الأربعاء، 27 يناير، 2010

يوميات مهرجان روتردام 1

الرحلة بالطائرة من لندن إلى أمستردام تستغرق بالضبط، 45 دقيقة. وبالقطار من مطار أمستردام إلى روتردام نفس المدة بالضبط أيضا. وهي لذلك رحلة مريحة تماما، خاصة أن القطارات الهولندية مشهورة بكفاءتها وسرعتها وانتظامها.
على جانبي طريق القطار الثلج منتشر في كل مكان، يغطي المزارع الهولندية الشهيرة. علمت قبل أن أحضر أن درجات الحرارة تهبط هنا لتصل إلى 4 و5 درجات تحت الصفر، أكثر برودة بكثير عن العام الماضي. لندن نفسها تركتها ودرجة الحرارة فيها حوالي 5 درجات، أي أفضل من هنا قليلا. لكن المشكلة ليست في البرودة بل في أنني وصلت إلى روتردام لأجد سماءها ممطرة مطرا سخيفا أي أنه ليس بالمطر الغزير الذي ينتهي بعد فترة، ولا بالرذاذ الناعم المنعش، بل بنوع من الأمطار المصحوبة بما يسمى sleet
لا يوجد الكثير الذي يمكن فعله الليلة فاليوم هو يوم الافتتاح، وليس هناك سوى فيلم الافتتاح الذي سأشاهده غدا ضمن العروض الصحفية. والحقيقة أن المهرجان بأكمله يبدأ غدا، كل شيء، العروض الرسمية والصحفية، عروض مكتبة الفيديو لمن يريد، السوق الدولية للأفلام، وغير ذلك. وكنت عادة أحضر في اليوم الثاني من المهران لأنني لا أحضر حفلات الافتتاح بل ولا يسمح للصحفيين هنا بحضورها بل بمجرد الفرجة عليها عبر الشاشات. ولكني وجدت أنني اذا حضرت في اليوم التالي سيكون وصولي في المساء، وفضلت بالتالي المجيء واستلام البيانات والمعلومات وكتالوج المهرجان ودراسته وإعداد برنامجي للمشاهدات وتناول قسط من الراحة تمهيدا للماراثون الذي سيتم على ما يبدو، في أسوأ جو يمكن تخيله في أي مهرجان سينمائي، والانتقال من هنا إلى هناك بملابس "الميدان" الكاملة، أي الملابس الصوفية الثقيلة جدا، فإن لم تتحصن جيدا من الممكن أن تهلك!
الهولنديون في هذه المدينة لا يبدو لهم أثر في المساء.. ثلث عدد سكان روتردام من المغرب العربي. لكن المدينة يندر أن تجد فيها مطعما عربيا يقدم المأكولات الشرقية المألوفة في حين أن النسبة الغالبة على مطاعمها هي المطاعم الصينية ومطاعم نوب شرق آسيا عموما، ربما بحكم التاريخ الاستعماري لهولندا التي كانت تحتل فيتنام لسنوات طويلة.
في المكتب الصحفي التقيت بصديقنا انتشال التميمي المسؤول عن ترشيح الأفلام العربية لمهرجان روتردام الدولي والمدير الفعلي لما عرف باسم مهرجان روتردام العربي (وهذا المهرجان تحديدا له قصة طويلة معقدة يمكن أن يختلف حولها بالطبع لكني لا أحب أن أتطرق إليها، ولا أن أكون طرفا بأي حال ولو حتى من باب النقد لهذه "الظاهرة" الخارقة التي تردد عليها الكثير من أصدقائنا النقاد والسينمائيين لسنوات، ولم أكن أبدا منهم لحسن الحظ!
المهم أن انتشال، وقد ترك تلك الظاهرة أو التظاهرة العربية، وأصبح نشاطه الآن يمتد إلى مهرجان أبو ظبي ومهرجانات أخرى دولية مرموقة، لم ينجح هذا العام على ما يبدو، في إقناع القائمين على برنامج مهرجان روتردام، بضم عدد لا بأس به من الأفلام العربية أو من إخراج سينمائيين عرب، إلى برنامج الدورة الـ39 اتي ستنطلق رسميا غدا بعد الافتتاح بفيلم "باجو" Paju من كوريا الجنوبية.
وقال لي انتشال إنه لا يملك سلطة إدراج الأفلام في برنامج المهرجان بل ينتهي الأمر عند ترشيحه ما يرى من أفلام وإتاحة الفرصة لكي يشاهدها فريق الاختيار. ويبدو أن المبرمجين هذا العام كان همهم الرئيسي، ليس السينما العربية التي كانت عادة تلقى اهتماما جيدا هنا، بل السينما الافريقية، أو تحديدا "سينما افريقيا السوداء" أي جنوب الصحراء.
ينظم المهرجان ها العام أكبر تظاهرة من نوعها لهذه السينما حيث يعرض عشرات الأفلام الطويلة والقصيرة من بلدان افريقية تحت عنوان "إنس افريقيا" و"أين افريقيا" والعنوانان مختاران لهدف محدد بالطبع.
هنا أفلام من أوغندا وجنوب افريقيا وانجولا وزامبيا وتنزانيا ومالاوي ورواندا وموزمبيق وكينيا والكونغو والكاميرون والنيجر وبوركينا فاسو والسنغال وساحل العاج، بل وهناك أيضا أفلام من مدغشقر. فهل سبق أن شاهد أحد من القراء أو من النقاد فيلما مدغشقري من قبل؟.. أشك كثيرا!
ويبدو أن دورة كأس افريقيا لكرة القدم انتقلت إلى هنا على صعيد التباري بالأفلام، وهو أفضل وأجمل كثيرا بكل تأكيد من وجهة نظر كاتب هذه السطور، على الأقل لأنه لا يحول التنافس الرياضي المفترض أن يتصف بالرقة والجمال والتسامح، إلى معارك حربية ترفع أعلاما ولافتات شوفينية متخلفة، وقد تتحول من لعبة بريئة إلى جريمة فقأ عين إنسان كما حدث من قبل أمام عشرات الآلاف من الشهود، دون أن يعتبر مرتكب تلك الجريمة مجرما يوضع وراء قضبان السجن كما يليق بأي مجرم حقا، بل تم التغاضي عن جريمته، وترك ليرحل بهدوء إلى بلده!
آسف جدا أنني تطرقت لهذا الجانب الذي لا يستهويني عادة، لكنها تداعيات من وحي اللحظة.. وإلى اللقاء.

2 comments:

Muhammad Saber Abdou يقول...

صباح الخير
مقال رائع كالعادة، ووصف جميل
واضح انها بتمطر في لندن قطط وكلاب زي ما اخواننا اللندنيين بيعبروا عنها

__________

انا عاوز استفسر من حضرتك عن بعض الاشياء المتعلقة بالسينما، وصدقني انا تلميذ نجيب ومش هتعبك

ازاي اوصللك اسئلتي ؟

أمير العمري يقول...

عزيز محمد صابر
يمكنك توجيه ما تشاء من اسئلة إلي عن طريق بريدي الالكتروني المنشور في موقع بارز على المدونة وهو مرة أخرى
amarcord222@gmail.com
ولك تحياتي

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com