الأحد، 13 أكتوبر 2013

البحث عن النجاة.. والبحث عن الله!






لم أشاهد فيلم "جاذبية" Gravity الذي عرض للمرة الأولى عالميا في افتتاح الدورة السبعين من مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي في أواخر أغسطس الماضي، فقد فاتني الافتتاح. لكني شاهدته أخيرا عند عرضه في مهرجان لندن السينمائي أي بعد أيام محدودة من بدء عروضه في الولايات المتحدة (4 أكتوبر).

"جاذبية" (وهي ليست الجاذبية الجنسية بل جاذبية الأرض) هو الفيلم الذي أخرجه المكسيكي ألفونسو كوارون، وصور بتقنية الأبعاد الثلاثية 3-D، وقام ببطولته جورج كلوني وساندرا بولوك. وقد تكلف إنتاج الفيلم نحو 100 مليون دولار، ولكن ليس لدى شركة وورنر منتجة الفيلم أدنى شك في قدرة الفيلم على استعادتها وتحقيق أرباح قد تتجاوز ما حققه فيلم "أفاتار" لجيمس كاميرون.

يقوم كلوني بدور مات كوالسكي، رائد فضاء أمريكي يقوم بآخر رحلة له في عالم الفضاء، وتقوم ساندرا بولوك بدور رايان ستون الطبيبة المتخصصة في هندسة الطب الحيوي الفضائي.. أو شيء من هذا القبيل، وهي تقوم بأول رحلة لها في الفضاء.

وتدور أحداث الفيلم- إذا صح أن هناك أحداثا- في المستقبل القريب جدا. وما يحدث باختصار شديد أن يصاب التيلسكوب الفضائي المرتبط بمحطة الفضاء التي يوجد الإثنان على متنها بعطل، فيطلب منهما الخروج خارج المحطة الفضائية لإصلاحه والعودة، ولكن المحطة تتلقى انذارا بتعطل محطة فضائية روسية قريبا وهو ما يؤدي إلى قصف الروس لها بالصواريخ لتدميرها وما سيتبع هذا من انهمار آلاف القطع الملتهبة التي سيتوقع أن تصطدم بالمحطة الأمريكية وتدمرها، ويتعين بالتالي على الإثنين العودة إلى الأرض فورا مع طاقم المحطة. لكنهما يجدان أن المحطة قد توقفت عن العمل وقتل كل أفراد طاقمها ويصبح الرجل والمرأة مرتبطين ببعضهما البعض ماديا، بواسطة سلك.. وهما يحاولان الوصول الى محطة فضائية دولية أخرى على مسافة 100 ميل لكن رغم محاولات المرأة – التي تخوض رحلتها الأولى في الفضاء- تحمل المشاق والثبات للوصول الى الهدف المنشود فإنها تفشل في ذلك، فيتخلى عنها صاحبنا لعلها تنجح بمفردها في شق طريقها الى محطة فضاء صينية قريبة. ولكنها تجد أن المحطة الصينية تعطلت، وتبدأ قطع السفينة الروسية تنهمر من حولها، وتتعطل كل أجهزة الاتصال مع الأرض.. وبعد معاناة قاسية في الفضاء حيث لا تملك أي وسيلة للنجاة سوى التمسك بالارادة والأمل من بعد يأس، تنجح السيدة ستون بمعجزة حقيقية في اختراق المجال الجوي للكرة الارضية والهبوط في البحر.


وحيدة في الكون
الفيلم من تلك الأفلام المجردة، سواء في المكان أو الزمان. هنا لا توجد شخصيات مساندة ولا أي نوع من الاتصال الحقيقي مع مخلوقات الأرض ولا مخلوقات الفضاء.. لقد أصبحت الدكتورة رايان ستون وحيدة تماما في الكون.. كما لوكانت قد أطلقت خارج الرحم لكي تعثر على طريقها وحدها في الفضاء إلى حيث تنتمي، أي إلى الارض. وهي تصبح خلال مغامرتها المخيفة، تحت رحمة العناية الإلهية وتمر بمرحلة إختبار قدرة الإرادة الإنسانية على الصمود. إنها تحاول في غمرة إحساسها باليأس، الانتحار بعد ان تحبس نفسها داخل كبسولة الفضاء وتقطع الوصلة التي يصل عبرها الأوكسيجين إليها للتنفس، لكن هاجسا أو"رؤية" ما تتجلى لها عبر شخصية مات كوالسكي، الذي يظهر لها ، لكي يرشدها الى ما يتعين عليها القيام به، فتستعيد بالتالي ثقتها في قدرتها على النجاة، تعيد جهاز التنفس، ترتدي خوذتها التقليدية، وتنجح رغم انعدام خبرتها في هذا المجال، في تشغيل أجهزة الكبسولة وتخليصها من براثن سفينة الفضاء قبل أن تنفجر، وتقودها إلى أن تصبح داخل المجال الجوي الأرضي وتهبط في البحر.

إننا أمام دراما شبه فردية (يختفي جورج كلوني من الفيلم بعد 15 دقيقة تقريبا وتصبح ساندرا بولوك بمفردها).. وهي أقرب إلى المونودراما، شخصية وحيدة تصارع القدر. لكن ما يجعلها جاذبة للمشاهدين ليس فقط عنصر العزيمة الإنسانية، بل قوة التعبير سينمائيا من خلال الصورة، عن عالم الفضاء: وجود كوكب الأرض في الخلفية على امتداد الأفق، تلك المناظر البديعة الدقيقة التي تحاكي أجواء الفضاء، شروق الشمس الذي يسطع فجأة في الأسفل على كوكب الأرض، ذلك الصمت المخيف، انهمار قطع ملتهبة تتساقط وتندفع من المحطة الفضائية الروسية وتصطدم بالمركبة الأمريكية المعطوبة، ثم تفكك هذه واندلاع حريق هائل في أجزائها..إلخ. كل هذه المشاهد مصورة بدقة شديدة وإقناع بل وجمال خاص، مع قدرة تقنية عالية على استخدام الأبعاد الثلاثية في أفضل صورة ممكنة.

أداء ساندرا بولوك قد يكفل لها الترشح لنيل جائزة أحسن ممثلة في مسابقة الأوسكار وهي جائزة سبق لها الحصول عليها عن دورها في فيلم "الجانب الأعمى" The Blind Sideعام 2010. إخراج كوارون هنا ليس فيه خطأ أو تقصير من الناحية التقنية: تنويع الزوايا، الحفاظ على إيقاع متدفق سلس، الانتقال بين الداخل (داخل المركبات) والخارج في توقيت ملائم تماما، ضبط الحركة في الفضاء بين الممثلين الإثنين والتحكم في حركاتهما بدقة بحيث تبدو المشاهد كما لو كانت رقصة باليه تعبيرية بديعة، تلك المناظر المبتكرة المقنعة تماما لعالم الفضاء، والاستخدام المتمكن للمؤثرات الخاصة لتحقيق تأثيرات متعددة في الصورة. لكن على الرغم من كل هذه العوامل الإيجابية في الفيلم، يبقى هناك شيء مفقود لعله ما يطلق عليه المخرج الشيلي الكبير أليخاندرو خودوروفسكي "الجانب الروحاني". إن البطل الأول في هذا الفيلم- من وجهة نظر كاتب هذه السطور- هو ببساطة "التقنية" السينمائية قبل أي شيء آخر. نحن لسنا بالتأكيد أمام "أوديسا فضاء" تضارع أوديسة ستانلي كوبريك كما يقترح علينا البعض، ولا أمام عمل مشابه لـ"سولاريس" تاركوفسكي، بكل ما يكمن تحت جلده من رؤى فلسفية وتأملات في المصير الإنساني.. بل إننا نشاهد فقط كيف يتمكن الإنسان من تطويع تلك الآلة فائقة التكنولوجيا لإرادته. وربما يكون هذا كافيا طالما أننا بصدد فيلم ينتج في إطار نظام الإنتاج الأمريكي التقليدي في هوليوود.

تفسير ديني
لقد هلل الكثيرون في وسائل الإعلام المرتبطة بالكنيسة في الولايات المتحدة، لما اعتبروه "احتفالا بوجود الله" في هذا الفيلم، وما تردد على ألسنة وفي كتابات الكثير من النقاد الأخلاقيين، عن "روحانية الفيلم" ودعمه لـ"القيم المسيحية". ولكن كل هذا الابتهاج العاطفي لا يستند على مرتكزات حقيقية من داخل الفيلم نفسه وفي موضوعه ودراماه المجردة البسيطة التي تبدو في الكثير من المشاهد، وكأنها تحتفي في الحقيقة، بمنجزات العلم والتكنولوجيا والقوة الأمريكية التي نجحت في أن تجعل الإنسان يحلق في الفضاء ويسيطر عليه أيضا، في حين أن شعوبا أخرى لاتزال تكافح من أجل ضبط سير المركبات التي تجرها الدواب في شوارعها (!).

يستند الذين يباركون الفيلم لما يعتقدونه نجاحا في إبراز "الروحاني" على حساب المادي، مرجعيتهم في الحقيقة لقطة واحدة في نهاية الفيلم، بعد أن تنجح البطلة في الخروج من تحت سطح الماء ولمس تربة الأرض المبتلة..هنا ترفع رأسها إلى السماء على استحياء، وتردد بصوت خافت كلمة: شكرا، وكأنها تشكر العناية الإلهية على نجاتها!



كل شيء ضاع
لا أعتقد أن من الممكن مثلا، وضع هذا الفيلم على نفس المستوى مثلا، مع فيلم آخر معروض في مهرجان لندن حاليا هو فيلم "كل شيء ضاع" All is lost إخراج المخرج الشاب جيه سي شاندور J C Chandor (هذا هو فيلمه الثاني) وبطولة النجم الأمريكي روبرت ريدفورد في تجربة جديدة تماما في مسيرته الفنية. فالفيلم الأخير هو أيضا فيلم الممثل الواحد (ريدفورد).. الذي يتعرض قاربه في عرض البحر للعواصف التي تدمره فيلجأ إلى قارب بدائي صغير من البلاستيك يقوم بتعبئته بالهواء بفمه، ويلقي فيه بضعة معلبات وزجاجة للمياه وعددا محدودا من الأعواد التي يمكن له إشعالها بغرض لفت الانظار في الليل إلى موقعه والاستغاثة بالسفن العابرة التي لا تهتم ولا تراه رغم مرورها بجواره مباشرة. وهو يكافح كفاحا مريرا لكي يحتفظ بقاربه هذا، طافيا فوق سطح الماء وسط مياه المحيط الهندي، صامدة في وجه العواصف والأعاصير التي تهب عليها ليلا ونهارا. إننا نشهد كيانا شبيها بالإنسان في عزلته الأولى وكأنما نشهد بداية الخلق.

أن الصراع الوحيد في الفيلم هو صراع الإنسان مع الطبيعة، لكن هناك شيئا ميتافيزيقيا يحيط بهذا الصراع.. يجعله يبدو كما لو كان اختبارا إلهيا لذلك الإنسان.. الفرد.. الوحيد.. الذي لا إسم له في الفيلم (فهو الإنسان، أي إنسان).. وليس هناك أي صراع أو اتصال مع غيره من البشر، فالإنسان (ريدفورد) ألقي به وحيدا وكأنما خلق للتو أو هبط من السماء إلى البحر في رحلة إثبات الوجود نحو الأرض. ليس هناك حوار أكثر من ستين كلمة في مونولوج نسمعه على شريط الصوت في بداية الفيلم.. وليست هناك أي وسائل للاتصال بل لقد تعطلت جميعها.. وليس هناك من يسترجع مع ذلك الإنسان- البطل- اللابطل، ما كان من امر حياته السابقة على اليابسة، على نحو ما تفعل ساندرا بولوك التي تروي لزميلها كيف توفيت إبنتها في حادث تراجيدي. إنه يواجه مصيره منفردا، صامتا، يحاول أن يبتكر كل ما يمكن تخيله من وسائل للنجاة في ذلك الزورق الخانق المحدود في مساحته المحاط بمياه شاسعة لا نهاية لها. هل سيلجأ للانتحار كما حاولت بولوك في "جاذبية" قبل أن تتراجع عن نيتها وتقرر الصمود والمحاولة؟ كلا.. بل إنه عازم من البداية على البقاء والصمود والمحاولة إثر الأخرى.. وكأننا أمام رجل مكلف بمهمة إلهية، للوصول إلى مبتغاه، ونقل رسالته إلى الإنسان: أن الله ها هنا.. موجود.. وهو لا يتخلى قط عن الإنسان، بعد أن خلقه وابتلاه بما شاء أن يبتليه به في امتحان طويل مستمر وممتد، لوجوده ولقدرته على البقاء والحفاظ على النوع إلى حين أن يرث الله الارض وما عليها.

في "كل شيء ضاع" لا توجد ابتكارات تكنولوجية معقدة، ولا أجهزة خاصة للنجاة والاتصال، تجذب أنظار المشاهدين وتبهرهم بها، بل فقط الإنسان ومقتضيات الحياة البدائية الأولية: بعض المعلبات والمياه التي سرعان ما تنفد أيضا، وقطعة من المطاط تنتهي في العاصفة إلى لاشيء، ثم يجد البطل نفسه غارقا في أعمال المحيط إلى حين يأتيه نور الله.. يهتدي به وإليه، وبه ينجو. وتستمر الحياة.
يستحق أداء ريدفورد في هذا الفيلم التوقف أمامه طويلا كتجربة خاصة في الأداء السينمائي: إن نظرات عينيه التي تنتقل وتتغير بين القلق والترقب والرغبة في الصمود والمقاومة، ثم الاستغراق في التعب والنوم للحظات قبل اليقظة ومواجهة القدر المحتوم بقوة، والتطلع إلى الزمن كأنه قرون عديدة، قد يقذف به إلى وهدة اليأس والقنوط والإحباط والاستسلام لكنه لا يستسلم، هذه المشاعر المختلطة المتغيرة المضطربة التي نراها، في لقطات قريبة ومتوسطة، من زوايا مختلفة، تحاصر الممثل وتخنقه أحيانا داخل الكادر، أو تبتعد عنه لتتيح له الفرصة لتأمل وجوده الفردي المنعزل وسط تلك الطبيعة الساكنة إلى درجة الجنون أحيانا، والهائجة الغاضبة بحيث تستدعي كل القوى الخائرة من سباتها لكي تنهض وتقاوم، كل هذه التعبيرات تدفعك إلى التساؤل: كيف يمكن للممثل أن يحافظ على تدفق المشاعر بصورة طبيعية على هذا النحو أمام كاميرا تحاصره وحده وتصر على محاصرته ومراقبة كل انفعالاته، ودون أن يبدو وكأنه يقوم بدور مرسوم وحركات محسوبة مسبقا في سيناريو مكتوب؟ هنا تكمن عبقرية ريدفورد ويكمن سر براعته. وهنا أيضا عبقرية فيلم بسيط لكنه شديد العمق فكريا وسينمائيا.

السبت، 12 أكتوبر 2013

صابر عرب.. الوزير الانتقالى



بقلم: عصام كامل


محمد صابر عرب.. الوزير الانتقالى بلا منازع، فقد كان الرجل وزيرا في حكومة عصام شرف الانيتقالية، وكان وزيرا ف حكومة الجنزورى الانتقالية، وكان وزيرا في حكومة هشام قنديل التي لم تنتقل بمصر أكثر من شبر، وهو الآن وزير في حكومة الدكتور الببلاوي الانتقالية.. ومن إنجازات سيادته أنه استقال عندما رشح للحصول على جائزة الدولة من أجل الحصول عليها وبعد حصوله عليها عاد من حيث لا ندري إلى الوزارة، وذلك في إطار حق الوزير الاستقالة من أجل الحصول على جائزة ثم عودته سالما غانما إلى نفس المقعد الوثير.

والدكتور صابر عرب في ملامحه الموظف التقليدى .. لم يضبط متلبسا بفكرة خلاقة أو بلحظة إبداعية.. ظل طوال حياته حريصا على تقديم أكبر إنجاز في حياته وهو أن يكون موظفا، مطيعا، غير مهتم بما يمكن أن ينقله من خانة الموظف إلى خانة المبدع أو الشخصية غير التقليدية.. ولأنه تقليدى فإنه أعاد مؤخرا كل من ذهبوا بعيدا أو ذهبت بهم الظروف بعيدا عن مناصبهم.. والشخصية التقليدية تميل أكثر إلى التعامل مع غير المبدعين، فها هو الدكتور أحمد مجاهد الذي فشل بلا منازع في كل الوظائف والمهام التي أسندت إليه طوال تاريخه الوظيفي يعود على ظهر حصان ومن نفس الباب.. باب الموظف الكبير صابر عرب.

ونفس الشىء مع الشاعر سعد عبد الرحمن، الذي وكأن شيئا لم يكن وبراءة الموظف في عينيه، لا لأنه عبقرية فذة وإنما لأن الوزير شخص تقليدي لا يحب التغيير.. يكره التغيير وإذا عرجنا إلى المهندس محمد أبو سعدة، وهو شخصية لها دور كبير في إنشاء العديد من المكتبات بربوع مصر، غير أن هذا الواقع لا يفرض على المصريين أن يتقلد سيادته عدة مناصب من بينها إدارته لمكتب الوزير وصندوق التنمية الثقافية وكأن مصر تعاني ندرة في السكان أو أنها عقمت أن تلد من يتقلد المناصب الأخرى.

وصابر عرب أو الوزير الانتقالى لم يقدم شيئا جديرا بالدراسة أو التأمل، فقد ظل طوال حياته "يمشي جنب الحيط"، كما يقال، ولذلك فإن سيادته لم ينزعج مثلا لما يحدث في بر مصر من عنف جراء اختطاف الدين وهو المناط به أن ينزعج أكثر من غيره من الوزراء وكان لزاما على فضيلته أن يهب ثائرا معلنا عن خطة ولو قصيرة المدي كنواة لمشروع ثقافى يواجه ضلال العقول أو يجابه فكرة احتكار الدين.. الوزير فضل أن يركن ظهره إلى مصطلح "الوزارة الانتقالية".. وعلى هذا المستوي أيضا لم يستطع أن يكون وزيرا انتقاليا بحق وحقيقى وفضل أن يكون وزير تشهيلات أو تسيير أعمال، فتحركاته ليست إلا للتصوير دونما أن يجهد نفسه في وضع لمسات تحسب له، وهو في هذا الأمر مغلوب على أمره فكل ميسر لما خلق له وسيادته لم يخلق لما هو أبعد مما يقدم.

تشتعل رابعة نارا وتنطفئ وتشتعل كرداسة نارا ولا تنطفئ والوزير مكانه لا يبرح المساحة التقليدية التي يسكنها مع شلة الموظفين التي تحيط به من كل صوب، فلا هو قدم رؤية ولا سمح لمن يمتلكون الرؤى بأن يتقدموا وظلت وزارة الثقافة في عهده مجرد خيمة نتقبل فيها العزاء في مشروع ثقافي لم يولد ولن يولد طالما ظل مع رفاقه قابضون على زمام الأمور يتابعون ما يحدث وكأنهم جمهور دونما يدركوا أنهم وقود المعركة الفعلية إذا ما أدركوا حقيقة دورهم الذي يجب أن يلعبوه.

الخوف ليس في المرحلة الانتقالية، وإنما فيما يمكن أن تطرحه الأيام القادمة لنستيقظ على كابوس ونري صابر عرب في الحكومة القادمة.. ساعتها لابد أن تعلموا أننا نعيد زمن الموظف والبطيخة و"المنشة"!

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

بيان تيار الثقافة الوطنية: وزارة الثقافة.. عاهة الثورة!

وزير الثقافة محمد صابر عرب


وصلنا اليوم هذا البيان الذي أصدره تجمع المثقفين المصريين وننشره كما هو مع أسماء الموقعين عليه:


واصلت وزارة الثقافة دورها، كواحدة من عاهات الثورة، في تعزيز العمل علي عزل جماهيرها ومنح قبلة الحياة لأعدائها، ومواصلة بث الروح في رميم قياداتها ورموز فسادها، بإعادة تمثيلها لنظامين فاشيين، بعد أن كتب الشعب نهايتهما في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو. وتحت شعار يضج بتلفيقية أصحابه؛ انعقد ما يسمي بمؤتمر "الثقافة المصرية في المواجهة" تحت رعاية وزير الثقافة، عابر العصور والأنظمة "صابر عرب"، وبإشراف مجموعات من سماسرة الثقافة المصرية طيلة ما يزيد علي العقدين.


فأي ثقافة وأي مواجهة يمكن أن يقدمها تحالف الملفقين والسماسرة ؟!!.

البداية كانت من المسرح الصغير بدار الأوبرا، حيث القاعة تكتظ بموظفي الوزارة كبديل للغياب الإجمالي للمثقفين المصريين، وحيث يقف ثلاثة من حضور الافتتاح، أثناء كلمة الوزير، يهتفون بأعلى أصواتهم في وجهه : " إنزل يا فاسد ". الوزير يقول لهم : شكرا.. ويستمر في إلقاء كلمته. 


وبين ما يبدو أنه نطاعة محترف وما يبدو أنه تسامح مدع تقف الثقافة المصرية بين أكذوبتين، الأولي: وزير أقصر قامة من موقعه، يعاشر كل موبقات الأنظمة البائدة وكيلا ومديرا ووزيرا. وككل نهّازي الفرص، ينجح في التواؤم مع الجميع. والثانية: نخبة كتائب التبرير والتمويل والمزايدة، التي تقدم نفسها باعتبارها صانعة ثورة الثلاثين من يونيو ومن ثم تري، علي غير الحقيقة، أنها لا تحصد إلا استحقاقا تاريخيا، ومن هنا فإنها مستعدة لمنازلة من يفكر في المرور من أمام قصعتها. في الوقت نفسه تتزايد عزلة وزارة الثقافة وكافة أجهزتها عن الحراك المجتمعي المتقدة جذوته. فرؤساء هيئاتها مشغولون بتعظيم مكاسبهم وصناعة التحالفات مع وضعاء الصحافيين وصغار المنتفعين وغيرهم من أصحاب المصالح دفاعا عن كراسيهم. ومن عجب أن يكون بين سدنة هذا المؤتمر من كان مستعدا لإطلاق لحيته إبان حكم الإخوان، وأحد هؤلاء قدم كتابا لسيد قطب، منظّر الإرهاب في العالم، اعتبره فيه واحدا من أهم نقادنا وروائيينا الطليعيين !! وتكتمل حلقات هذا الفساد بقيام أحمد مجاهد بنشر تلك الترهات في هيئة الكتاب، في الوقت الذي يقدمان فيه نفسيهما باعتبارهما بطلي ثورة الثلاثين من يونيو.


في هذه المناخات ليس غريبا أن تغلق الوزارة قاعاتها علي ممثلي مؤتمرها، الذين لا يمثلون، في الحقيقة، سوي مصالحهم ومكاسبهم، بينما تظل هيئات الوزارة منشغلة بالكرنفالات الفارغة التي تقام وتنفض دون أن يسمع عنها أحد. 


لم يسأل وزير الثقافة نفسه سؤالا واحدا : ما الذي تفعله هيئة قصور الثقافة التي تمتلك ما يزيد علي خمسمائة بيت وقصر ثقافة علي مستوي الجمهورية، وأين دورها في مقاومة العنف الديني الذي تمارسه جماعات منبوذة وفاشية ؟ لماذا لاتصل مطبوعات الوزارة إلي عموم الشعب ؟ تلك المطبوعات التي كلفت المواطن ملايين الجنيهات، ونخص بالذكر مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة. ولماذا كل هذا الغثاء والفساد الذي تطبعه هيئة الكتاب دون حسيب أو رقيب ؟ ولماذا لم تحل مشكلات الفرق المسرحية المستقلة وفرق وبيوت الفنون ؟ وأين وزارة الثقافة من مشكلات صناعة السينما ؟ ولماذا أعيد تعيين كل من نبذتهم الثورة علي رأس المواقع المؤثرة بالوزارة ؟ ولماذا تستمر مجلات لا يقرأها أكثر من كتابها ؟ مثل مجلة إبداع التي يترأسها الشاعر المزمن أحمد عبد المعطي حجازي، ومجلة فصول التي يترأسها ناقد يتقلب بين التلفيق والانتهازية هو محمد بدوي، ومجلة الرواية التي يترأسها ناقد خارج مدارات الزمن هو مدحت الجيار، وغير ذلك العشرات، ولماذا تستمر هيئة قصور الثقافة في انتزاع دور ليس لها ؟ هل لتحقيق مكاسب ومصالح عبر مشروع النشر ؟ وذلك طبعا علي نفقة دورها الرئيسي في الوصول إلي نجوع وقري مصر لنشر ثقافة الحوار ونقل الفنون المصرية إلي كافة المواطنين؟!! 


لقد تمددت خيبة وزارة الثقافة المصرية فغطت فضاء ثورة الثلاثين من يونيو، وأصبح ريحها العطن يزكم الأنوف. وبدت مشكلة وزيرها كامنة في عدم إيمانه بالثورة، لذلك لجأ إلي إعادة إنتاج الفساد القديم عبر إحياء رموزه، أسماء وسلوكا، في الوقت الذي كان يتعين فيه إزالة آثار التعدي الصارخ علي عقول المصريين إبان نظامين فاشيين انحاز أولهما للفساد والقمع والتدجين وأضاف ثانيهما الرجعية لكتلة صفاته المسيئة تحت شعارات ثورية كاذبة.


إن أقل ما يجب أن تقدم عليه الثورة الآن هو المطالبة الفورية بعزل وزير الثقافة صابر عرب ومحاكمته مع رموز فساده، وإعادة الاعتبار لكل القيم الثورية التي أسقطها فاسدون وعملاء، أكدت الوقائع أن دفاعهم عن الثورة لم يكن إلا دفاعا عن تكتلات فسادهم وتعظيم مصالحهم، وإبقائها فوق السياقات القانونية والأخلاقية.


عاشت الثورة المصرية والمجد للشهداء...


الموقعون على البيان:
الناقد الدكتور يسري عبدالله، والشاعر محمود قرني، والروائي خالد إسماعيل، والشاعر جمال القصاص، والقاص والصحفي هيثم خيري، والروائي وحيد الطويلة، والمترجم والقاص عمرو خيري، والروائي حسين البدري، والشاعر شريف رزق، والشاعر فارس خضر، والشاعر سامح محجوب، والمخرج حسن شعراوي، والصحفي أحمد السماني، والشاعر والصحفي محمد الحمامصي.


السبت، 28 سبتمبر 2013

ذكريات وتداعيات مع إفتتاح مهرجان الرباط لسينما المؤلف






أمير العمري- الرباط



وصلت إلى الرباط عن طريق الدار البيضاء قادما من لندن مساء الخميس. كان كل شيء قد أعد لكي أحضر هذا المهرجان الذي كنت طرفا في دورته الأولى التي أدارها الناقد السينمائي حمادي كيروم، وهو أستاذ للأدب لكنه عاشق حقيقي للسينما، ضحى من أجلها كثيرا، ولم يسع قط للارتزاق من وراءها ولا المتاجرة بحبه لها كما يفعل كثيرون، سواء في المغرب أو خارج المغرب، وكان يصمت في الأوقات التي يصبح فيها الصمت فضيلة، ويتكلم وقتما يجب أن يكون الكلام.

ذهب حمادي وعاد لكي أعود معه عام 2003 قبل أن ينكفيء المهرجان لسنوات على نفسه، ويبتعد عن العالم العربي، ويخرج حمادي ليبتعد عن المهرجان لأربع سنوات ثم ها هو يعود مجدا فتعود معه الحيوية والثقافة.

أفتتحت الدورة التاسعة عشرة مساء الجمعة... يالها من قصة امتدت حقا وتفرعت بسرعة في حين أنني أتذكر وقتما حضرت هنا للمرة الأولى مع الدورة الأولى، وكأنها كانت بالأمس فقط.

كان حفل افتتاح الدورة الـ19 الذي أخرجه صديقنا عبد الإله الجوهري، وأقيم في مسرح الملك محمد الخامس، بسيطا ومعبرا، يلقي إضاءات على أهم الشخصيات والأحداث والأفلام في هذه الدورة، ربما لم يرهقه سوى الكلمات الطويلة التي تسرد وتسرد ولا تكتفي بالاشارة، وربما أيضا لم يحضر واحد أو إثنان من المكرمين، وهم أربع شخصيات سينمائية بينهم تاركوفسكي (الراحل) وتكريم الراحلين عادة غير مفضل فالأفضل دائما تكريم من هم على قيد الحياة أما الذين غادروا عالمنا فيأتي تسليط الضوء على مواهبهم عادة في إطار "التذكر" أو العروض الاسترجاعية الشاملة retrospective. باقي المكرمين المخرج التونسي الموهوب الناصر خمير، والممثلة المغربية الموهوبة نزهة رحيل، وكلاهما حضر وتحدث للجمهور على المسرح (ولكن باللغة الفرنسية بدون ترجمة مباشرة الى العربية وهي مشكلة متكررة في كل مهرجانات المغرب لا أعرف كيف ينسون وضع حل لها).. والشخصية الرابعة هي المخرج المغربي فوزي بن سعيدي الذي لم يحضر الحفل ولم نعرف السبب!

عن "الماضي"
اقتنص المهرجان الفيلم الفرنسي الرائع "الماضي" لأصغر فرهادي (تحفة مهرجان كان) ولم يستنكف القائمون عليه فكرة الافتتاح بفيلم عرض في مهرجان كان، أولا لأنه فيلم لا خلاف على مستواه وقيمته الفنية، وثانيا لأنه يعرض هنا خارج المسابقة، كما لم يتعالى منظمو المهرجان ويتذرعون- كما يحدث في بعض البلدان- بأن الفيلم لمخرج إيراني، وكيف نعرض فيلما "إيرانيا" في حين أن إيران تؤيد الإخوان المسلمين وتتآمر علينا، وكأن الاخوان (وهم خصوم سياسيون بكل تأكيد، لي وللكثيرين) أصبحوا فجأة من أعداء الوطن مثل الصهاينة تماما وربما أكثر، بعد أن أصبحت الوطنية في مصر، تقاس اليوم بمقدار ما تشنه أنت أو غيرك من هجوم على الاخوان المسلمين يصل الى حد التكفير والمطالبة بالقتل العشوائي في الشوارع في هجمة فاشية مضادة لم تشهد لها المحروسة مثيلا من قبل وهي لا تقل بشاعة في رأيي، عن هجمة الاخوان المسلمين الفاشية وحلفائهم من مدعي السلفية الأصولية، ولا تختلف في أبعادها وخطورتها عن التكفير الذي تمارسه جماعات الاسلام السياسي!



حمادي كيروم


الدورة الأولى
كانت الدورة الأولى عام 1995 في شهر يوليو، وكان الجو حارا ساخنا ربما بدرجة أعلى من معدلاتها الطبيعية كما أتذكر. وكان المهرجان مازال فقيرا يعتمد على الجهود الشخصية وبعض الدعم المحدود من البلدية وكان أساسا يقام بفضل جهود محبي السينما وعلى رأسهم حمادي كيروم نفسه. لم تكن هناك سيارات من نوع مرسيدس فخمة تنقلنا من المطار ومن الفندق، بل كان المنظمون يعتمدون على سياراتهم وسيارات أصدقائهم الخاصة.
وأتذكر أن الفندق الذي نزلنا به وقتها كان فندقا بسيطا للغاية ومتواضعا، وكان معي في تلك الدورة المرحوم مدكور ثابت الذي جاء من مصر وكنت قد أتيت من لندن، وكان وقتها قد أصبح رئيسا للمركز القومي للسينما. وكان المهرجان أيضا جزءا من المهرجان الدولي للفنون الذي يقام في الرباط وكان يشمل الموسيقى والغناء والرقص الاستعراضي وربما المسرح أيضا إلى جانب السينما. وكانت بعض العروض الموسيقية الراقصة تقام في مسرح صيفي مكشوف أقيمت به مدرجات خشبية. كما أقيمت ندوة حول العلاقة بين السينما والدولة في العالم العربي، شاركت فيها في تلك السنة، وأقيمت في مسرح مكشوف حجري يقال له المسرح الروماني، وشارك فيها معي مدكور ثابت والسيد سعيد ونور الدين الصايل وأدارها بكفاءة الناقد المغربي آيت عمر المختار، الذي رأس تحرير فصلية السينما التي توقفت "كراسات السينما". وأثبتت هذه الندوة كيف أن "الأفكار الجريئة" التي تغرد خارج السرب، يمكن أن تزعج- بل وتحرج- البعض خاصة من كانوا يحاولون وقتها تقديم أوراق اعتمادهم للحصول على مباركة السلطات لهم ولما يفعلونه، ومن ثم يحصلون على مناصب إدارية!
كان نقاد السينما في المغرب، وأعرفهم منذ أن دعيت إلى مناسبة سينمائية في المغرب عام 1992 وكان المسؤول عنها أيضا هو حمادي كيروم نفسه، وكانت مؤتمرا (أو ملتقى) حول السينما والرواية استغرق عدة أيام في كلية الآداب جامعة بن مسيك بالدار البيضاء بمشاركة نخبة من نقاد السينما والمخرجين مع أساتذة الأدب وعلى رأسهم الدكتور محمد برادة.

في ذلك الوقت كان هناك شاب لامع يتميز بالذكاء والثقافة الواسعة وخفة الظل أيضا، هو بشير القمري، وهو مدرس في كلية الآداب، كان يصول ويجول بيننا، ويتدخل في الندوات لكي (يشاغب) – على حسب تعبيره هو- ويناقش ويحاور، وكنا سعداء بمداخلاته وتساؤلاته وقد قدم هو نفسه ورقة بحث استعرضها أمام الطلاب والنخبة الحاضرة وكان من بين الحاضرين المخرج داود عبد السيد (كان وقتها سعيدا بفيلمه "البحث عن سيد مرزوق" وكان يحدثني عنه بفخر ويبشرني بأنني سأرى فيه ما أطالب به السينمائيين العرب، أي درجة كبيرة من التحرر في السرد، والحداثية في الأسلوب واللغة. أما الفيلم الذي شاهدناه لداود وقتها فكان فيلم "الكيت كات"). وكان حاضرا في تلك المناسبة أسماء لعمالقة كبار مثل علي بدرخان ورأفت الميهي وكمال رمزي وغالب شعث وعبد الحميد سعيد وصبري موسى والكاتبة الفلسطينية ليانا بدر، والمخرج نبيل المالح من سورية وكان وقتها يقيم في قبرص، كما كان هناك العملاق الكبير الراحل صلاح أبو سيف، وكانت الفرصة الأخيرة لأن ألتقي به مجددا وأتحاور معه في العديد من قضايا السينما، وعرفت منه أيضا الكثير عن حياته الشخصية (توفي بعد ذلك بعامين فقط رحمه الله).


هذه الحياة القاسية
كان بشير القمري (أو القمري بشير حسب ما يكتب إسمه في المغرب!) كاتبا موهوبا، وكان على ما أتذكر أيضا، مولعا بالمناهج الغربية مثل البنيوية والتفكيكية، وكان يستخدمها عند تناوله الأفلام المغربية وغيرها ما يجعله يحملها أكثر من طاقتها، وكنت وأنت تقرأ دراساته ومقالاته التي يبذل فيها جهدا كبيرا (وقد أرسل الي ببعض منها لنشرها في الصفحة التي كنت مسؤولا عنها في جريدة القدس العربي وقتذاك) تشعر بأنين تلك الأفلام المتواضعة تحت أسطر مقالاته وكتاباته. لكننا كنا نقضي ساعات ممتعة مع بشير وهو يقص علينا أغرب القصص، ويروي لنا الكثير من النكات: عن المغرب مما لا نعرفه ولا يمكن أن نعرفه أبدا إلا من أحد أبناء المغرب الحقيقيين الأصليين.

لكن شيئا ما كان يشوب شخصية صاحبنا هذا، فقد كان مقبلا على الشراب بشكل كبير، وكان الشراب يجعله ينطلق ويروي ويحكي وكان حكاء بارعا بالتأكيد، ولم ألحظ أنه كان يتعثر ويتوه في الطريق بفعل احتساء المشروبات الحكولية مع التدخين الكثيف. لكن بعد سنوات معدودة، اختفى بشيرالقمري من الحياة الثقافية المغربية والعربية، فلم نعد نطالع كتاباته التي كان يرسل بها الى الصف والمجلات العربية، ولم نعد نراه أو نسمع عن تواجه في المهرجانات السينمائية المغربية، وهي مهرجانات عديدة بحيث تشعر أنه لا يمر يوم واحد من أيام السنة دون أن يكون هناك مهرجان سينمائي في المغرب في مدينة ما، أو في بلدة ما من بلداته العامرة بالخيرات والشباب النشط الذي يحب السينما ويتعامل معها بجدية كأداة ثقافية ووسيلة فنية في التعبير وليس فقط كمادة للتسلية واللهو.

ماذا حدث لبشير القمري.. ذلك الرجل الذي كان يمكن أن يتسامر حتى الصبا، يضحك إلى أن تدمع عيناه ويجعلنا نضحك معه بلا توقف، أو يمكن أن يغضب فيصبح شديد العنفوان والقسوة.. ماذا حدث له؟

الحياة قاسية.. لاشك في ذلك.. فهي يمكن أن تنم ثم قفجأة تمنع وتتمنع. عرفت قبل فترة أن بشير أصيب بمرض خطير لا أعرف كنهه بالضبط، جعله يصبح عاجزا عن الكتابة وعن الحضور، فقد على إثره جانبا من ذاكرته وآثر الابتعاد والنزواء. وهو شبيه بما حدث لزميلنا القديم قصي صالح الدرويش، الذي عرف بصولاته وجولاته في مهرجانات السينما العالمية والعربية، ثم أصيب بما جعله يبتعد تماما عاجزا عن ممارسة فعل الكتابة بل وعن القيام بأي عمل.. شفى الله الإثنين وبارك فيهما وأعادهما لنا عزيزين مكرمين.

من نقاد السينما المغربة المتميزين أيضا كان هناك عبد السلام بوخزار الذي التقيته كثيرا في مهرجان فالنسيا الاسباني وقت اودهاره في التسعينيات، ثم اختفى عن الأنظار تماما بعد أن اعتنق الأفكار الاسلامية المتشددة وهجر السينما والنقد السينمائي. لكن معظم نقاد المغرب الذين عرؤفتهم في ذلك الوقا مازالوا نشطاء متعهم الله بالصحة والعافية ومنهم الصديق مصطفى المسناوي الذي كانت أخباره قد انقطعت عنا من فترة لكني قابلته وفاجأني بأنه أحد المنظمين الرئيسيين في مهرجان سلا وأعرف بالطبع علاقته الوثيقة أيضا بمهرجان تطوان، وما يواجهونه من مشاكل مع المركز السينمائي المغربي ومديره ولكن هذا موضوع آخر طويل!
مع كمال رمزي وغالب شعث وصحفيتين من المغرب




قلت إنك إن حللت على المغرب لربما وجدت مهرجانا سينمائيا يقام في منطقة ما.. وعندما وصلت أنا إلى الرباط أمس وجدت أن بها بالفعل مهرجان سلا السينمائي لأفلام المرأة، علما بأن سلا مجرد مدينة ملحقة بالرباط تماما مثل علاقة الجيزة بالقاهرة لكن على مستوى أصغر في المساحة بكثير.. بل إنني وجدت أن ضيوف مهرجان سلا ينزلون في نفس الفنق الذي ينزل فيه ضيوف مهرجان الرباط. ومن المقرر أن ينتهي مهرجان سلا يوم الأحد، أي بعد يومين من افتتاح مهرجان الرباط- الذي افتتح الليلة بالفعل- أي أن المهرجانين يتقاطعان معا في يومين أو أكثر.

وقال لي الصديق الناقد محمد أشويكة أن هناك مهرجانا ثالثا للسينما الأمازيغية يقام أيضا في أغادير في نفس الوقت، أي أن هناك لاثة مهرجانات سينمائية في وقت واحد!


هذه الظاهرة
الظاهرة الأكثر بروزا هنا أن كل مهرجانات السينما في المغرب تدعو نقاد السينما في المغرب.. أي أن هؤلاء النقاد يظلون ينتقلون ويعثرون على مادة دائمة متجددة للكتابة والمناقشة والحبث باستمرار. ولكن الملحوظة الغريبة المثيرة للتساؤل أن المهرجانات السينمائية المغربية بعد أن كانت (في التسعينيات مثلا) تهتم كثيرا بنقاد السينما العرب أي من خارج المغرب، أصبحت خلال العشر سنوات الأخيرة، تهتم أكثر بمن يعملون في الصحافة، وخصوصا أشباه الصحفيين من محرري الأخبار الفنية وأخبار الفنانين والفنانات الذين يقومون باجراء مقابلات صحفية سريعة مع هؤلاء، ويحبون دائما التصوير معهم.. مع تجاهل لنقاد السينما المعروفين في العالم العربي. والمصيبة أن هؤلاء أصبحوا أيضا يعتبرون أنفسهم من "نقاد" السينما، بل ومنهم أيضا من أقنع بعض من تلك المهرجانات باختياره عضوا في لجان التحكيم (وهي كارثة أخرى).. وقد يتساءل القاريء: وما ياترى السبب في انتشار هذه الظاهرة السرطانية المخيفة التي تشبه ظاهرة العملة المزيفة التي تتكفل دائما بطرد العملة الحقيقية من الأسواق؟

سوف يفاجأ الباحث بأن "بعض" القائمين على هذه المهرجانات يفضلون هذه النوعية من أشباه الصفحيين من الذين "يسمعون الكلام) ويقومون بدور ما في الدعاية السطحية للمهرجان عن طريق نشر الأخبار عن الفنانين وعن المهرجانات، على طريقتهم الخاصة التي "تتميز"- إذا جاز أصلا إستخدام هذه الكلمة- بالإطناب والمديح المجاني ونشر الصور.. كما يفضلون أيضا صحبة هؤلاء لأنهم يجدون فيهم نوعا من "خفة الظل" على طريقة المسلياتية الذين يجيدون لوك سير الآخرين والتعريض بهم والتنكيت عليهم وأحاديث النميمة والقيل والقال، ومعظمهم من أصحاب الكأس والسيجارة القادرين على جلب بعض الفنانين والفنانات من الذين انتهت مدة صلاحيتهم في السينما المصرية ولكن يتصور بعض القائمين على مهرجانات المغرب السينمائية، أنهم مازالوا يصلحون في إضفاء نوع من الألفة مع الجمهور المغربي خاصة مدمني مشاهدة مسلسلات التليفزيون المصرية. هؤلاء "الأنفار" إذن اقرب ما يكون إلى مقاولي الفنانين- إذا جاز التعبير، ولا أجد غيره في الوقت الحالي لوصف تلك الظاهرة.

صلاح أبو سيف



هذا العام رأينا أمامنا مثلا الممثل محمود قابيل الذي يبدو منذ فترة، باحثا عن دور ما بعد أن أدرك أنه فقد بريقه وما كان يتمتع به وأصبح المنتجون يحجمون عن الاستعانة به في الأفلام خصوصا وفي المجال التمثيلي عموما. فوجئنا بأن هناك من تقدمه – وهي المذيعة المصرية بوسي شلبي التي شاركت إعلاميا مغربيا في تقديم فقرات حفل الافتتاح في تقليد غير مألوف بالنسبة لمهرجانات تقام في المغرب- وهي تشير في نهاية الحفل إلى وجود محمود قايبل كضيف شرف في المهرجان!

يفضل أيضا "بعض" القائمين على هذه المهرجانات صحبة أشباه الصحفيين من هذا النوع الذي نعتبره في مصر "نكرة"، لأنهم يقبلون ما يكلفون به دون أي شروط أو طلبات فكل همهم التواجد في حفلات الطعام والشراب والتقاط الصور مع الفنانين. أما عند مشاهدة الأفلام فلا يصبح لهم أدنى وجود. ظاهرة غريبة كل الغرابة على بلد يقدس الثقافة الحقيقية ويعرف مثقفوه السينمائيون الفرق بين الحق والباطل!

في المسابقة الرسمية هنا 15 فيلما من 13 دولة هي اسبانيا وفرنسا ومصر وسورية  وايطاليا وألمانيا والمكسيك وكولومبيا والأرجنتين والبرازيل وايران وتونس والمغرب.

من مصر يشارك فيلم "الشتا اللي فات" لابراهيم البطوط، وفيلم "هرج ومرج" لنادين خان. ومن سورية فيلم "العاشق" لعبد اللطيف عبد الحميد. وسيتم تقديم برنامج خاص من أفلام السينما الصينية الجديدة (اختيار موفق تماما) مع اختيار لجنة تحكيم من 9 شخصيات سينمائية، تعكس في تكوينها توازنا عربيا أوروبيا افريقيا. ويشارك فيها المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي أتى بفيلمه التسجيلي الجديد "أرض الحكاية" للعرض خارج المسابقة. ويعرض كذلك فيلم "خمس كاميرات محطمة" الذي اشترك في اخراجه الفلسطيني عماد برناط مع مخرج اسرائيلي مؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني ورافض للصهيونية، وهو الفيلم التسجيلي الطويل البديع الذي ترفض أوساط السينمائيين المصريين عرضه في مصر بدعوى أن عرضه سيكون مؤشرا على قبول التطبيع وهي رؤية يسارية طفولية أو موغلة في الفاشية الوطنية التي تعتبر كل ما يصدر من داخل اسرائيل معاديا في حين ان هذا ليس صحيحا والعبرة بالموقف السياسي وليس بالجنسية.. لكن أمام النحبة في مصر سنوات ضوئية قبل ان تفهم هذا لأنها تعيش وسط نوع آخر من الدروشة العقائدية التافهة وتبحث عن ديكتاتور وكني على طريقة المهدي المنتظر المخلص الذي يحق الحق ويعيد الحقوق لأصحابها أي يبحثون في الحقيقة عن معجزة تبريرا للعجز!

على هامش المهرجان ستقام ندوات عدة ومناقشات تعتبر من الفعاليات المهمة في المهرجان.
ولنا عودة إلى مهرجان الرباط وذكريات أخرى..

الأحد، 22 سبتمبر 2013

"أنا.. عربية": العودة إلى يوتوبيا العيش المشترك




أمير العمري


صنع المخرج الإسرائيلي آموس جيتاي شهرته من خلال فيلم "بيت" الوثائقي الذي أخرجه عام 1980، وكان يصور فيه منزلا في القدس الغربية، تناوب عليه الكثير من الأسر مع تعاقب الأحداث والتطورات السياسية في إسرائيل. وكان هذا المنزل أصلا ملكا لأسرة دجاني الفلسطينية حتى عام 1948 ثم آل إلى أسرة من المهاجرين اليهود الجزائريين، ثم انتقل إلى أسرة أستاذ جامعي إسرائيلي من أصل أشكنازي ثم.. لا نعرف من الذي يقيم فيه حاليا. وقد حاور جيتاي في الفيلم المقاول اليهودي العراقي الذي يعمل مع عدد من العمال الفلسطينيون في مستوطنة اسرائيلية قريبة، وجسد المفارقة بين ما يشعر به هؤلاء العمال، وما يقولونه في الفيلم.
كان الفيلم يستخدم البيت كرمز لفلسطين وما حل بها وتعاقب عليها من زمن ومر بها من أحداث. ورغم أنه كان من إنتاج التليفزيون الإسرائيلي إلا أن التليفزيون منع عرضه خشية ما يمكن أن يثيره من جدل وانشقاقات لدى الرأي العام، فقد كان من الواضح أن جيتاي يتعاطف كثيرا مع المالك الأصلي للبيت، أي للطرف الفلسطيني، ويسخر على نحو مجازي، مما آلت إليه الأحوال في فلسطين، وكان البيت هنا رمزا لفلسطين نفسها
وفي العام التالي (1981) صنع جيتاي فيلمه التسجيلي الشهير "وادي" الذي صوره في "وادي روشمية" بمدينة حيفا، وهي منطقة متميزة تقع على مرتفع جبلي، تعيش فيها جماعات من العرب واليهود المهمشين المنبوذين إجتماعيا بسبب فقرهم واعتمادهم على أعمال يدوية متعددة في كسب عيشهم البسيط. ويعتبرجيتاي تلك المنطقة أي وادي روشمية، رمزا لنجاح الفلسطينيين واليهود في التعايش المشترك، يوحدهم الكفاح المشترك ضد الظلم الاجتماعي والتفرقة الطبقية، بل وقد صور جيتاي في نفس المكان الذي توجد به قلعة رومانية قديمة، فيلمه الروائي "إستر".

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger