمهور العام الذي يشتري تذاكر الدخول إلى دور العرض يتكون في معظمه من الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة، بحكم التوجه الفكري لصناع تلك الأفلام، والاستعداد الطبيعي لدى جمهور الطبقة الوسطى للتعامل مع ذلك "الخيال المصور المتحرك" كسلعة لا غنى عنها للتسلية، بل وكإطار للمعرفة بما يدور في المجتمع أيضا، ولو على مستوى المتخيل. ولكن كان هذا الجمهور يشد معه جمهور الطبقات الأدنى الأكثر شعبية. وإذا كانت تلك الشريحة الثانية من الجمهور تتماثل مع "أبطال" أفلام "الترسو"، فلم يكن هذا يعني أنها لم تكن تتماثل أيضا مع نجوم من أبطال الطبقة الوسطى (شخصيات الأبطال التي قدمها يحيى شاهين وأنور وجدي وكمال الشناوي وأحمد مظهر ورشدي أباظة وعماد حمدي وشكري سرحان وعمر الشريف وحسن يوسف.. وغيرهم).

كان لدور العرض السينمائي رونقها وسحرها، بما في ذلك دور العرض في الأحياء الشعبية أو مدن الأقاليم، فقد كانت السينما لاتزال تُعامل معاملة العروض المسرحية، أي ينظر إليها على أنها جديرة بدور تناسبها، يمكنلهذه الدور أيضا أن تتحول، عندما يقتضي الأمر، إلى مسارح تقدم عليها المسرحيات، أو الحفلات الغنائية، كما كان حال سينما قصر النيل مثلا التي اشتهرت بالحفل الشهري للسيدة أم كلثوم، وكذلك سينما ميامي أو سينما ريفولي التي كان يغني على مسرحها عبد الحليم حافظ على ما أتذكر.


ولكن ما الذي كان يشد جمهور السينما العريض إلى فيلم مثل "غزل البنات"، وما السبب الذي جعل هذا الفيلم تحديدا، يحقق كل ما حققه من نجاح في زمنه؟ هذا التساؤل كان دائما يشغلني، رغم أنني لم أشاهده وقت ظهوره الأول عام 1949 فلم أكن قد وُلدت بعد، بل شاهدته بعد ذلك بسنوات عدة، وكان لايزال يعرض ويحقق نجاحا. وواضح أن دور السينما كانت تعيد عرض الأفلام التي تحقق إيرادات كبيرة ولم يكن هناك قانون وقتها، يحدد ضرورة عرض نسبة معينة من الأفلام المصرية، أو يحدد مدة زمنية لعرض فيلم ما، منعا للاحتكار أو ما إلى ذلك من أمور استجدت فيما بعد، وأثارت الكثير من اللغط حولها.

قصة فيلم "غزل البنات" (غالبا المقصود "معابثة الفتيات المراهقات") قصة بسيطة تتلخص في وقوع مدرس طيب القلب، رجل تجاوز منتصف العمر، هو "الأستاذ حمام"، الذي يقوم بدوره نجيب الريحاني، في غرام تلميذته "ليلى"، ابنة الباشا، التي تقوم بدورها ليلى مراد، والتي تحب رجلا آخر، مما يدمي قلب الأستاذ حمام، فهو أولا، ليس على المستوى الاجتماعي اللائق، بحيث يمكنه أن يتطلع إلى حب إبنة الطبقة العليا في المجتمع، طبقة الباشوات. وهو، من ناحية أخرى، يكبرها كثيرا في العمر. ولكنه لا يستطيع أن يخفي مشاعره طويلا، وتشعر ليلى تجاهه بعاطفة احترام وتقدير، لكنها توحي له بطريقتها الخاصة في المعابثة، وبتصرفاتها المراهقة، بأنه يتمتع بجاذبية خاصة، وأنها ترتاح إليه، وأنه لا يجب أن يقلل من قيمة نفسه، وأنها بدأت "تستظرفه" وترى أنه "حبوب"، وغير ذلك من الكلمات التي تجعله يتجه نحو المرآة، يتطلع إلى وجهه المتغضن قليلا، إلا أن نظرات عيني نجيب الريحاني توحي لنا بأنه استرد ثقته في نفسه، ونراه يتناول وردة بيضاء يضعها في عروة سترة البذلة، ثم بنوع من الإعجاب بالذات ودلالة على استعادته ثقته في جاذبيته، يغمز بعينه لنفسه في المرآة، وهي لمسة من اللمسات الإضافية التي يضيفها الريحاني إلى اللقطة بعبقريته الخاصة. لكن الانتقال إلى لقطة أخرى، يأتي مباشرة لكي يوصل للمتفرج معلومة تقضي على أي أمل لديه في إمكانية تحقق مثل هذه العلاقة بين ليلى وحمام، ففي اللقطة التالية مباشرة نرى ليلى وهي تتحدث بلهفة في التليفون، مع الحبيب المفترض (أنور- محمود المليجي)، الذي لا نراه، ويتعين علينا الانتظار إلى ما قبل النهاية حتى نراه في "الكباريه" عندما يكتشف الأستاذ حمام أنه مجرد محتال، يطمع في الحصول على ثروتها والهرب بها مع امرأة أخرى من نفس نوعه، فتكون صدمة كبيرة لليلى، لكنها سرعان ما تقع في حب طيار مدني وسيم هو "أنور وجدي" الذي ينقذها من المحتال، ولا يجد الأستاذ حمام بُدا من الاستسلام للأمر الواقع، والتضحية بحبه من أجل أن تنال "ليلى" ما تستحق مع خطيبها المهذب الوسيم.

في هذه القصة البسيطة عوامل عديدة ساهمت في تحويلها إلى أسطورة سينمائية لاتزال تعيش حتى يومنا هذا، رغم ما يمتليء به الفيلم من مواقف ساذجة، مصنوعة صنعا، ومبالغات عديدة، سواء في الحوار (ليس من المعقول مثلا أن تقول فتاة أرستقراطية وابنة باشا لحبيبها عبر التليفون: بحبك يامضروب!)، أو في عدم واقعية الحدث (أن يتكلم الشرير "أنور" ببساطة مع صديقته في الكباريه عن خطته للاستيلاء على أموال ليلى والفرار، في حين يسمعه الأستاذ حمام والمحيطون به بوضوح. وليس من الطبيعي أن يوافق طيار على دخول كباريه لتمثيل دور ابن عم ليلى حتى ينقذها من الشرير، بناء على طلب الأستاذ حمام هكذا بكل بساطة).

ولكن مثل هذه التساؤلات عن "الواقعية" و"منطقية الحدث" والقدرة على الإقناع أو "الإيهام بالواقع" لم تكن قد رسخت بعد لدى مشاهدى السينما عموما، فالفيلم الواقعي، أو الذي يحاول الإقناع بواقعية ما يصوره، لم يكن قد أصبح راسخا بعد في السينما المصرية كما هو الآن، خاصة بعد الدور الكبير الذي لعبته، ولاتزال تلعبه، المسلسلات التليفزيونية الاجتماعية العديدة التي تعرض يوميا على شاشة التليفزيون، والتي جعلت من الحياة اليومية مادة دائمة لها، مهما اختلفنا حول إخلاصها للواقعية المذهبية.

كان هناك اتفاق عام بين مشاهدي السينما (من خلال تلك الشيفرة الخطابية التي أشرت إليها من قبل) على قبول ما لا يمكن قبوله في الواقع، وكان الأهم بالنسبة للجمهور، هو متابعة الجانب الإنساني من القصة، وهو الجانب الذي أجاد الريحاني تحديدا (صاحب النزعة الإنسانية بلاجدال) ترجمته على الشاشة من خلال الشخصيات التي كان يقوم بها، خاصة وأنه كان يشترك في كتابة السيناريو أو الحوار.

كان نجيب الريحاني في المسرح والسينما، بطلا يصارع من أجل إثبات وجود ابن الطبقة الوسطى الصغيرة، دائم السخرية من القيم السائدة الجوفاء والمظاهر البراقة، مفلس لكنه يتمسك بالمبادئ، أكثر إخلاصا في مشاعره من أبناء الطبقة العليا. لقد كان الريحاني ببساطة، يعبر عن فكر يمتزج فيه الذكاء بالثقافة بخفة الظل بالقدرة على الإيقاع بأعدائه والانتقام للبسطاء (ولو على الشاشة).
الطابع الكوميدي هو الطابع الغالب على هذا الفيلم، رغم ملامح التراجيديا التي تتكثف قبيل نهايته، خاصة مع الاستخدام المؤثر لأغنية عبد الوهاب "عاشق الروح"، والريحاني يستمع إليها بكل جوارحه، بينما تتمزق مشاعره، ويعرف الجمهور، المتوحد معه، استحالة أن تنتهي القصة تلك النهاية السعيدة التقليدية، أي بحصوله على قلب الفتاة، ورغم ذلك، لا يخلو الفيلم من غمزات واضحة في اتجاه النقد الاجتماعي. صحيح أن شخصية "الاستاذ حمام" هي شخصية تتسق تماما مع تلك الشخصيات التي كان يقوم بها الريحاني في المسرح (والسينما أيضا)، فهو يقوم بدور رجل ينتمي إلى الشريحة السفلى من الطبقة الوسطى، لديه قسط من التعليم، يؤهله للعمل كمدرس، غير أنه يفقد عمله بسبب جديته وطيبة قلبه وسوء طالعه، لكنه سرعان ما يعثر على وظيفة مدرس خصوصي لابنة الباشا. ويصور الفيلم الباشا كرجل متحرر، جاد ولكن غريب الأطوار، مهتم كثيرا بتعليم ابنته اللغة العربية. وداخل القصر، عندما يذهب المدرس لاستلام وظيفته الجديدة، يندهش كثيرا عندما يجد أن الخادم المخصص لتقديم القهوة للضيوف يتمتع بدرجة عالية من الأناقة فيحسبه الباشا نفسه ويقف له احتراما إلى أن يكتشف الحقيقة، ثم يتكرر الأمر مع الموظف المكلف برعاية كلب الباشا، الذي يخاطبه بلهجة متعالية ويقول له خلال حوارهما الطريف إنه يحصل على راتب يبلغ 30 جنيها، وهو مبلغ كبير بمقاييس تلك الأيام. ولا نستبعد هنا أن يكون استخدام هذه الشخصية نوعا من "الغمز" إلى "أنطوان بوللي" مربي الكلاب (الإيطالي) في قصر الملك فاروق والذي لعب دورا مشهودا في الفساد السياسي في المراحل الأخيرة من العهد الملكي. ولكن هذه الشخصية هنا، تُستخدم في سياق رصد التناقضات الطبقية الهائلة. ولا ننسى أن الأستاذ حمام، يرد عندما يسأله مربي الكلب عن عمله بقوله، ساخرا من نفسه ومن الوضع بأكمله: "أنا بتاع كتب.. أنا (ثم يصدر صوتا بفمه دلالة على الاستهجان والسخرية ويكمل).. بتاع علم". فلا يملك مربي الكلب سوى التساؤل بدهشة: بس؟ فيجيب الريحاني بمرارة: بس. فيأتي التعليق الأخير من الرجل: أنعم وأكرم.. نهارك سعيد.. اتفضل اقعد!
هذا المشهد يلخص ببراعة ومن خلال الحوار البسيط الذكي (اشترك الريحاني مع بديع خيري في كتابة الحوار)، وأيضا من خلال أداء الريحاني وتعبيرات وجهه ونغمة صوته، ذلك التناقض الاجتماعي الصارخ، والتحسر على قيمة العلم والتعليم.. أليس هذا هو الحال نفسه الآن، بل وأسوأ كثيرا بالطبع، بعد مرور أكثر من ستين عاما على ظهور الفيلم!

ورغم الطيبة الواضحة في شخصية الباشا (يقوم بالدور ببراعة كبيرة سليمان نجيب) إلا أن طريقة تقديم الشخصية كما رسمت في السيناريو، تجعلها أيضا هدفا للسخرية أحيانا، كما نرى عندما يؤكد للأستاذ حمام إلمامه الكبير منذ طفولته، باللغة العربية، ومعرفته بأخوات كان، ويأخذ في استعراض معرفته بها، غير أن "الريحاني- الأستاذ حمام"، يتوقف عند "ما انحل" لينفي نفيا قاطعا أن تكون "ما انحل" من أخوات كان، فيصر الباشا بحدة على أنها منهن، أي يصر على أن يفرض الباطل على الحق. ولأن الأستاذ حمام مر لتوه بتجربة فقدان عمله لسبب تافه، سرعان ما يستدرك ويوافق الباشا على رأيه في حين نعرف نحن المشاهدون أنه يتظاهر بالموافقة لكي يتجنب الطرد، إلا أنه كرجل من "أبناء البلد" عن حق، يستدرك أيضا بطريقته الخاصة: هي من أخوات كان صحيح، ولكن من أب تاني ياسعادة الباشا!

الباشا ربما تعجبه هذه المزحة فيقرر رفع راتب الأستاذ حمام، من سبعة جنيهات إلى 15 جنيها مرة واحدة، وربما يكون، كما يمكننا أن نرى من تحت جلد المشهد العبقري نفسه، قد أراد أن يشتري تستر المدرس على خطئه فيما يتعلق بـ"ما انحل" أمام ابنته ووكيل أعماله، فكيف يمكن أن يخطيء الباشا في معرفته بأخوات كان وهو الذي بدأ لتوه بالقول إنه يحفظها عن ظهر قلب منذ طفولته. وبعد أن يأمر الباشا مدير أعماله (مرزوق افندي- عبد الوارث عسر) بزيادة راتب المدرس، وفي لفتة عبقرية من السيناريو (والأداء التلقائي الجاد ولكن بصورة لا تملك إلا أن تجعلنا نضحك) لا ينسى الباشا قبل أن يترك الأستاذ حمام يواصل عمله أن يؤكد له وهو يشير بإصبعه في وجهه: "ما انحل.. إنت فاهم.. ما انحل" (أي لا يجب أن تجادل في أن "ما انحل" هي من أخوات كان) فالباشا دائما يجب أن يكون على حق.. أليس هو الباشا!

ولاشك أن من عوامل النجاح الكبير الذي حققه الفيلم أيضا وجود كل هذا العدد من النجوم الأسطوريين معا في فيلم واحد، وإسناد أدوار مناسبة تماما لشخصياتهم الحقيقية إليهم.. فهناك أولا نجيب الريحاني، نجم النجوم في عصره، وأنور وجدي وليلى مراد وسليمان نجيب وفردوس محمد وعبد الوارث عسر وزينات صدقي ومحمود المليجي واستيفان روستي ونبيلة السيد، بل إن هناك أيضا عملاق التمثيل يوسف وهبي، الذي يقوم بدوره الحقيقي، ولا ننسى أيضا ظهور الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي يؤدي ملحمته الغنائية الأوبرالية "عاشق الروح" قبل نهاية الفيلم. ومن كان يحلم أصلا باجتماع كل هذا العدد من العمالقة في فيلم واحد، بل وهناك أيضا ممثل سيصبح له شأن كبير بعد ذلك، هو فريد شوقي الذي يقوم بدو ثانوي عندما يظهر في مشهد واحد داخل الكباريه في دور أحد حراس المكان، بينما يقوم استيفان روستي بدور صاحب الكباريه.

ولعل من أهم العوامل التي ساعدت على رواج الفيلم ونجاحه الكبير الأغاني الجديدة البديعة لليلى مراد، التي كُتبت خصيصا للفيلم، وقام بتلحينها محمد عبد الوهاب، الذي كان طرفا مشاركا مع أنور وجدي، في إنتاج الفيلم.

يبدأ الفيلم بأغنية "اتمختري واتميلي ياخيل" وهي أغنية رومانسية شاعرية يقدم الفيلم بها شخصية ليلى، المحاطة بصديقاتها، وكلهن على ظهور الخيل، ثم طبعا أغنية "أبجد هوز" وهي أغنية خفيفة أقرب إلى "المونولوج"، لم يكن من المتصور أصلا أن يلحنها محمد عبد الوهاب بل ويبرع في تلحينها على هذا النحو، فقد أدخل فيها للمرة الأولى، إيقاعات الرقص الذي يعتمد على الطرق بالأقدام على الأرضية، وهو نوع من الرقص كان قد انتشر في أمريكا في الثلاثينيات، وبرع فيه بوجه خاص، الراقصون السود. وقد أخرج فرنسيس فورد كوبولا فيلما كاملا هو فيلم "نادي القطن" (1985) وكان أساسه هذا النوع من الرقص. وقد جعل عبد الوهاب الطرقات الإيقاعية السريعة على الأرضية تنفرد بشريط الصوت في الأغنية في دقات منفردة، كما استخدم أيضا آلة كانت جديدة تماما على الموسيقى العربية في ذلك الوقت هي آلة خشبية يصفق بها العازفون فتصدر صوتا مميزا له رونق خاص، ناهيك بالطبع عن كلمات "أبجد هوز" الطريفة جدا التي كتبها حسين السيد.

وهناك أغنيات أخرى أصبحت بعد الفيلم من أشهر أغاني ليلى مراد مثل "عيني بترف" و"الحب جميل" و"الدنيا حلوة" و"مليش أمل".

ولاشك أن ليلى مراد تألقت في هذا الفيلم، وبدت شديدة الفتنة والجمال والجاذبية الناعمة، وكانت تتمتع بخفة الظل، والرقة والصوت العذب الهامس الجميل، بل والمدهش أيضا أنها تمكنت من التمثيل بصورة طبيعية، وأضفت على الدور ملامح رومانسية جميلة لاتزال عالقة في الذاكرة حتى يومنا هذا.

كانت ميزة فيلم "غزل البنات"، أن كلا من جمهور "الترسو" وجمهور الطبقة الوسطى معا، تعرف على نفسه في شخصية الأستاذ حمام، وتعاطف مع ذلك المدرس البائس، تعيس الحظ، الذي تسوقه الظروف إلى حيث يدق قلبه بالحب، ولكنه ذلك الحب المستحيل، فيستسلم لمصيره، ويُضحي بحبه من أجل إسعاد حبيبته. ولعل بساطة العرض وتبسيطه، وتغليفه بتلك المسؤولية "الأبوية" التي تدفع الأستاذ حمام إلى التخلي عن أنانيته ورغبته في التحقق من خلال الحب، نزولا على واجبه تجاه فتاة هي في عمر ابنته، من أسباب وصول الفيلم إلى الجمهور العريض.

ولاشك أن جمهور الترسو أيضا، استمتع بـ"الشجيع"، أو نموذج "البطل" الذي جسده أنور وجدي، بطل تلك المرحلة، عندما أخذ يسدد اللكمات إلى الشرير "أنور" (محمود المليجي) داخل الكباريه، وتمكن من إنقاذ ليلى.. تلك الزهرة البريئة من بين أنياب الوحوش.. في ذلك الزمن.. زمن الترسو!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com