الاثنين، 26 يوليو، 2010

التعبير السينمائي تعبير أولي سابق على التعبير اللغوي

في إطار التداعيات التي أثارتها دراسة المخرج والناقد قيس الزبيدي حول "اللغة السينمائية" يسعدني أن أنشر هنا المساهمة التي بعث بها الدكتور بدر الدين مصطفى، مدرس علم الجمال بكلية الآداب جامعة القاهرة، وآمل من وراء نشرها أن تثري مثل هذه الدراسات الاكاديمية المنهجية الجادة نقدنا السينمائي العربي وتضيف إليه.


بقلم: د. بدر الدين مصطفى


احتلت إشكالية العلاقة بين ما هو مرئي وما هو مكتوب، أو بمعنى آخر النص-الصورة، مكانة هامة في التراث الثقافي، واتخذت أشكالا عديدة، وفقا للحقول المعرفية التي تمت مناقشتها من خلالها. ففي الابستمولوجيا طرحت هذه الإشكالية في سياقات عديدة، خاصة في الابستمولوجيا المعاصرة، وكان السؤال عن الكيفية التي تتم بها عملية المعرفة واكتساب الوعي هو منطلقها: أيهما يمتلك الأولوية والسيادة على الوعي..اللغة أم المرئي؟ هل التفكير يتم بواسطة اللغة؟ أي هل العقل يترجم كل ما يراه إلى لغة؟ وبدون هذه العملية تفقد الأشياء دلالتها، أم أن المرئي له لغته الخاصة التي تتجاوز وتعلو على أية صياغة لغوية حتى ولو تمت؟ هل اللغة تستوعب ما هو مرئي، بحيث تنوب عنه في غيابه؟ أم أنها مجرد قوالب وصياغات تحفز الذهن على استحضار الصورة والمشهد؟ خاصة مع الوضع في الاعتبار، الأسبقية الأونطولوجية للمرئي، وأن التفكير يتم بالصورة أولا قبل أن يتم باللغة. في اللغويات حظيت هذه الإشكالية باهتمام كل اللغويين، وكان أبرز من تناولها بالدرس والتمحيص أهم تياران في اللغويات المعاصرة: السيميولوجيا والسيميوطيقا، وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه بين كلا التيارين في نواح عديدة، إلا أن الخلاف بينهم كان واضحا بصدد هذه المسألة، ففي حين جعلت سيميولوجيا سوسير من النظام اللغوي نمطا متسيدا على كافة الظواهر والأنماط المعرفية الأخري؛ فإن سيميوطيقا بيرس Pierce قد أفسحت الطريق أمام أنظمة علاماتية أخرى مستقلة تماما عن النظام اللغوي، بمعنى أنها تمارس دورها بطريقة لا لغوية. وفي الحقل السيكولوجي، كانت هذه الإشكالية حاضرة، في سياق شبيه بالسياق الابستمولوجي، في المناقشات التي دارت حول تطور الوعي والسلوك، ومراحل اكتساب المعرفة. أما في الفن، فقد دارت سجالات عديدة حول هذه المسألة، في سياق المقارنة بين أنماط الفنون: الفنون المرئية، الفنون اللغوية.. الأدب والتصوير، الموسيقى والعمارة، السينما والسرد... إلخ.
ويبدو أن علاقة الصورة السينمائية باللغة ستظل مناط بحث ودراسة، خاصة أن هناك علم قائم بذاته يدعى بـ"السيميولوجيا البصرية"، وهو علم يرد كل أنظمة الاتصال، بما فيها الفنون البصرية، إلى اللغة. وهو ينظر إلى اللغة على أنها النظام التواصلي المتكامل الذي أنبنى عليه كافة الأنظمة الأخرى، والتي ترد في النهاية إليه.
ومعظم محاولات تطوير نظرية دي سوسير في السيميولوجيا تركزت في البداية حول اللغات الصغيرة Micro language مثل شفرة الطريق العام، والنظم الإشارية للسفن، ولغة الصم والبكم....ومع ذلك، فمن الواضح أن هذه الحالات محدودة ومشتقة بالفعل من اللغة اللفظية نفسها. وقد توصل رولان بارت في بحثه عن لغة الأزياء "نظام الموضة" أنه فقط في حالات نادرة جدا استطاعت اللغة غير اللفظية أن توجد دون دعم إضافي من الكلمات.
وربما تكون النقاشات حول العلاقة بين اللغة والصورة السينمائية سابقة على ظهور النظريات التي تؤيد أو تعارض مثل هذه العلاقة. وقد انطلقت هذه النقاشات في وقت مبكر من ظهور السينما وكانت معظمها تدور حول مدى أصالة الفن السينمائي ومدى استقلاله عن باقي الفنون السابقة عليه، خاصة فنون الأدب. وكما هو معروف فقد نظر إلى فن السينما في بداية نشأته على أنه فن هجين تابع يعتمد على كافة الفنون الأخرى من أدب وموسيقى وتشكيل.....إلخ. وقد وصل الأمر بجراهام جرين إلى القول: لسنا في حاجة إلى اعتبار السينما كفن جديد فهي في شكلها الروائي لديها نفس غرض الرواية مثلما للرواية نفس غرض الدراما. وقد غالى البعض من النقاد والكتاب ومؤرخي السينما في محاولاتهم إيجاد التشابه بين السينما والأدب إلى درجة أن بعضهم قد دفعته هذه المغالاة إلى المناداة بوجود تطابق بين مفردات كل منهما. فالكادر السينمائي يقابل الكلمة، ولااللقطة هي بمثابة الجملة، والفقرة في مقابل المشهد، والفصل لا يختلف عن الفصل، أما المونتاج فيعتبر بمثابة القواعد النحوية وأدوات الربط....إلخ. وقد رد موريس بيجا في كتابه "الفيلم والأدب" هذا الرأي بشدة متسائلا في استنكار "إذا كان هذا صحيحا وكانت الكلمات هي المقابل للكادرات فأين القاموس الذي يستطيع أن يحدد معنى كل صورة". وهو رد مقنع إلى حد كبير.
لقد أظهر لنا الناقد الكبير محمد رضا، ومن قبله الأستاذ قيس الزبيدي، خصوصية التعبير في الصورة السينمائية، ولعل مثال كلمة "أنا" الذي اعتمدت عليه مداخلته قد أوضح لنا الاختلاف الجذري بين التعبير اللساني والتعبير السينمائي (وأنا أفضل استخدام كلمة لسان للإشارة إلى النظام اللغوي الكلامي، لأن اللغة أوسع نطاقا وأكثر رحابة من الكلام)، ولعل هذا يدفعني إلى القول ان اللغة السينمائية (وأنا استخدم كلمة لغة هنا للإشارة إلى أن الصورة السينمائية في النهاية تهدف إلى التعبير، أي أنها وسيلة اتصال معبرة، فهي لغة غير كلامية)، هي لغة سابقة على النظام اللغوي الكلامي، أي أنها لا تخاطبنا من خلال الكلام أو اللسان، بل من خلال نظام مختلف نابع من داخل مكونات الصورة السينمائية ذاتها (وهو ما سنوضحه)، ولهذا السبب لا يمكن الاعتماد على الحوار فقط في الفيلم السينمائي وإهمال باقي المكونات الأخرى للصورة، فالصورة السينمائية في الأساس صورة ممتدة زمانيا ومكانيا وهو ما يجعل لها خصوصية فريدة. وربما يكون من قبيل التطرف في الرأي أن أقول أن هناك جزء من الوعي، وربما من العقل، لم يتحرر ولم يعمل بصورة كاملة إلا مع ظهور السينما.
أشار الأستاذ قيس الزبيدي في مقالته إلى الفيلسوف والمنظر السينمائي الفرنسي جيل دولوز (1925-1995) على اعتبار أنه اتخذ موقفا نقديا من التحليل اللغوي للفيلم وتحديدا لدى كريستيان ميتز ويوري لوتمان، فقد كان دولوز مؤمنا بخصوصية التعبير السينمائي واختلافه جذريا عن أي نظام تواصلي آخر وفي مقدمته اللغة. ولأنني معني بصورة كبيرة بجيل دولوز، فقد كان موضوعا لأطروحتي في الدكتوراه، فإنني أريد أن أختم مداخلتي بعرض تفصيلي لرأيه بصدد العلاقة بين اللغة والصورة السينمائية.

عندما نشر دولوز كتابه عن الرسام الإنجليزي "فرنسيس بيكون"، كان مصحوبًا بجزء آخر يضم صورًا لسبعة وتسعين لوحة. لكن الملفت للنظر هو أنه عندما وضع كتابيه عن السينما، (الصورة- الحركة) و(الصورة- الزمن)، لم يضمنهما أي صور أو لقطات كادر أو زوايا تصوير... إلخ. وهذا بعكس المتبع في معظم المؤلفات التي تتناول السينما. وقطعًا فإن هذا الأمر كان مقصودًا في ذاته، إذ الصورة نفسها لا تجسد شيئًا من الخصائص السينماتوجرافية، فالعلاقة بين الصورة الساكنة والسينما واهية. بل يمكن القول إن الصورة الثابتة تزيف أو تقضي على الخاصية الفريدة للصورة السينمائية: الحركة- الزمن. إذن فوفقًا لدولوز لا يمكن تجزئة الصورة السينمائية أو عزلها "إن الصورة لا تقوم وحدها والمهم هو العلاقة بين الصور". وهذا بعكس ما ذهب إليه منظر السينما الفرنسي "كريستيان ميتز" Metz، الذي أراد أن يطبق النموذج اللغوي على "الفيلم السينمائي" وذلك بتقسيم الصورة السينمائية إلى وحدات يمكن التعامل معها وفقًا لمنظومة العلامات اللغوية.
في الفصل الثانى من كتابه "الصورة- الزمن" خصص دولوز حديثه لنقد التحليل اللغوي للفيلم الذي تبناه ميتز وبازولينى وسار على نفس النهج منظر السينما الروسي يورى لوتمان. وينطلق هؤلاء جميعًا من فكرة أن السينما وسيط أو وسيلة اتصال مثلها في ذلك مثل اللغة، وبالتالي فهي تحمل رسالة.. أو بالأحرى إنها هي "الرسالة" التي يقف وراءها "مرسل" وتكون موجهة إلى "مستقبل". وهذا هو نموذج جاكوبسون الذي حاول السيمولوجيون تطبيق على كل أنظمة الاتصال. يقول لوتمان "ثمة ما يدفع للاعتقاد بتكافؤ هذين البديلين (الرسالة المكتوبة lettre- الصورة image) فكلتاهما تؤلف عملية اتصال، كلتاهما تنقل معلومة معينة مشفرة من قبل مرسل نص إلى المستقبل الذي يقوم بفك شفرتها. فالرسالة المكتوبة والصورة يشكلان النص أو الرسالة. وكلاهما ذو طبيعة سيميائية، ذلك أنهما لا يتضمنان الأشياء ذاتها بل بديلاتها".

يرى دولوز أن التحليل اللغوي لا يكشف طبيعة ما هو سينمائي، فهو يتعامل مع الصورة بنفس الطريقة التي يتعامل بها العلم مع مفهومي الحركة والزمان، أي من خلال تقسيم الصورة إلى وحدات صغرى ومحاولة فك شفرتها، وهو بهذا يتجاهل أن الصورة السينمائية في الأساس تخاطب الحس والشعور، وهي من الغنى بحيث يصعب قولبتها كما هو الحال في اللغة "إن اللغة قالب، بينما السينما عملية قولبة لا تنتهي، تخضع مقاييس الصورة باستمرار إلى تنويعات وتكرارات وتبدلات وإعادة إنتاج". إن الصورة السينمائية وسيط مشحون بالعديد من المعاني المباشرة وغير المباشرة، وهذه المعاني لا ينحصر وجودها بمساحة الشاشة فقط حيث تأتى الرسالة إلينا "ليس فقط مما نراه أو نسمعه، ولكن أيضًا مما لا نراه"، ما هو متاح وحاضر، وما هو مستبعد وغائب. كما أن السيمولوجيا لا تترك مساحة لفهم العلاقة بين الصورة والزمن. فالزمن في علاقته بالحركة يتم إلغاؤه، لأن الأسلوب التركيبي الكبيرgrand syntagmatique الذي طبقه ميتز على الأفلام، يوقف حركة الصورة فيكون عبارة عن تحليل للحيز الثابت لا المتحرك "إن البحث عن لغة مضمرة تختزل الصور في متغيرات ذات بنية ثابتة لا تتغير، يُستبدل بالزمن كعملية مفتوحة للتطور الإبداعي. كما أن هذه البنية ذاتها غير متحركة وغير زمنية".
على أن دولوز رغم انتقاده للتحليل اللغوي للفيلم لا ينفي أن الفيلم هو مجموعة من العلامات، لكنها علامات غير لغوية أو بالأحرى "علامات قبل لغوية" pré lingustique، تحمل المعنى دون أن تعبر عنه". فطبيعة اللغة تفرض قيام علاقة ثنائية بين اللفظ –الذي يحل محل الأشياء والموجودات في العالم الواقعي، وبين المعنى الذي يدركه العقل، ولكن الأمر في السينما يختلف وعلى نحو أكثر تعقيدًا، ذلك أنه إذا كانت اللغة تفترض قيام علاقة ثنائية (double articulation)؛ فإن السينما تؤسس لعلاقة ارتباط ثلاثية (triple articulation) حيث إن الفيلم هو نظام من الإشارات والرموز على مستوى اللقطة أو مجموعة اللقطات، لكنه غير مطابق لسيميولوجيا الواقع، فهو يتفوق عليها لأنه يختزلها، وبكثافة، داخل إطار اللقطة؛ ومن ثم فإن السينما لا تعيد إنتاج الواقع من خلال التطابق أو التماثل أو التمثل، ولكنها تضيف عليه قوة تعبيرية لم تكن موجودة في الأشياء أو الموجودات كما هي في الواقع. وقد ذهب الروائي والفيلسوف الإيطالي "إمبرتو إيكو" في تعليقه على دراسة بازولينى "سينما الشعر" 1965 ودراسة ميتز "اللغة السينمائية" 1965 إلى أننا إذا أردنا أن نؤسس كيانًا لغويًا سينمائيًا فإننا لا نحتاج إلى نظام العلاقة الثنائية أو الارتباط الثنائي الذي يطبقه اللغويون على اللغة اللفظية، ولكن "بالبحث عن أدوات ارتباط جديدة أو نظام مختلف عما هو معمول به داخل حقل اللغة اللفظية، وبالعمل على أن يستنبط هذا النظام روابطه وقواعده الخاصة".
الخلاصة إذن أن دولوز لا يجعل من الصورة مرادفًا للغة، وإذا كان البعض (كميتز وبازولينى ولوتمان) قد قصر استخدام علم العلامات- اعتمادًا على دى سوسير- في تحويل ما هو مرئي إلى ما هو لغوي؛ فإن دولوز يجعل من علم العلامات- اعتمادًا على بيرس- ميدانًا أكثر اتساعًا يستوعب ما هو سينمائي دون رده إلى ما هو لغوي، انطلاقًا من أن السينما تعمل من خلال مفاهيم تتجاوز حدود اللغة. ولا يعنى هذا أن التحليل اللغوي قد فشل أو عجز في تطبيق منهجه على الأفلام، فقد قدم ميتز ولوتمان تحليلات دقيقة للعديد من الأفلام، لكنهم في الوقت الذي فعلوا فيه هذا جردوا السينما من خصائصها الفريدة، وتعاملوا معها بأسلوب كمي مجرد، في حين أن الحركة والزمن يتجاوزان ما هو لغوي وما هو كمي.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com