السبت، 30 يناير، 2010

يوميات مهرجان روتردام 3



كتبت أمس أن كثرة عدد الأفلام في مهرجان ما، ليست ميزة في حد ذاتها، وكنت أقصد أنني أفضل أفلاما أقل ولكن جيدة، على أفلام كثيرة معظمها رديء.
اليوم يوم الأفلام الرديئة في المهرجان بلا شك. فيلم ياباني بالأبيض والأسود يدعى "عائلة صيف" من التمويل الفرنسي، يتحذلق ويفتعل لكي يرضي الفرنسيين، حتى أنه جعل اليابانيين يفكرون في الحياة مثل الفرنسيين، أي جعلهم يفتقدون أهم سماتهم الأصيلة أي ثقافتهم!
فيلم آخر من فرنسا نفسها بعنوان "ليلة زرقاء" لا علاقة له بما يمكن أن يوحي به العنوان بل ولا علاقة له بأي شيء يمكن فهمه، لدرجة أنك تتحسر على ما أنفق عليه من مال!
أما كارثة الكوارث فهي الفيلم الفرنسي – مرة أخرى- الذي أخرجته اللبنانية ديما الحر بعنوان "كل يوم عطلة" أو كل يوم عيد، وهو عنوان متحذلق ومفتعل لا علاقة له بالفيلم، لا من قريب ولا من بعيد.
والفيلم، إذا اعتبرنا هذا فيلما حقا، فهو يصلح مشروعا للتدريب على التصوير، يدور في لبنان، ولكنه لبنان المجرد من كل ما نعرفه عنه، وهذا ليس عيبا، لكنه يدخلنا بعد ذلك في قصة عجيبة حول مجموعة من النساء يركبن حافلة تتوجه إلى سجن خارج المدينة، لزيارة أزواجهم. وفي الطريق تتعرض الحافلة لاطلاق نار مما يؤدي إلى موت السائق، وتجد النساء أنفسهن في بقعة صحراوية خربة، ثم تنفصل ثلاث نساء هن بطلات الفيلم عن المجموعة، لكي يعدن أدراجهن. وفي الطريق نرى أن هناك انفجارات من بعيد وأصوات طائرات في الجو، ومنازل خربتها الحرب، ورجل يحمل أقفاصا من الدجاج فوق شاحنة يعرض توصيلهن لكنه يتخلى عنهن بعد ان يذب لتلبية نداء فرقته الأمنية، فهو رجل أمن لكن لأي جهة، لا ندري.
النساء الثلاث منهن واحدة فرنسية لا تتكلم العربية شأنها شأن هذا الفيلم الذي يندر استخدام العربية فيه بل ان سائق الحافلة الكهل يستخدم أيضا الفرنسية قبيل انطلاقه في الرحلة، كما تستخدمها سيدة عجوز من راكبات الحافلة، تتحدث حديثا كله هراء، عن ولعها بالتدخين ونحو ذلك من ترهات.
أما النساء الثلاث فالكاميرا تتركز على سيقانهن أكثر من وجوهن، وهن يمشين في الصحراء وتتذكر كل منهن مأساتها مع زوجها: الأولى تحمل في حقيبة يدها مسدسا لتوصيله إلى زوجها حارس السجن، والثانية ترغب في زيارة زوجها الذي قبض عليه ليلة زفافهما، والمرأة الثالثة تحمل أوراق قضية طلاق وتسعى لاقناع زوجها بتوقيعها.
ولا نريد أن نتغلغل في تفاصيل الموضوع لأن اهتمام صاحبة الفيلم ليس بالموضوع بل باختلاق مواقف سخيفة للغاية، لكي تتباكى من خلالها على تفكك البنية اللبنانية وضياع المرأة بين فكاك الرجال حتى دون أن نراهم في الفيلم، واختلاق مشاهد مفتعلة تعاني من البطء القاتل، وأسلوب في السرد يقتلك من الملل، وكاميرا تتوقف أمام اللقطة الواحدة لعدة دقائق أحيانا، وحكايات مقززة من نوع ما ترويه إحدى النساء عن تلك الرائحة القذرة التي تنبعث من جسدها بين فترة وأخرى، تخنقها، وتقتلها، والمرأة تطلب أن تغتغسل، وتفتح ساقيها وتنزل ملبسها الداخلي، وتتركز الكاميرا عليها في هذا الوضع الغريب وهي تر دد كلمات كثيرة عن الرائحة الخانقة، فهل هناك انعجام للحس والذوق أكثر من هذا!
هل هذا هو الشعر السينمائي، أم نوع من الهواجس المرضية، والرغبة المقيتة في تعذيب المشاهدين وتنفيرهم من السينما. وما تلك المشاهد المتراكمة الجامدة التي لا تضيف أي شيء إلى هذا الموضوع المفتعل افتعالا لإرضاء الفرنسيين، فقد بات يكفي عند بعض السينمائيين، أن يأتي بعدد من النسوة في أي مكان من العالم العربي، وحبذا لو تكون بينهن امرأة فرنسية، لكي تتكلم عن عذاب النساء في مجتمع يشيع فيه الاضطهاد والتفرقة والقتل وما إلى ذلك، من قوالب وأفكار مستهلكة.
في الفيلم خمس سيارات لدفن الموتى تسير في الصحراء والصوت الصادر من احداها هو صوت المقريء عبد الباسط عبد الصمد، يقرأ القرآن، ثم نرى خمسة نعوش يحملها أشخاص غامضون لدفنها في الصحراء. وواضح أن هذا النوع من المشاهد المنفصلة المفتعلة افتعالا، هو ما أغرى هذه المخرجة المبتدئة التي ضلت طريقها تماما، بالاقدام على صنع فيلم يصلح للتدريس على طلاب السينما لمعرفة النوعية الرديئة التي يتعين عليهم تجبنها.
"كل يوم عطلة" وكل يوم فيلم رديء لدرجة أنني أفكر جديا في تجنب الكتابة عن الأفلام الرديئة وتركها تذهب إلى مصيرها وحدها مع نفايات التاريخ، فالأفضل بكل تأكيد أن يكتب المرء عما يحبه، وعما يجده مفيدا للآخرين!
طبعا انا مصر على أن هذا فيلم فرنسي بالكامل حتى لو كان قد صور في لبنان باستخدام بعض الممثلات اللبنانيات، فهو أولا من الإنتاج الفرنسي، وثانيا كل العاملين فيه من الفنيين: الصوت والتصوير والمونتاج والموسيقى .. إلخ من الفرنسيين أيضا.
وجدير بالذكر أن مخرجة الفيلم، ديما الحر، تقول عن نفسها إنها "تحلم بالعربية، وتنحدث بالإنجليزية، وتكتب وتقرأ بالفرنسية".. فأي اغتراب، وأي اغتراب!

2 comments:

محمود مخلص يقول...

اقترح عليك يا استاذ امير ان تضع مربع بحث لهذه المدونة حتي نستطيع قراءة بعض المواضيع القديمة من دون البحث عنها في الارشيف,انه مجرد اقتراح

أمير العمري يقول...

هناك مربع لبحث في أعلى الصفحة تستطيع ان تصل إل أي موضوع قديم من خلاله بادخال الكلمة التي تبحث عنها في هذا المربع ثم تضغط علامة البحث الموجودة داخل المربع على اليمين. أما التجربة الانسانية فلاشك أنك تتفق معي في أنها الأهم.. لأنها الحياة فهل تفضل السينما على الحياة نفسها!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com