الجمعة، 5 فبراير 2010

حياة فى السينما: أوراق شخصية ولمحات من ذاكرة جمعية


 بقلم: حسين بيومى



فى وقت واحد تقريبا، وقرب نهاية عام 2009، صدرت للصديق الناقد الكبير أمير العمرى ثلاثة كتب على فترات قصيرة، أثناء زيارته نصف السنوية للقاهرة. ووفق عادة لم تنقطع بيننا، وهى تبادل إهداء الكتب، أهدانى نسخة من كل كتاب من الكتب الثلاثة وهى "حياة فى السينما" و"الشيخ إمام فى عصر الثورة و الغضب" و"إتجاهات فى السينما العربية".
وقد فرحت بطاقة صديقى على العمل ودأبه على الكتابة، كما أسعدنى نشاط ذاكرته التى اعتبرها بلا شك، رغم هجرته الطويلة، جزءاً من ذاكرة الثقافة المصرية عموماً وذاكرة الثقافة السينمائية خصوصاً.
ولأسباب عديدة، بدأت بقراءة كتاب "حياة فى السينما"، وكنت قد قرأت بعضاً منه من مدونته التى تحمل الاسم ذاته، ولهذا وجدتنى استغرق فى قرائته بشغف، ربما لأننى شعرت بأنه أشبه برسالة خاصة، وفى بعض أجزائه، موجهة إلى شخصياً وإلى عشرات من أبناء جيلنا، تذكرنا بأحداث ومواقف ولحظات، ربما نكون نسيناها أو توارت فى الذاكرة الجمعية فبعثها أمير العمرى من جديد. والكتاب موجه أيضاً – حسب المؤلف– إلى فئات من بين أجيال جديدة، وعلاوة على ذلك فأنا أعتبر هذا النوع من الكتب، التى تحمل طابع الذكريات وتحفل باليوميات، أشبه الى حد ما بالأعمال الأدبية من حيث التأثير، وخصوصاً إذا كانت تتضمن خبرات وتأملات ناتجة عن إحتكاك بالواقع واشتباك معه بدرجة قابلة للتعميم
بعض ما كتبه أمير العمرى يأتى من الذاكرة عن وقائع جرت منذ ما يقرب من أربعة عقود، وإن كانت الذاكرة أحياناً قد لا تسعف المرء بكل التفاصيل. كما إنه يكتب من مهجره فى بريطانيا. ومهما كان الأمر، فجوهر ما يكتبه ينم عن إنه يحيا فى مصر بقلبه وعقله وإن كان غائبا عنها بجسده، كما أن ما يتناوله يفصح عن رغبه عارمة فى دوام التواصل مع أبناء وطنه الاول. وهى رغبة واضحة لكل من يقرأ الكتاب، ورغم ذلك فقد حمل أمير العمرى كتابه أحياناً ما لسنا فى حاجه اليه من محاذير وتحسبات، تشكل فى رأيى إعتذارات مسبقة، لن تغنى القارئ المتحيز عن إصدار أحكامه الخاصة على ما يرد فى الكتاب من مواقف واحكام.
يبدأ "حياة فى السينما" بتجربة أمير العمرى، كطالب طب هاوٍ للسينما، وتنتهى بتجاربه كناقد سينمائى محترف يشارك فى، ويكتب عن المهرجانات السينمائية العالمية فى أوروبا وغيرها وفى العالم العربى. وما بين البداية والنهاية، يعرض الكتاب تجارب كثيرة، يتداخل فيها غالبا الخاص و العام، فى جمعيه نقاد السينما المصريين، وجمعية سينما الغد، ومشروع جماعة السينما الثالثة، كما يتناول جوانب من عوالم سينمائية وصحفية وثقافية عامة. ويحتوى الكتاب على ملحقين أحدهما خاص بصور أصدقاء وشخصيات سينمائية ومناسبات، وقد فاجأنى وجود صورة لصديقنا المشترك الراحل نديم ميشيل الذى افتقدت الحديث عنه فى متن الكتاب، إلا بكلمات قليلة، والحق أن "نديم" كان يستحق صفحات وحده، بحكم علاقة الصداقة القديمة والممتدة التى تربطه بالمؤلف، وأيضا بحكم دوره كناشط ثقافى صاحب موقف تقدمى وإنسانى، كان بيته مفتوحا دائماً لإستقبال عشرات المثقفين المصريين.
فى فصل البداية يسهب الكاتب فى توضيح كيف ساهم فيلم لإيليا كازان فى تشكيل وعيه بالسينما والعالم، واللافت للنظر فى هذا الفصل هو اعتراف أمير العمرى بأنه كان ينتمى إلى جيل الغضب، فنحن نراه يتحدث بضمير الجمع: "كنا نرغب فى تغيير السينما وجعلها وسيلة للتعبير الذاتى والشخصى عن موقفنا من العالم، و"كنا نود الإنطلاق من السينما لتغيير العالم نفسه". وهذا الإعتراف الذى يطلع أجيالاً جديدة على مواقف بعض الشباب الثائر والمحتج فى سبعينيات القرن الماضى، هو مفتاح شخصية الناقد والكاتب والباحث أمير العمرى، فإذا كان العمرى قد بدأ حياته العامة داخل "تيار الغضب والتمرد" الذى أعلن عن نفسه بوضوح عام 1968، فإنه الآن ما يزال غاضباً ومتمرداً على الأوضاع المترديه التى آل إليها حال المجتمع المصرى تحت حكم العسكر، وإن كان غضبه وتمرده أصبحا أكثر صقلاً من منطلقات أكثر خبره ونضجاً من ما كان فى سنوات شبابه الأولى، وإن ظل الغضب و التمرد على المستوى الفردى فقط وبعيدا عن الممارسات السياسية التى اعترف بأنه نأى بنفسه عن الإنخراط فيها منذ كان طالباً فى الجامعة.
يشغل عقد السبعينيات مساحة كبيرة من الكتاب، وهو بالفعل أحد أهم عقود جيلنا، فبقدر ما كان إمتداداً للصحوة الجماهيرية التى أعقبت هزيمة 1967 ورفعت شعارات الحرية السياسية
وتحرير الأرض المحتلة من الكيان الصهيونى، والتوجه نحو الديمقراطية وحرية التعبير، كان العقد أيضاً عقد انكسار الحلم، حيث راحت السلطة تبيع الأوهام وتنشر الاكاذيب، ورأينا المصريين لأول مرة فى التاريخ يتشتتون فى أرجاء الأرض حاملين معهم خيبات آمالهم. وفى هذه الظروف وفى منتصف العقد تقريباً نشأت ونمت صداقتى بأمير العمرى. كنت قد سرحت من الخدمة العسكرية بعد حربين، وبعد ست سنوات فى ميدان القتال، وبدأت فى كتابه النقد السينمائى والإنخراط فى أنشطة الجمعيات السينمائية والحياة الثقافية. تعرفت على أمير العمرى فى نادى سينما القاهرة. ومن اللقاء الأول كان هناك الكثير مما يجمعنا معاً: التفاؤل والتمسك بالحلم والتنزه عن الأغراض الشخصية، والصراحة المطلقة فى قول ما نؤمن به.
كنا نلتقى فى عروض جمعيات سينمائية مثل جمعية الفيلم ونادى سينما القاهرة وجمعية نقاد السينما المصريين ونجلس على المقاهى نتناقش حتى ساعات متأخرة من الليل مع أخرين. وعن هذه الفترة التى لم تدم إلا نحو عامين كتب أمير العمرى عن تجربتنا المشتركة فى جمعية سينما الغد. غادرت إلى ليبيا للعمل فى نهاية عام 1976 وعدت عام 1980، وغادر أمير إلى الجزائر عام 1980 للعمل كطبيب ومنها إلى بريطانيا 1984 للعمل والدراسة والاقامة. لكن أواصر الصداقة بيننا لم تنقطع أبداً رغم سنوات الهجرة الطويلة. وحين عاد أمير إلى مصر نهاية عام 2000، محاولاً إنهاء الهجرة والعودة من جديد للوطن، وهى محاولة باءت للأسف بالفشل، وتركت فى نفسى جرحاً عميقاً، أعدنا رباط السبعينيات القوى، وبذلنا جهداً مشتركاً مع أخرين متحمسين، وبقدر استطاعتنا، لتنشيط دور جمعية نقاد السينما المصريين والمساهمة فى تطوير النقد السينمائى فى مصر.
ما كتبه أمير العمرى عن تجربة الشباب داخل جمعية سينما الغد فى السبعينيات، هو وفى حدود علمى أول ما كتب عن هذه الجمعية حتى الآن، وهي بلا شك إحدى إضافات هذا الكتاب إلى الأدبيات السينمائية فى مصر.
وتكشف تجربة لجنه تحكيم مهرجان أوبرهاوزن بألمانيا عن كواليس المهرجانات الدولية، حيث المفارقات وإفتقاد العدالة فى النتائج أحياناً، كما تبين إلى إى مدى يمكن للأهواء والحسابات السياسية وحتى الإنحياز لبعض التفضيلات الجمالية، أن تطيح بأفلام ذات قيمة لحساب أفلام أخرى. وهذه التجربة قد تكون ذات فائدة، لا للنقاد السينمائيين فقط، بل للمشاهدين والقراء العاديين أيضاً.
يضم الكتاب ملحقاً يتضمن تسجيلاً لندوة عقدتها جمعية نقاد السينما المصريين عام 1976 حول الدورة الأولى لمهرجان القاهرة السينمائى. ولأن كتاب "حياة فى السينما" ليس كتاب معلومات وإنما كتاب يغلب عليه الفكر النقدى، أى إصدار الأحكام وتقييم المعلومات بعد تحليلها، ورغم التوضيح الذى وضع الندوة فى سياق أحداث السبعينيات، إلا أن المؤلف كان ينبغى أن يلقى مزيدا من الأضواء على مهرجان القاهرة السينمائى، خصوصاً أن له موقفاً معروفاً ومعلناً من المهرجان حتى فى أحدث دوراته. وربما كان نشر صفحات من "الكتاب الأسود" الذى جاء ذكره فى تقديم الندوه كافياً بالغرض.
يتحدث فتحى فرج الناقد الكبير الراحل فى هذه الندوة عن سينما رخيصة وسينما رجعية وسينما متخلفه، ولم يبق فى زمن العولمة، رغم إنتشار الصحافة الواسع والصحف التى لا تعد ولا تحصى، إلا القلائل جداً من النقاد والصحفيين الذين يستخدمون تلك التوصيفات. فالعولمة وما بعد الحداثة وإفتقاد العلمانية واعتبار الدين هو كل الثقافة، عوامل شكلت الحجج الواهية لمروجى الفن الرخيص والرجعى والمتخلف من مدعى النقد، وكالعادة فإن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق.

الخميس، 4 فبراير 2010

يوميات مهرجان روتردام 6

أنطوان خليفي المسؤول عن المهرجانات السينمائية والأفلام في مؤسسة يونيفرانس المختصة بالترويج للسينما الفرنسية في العالم، ترك هذه المؤسسة أخيرا، بتليفزيون العرب (إيه آر تي) التي تتخذ من القاهرة مقرا لها، والتي تردد أن صاحبها الشيخ صالح كامل قد باعها أو في طريقه إلى تصفيتها بشكل كامل.
أنطوان أصبح مستشارا للشركة لشؤون التوزيع،ولكنه باق في باريس. وهو يصرح لصحيفة المهرجان الومية بأن إيه آرتي تريد حاليا أن تكثف من استثماراتها في الأفلام العربية التي يمكن أن تحمل في مشاريعها آفاقا لاختراق أسواق التوزيع العالمية.
ويعلن أيضا أن الشركة ستقدم تمويلا جزئيا للفيلم الجديد للمخرجة اللبنانية نادين لبكي (صاحبة فيلم سكر بنات) التي أوشكت على الانتهاء من كتابة النسخة النهائية من سيناريو الفيلم الجديد، دون أن تختار له عنوانا بعد. ويتوقع أن تقدم المنتجة الفرنسية آن ماري توسان من شركة "ليه فيلم ديه تورنيل" أكثر من نصف ميزانيته.
أما مشاركة إيه آرتي فهي ستأتي على أساس الحصول على حقوق توزيع الفيلم في عموم بلدان الشرق الأوسط.
خليفي موجود في مهرجان روتردام الذي سبق أن تردد عليه كثيرا عندما كان مسؤولا عن التسويق في يونيفرانس.
بالمناسبة، منصبه في يونيفرانس لايزال خاليا، ليت أحد أصدقائنا، خبراء السينما العرب المقيمين في العاصمة الفرنسية، يتقدم له.. ولم لا؟
حتى ما بعد منتصف الليل قضيت نحو ساعتين في مشاهدة الفيلم التركي "10 إلى 11" للمخرجة بيلين اسمر، وهو أول أفلامها الروائية الطويلة بعد عدد من الأفلام التسجيلية.
الفيلم نفسه لم يبهرني كما بهر آخرين، وأظن ان مخرجته أكثر جاذبية منه بكثير، فهي تجيد الحديث عن نفسها وعن فيلمها الذي قالت لي إنها استوحته من قصة حياة عمها العجوز المسن (83 سنة).. والقصة تدور حول هذا الرجل العجوز المغرم إلى حد الهاجس أو الوسواس القهري الملح، بجمع واقتناء الصحف والمجلات والمطبوعات والدوريات، بل وكل ما يتعلق بما هو مطبوع بما في ذلك الاعلانات، بل وبكل ما هو قديم. وهو يضع تواريخ وعلامات معينة على كل من تلك المقتنيات. وقد كدس أكواما من تلك المقتنيات كما يسميها، في مسكنه في ذلك المنزل القديم الذي أصبح آيلا للسقوط بفعل زلزال ضرب استانبول أخيرا. سكان المنزل يرغبون في بيعه والحصول على مبالغ مالية كبيرة تتيح لهم الانتقال إلى مسكن أكبر وأحدث، لكن صاحبنا لا يريد أبدا أن يتزحزح ويهجر تاريخه الشخصي وكل حياته القائمة في تنلك الشقة، مصرا على البقاء بها رغم التهديدات والتحذيرات التي يتلقاها من البلدية.
أما الجانب الآخر الذي يحدث نوعا من التوازن مع تلك الشخصية في الفيلم فهو بواب المنزل (علي) الذي يختلف كلية في طموحاته وتطلعاته وخلفيته وإحساسه بأهمية تلك الكتب والمطبوعات والمقتنيات عن صاحبنا. فهو شاب قادم من الريف إلى المدينة، لا يشعر ابدا بالمدينة وتاريخها كما يشعر الرجل العجوز (مدحت بك) الذي يكلفه بقضاء بعض الأشياء له، لكن البواب يستغل الفرصة لتحقيق بعض المكاسب التي قد تكفل له الخروج من الشقة الرطبة الخانقة الكائنة في الطابق الأرضي.
الفكرة، دون شك، جديدة، ولكنها تروى من خلال أسلوب سينمائي ، يبدو أن صاحبته تسير بالمسطرة، على الكتاب، سواء في استخدام الكاميرا، أو في المونتاج، أو في استخدامها المكثف للحوارات الطويلة المرهقة للتعبير عن التناقض بين الشخصيتين، دون طموحات كبيرة لاختراق الشكل الكلاسيكي، بل إنه بدا في الكثير من المشاهد، وكانه جزء من مسلسل تليفزيوني أو تمثيلية سهرة تليفزيونية.
هذا الفيلم حصل على جائزة أحسن اخراج لفيلم من الشرق الأوسط في مهرجان أبو ظبي الأخير، وكان رأيي الذي قلته لانتشال التميمي بعد أن شاهدت الفيلم في روتردام، إنني لا أتفق مع تلك الجائزة، بل أمنحه جائزة التمثيل لبطله العجوز الذي أبدع وبرع، بل إنه صنع بحق، معجزة حقيقية بأدائه البسيط التلقائي الذي جعله يحمل الفيلم على كتفه. انتشال قال لي: عليك أن تسأل صديقك محمد خان في ذلك فقد كان عضوا في لجنة التحكيم واعجب كثيرا بالفيلم!
الطريف أن مخرجة الفيلم فاجأتني عندما قالت لي إن الممثل الذي أدى دور (مدحت بك) هو عمها الحقيقي، وإنه لم يسبق له الوقوف أمام الكاميرا قط، وأن الكثير من السينمائيين والنقاد في تركيا كان رأيهم من رأيي، أي أنه يجب منحه جائزة التمثيل في المهرجان السنوي الوطني، لكن الفكرة استبعدت بدعوى أنه ممثل غير محترف، وهو في رأيي، أسخف تبرير، فأداء هذا الرجل، واسمه مدحت أسمر، أداء عبقري شديد الإقناع والتأثير والجمال، بكل تصلبه ورقته وهمساته الحالمة التي تجعله يبدو غائبا عن الدنيا وعن ما يحدث فيها، مستغرقا في عالمه الخاص. لقد بدا مقنعا أكثر من أي ممثل محترف في القيام بدوره الحقيقي في الحياة.
ولعل من أفضل ما في هذا الفيلم أيضا، المشاهد العديدة التي تظهر لمعالم مدينة استانبول غير السياحية، مما يجعله أيضا، فيلم عن المدينة، عن ذاكرتها، وعن ماضيها وحاضرها، خاصة واننا نستمع مع الرجل، إلى بعض شرائط التسجيل القديمة، منها ما يبثه بيان للجيش التركي في الراديو، يعلن فيه استيلائه على السلطة عام 1960، في انقلاب عسكري شهير.
أما أفضل الأفلام التي شاهدتها في المهرجان فهو دون أدنى شك، الفيلم الصيني "مدينة الحياة والموت" City of Life and Death للمخرج الكبير لو شون الذي يعيد تجسيد الأحداث الرهيبة التي صاحبت غزو الجيش الياباني لمدينة نانجنج التي كانت تعتبر العاصمة المتقدمة للصين، عام 1937، وما أعقب استيلاء اليابانيين على المدينة، من قتل جماعي واغتصاب منهجي، لنسائها، وكيف قاومت النساء، وكيف كان هناك شهود على تلك المشاهد التي تقدم هنا باستخدام كاميرا حرة محمولة على اليد، وبالأبيض والأسود، بكل تفاصيلها ودقائقها، دون أن يخلو هذا العمل الكبير من حس شاعري نبيل، وإحساس عذب بضرورة انتصار الحياة.
سيناريو مكتوب ببراعة، يحتوي على كل التفاصيل والشخصيات المتباينة، من الخائن الذي يتعامل مع الغزاة، إلى الجندي الياباني ذي النزعة الإنسانية الذي يرفض الانسياق وراء القتل، ويدفع الثمن، إلى المرأة التي تحاول مساعدة السجناء الذين يساقون إلى الاعدام وغيرها.
وليس من الممكن هنا الاكتفاء بهذه العجالة التي تهدف إلى التعريف العام بالفيلم، بل إنه دون شك، يستحق مقالا قائما بذاته في المستقبل.

الاثنين، 1 فبراير 2010

يوميات مهرجان روتردام 5


لا أعرف ماذا حدث للسينما اليابانية ذات التاريخ العظيم؟ أين أيام أوزو وكيروساوا وميزوجوشي وكوباياشي وأوشيما، وأين ذهبت تلك السينما ذات التقاليد الراسخة التي بهرت الدنيا كلها طوال ثلاثة عقود على الأقل في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؟
لم أعد أرحب كثيرا بمشاهدة أي فيلم ياباني معروض في أي مهرجان، فمن تكرار التجربة اكتشفت أن هذه الأفلام عادة ما تدرج في برامج المهرجانات من أجل عيون اليابان، وليس إيمانا بأنها أفلام ذات أهمية خاصة، فالاهتمام هنا جغرافي وسياسي أكثر منه فني. وربما باستثناء فيلم أو فيلمين، خلا العقد الماضي كله تقريبا من أي أفلام يابانية عظيمة يمكن اعتبارها علامات. واصبح اهتمام مشاهدي الأفلام اليابانية ينحصر حاليا في أفلام الرسوم اليابانية المميزة، وأفلام المخرج الوحيد ذائع الصيت عالميا، تاكيشي كيتانو Kitano، وهو مخرج أراه متواضعا، يصنع أفلاما تفتقر كثيرا إلى التعبير عن الثقافة اليابانية في جوهرها وتناقضاتها.
شاهدت اليوم فيلما يابانيا في مسابقة المهرجان وهو بعنوان "ميوكو" Miyoko للمخرج تسوبوتا يوشيلومي، وهو فيلم ممل، شديد الفقر والادعاء، أقرب إلى ما أطلق عليه "إلى التجريب في الهواء"، وهو يصور كيف يستدعي رسام للمجلات الملونة ذكرياته مع زوجته التي كان مهووسا برسم جسدها عارية خلال السبعينيات، وكيف كان هوسه الجنسي بها يدفعه إلى تجربة أشياء غريبة معها، حتى ولو تبادل الجنس مع عشيقة صديق له أمامها. ولو كان هذا الفيلم قادما من السويد لكان معقولا، أما أن يأتي تحديدا من اليابان، فلا أدري أي ثقافة تلك التي يعبر عنها هذا الفيلم صاحب الرؤية العدمية، وما كل هذا الخواء في المواضيع، وهل عقم التاريخ الياباني بل والواقع الياباني المعاصر، عن توليد القضايا الكبرى في الفن!
يردنا هذا الفيلم إلى فيلم ياباني آخر معروض هنا خارج المسابقة، هو فيلم "دمية الجنس" (وهذا اجتهاد شخصي في ترجمة عنوانه الأصلي وهو Air Doll أي العروس البلاستيكية العارية المصنوعة على شكل امرأة مثيرة جنسيا والتي يشتريها بعض الرجال غير المتوازنين نفسيا، لمضاجعتها!
وقد سبق أن شاهدت هذا الفيلم في مهرجان كان، وهو يناقش من زاوية فلسفية متحذلقة كثيرا، فكرة المشاعر الانسانية: ما هي، وما الذي يميز الانسان عن الجماد والحيوان، وهنا نرى كيف تحول الدمية لتصبح كائنا حيا، تكتسب تدريجيا صفات إنسانية وتشعر أيضا بالحب، بعد أن تقع في غرام سيدها!
* شاهدت أيضا فيلم Northless المكسيكي الذي يمكن ترجمته إلى "وهم الشمال"، وقد حصل هذا الفيلم على عدد من الجوائز منها الجائزة الكبرى في المهرجان الأمريكي- الفرنسي الذي يقام لأسباب "شخصية" غير معلنة، في مدينة مراكش المغربية بإدارة أجنبية. وكان عضو لجنة التحكيم هناك المخرج الإيراني عباس كياروستامي، كما حصل على تنويه خاص في مهرجان أبو ظبي (الشرق الأوسط)، وكان كياروستامي أيضا رئيسا للجنة التحكيم.

والفيلم من اخراج ريجوبيرتو بيرزكانو Rigoberto Pérezcano ويصور بأسلوب محكم، وأداء رصين واثق، كيف يصر عاطل مكسيكي على عبور الحدود إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه يفشل فيقضي بعض الوقت مع صاحبة دكان لبيع الفواكه والخضراوات، تستضيفه كما تستضيف امرأة أخرى عبر زوجها الحدود منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم يسأل عنها منذ ذلك الحين، تماما كحالة صاحبة الدكان التي تخلى عنها زوجها بعد عبوره إلى الشمال. وبطل الفيلم "أندرياس" متزوج أيضا ولديه ولد وبنت، لكنه يصر على مواصلة المشوار رغم أنه بات يعرف جيدا المصير الذي ينتظره في نهاية الطريق، ورغم إغراء البقاء والاستمتاع بمعاشرة المرأة الجميلة التي تبدي نحوه الكثير من المشاع، أو ربما أيضا المرأتين اللتين لم تتوانيا عن اغوائه واغرائه للبقاء بشتى الطرق.
ميزة الفيلم أنه مصنوع برقة وبساطة، ورونق، ساعد عليه ابتعاده عن كل ما يتوقع عادة في هذا النوع من الأفلام، فلا توجد هنا مطاردات، ولا كلاب متوحشة على الحدود، ولا مشاهد جنسية، رغم أن الجنس كامن ولكن من خلال الإيحاءات فقط، كما أن الحوار في الفيلم بسيط وقليل. وأسلوب الاخراج محكوم تماما، فالقطع من لقطة إلى أخرى في مكانه بالضبط، والأداء يعبر عن طريق النظرات والإيحاءات أكثر من الحوار والحركات الجسدية المباشرة، ويبتعد الفيلم عن تصوير المبالغات في المشاعر، بل على ما يتولد من داخل المشهد من معان لا حاجة بها للكلمات، كما يستغني عن الموسيقى في معظم مشاهد الفيلم باستثناء مرتين نستمع إليها من مصادرها الطبيعية، وهو بذلك، ربما كان يذكرنا على نحو ما، بأسلوب المخر ج البولندي الراحل كريستوف كيشلوفسكي.
* في المهرجان فيلم بعنوان "الحمار" Donkey وفيلم آخر بعنوان "القرد" The Ape والغريب أن العرض، الصحفي للفيلمين امتلأ عن آخره بالصحفيين والنقاد على غير العادة، لأن هناك 6 قاعات تعرض لضيوف المهرجان بالاضافة إلى عروض أخرى في 14 قاعة للجمهور.
لم أشاهد "الحمار"، لكني شاهدت "القرد"، وهو فيلم سويدي من اخراج جانسر جانسلادت.
ومرة أخرى ذكرني هذا الفيلم أيضا بأفلام الراحل الكبير كيشلوفسكي صاحب ثلاثية الألوان (الأبيض والأزرق والأحمر) في ابتعاده عن المبالغات وتركيزه على الفرد بعيدا الجماعة والمجتمع، وبعيدا أيضا عن الشروح والتفسيرات النفسية والاجتماعية والخلفيات العديدة التي يمكن أن يغري بها موضوع كهذا الذي يتناوله الفيلم. ما الموضوع إذن؟

رجل يعمل مدرسا لتعليم قيادة السيارات، يقتل زوجته ويطعن ولده الوحيد، ويخرج إلى العمل، لكنه يعجز عن مواصلة الدرس مع تلميذته، فيعود لكي ينقذ ابنه قبل أن يموت وينقله إلى المستشفى، ثم يعود لكي يلعب التنس مع صديق له، ويزداد هستيرية في تصرفاته، ثم يحاول العودة إلى منزله لكنه يجد الشرطة عند المدخل، فيذهب إلى منزل أمه لكي يقتلها بعد أنتكون قد أعدت له طعام العشاء.
نحن لا نرى أبدأ مشاهد القتل، لكننا نستنتج فقط ما حدث، لأننا نرى آثار القتل، جثة الزوجة على أرضية الغرفة، الطفل تحيط به الدماء، الرجل نفسه يستيقظ في أول مشاهد الفيلم وملابسه ملطخة بالدماء.
فيلم سويدي تماما، يعبر عن الوحدة القاتلة، والاكتئاب الذي يدفع، إما إلى القتل، أو إلى الانتحار، وبالمناسبة يحاول الرجل الانتحار بالوقوف أمام قطار مسرع لكنه يجبن في اللحظة الأخيرة. والأجواء في الفيلم الذي تحدث قصته في يوم واحد فقط، تبدو مجردة، خارج مجال التحليل النفسي والاجتماعي، لكننا ندرك من البداية، كما يدرك أصدقاء الرجل، أنه في حالة خلل نفسي خطير، ولكن دون أي تفسيرات فرويدية أو غيرها، اكتفاء فقط بتقديم وصف مورفولوجي للحالة الفردية الإنسانية بعد ارتكاب الفعل.
الطفل يروي في النهاية لأبيه الحلم الذي حلم به ليلة أمس (أي ليلة القتل)، فيقول له إنه حلم بأن الجميع حيوانات فيما الأب.. فيسأله أبوه: وماذا كنت أنا في الحلم؟ فيجيبه الولد: كنت نفسك فقط!
وينتهي واحد من أكثر الأفلام التي شاهدتها هنا إثارة للذهن والعين والفكر. وإلى اللقاء.

الأحد، 31 يناير 2010

يوميات مهرجان روتردام 4


كان لابد أن يكون اليوم مختلفا عما سبقه من أيام. استيقظنا على موجة هطول كثيف للجليد استمرت طيلة انهار، وخرجت أمشي بصعوبة وبحذر شديد فوق الثلوج التي انتشرت وغطت المدينة بأكملها. لكن هذا لم يمنع خروج عشاق السينما أفواجا، وجدت فوجا كبيرا منهم يصطف أمام قصر المهرجان (بداخله قاعتان للعرض السينمائي) في انتظار أن يفتح ابوابه في التاسعة صباحا.
هذا الاقبال الكبير من جانب جمهور روتردام هو إحدى العلامات المميزة لهذا المهرجان الذي يحقق سنويا طفرة في عدد مرات الدخول التي تتجاوز 336 ألف تذكرة دخول للقاعات.
موجود هنا من بين أصدقائنا السينمائيين والنقاد (وهم قليلون جدا) السينمائي العراقي قتيبة الجنابي الذي حضر أساسا لاجراء اتصالات للحصول على تمويل لفيلم يعتزم اخراجه ليكون فيلمه الأول كمخرج بعد أن صور 7 افلام.
قتيبة مصور عظيم درس التصوير السينائي في معهد السينما ببوادبست، لكنه يريد أن يصبح مخرجا ويترك التصوير وهو ما دعاني إلى أن أقول له: كلكم تريدون هجر التصوير والتحول للإخراج فمن الذي سيصور الأفلام إذن؟ وكان زميله الصديق قاسم عبد قد هجر أيضا التصوير وأخرج فيلمه الطويل الأول من النوزع التسجيلي وهو فيلم "زمن السقوط".
قتيبة قال لي ردا على استفساري إنه لم يعد يطيق أن ينتظر وراء المخرج سنوات حتى تتاح له فرصة العمل بالتصوير، أي أنه يرفض تلك التبعية للمخرجين وانتظار أن تنفذ مشاريعهم، ويرغب بالتالي في تولي أموره بنفسه. وقد حصل بالفعل على جزء من التمويل من مؤسسة هيوبرت بالس الهولندية، ويسعى حاليا لتسويق مشروع فيلمه هنا في سوق روتردام الشهير.
رغم الثلوج، أو ربما بسبب الثلوج، قررت أن أشاهد اليوم ستة أفلام، أي أن أقضي اليوم كله في الخارج. وقد نجحت التجربة وشاهدت الأفلام الستة من التاسعة صباحا حتى الحادية عشرة مساء دون أن أغادر أي عرض من العروض قبل نهايته.
وعلى العكس من أفلام الأمس، كان هناك عدد لا بأس به من الأفلام الجيدة اليوم، منها الفيلم الإيراني "طهران للبيع My Tegran for Sale الذي يستحق مقالا خاصا نظرا لأهميته ولأنه اكتشاف حقيقي. ويكفي أن أقول إن الفيلنم صور بكامله في طهران (سرا بالطبع) ويتضمن الكثير من المشاهد الجريئة التي لم يسبق ظهورها في فيلم ايراني من قبل، كما أنه رغم جرأته السياسية، لا يبيع باستخذاء بضاعته للغرب للحصول على مباركته، بل على العكس تماما من الفيلم سيء الصيت "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية" لبهمن قبادي الذي سبق أن عرض للمرة الأولى في مهرجان كان، وطاف بعد ذلك عددا من المهرجانات آخرها هنا في روتردام. وشتان ما بين الفيلمين في اللغة والأسلوب الفني بل وتفاصيل الموضوع. إنه عمل هجائي آسر من خلال أسلوب شعري مبتكر يجعلك لا تستطيع أن ترفع عينيك دقيقة واحدة بعيدا عن الشاشة.
الفيلم الثاني المتميز هو فيلم من الانتاج السلوفيني الألماني الصربي الكرواتي المشترك. وهو بعنوان "فتاة سلوفينية" Slovenian Girl للمخرج دميان كوزول. ويصور كيف تتحول طالبة في الجامعة في الثالثة والعشرين من عمرها إلى عاهرة محترفة تتردد على الفنادق الفاخرة، تختار زبائنها من الأوروبيين الأجانب لطن أحد هؤلاء الزبائن يسقط ميتا قبل أن يمارس معها الجنس في غرفته بالفندق، فتبلغ الإسعاف وتهرب لكي تصبح بعد ذلك مطارة من جانب الشرطة. هذا الموضوع ينجح السيناريو الممتاز في جعله عملا يحمل في طياته الكثير من التفصيل الانسانية المهمة، وينتقل من أسرة الفتاة الممزقة، إلى علاقتها بأستاذها في الجامعة، إلى تطلعها لشراء شقة في المدينة، إلى محاولات مستميتة من جانب اثنين من القوادين لتطويعها والسيطرة عليها بالقوة، إلى علاقة فاشلة لها مع رجل ترك زوجته بسببها دون أن يعرف بالطبع أنها تمتهن الدعارة. الحياة المزدوجة للفتاة مقدمة هنا على صعيد الدراما الاجتماعية النفسية، ومن خلال اسلوب واقعي تماما، وليس على طريقة العبقري لوي بونويل في "حسناء النهار" Belle de Jour مثلا. ولعل أهم جانب في الفيلم هو ذلك الأداء العبقري من جانب الممثلة المسرحية نينا إيفانسين التي تتحكم في أداء دور الفتاة التي تختار عن وعي وعن تصميم وعن حسابات دقيقة الانتقال إلى الجانب الآخر، ولكنها تظل أساسا نموذجا إنسانيا يفتقر إلى الحب وإلى الإحساس بالحياة.
وكان هناك أيضا فيلم ثالث بعنوان "رابيا" Rabia مكسيكي (مشترك مع كولومبيا واسبانيا) أعتبره تحفة في موضوعه المثير الذي يذكرك بشبح الأوبرا ولكنه يؤنسن الموضوع أكثر ويجعله قريبا من قلوب المشاهدين ويدخل عليه الكثير من التفاصيل المتعلقة بالواقع الذي تدور في اطاره الأحداث. إنها قصة حب بين شاب وفتاة يصيبها من البداية سوء الطالع مما يؤدي إلى ارتكاب الشاب جريمة قتل عن طريق الخطأ ثم الهرب والاختباء في غرفة علوية في منزل السادة الذين تعمل لديهم حبيبته الفتاة الجميلة البريئة "روزا" خادمة.
الشاب مهاجر غير شرعي يطرد من عمله بسبب تأديبه لرجلين تهكما على علاقته بالفتاة، ثم يتشاجر مع رئيسه في العمل الذي يطرده ويحرمه بالتالي من المسكن غير الانساني الذي وضعه فيه مع غيره من المهاجرين غير الشرعيين (ستة أفراد في غرفة واحدة)، ثم ينتقم من ابن أصحاب المنزل بعد أن يغتصب روزا، بأن يخنقه ويصور الأمر على أنه حادثة. وهو لا يجرؤ أبدا على النزول من مخبئه هذؤا والاعتراف ذلرزوا بما فعله بل يفضل العيش مع الفئران، وتقاسم فضلات الطعام معها على أن يعرض روزا للخطر بسببه.
الفيلم بالطبع لا ينتهي هنا لكنه يحمل في كل مشهد من مشاهده مفاجأة تطور الحبكة وتدفع الفيلم إلى الأمام، لتجل المشاهدين يتابعون باهتمام تفاصيل السيناريو المحكم والاخراج الذي لا يسقط في أي خطأ، حيث لا توجد لقطة أو مشهد أطول مما ينبغي، أو أقصر مما كان يجب.
ولعل أفلام اليوم المتميزة جاءت في معظمها، من السينما التقليدية التي تعتمد على رواية قصة وليس على الأفلام التي تسعى إلى تجاوز الأشكال التقليدية والسباحة في عوالم أكثر رحابة، فهذه النوعية فشلت من خلال ما شاهدته هنا حتى الآن في اقناعي بأنني أمام عمل متماسك يبشر بموهبة حقيقة، باستثناء الفيلم الإيراني الذي أخرجته الشاعرة جراناز موسوي التي تقف وراء الكاميرا للمرة الأولى كمخرجة. ولنا حديث آخر حول هذا الفيلم تحديدا.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger