السبت، 30 يناير 2010

يوميات مهرجان روتردام 3



كتبت أمس أن كثرة عدد الأفلام في مهرجان ما، ليست ميزة في حد ذاتها، وكنت أقصد أنني أفضل أفلاما أقل ولكن جيدة، على أفلام كثيرة معظمها رديء.
اليوم يوم الأفلام الرديئة في المهرجان بلا شك. فيلم ياباني بالأبيض والأسود يدعى "عائلة صيف" من التمويل الفرنسي، يتحذلق ويفتعل لكي يرضي الفرنسيين، حتى أنه جعل اليابانيين يفكرون في الحياة مثل الفرنسيين، أي جعلهم يفتقدون أهم سماتهم الأصيلة أي ثقافتهم!
فيلم آخر من فرنسا نفسها بعنوان "ليلة زرقاء" لا علاقة له بما يمكن أن يوحي به العنوان بل ولا علاقة له بأي شيء يمكن فهمه، لدرجة أنك تتحسر على ما أنفق عليه من مال!
أما كارثة الكوارث فهي الفيلم الفرنسي – مرة أخرى- الذي أخرجته اللبنانية ديما الحر بعنوان "كل يوم عطلة" أو كل يوم عيد، وهو عنوان متحذلق ومفتعل لا علاقة له بالفيلم، لا من قريب ولا من بعيد.
والفيلم، إذا اعتبرنا هذا فيلما حقا، فهو يصلح مشروعا للتدريب على التصوير، يدور في لبنان، ولكنه لبنان المجرد من كل ما نعرفه عنه، وهذا ليس عيبا، لكنه يدخلنا بعد ذلك في قصة عجيبة حول مجموعة من النساء يركبن حافلة تتوجه إلى سجن خارج المدينة، لزيارة أزواجهم. وفي الطريق تتعرض الحافلة لاطلاق نار مما يؤدي إلى موت السائق، وتجد النساء أنفسهن في بقعة صحراوية خربة، ثم تنفصل ثلاث نساء هن بطلات الفيلم عن المجموعة، لكي يعدن أدراجهن. وفي الطريق نرى أن هناك انفجارات من بعيد وأصوات طائرات في الجو، ومنازل خربتها الحرب، ورجل يحمل أقفاصا من الدجاج فوق شاحنة يعرض توصيلهن لكنه يتخلى عنهن بعد ان يذب لتلبية نداء فرقته الأمنية، فهو رجل أمن لكن لأي جهة، لا ندري.
النساء الثلاث منهن واحدة فرنسية لا تتكلم العربية شأنها شأن هذا الفيلم الذي يندر استخدام العربية فيه بل ان سائق الحافلة الكهل يستخدم أيضا الفرنسية قبيل انطلاقه في الرحلة، كما تستخدمها سيدة عجوز من راكبات الحافلة، تتحدث حديثا كله هراء، عن ولعها بالتدخين ونحو ذلك من ترهات.
أما النساء الثلاث فالكاميرا تتركز على سيقانهن أكثر من وجوهن، وهن يمشين في الصحراء وتتذكر كل منهن مأساتها مع زوجها: الأولى تحمل في حقيبة يدها مسدسا لتوصيله إلى زوجها حارس السجن، والثانية ترغب في زيارة زوجها الذي قبض عليه ليلة زفافهما، والمرأة الثالثة تحمل أوراق قضية طلاق وتسعى لاقناع زوجها بتوقيعها.
ولا نريد أن نتغلغل في تفاصيل الموضوع لأن اهتمام صاحبة الفيلم ليس بالموضوع بل باختلاق مواقف سخيفة للغاية، لكي تتباكى من خلالها على تفكك البنية اللبنانية وضياع المرأة بين فكاك الرجال حتى دون أن نراهم في الفيلم، واختلاق مشاهد مفتعلة تعاني من البطء القاتل، وأسلوب في السرد يقتلك من الملل، وكاميرا تتوقف أمام اللقطة الواحدة لعدة دقائق أحيانا، وحكايات مقززة من نوع ما ترويه إحدى النساء عن تلك الرائحة القذرة التي تنبعث من جسدها بين فترة وأخرى، تخنقها، وتقتلها، والمرأة تطلب أن تغتغسل، وتفتح ساقيها وتنزل ملبسها الداخلي، وتتركز الكاميرا عليها في هذا الوضع الغريب وهي تر دد كلمات كثيرة عن الرائحة الخانقة، فهل هناك انعجام للحس والذوق أكثر من هذا!
هل هذا هو الشعر السينمائي، أم نوع من الهواجس المرضية، والرغبة المقيتة في تعذيب المشاهدين وتنفيرهم من السينما. وما تلك المشاهد المتراكمة الجامدة التي لا تضيف أي شيء إلى هذا الموضوع المفتعل افتعالا لإرضاء الفرنسيين، فقد بات يكفي عند بعض السينمائيين، أن يأتي بعدد من النسوة في أي مكان من العالم العربي، وحبذا لو تكون بينهن امرأة فرنسية، لكي تتكلم عن عذاب النساء في مجتمع يشيع فيه الاضطهاد والتفرقة والقتل وما إلى ذلك، من قوالب وأفكار مستهلكة.
في الفيلم خمس سيارات لدفن الموتى تسير في الصحراء والصوت الصادر من احداها هو صوت المقريء عبد الباسط عبد الصمد، يقرأ القرآن، ثم نرى خمسة نعوش يحملها أشخاص غامضون لدفنها في الصحراء. وواضح أن هذا النوع من المشاهد المنفصلة المفتعلة افتعالا، هو ما أغرى هذه المخرجة المبتدئة التي ضلت طريقها تماما، بالاقدام على صنع فيلم يصلح للتدريس على طلاب السينما لمعرفة النوعية الرديئة التي يتعين عليهم تجبنها.
"كل يوم عطلة" وكل يوم فيلم رديء لدرجة أنني أفكر جديا في تجنب الكتابة عن الأفلام الرديئة وتركها تذهب إلى مصيرها وحدها مع نفايات التاريخ، فالأفضل بكل تأكيد أن يكتب المرء عما يحبه، وعما يجده مفيدا للآخرين!
طبعا انا مصر على أن هذا فيلم فرنسي بالكامل حتى لو كان قد صور في لبنان باستخدام بعض الممثلات اللبنانيات، فهو أولا من الإنتاج الفرنسي، وثانيا كل العاملين فيه من الفنيين: الصوت والتصوير والمونتاج والموسيقى .. إلخ من الفرنسيين أيضا.
وجدير بالذكر أن مخرجة الفيلم، ديما الحر، تقول عن نفسها إنها "تحلم بالعربية، وتنحدث بالإنجليزية، وتكتب وتقرأ بالفرنسية".. فأي اغتراب، وأي اغتراب!

الجمعة، 29 يناير 2010

يوميات مهرجان روتردام 2


إذا لم يملك عاشق السينما أو الناقد المحترف أو أي شخص يريد التردد لمتابعة أفلام المهرجان، برنامجا دقيقا، يبذل وقتا وجهدا كبيرا في وضعه والتدقيق في، لفاته الكثير، وشعر بالضياع وسط هذا المهرجان الكبير وكل المهرجانات الكبيرة التي تزدحم بعروض الأفلام بما يزيد عن الطاقة البشرية أحيانا.
ازدحام البرنامج هنا ملحوظ لدرجة أن من الممكن أن يواصل المرء المشاهدة لسبع أفلام يوميا، شريط أن يتوقف عن تناول الطعام والشراب ولقاء البشر ويستغني عن الراحة، وعن العمل، بل وعن التفكير فيما يشاهده. وقد كان رأيي دائما أن كثرة المشاهدة ليست دليلا على أن "الناقد يقوم بدوره" كما يتخيل البعض، بل العبرة بماذا يشاهد، وكيف يشاهد، وما الذي يبقى في رأسه من المشاهدة، وكيف يتعامل مع ما شاهده تعاملا نقديا جادا في النهاية بحيث يفيد القاريء.
وهذا هو الفرق بين الناقد وبين"هاوي السينما" cinephil فالأخير يسعد كثيرا بالمشاهدة لمجرد المشاهدة، وبالخروج من فيلم لكي يدلف لمشاهدة الفيلم التالي، فهو ستمتع بالتواجد داخل قاعة العرض، ويحتفل بالسينا أكثر كثيرا ا يحتفل بالحياة التي تصنع منها السينما، كما تصنع حولها وحول تعقيداتها. وشخصيا لو خيرت بين تجربة إنسانية جميلة تثري معرفتي بالدنيا والعالم، وبين أن أشاهد فيلما عظيما، سأختار بلا تردد، التجربة الإنسانية، أو "المغامرة" لأن الفيلم يمكن الحصول عليه ومشاهدته فيما بعد، أما اللحظة الإنسانية الخاصة فلا يمكن تعويضها.. أليس كذلك؟!
من الناحية الأخرى، يجب أن يمارس الناقد أيشاء أخرى كثيرى أكثر من مجرد المشاهدة، فهو لابد أن يقرأ، وأن يتذوق الموسيقى، وأن يشاهد المسرح، وأن يستمع إلى الشعر، وأن يتردد على المعارض لمشاهدة أعمال الفن التشكيلي وفن التصوير التي هي كما نعرف، أساس السينما كفن يعتمد بالدرجة الأولى على الصورة.
وهذه كلها بديهيات معروفة وليست اختراعا، لكنها تداعت إلى ذهني وأنا هنا في روتردام الآن، بعد أن رأيت كيف "يعسكر" بعض هواة السينما داخل قصر المهرجان، ويظل كل منهم يدخل ويخرج إلى قاعات العرض طوال اليوم، وبعضهم يتبارى مع رفقائه في عدد الأفلام التي يساهدونها، وكم يمكن لكل منهم أن يشاهد في اليوم الواحد، وبعض النقاد أيضا يفعل للأسف، وكأننا نخوض سباقا، لنرى من منا سيربحه ويخرج بجائزة أكثر مشاهدي الأفلام عددا.. والعدد بعد ذلك، كما نعرف، في الليمون!
المهم، أنني أجد زحام الأفلام أيضا زحاما مفتعلا، أقصد الكثيرة الهائلة في عدد الأفلام التي تعرض في برامج المهرجان، فالكثير جدا من هذه الأفلام متوسط أو حتى ضعيف المستوى، والمهرجانات الكبيرة مثل كان وفينيسيا وبرلين، تعاني عادة في العثور على الأفلام الجيدة التي تدرجها في برنامجها الذي لا يزيد في كل أقسامه عن 80 فيلما. أما مهرجانات الجمهور العريض، أي تلك التي تري أن تبيع لكل شرائح الجمهور وجنسياته وطبقاته، أفلاما يشاهدها على مدار 12 يوما كما في روتردام، أو 15 يوما كما في مهرجان لندن مثلا، فهي لا تهتم كثيرا بالمستوى بقدر ما تهتم بهذا التمثيل الذي يراعي التنوع، فهذه بلدان تعيش فيها أقليات من خلفيات ثقافية مختلفة، ولابد بالتالي أن تجد أفلاما تعبر عن ثقافاتها.
أما العرب الذين يمثلون ثلث سكان المدينة (عدد سكانها حوالي مليون نسمة) فسينماهم هذا العام تحديدا شبه غائبة كما اشرت أمس. هناك فقط فيلم المخرج الفلسطيني ايليا سليمان "الزمن الباقي" (باعتباره من الإنتاج الأوروبي- فرنسي – بريطانيا- ايطاليا- بلجيكا)، وفيلم "كل يوم عطلة" للمخرجة اللبنانية ديما الحر ومن الإنتاج الأوروبي أيضا (فرنسي، ألماني). وهي ظاهرة تتناقض في الواقع مع وجود عدد لا بأس به من الأفلام التي كانت جديرة بالعرض طالما أنهم "فتحوها" لعشرات الأفلام من جنوب شرق آسيا كالعادة دون أن تكون بالضرورة أفلاما جيدة.
من هذا الأفلام المخيبة للآمال بشدة، فيلم الافتتاح "باجو" للمخرجة بارك تشان أوك من كوريا الجنوبية. وربما يكون هذا هو أسوأ فيلم يفتتح به مهرجان روتردام على ما أعي، ومنذ أن بدأت في التردد عليه في 2002.
الفيلم يدور حول موضوع إنساني من زاوية اجتماعية نفسية، وأسلوب تقليدي سبقت تجربته في آلاف الأفلام هو أسلوب الفلاش باك المتعدد المتقطع على مدار الفيلم. لكن المشكلة الرئيسية أن الفيلم يفشل في جذا المتفرج إلى تلك الشخصيات المعذبة التي تبدو كما لو كان قد كتب عليها أن تعاني وتتألم. رجل تهجره صديقته بعد أن يتسبب في حادث يصيب طفلها الصغير (يصاب بحروق نتيجة إنشغال الرجل وفتاته في ممارسة الحب على نحو ما يفتتح فيلم "ضد المسيح" للمخرج الدنماركي لارس فون ترايير).. ويتوجه الرجل بعد ذلك إلى بلد باجو حيث يتزوج لكن زوجته تموت بعد أن ينفجر امسكن بفعل انفجار أنبوب للغاز، ثم يجد صاحبنا نفسه مشدودا إلى شقيقة زوجته الصغيرة، ويخوض في الوقت نفسه معارك ضارية ضد السلطات التي تسعى لهدم منازل المنطقة لصالح طبقة المستثمرين.. وأحداث كثيرة ندور حول هذه النقطة تحديدا وكيف يمكن للفتاة أن تنجو وتحتفظ بالمنزل الذي ورثته عن والديها، وموقف شركات التأمين، وموقف البلدية، واحتجاجات الناشطين، وأشياء أخرى لا تدعو للاكتراث، بل إن الفيلم الذي يبدأ بداية قوية موحية بتناقض إنساني شيق، سرعان ما يتحول إلى أحد أفلام الاحتجاج ولكن بدون قوة ولا اقناع، لا في الاخراج ولا في التمثيل. ومع ذلك، يقال لنا إن هذا الفيلم استقبل استقبالا حماسيا في مهرجان بوسان في كوريا الجنوبية!

الفيلم الذي أعجبني من عروض اليوم هو الفيلم المجري "أنت لست صديقي" الذي يجسد من خلال تصوير تناقضات العلاقة بين 4 رجال و4 نساء، أزمة الخواء الروحي والعاطفي، وغلبة الحسابات الخاصة الصغيرة، وتفشي الخيانات الكبيرة، التي تتوالد وتتداخل بطريقة مستعصية على الفهم أحيانا، وكيف تحول الرجال إلى "خنازير" يمعنى الكلمة، بل وحتى من خلال الصورة التي يظهرون عليها في هذا الفيلم: كل همهم التلاعب بالمرأة واستغلالها كأبشع ما يكون، والسعي وراء أي فرصة لهدر الوقت، والاستيلاء على المال، والعجز عن مواجهة المرأة في النهاية سواء في الفراش، أم في الدنيا الواسعة. وهذا بالطبع هو الإطار النظري للفيلم. أما عظمة هذا العمل وبلاغته، فتمكننان في طريقة استخدام الممثلين والسيطرة المدهشة عليهم رغم كونهم جميعا من غير المحترفين، والتفاصيل التي يمتليء بها السيناريو، وهي تحمل من السخرية بقدر ما تحمل من قسوة، والربط بين كل هذه الشخصيات معا في شكل أقرب إلى "اللعبة" التي لا تنتهي إلا بانتقام النساء من الرجال، كل واحدة على طريقتها الخاصة!
هذا الفيلم الذي أخرجه العبقري جيورجي بالفي Georgy Palfi يمتليء بالمفارقات الكوميدية على طريقة الكوميديا السوداء، ولكن الممزوجة بالحزن، على ما آلت إليه العلاقات في مجتمع بودابست اليوم "بعد التحرر" أي بعد سقوط النظام الاشتراكي، ودخول الرأسمالية ومعها كل قيم "السوبرماركت"!

الأربعاء، 27 يناير 2010

يوميات مهرجان روتردام 1

الرحلة بالطائرة من لندن إلى أمستردام تستغرق بالضبط، 45 دقيقة. وبالقطار من مطار أمستردام إلى روتردام نفس المدة بالضبط أيضا. وهي لذلك رحلة مريحة تماما، خاصة أن القطارات الهولندية مشهورة بكفاءتها وسرعتها وانتظامها.
على جانبي طريق القطار الثلج منتشر في كل مكان، يغطي المزارع الهولندية الشهيرة. علمت قبل أن أحضر أن درجات الحرارة تهبط هنا لتصل إلى 4 و5 درجات تحت الصفر، أكثر برودة بكثير عن العام الماضي. لندن نفسها تركتها ودرجة الحرارة فيها حوالي 5 درجات، أي أفضل من هنا قليلا. لكن المشكلة ليست في البرودة بل في أنني وصلت إلى روتردام لأجد سماءها ممطرة مطرا سخيفا أي أنه ليس بالمطر الغزير الذي ينتهي بعد فترة، ولا بالرذاذ الناعم المنعش، بل بنوع من الأمطار المصحوبة بما يسمى sleet
لا يوجد الكثير الذي يمكن فعله الليلة فاليوم هو يوم الافتتاح، وليس هناك سوى فيلم الافتتاح الذي سأشاهده غدا ضمن العروض الصحفية. والحقيقة أن المهرجان بأكمله يبدأ غدا، كل شيء، العروض الرسمية والصحفية، عروض مكتبة الفيديو لمن يريد، السوق الدولية للأفلام، وغير ذلك. وكنت عادة أحضر في اليوم الثاني من المهران لأنني لا أحضر حفلات الافتتاح بل ولا يسمح للصحفيين هنا بحضورها بل بمجرد الفرجة عليها عبر الشاشات. ولكني وجدت أنني اذا حضرت في اليوم التالي سيكون وصولي في المساء، وفضلت بالتالي المجيء واستلام البيانات والمعلومات وكتالوج المهرجان ودراسته وإعداد برنامجي للمشاهدات وتناول قسط من الراحة تمهيدا للماراثون الذي سيتم على ما يبدو، في أسوأ جو يمكن تخيله في أي مهرجان سينمائي، والانتقال من هنا إلى هناك بملابس "الميدان" الكاملة، أي الملابس الصوفية الثقيلة جدا، فإن لم تتحصن جيدا من الممكن أن تهلك!
الهولنديون في هذه المدينة لا يبدو لهم أثر في المساء.. ثلث عدد سكان روتردام من المغرب العربي. لكن المدينة يندر أن تجد فيها مطعما عربيا يقدم المأكولات الشرقية المألوفة في حين أن النسبة الغالبة على مطاعمها هي المطاعم الصينية ومطاعم نوب شرق آسيا عموما، ربما بحكم التاريخ الاستعماري لهولندا التي كانت تحتل فيتنام لسنوات طويلة.
في المكتب الصحفي التقيت بصديقنا انتشال التميمي المسؤول عن ترشيح الأفلام العربية لمهرجان روتردام الدولي والمدير الفعلي لما عرف باسم مهرجان روتردام العربي (وهذا المهرجان تحديدا له قصة طويلة معقدة يمكن أن يختلف حولها بالطبع لكني لا أحب أن أتطرق إليها، ولا أن أكون طرفا بأي حال ولو حتى من باب النقد لهذه "الظاهرة" الخارقة التي تردد عليها الكثير من أصدقائنا النقاد والسينمائيين لسنوات، ولم أكن أبدا منهم لحسن الحظ!
المهم أن انتشال، وقد ترك تلك الظاهرة أو التظاهرة العربية، وأصبح نشاطه الآن يمتد إلى مهرجان أبو ظبي ومهرجانات أخرى دولية مرموقة، لم ينجح هذا العام على ما يبدو، في إقناع القائمين على برنامج مهرجان روتردام، بضم عدد لا بأس به من الأفلام العربية أو من إخراج سينمائيين عرب، إلى برنامج الدورة الـ39 اتي ستنطلق رسميا غدا بعد الافتتاح بفيلم "باجو" Paju من كوريا الجنوبية.
وقال لي انتشال إنه لا يملك سلطة إدراج الأفلام في برنامج المهرجان بل ينتهي الأمر عند ترشيحه ما يرى من أفلام وإتاحة الفرصة لكي يشاهدها فريق الاختيار. ويبدو أن المبرمجين هذا العام كان همهم الرئيسي، ليس السينما العربية التي كانت عادة تلقى اهتماما جيدا هنا، بل السينما الافريقية، أو تحديدا "سينما افريقيا السوداء" أي جنوب الصحراء.
ينظم المهرجان ها العام أكبر تظاهرة من نوعها لهذه السينما حيث يعرض عشرات الأفلام الطويلة والقصيرة من بلدان افريقية تحت عنوان "إنس افريقيا" و"أين افريقيا" والعنوانان مختاران لهدف محدد بالطبع.
هنا أفلام من أوغندا وجنوب افريقيا وانجولا وزامبيا وتنزانيا ومالاوي ورواندا وموزمبيق وكينيا والكونغو والكاميرون والنيجر وبوركينا فاسو والسنغال وساحل العاج، بل وهناك أيضا أفلام من مدغشقر. فهل سبق أن شاهد أحد من القراء أو من النقاد فيلما مدغشقري من قبل؟.. أشك كثيرا!
ويبدو أن دورة كأس افريقيا لكرة القدم انتقلت إلى هنا على صعيد التباري بالأفلام، وهو أفضل وأجمل كثيرا بكل تأكيد من وجهة نظر كاتب هذه السطور، على الأقل لأنه لا يحول التنافس الرياضي المفترض أن يتصف بالرقة والجمال والتسامح، إلى معارك حربية ترفع أعلاما ولافتات شوفينية متخلفة، وقد تتحول من لعبة بريئة إلى جريمة فقأ عين إنسان كما حدث من قبل أمام عشرات الآلاف من الشهود، دون أن يعتبر مرتكب تلك الجريمة مجرما يوضع وراء قضبان السجن كما يليق بأي مجرم حقا، بل تم التغاضي عن جريمته، وترك ليرحل بهدوء إلى بلده!
آسف جدا أنني تطرقت لهذا الجانب الذي لا يستهويني عادة، لكنها تداعيات من وحي اللحظة.. وإلى اللقاء.

الجمعة، 22 يناير 2010

فيلم "صداع": مقاومة الموت والمرض والاحتلال

فيلم آخر من الأفلام الوثائقية الطويلة التي عرضت في مهرجان دبي السينمائي السادس، كان من أكثرها تأثيرا، وأعتبره إعلانا قويا عن بروز موهبة سينمائية جديدة هي موهبة مخرجه، رائد أنضوني، القادم إلى السينما بعد مساهمته في إنتاج واخراج عدد من الأفلام التسجيلية المميزة منها أفلام للمخرج ذائع الصيت رشيد مشهراوي.
فيلم آخر ولكن بروح جديدة، وبرؤية فلسفية نادرة في السينما الفلسطينية، رؤية تسعى، ليس فقط إلى فهم ما يجري على المستوى الخارجي، أي مستوى الحدث السياسي المشتعل المباشر، بل وعلى المستوى الفردي، الذاتي، الشخصي، الجواني، حيث يطرح المخرج- المؤلف- البطل، الذي يظهر في الفيلم بنفسه، الكثير من الاسئلة التي تتعلق بمعنى الوجود نفسه، في مجتمع "غير طبيعي"، وما إذا كان من الممكن أن ينسلخ المرء ولو حينا، عن هذا الصخب والجنون واللامنطق، جنون الاحتلال وجنون الصمود تحت الاحتلال، ويتسامى فوق واقعه، لكي يحلم بأحلامه الفردية الخاصة في النجاة؟
هل هذا ممكن؟ وكيف، ومن الذي يقدر على أن يفعل ذلك؟ وهل بوسع "أنضوني" نفسه أن ينسلخ هكذا، ويخلق عالمه الخاص، أم أن وطاة الذاكرة ، فردية كانت أم جماعية، ستطغى في النهاية علىالعقل، وتسيطر عليه وتدفعه في اتجاه "التذكر"، والمزيد من التذكر، وبالتالي المعاناة التي تولد صداعا دائما هو ذلك الصداع (الحقيقي والمجازي) الذي يدفع المخرج (الذي يقوم بدوره الحقيقي في الفيلم) للبحث عن المساعدة لدى طبيب نفسي، وخوض تجربة الجلوس بين يدي هذا الطبيب خلال ثماني عشرة جلسة من جلسات العلاج النفسي الذي يقوم أساسا، على منهج فرويد المعروف في "التحليل النفسي"؟
يشكو انضوني من "الصداع". ويحاول الطبيب أن يرده إلى التذكر، إلى استدعاء الماضي، كيف نشأ، وكيف كانت علاقته بأسرته، علاقته بالآخرين، بالعالم من حوله، كيف ينظر للأشياء. ويحاول هو بشتى الطرق أن يتجنب الخوض في العام، مركزا بشكل أساسي على "الخاص" أي على الحالة الخاصة به، على علاقته بالإبداع: (يقول للطبيب: أسئلتي عن الإبداع لها علاقة بالملل.. جزء من مولدات الإبداع هو الملل!) وعندما يشكو من الصداع يداعبه الطبيب بقوله: أما الصداع فيمكنك أن تسأل عن سببه عند أولمرت وأبو مازن!
انعدام الوزن
"أنضوني" نموذج للإنسان الذي يريد أن يواجه نفسه، أن يفهم لماذا يشعر بالإحباط، بالعجز أحيانا عن التواصل، ليس مع الآخرين فقط، بل مع نفسه أساسا. هذه الحالة من "انعدام الوزن"، ما سببها، وكيف يمكن علاجها أو حتى مجرد فهمها، وهل يمكن أن ينجح المرء اذا فصل نفسه تماما عن الهم الأكبر القائم في البيئة السياسية والاجتماعية التي تضغط بقوة على البشر فتحيلهم إلى كتلة من المعاناة على نحو ما يعاني أنضوني رائد.. معاناة الوجود نفسه!
في سياق الرغبة في البحث عن إجابات لمثل هذه التساؤلات ذات الشق الوجودي، يذهب المخرج لكي يلتقي بصديق له هو "عمر" الذي كان زميله في السجن، فقد اعتقل بطلنا (اللا- بطل) لمدة 18 شهرا في أوائل الثمانينيات عندما لم يكن يتجاوز تسعة عشر عاما، وأخذ الجنود ليلة اعتقاله، يضربون رأسه في الجدار في سجن الخليل. ربما أرادوا القضاء عليه.. وقد اقتضى الأمر كما يقول للطبيب، سنوات إلى أن عاد إلى طبيعته، لكنه الآن يعاني من الصداع الدائم. وهو أيضا يصنع فيلما عن ذلك "الصداع" في حين تتساءل أمه عما يهم الآخرين من صداعه الخاص!
صديقه عمر الذي اعتقل معه، تعرض أيضا لركلات الجنود الإسرائيليين بقوة في رأسه كما يروي لأنضوني، قائلا إنهم "حاولوا قتلي". وربما أرادوا أن يسببوا له نزيفا داخليا بطيئا في المخ يفضي إلى الموت، ويروي أيضا كيف أن أحد هؤلاء الجنود قال له قبل خروجه إنه سيموت خلال سنة. لكنه لم يمت، بل قاوم وعاش، بالإرادة.
وهو يعمل اليوم كهربائيا في رام الله، لكنه اكتشف منذ ستة عشر عاما تحديدا، أنه مصاب بمرض السرطان: سرطان الدم والغدد الليمفاوية. لكنه يقاوم الموت بالقوة، وبالعزيمة، والإصرار على الاستمرار في الحياة.. وهو ما يجده أنضوني- من خلال حواراته الحميمية والخاصة معه أمام الكاميرا، أمرا مدهشا، لا يمكنه استيعابه ببساطة.
محاولة للفهم
أما زميل السجن الآخر "باسم" فقد تقدم به العمر الآن، وأصبح يعول أربعة من الأبناء، ولكنه لايزال يتحسر على عدم استكمال تعليمه بسبب دخوله المعتقل في ذلك الوقت المبكر وخروجه بعد سنوات متقدما في السن، الأمر الذي لم يمكنه من الاستمرار في الدراسة حتى لا يثقل على أسرته الفقيرة ماديا، واضطر للعمل كسائق سيارة أجرة (تاكسي).
الحوارات التي تدور بين انضوني وباسم، لا تنحصر فقط فيما حل بباسم، بل كأنها حوارات يهدف أنضوني من وراءها إلى أن يفهم نفسه، إلى أن يواجه ذاته أمام مرآة صادقة تتمثل في أصدقائه وزملائه الذين خاضوا مثله تجربة شاقة في الاعتقال، وهو يريد أن يعرف هل يمكنهم أن يتخيلوا لأنفسهم مسارا آخر، شخصيا، ذاتيا، منفصلا عن المسار الجماعي، عن وطأة الذاكرة الجماعية، تلك الفكرة التي تعذبه وتؤرقه، ولماذا لا يمكن للمرء أن يكون فقط إنسانا حرا، وليس بطلا؟ وما معنى الحرية، وهل تنفصل الحرية الفردية عن الحرية الجماعية، وهل يتعين أن يصبح كل الناس أبطالا.. وماذا يفعل الفنان المبدع الذي يريد أن ينجز شيئا، يعبر من خلاله عن نفسه!
"باسم" يتكلم عن حتمية الاندماج بالقضية الكبرى: "لقد ذابت أحلامنا الصغيرة في الحلم الكبير".. وهو لا يمكنه الاقتناع بالفصل بين الإثنين أو بامكانية تحقيق ذلك حتى لو أراد.
أما أنضوني، فهو يصرخ في وجه الطبيب: أنا أشعر بأنني لست في السماء ولا في الأرض.. مشكلتي هي مشكلة رفض.. إنني اشعر بالتميز في التعامل مع غيري، إنني مختلف عنهم.. أريد أن أعيش في بيئة اجتماعية، لكني لا أعرف كيف".
يطلب منه الطبيب أن يقف فوق مقعد، ثم يسأله: هل هذا هو المكان الذي ترى منه الأشياء؟
أنضوني أيضا لا يمكنه أن يتذكر جيدا، كما يتذكر رفاق السجن، فترة السجن وما حدث له فيها، إنه يتذكر بوضوح الفترة التي سبقتها، فهل هذا "ميكانيزم" طبيعي لديه للهرب، شيء ما في داخله يرفض التذكر.
وهو يسأل "عمر" بإصرار: هل هناك شيء ضاع داخل السجن، كيف كان هو يبدو وكيف يراه عمر الآن؟ عمر يقول له إنه تغير بالفعل كثيرا عما كان، لكنه يحاول الآن أن يبعد نفسه تماما خارج المشهد.. إلا أنه لن ينجح.
إنها المعاناة من أجل الفهم: فهم الذات بعد كل تلك التجربة القاسية: في السجن وفي الحياة. إنها رغبة المبدع- الفرد، في التحليق بعيدا عن السرب، في الإحساس بالتميز، بالاختلاف، ورغبته في الإفلات من التصنيف المباشر والبدائي أيضا. إنه يقول للطبيب في إحدى جلسات العلاج النفسي في الفيلم: الناس يشعرون بالراحة أكثر عندما يضعونك في إطار معين.. الفلسطينيون يريدون من صانعي الأفلام أن يفعلوا شيئا يدعم نضالهم.. والإسرائيليون يريدون من الآخرين الاعتراف بهم.. والأجانب يريدون منا أن نكون جسرا بين الثقافات.. وأنا لا أريد أن أكون أيا من ذلك، بل أريد فقط أن أطرح بعض الأسئلة".
مع شقيقته الكبرى العائدة من الخارج، من المنفى الاختياري مع أبنائها، يراجع ملفات الصور القديمة، صور الطفولة والشباب: ماذا تغير، كيف كان وكيف أصبح، هل تتذكر هي ليلة اعتقاله؟
داخل عقل مشوش
والفيلم بأكمله يبدو كما لو كان رحلة، ليس فقط في الذاكرة، بل في عقل رجل فلسطيني "عادي" مشوش بالتساؤلات العديدة (وإن كان هو يؤكد للطبيب أنه طبيعي مائة في المائة) يريد أن يعبر عن نفسه، عن مشكلته الخاصة، بمعزل عن المحيط العام، لكنه عاجز عن هذا كما يعجز عن فهم تلك الصلة التي تبدو حتمية بين الماضي (الذي نسى الكثير منه ربما بشكل إرادي قسري أيضا)، وبين الحاضر بكل ما يذكره فيه بالماضي.
في الفيلم دون شك أيضا، نغمة واضحة تتعلق بعملية الإبداع، بمعاناة المبدع، ولكن في إطار خصوصية الوضع الفلسطيني وقسوته: هناك لقطة عابرة في الفيلم لقطاع صغير في الحاجز الفاصل في الضفة الغربية، يسقط، ولا ندري ما إذا كان هذا يحدث على مستوى الحلم أم الحقيقة، هل هي لقطة متخيلة، أم التقطت في لحظة استثنائية بالكاميرا!

ورغم أن الفيلم يمتد بطول 97 دقيقة، إلا أنه يتميز بإيقاع متماسك ومتدفق، وبناء دقيق يساهم في تجسيد الفكرة الأساسية، من زوايا عدة، رغم تداخله وتكوينه المركب: من الحوارات، إلى اللقطات والمشاهد التي تدور في الطبيعة، والمشاهد التي تعكس أيضا هواجس البطل وإحساسه الخاص بالاختناق، أفراد اسرته وجلسات المناقشة في الأمسيات في شرفة المنزل، مظاهرات تسير من وقت إلى آخر، وأحد المتظاهرين يتوقف فجأة أمام الكاميرا ليسأل الام: ماذا يصور هذا؟ يريد أن يتأكد أنه يصنع فيلما "يؤيد النضال".. وهي لقطة عابرة تكثف تماما ما يرفضه أنضوني الذي يرى أن "السياسة وحدها لم تعد تكفي: وهو يقول في الفيلم بوضوح: "لا أريد للفلسطينيين أن يكونوا أبطالا"، ربما هو يرفض البطولة من أجل البطولة، أو يرفض التنميط، أو القدرية بمعنى البطولة المفروضة التي تؤدي إلى الخسارة باستمرار.
تساؤلات وجودية
في هذا الفيلم يختلط السياسي بالاجتماعي بالنفسي، الفردي بالجماعي، الذاكرة، والواقع، الصمود الذاتي والمقاومة الأشمل، الرغبة في الاستمرار في الحياة، ومجرد البقاء. ويصبح الصداع رمزا للحالة الفلسطينية (أو تيمة مجازية) للوضع الفلسطيني الذي أصبح "مرضا" يصيب الجسد أيضا ويخنق الروح.
ويصور الفيلم كيف يمكن أن يدفع هذا "المرض" الفرد إلى التشكك حتى في جدوى الكثيرمن الأشياء التي كان التصور الشائع عنها أنها من المسلمات: فكرة التضحية بالذات من أجل القضية الجماعية الأكبر مثلا، والقسوة التي يمارسها الفرد على نفسه من أجل البقاء دون أن يفقد عقله بعد كل ما يمارس ضده، خلال بحثه عن هويته الخاصة.
ولعل هذه الأسئلة الوجودية التي تلتقي مع الأسئلة الكثيرة التي يطرحها ميشيل خليفي في فيلمه الروائي "زنديق" أصبحت جزءا من المشهد السينمائي الفلسطيني في الوقت الحالي.
ولكن على الرغم من قتامة الموضوع- ظاهريا- إلا أن رائد أنضوني يجعله عملا ساخرا تشيع فيه روح المرح التي تقربه من المشاهدين، كعمل يستخدم التناقض بين الشخصية والواقع لتوليد الإحساس العميق بالسخرية المجازية irony بل ويصل أحيانا في تجسيده لتيمات موضوعه إلى درجة عالية من السيريالية، ليس من خلال تكوين الصورة، بل من خلال العلاقة بين اللقطات، وداخل المشاهد ايضا، وهي قدرة خاصة يتميز بها المخرج رائد أنضوني بلاشك.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger