الأربعاء، 20 يناير 2010

بعد 25 عامًا فى المنصب وزير الثقافة يسأل ما مستقبل الثقافة فى مصر؟


بقلم: فاروق جويدة


أخيرا تذكرت وزارة الثقافة أن الثقافة المصرية فى حاجة لمؤتمر يناقش أحوالها ويستعرض قضاياها.. بعد ما يقرب من ربع قرن من الزمان أفاق المسئولون فى وزارة الثقافة على واقع ثقافى هزيل ومترهل يتطلب دراسة أسباب تراجعه وانهياره.. فى هذه السنوات الطوال شهدت الساحة الثقافية المصرية تراجعا مخيفـا تأكدت شواهده وعلاماته فى هذا الجسد الثقافى المريض الذى شاعت فيه أعراض كثيرة ابتداء بالتطرف الدينى الذى اجتاح عقول شبابنا وانتهاء بفوضى الإبداع والنقد فى كل المجالات. هذا المؤتمر تأخر ربع قرن من الزمان ورغم أن البعض يرى أن الأشياء قد يتأخر أوانها ولكن المهم أن تجىء.. فإن هذا المؤتمر يأتى بعد فوات الأوان وإذا كان من الضرورى أن يجىء فإن الأهم أن يحمل رؤى جديدة لا أعتقد أن المناخ الحالى برموزه وشخوصه ومسئوليه قادر على أن يصنع بداية جديدة أو واقعا ثقافيا مختلفا.. أحمل تقديرا عميقـا لا أخفيه لعدد كبير من الرموز التى ستشارك فى هذا المؤتمر أو تضع أوراقه.. ولكننى أشفق عليهم من مؤسسات ثقافية رسمية ترهلت وأهدرت جهودا كثيرة وأضاعت فرصا عديدة وأموالا باهظة على هذا البلد لكى يحافظ على دوره ومكانته ومسئولياته.. وبقدر ما كانت هناك رموز حاولت أن تدفع السفينة للأمام كانت الأغلبية من أصحاب المصالح تبحث عن مصالحها وللأسف الشديد أن السفن حين تغرق لا تفرق بين الطيب والخبيث.

لا أحد يدرى ما الهدف من إقامة مؤتمر عام للمثقفين المصريين فى هذا التوقيت بالذات.. وأين كان هؤلاء المثقفون فيما مر بنا من أحداث وتقلبات وأزمات غابت عنها الثقافة واختفى دور أصحاب الفكر والرأى فى سراديب لجان واجتماعات وأفراح ومهرجانات أجهزة وزارة الثقافة.. أين كان هؤلاء جميعا من قضايا المجتمع وهموم الناس ومعاناة المواطنين.. أين كان المثقفون من التقلبات العاصفة التى شهدتها الساحة المصرية لسنوات طويلة وليس أياما أو شهورا.. أين كان هؤلاء وخفافيش الظلام تتسلل إلى عقول أجيالنا الشابة جيلا بعد جيل؟

عندما أشارت وزارة الثقافة إلى هذه الرغبة سارع الجميع للدراسة والبحث والتنقيب عن مؤتمر جديد حيث تعقد اللجان وتصدر التوصيات وتصرف المكافآت وتدور الفضائيات ونعود من حيث بدأنا لهذا السيناريو السخيف حيث لا ثقافة ولا فكرا ولا دورا أكثر من توزيع العطايا والمنح والهبات على من ترى فيهم الدولة أنهم صوت الثقافة المصرية ودخلت بهم السلطة منذ زمان بعيد إلى ما أطلقت عليه حظيرة المثقفين.

بين ثقافة السلطة وثقافة الشعب
يأتى هذا المؤتمر تحت رعاية وزارة الثقافة ليحدد مستقبل الثقافة المصرية فى السنوات القادمة أين كان هذا المستقبل منذ عشرين عاما وأكثر.. ومن الذى ضيع كل فرص البناء لهذا المستقبل الذى لا يجىء.. ولا أدرى عن أى ثقافة يتحدث هؤلاء.. هل هى ثقافة السلطة أم ثقافة الشعب وما بينهما مسافات بعيدة لأن الشعب يعيش بلا ثقافة منذ زمان بعيد.. ولأن الثقافة فى رأى السلطة ليست أكثر من احتفالات ومهرجانات ولجان واجتماعات.. وما هى الثقافة التى نريدها.. هل هى دور مجموعة من المثقفين الذين اختاروا أن يتحصنوا فى متاريس القرار بحثـا عن مصالح خاصة أم هم المثقفون الذين تجاهلتهم السلطة وأبعدتهم عن كل شىء فماتوا كمدا أو عاشوا على هامش الأحداث والزمن.. منذ زمان بعيد وهذا الانقسام الواضح الصريح أخطر وأسوأ ما أصاب النخبة المثقفة فى بلد الثقافة.

نجحت وزارة الثقافة أن تستقطب فريقـا يغنى على هواها ويقول إن وزير ثقافتنا الفنان فاروق حسنى هو أعظم من تولى هذا المنصب فى تاريخ الثقافة المصرية.. وجلس الحواريون من المثقفين فى بلاط وزارة الثقافة يرددون الدعوات والتجليات ويقرأون الأوراد لهذه المعجزة الثقافية التى يتحدث عنها العالم كل العالم.. وكنت ترى هذه المواكب فى كل المناسبات.. أنها تقف صفوفـا فى اللجان.. وتجلس صفوفـا فى المهرجانات.. وتجرى صفوفـا وراء الهبات وفى زمن اختلت فيه كل القيم والحسابات أصبح من السهل أن يبيع المثقف نفسه للشيطان من أجل سفرية أو منصب أو جائزة أو وفد أو عضوية فى لجنة أو ما بقى من الفتات..
هذه المواكب من المثقفين أطلق عليهم الوزير الفنان فاروق حسنى حظيرة المثقفين ورغم أن اللفظ كان سخيفا وجارحا إلا أنه لم يجد من يعلق عليه رغم أن الحظائر ليست مأوى لأصحاب الفكر والعقول.
هناك الفصيل الثانى من المثقفين الذين أطاحت بهم أجهزة الثقافة فى مصر فهم خارج حسابات الدولة والسلطة والهبات الرسمية.. هذا الفصيل الذى تم إبعاده لم يدخل يوما فى سياق وزارة الثقافة على المستوى الرسمى فلا أحد منهم دخل لجنة.. ولا أحد منهم حصل على جائزة ولا أحد منهم كان محل تقدير على أى مستوى من المستويات..
ومنذ انقسمت مواكب المثقفين المصريين واجهت الثقافة المصرية مرحلة تراجع مخيفة على كل المستويات وطوال هذه الفترة التى اقتربت من ربع قرن من الزمان وجدنا ظواهر غريبة تظهر على الساحة ابتداء بالفساد وخراب الذمم وانتهاء بفقدان الثقافة المصرية لدورها وريادتها..

تراجع العقل المصرى
إن ربع قرن من الزمان لا يمثل فقط عمرا طويلا من التراجع والانحدار ولكنه يمثل شحوب دور ثقافى عريق ومؤثر وقد فرطنا فى هذا الدور وقد كان بكل المقاييس أعرق أدوارنا وأكثرها بريقا.. فى ربع قرن من الزمان شاخت الثقافة المصرية وأصبحت مطمعا للكثيرين رغم أنها لم تكن يوما بهذا الضعف وهذا الهوان. إذا أردنا أن نعرف تأثير هذه السنوات الطوال علينا أن نراجع خريطة العقل المصرى لنرى حجم النكسات والإخفاقات التى لحقت به طوال هذه الفترة.. إن الشاب الذى يبلغ عمره الآن خمسة وعشرين عاما ولد مع هذه البداية المظلمة.. إذا أردنا تقييم أى مشروع ثقافى علينا أن ننظر إلى حصاده.. ومن هنا نستطيع أن نرى حصاد هذه السنوات فى موجات التطرف والعنف الفكرى والدينى والسياسى التى لحقت بالأجيال الجديدة.. علينا أن نراجع مسيرة العقل المصرى متجسدا فى شبابه لنكتشف كيف غاب الانتماء وكيف تراجعت روح الاستنارة وكيف أصبح التخلف دستور سلوكياتنا فى كل شىء..
إذا أردت أن تعرف شعبا ابحث عن دور مثقفيه لنكتشف أن هذا الدور قد تراجع تماما أمام لغة المصالح والانقسامات والمطامع الزائلة وأن الدولة شجعت هذا الانقسام وباركته فى كل شىء.. أين كان مشروع مصر الثقافى فى ربع قرن من الزمان.. وكيف تجسد هذا المشروع فى صورة المجتمع المصرى وما أصابه من موجات التخلف والتراجع ابتداء بالفكر وانتهاء بالأزياء فى الشوارع أن السبب فى ذلك يرجع فى الأساس إلى قصور الدور الثقافى وما أصاب المصريين من موجات التخلف..
لم تكن الظواهر الاقتصادية هى أسوأ ما أصاب المصريين ولكن الانحدار الثقافى الذى اجتاح أجيالا كاملة هو أكبر شاهد على التراجع الثقافى وفشل المؤسسات الثقافية فى الدولة.. لم يكن فقر المال هو المأساة ولكن المأساة الحقيقية هى فقر الثقافة والفكر..

فساد القيادات الثقافية

أين هذا المشروع الثقافى الذى يمكن أن نتحدث عنه فى هذا المؤتمر.. ما إنجازاته.. وما قضاياه ونتائجه ونجاحاته؟ هل تجسد فى قضايا الفساد التى تكشف الجزء القليل منها فى سوء الاختيار وقضايا السرقة والرشوة بين المسئولين فى وزارة الثقافة ومنهم من قضى وقتا فى السجون مدانا بأحكام قضائية ومنهم من تجرى محاكمته حتى الآن وهو خلف القضبان..
هل هى الملايين التى نهبها عدد من الأشخاص الذين سيطروا على الأنشطة الثقافية فنهبوا وسرقوا ودخلوا السجون هل هذا هو نموذج الإدارة الثقافية الناجحة التى يتحدث البعض عنها ويريد المؤتمر أن يقدمها للناس فى كشف حساب؟

أين نجد هذا المشروع الثقافى أمام بؤر التخلف والتطرف الدينى فى الريف المصرى الذى لم يحاول أحد إضاءة شمعة فى ظلامه الطويل خمسة وعشرين عاما.. فى الريف المصرى الآن تستطيع أن ترى عقولا من العصور الوسطى التى عشش الجهل فيها وترك العناكب تعبث فيها من كل لون؟.

غياب المشروع الثقافى

أين هذا المشروع الثقافى والثقافة المصرية غائبة تماما عن عالمها العربى.. ولك أن تسأل عن آخر وفد ثقافى زار عاصمة عربية.. وعن آخر كتيبة إبداعية زارت بلدا عربيا.. لقد اختفى المثقف المصرى تماما عن الساحة العربية ولم يبق إلا قلة تطارد الجوائز النفطية بحثا عن تقدير هنا أو مهرجان هناك؟.. لقد غابت ثقافة مصر تماما عن محيطها العربى أمام بالونات شديدة الإغراء عن هوى يراود البعض أننا يجب أن نتجه شمالا وليس جنوبا وكانت النتيجة أننا خسرنا الماضى والحاضر معا وخسرنا الشمال قبل أن نخسر الجنوب وكانت معركة اليونسكو أكبر دليل على ذلك. أين هذا المشروع الثقافى والمسئولون عن الثقافة المصرية قضوا عامين كاملين يطوفون بلاد العالم من أجل الوصول إلى رئاسة اليونسكو؟.. لقد تفرغت أجهزة الدولة الثقافية بالكامل لمساندة الوزير الفنان فى معركة اليونسكو ورغم هذا لم يحالفنا الحظ ونفوز بالمنصب فهل كان من الحكمة ومن الأمانة ومن المسئولية أن نترك عقل أمة عامين كاملين بحثا عن منصب لم نحصل عليه.. وكم أنفقت ميزانية الدولة على الرحلات والسفريات والعطايا.. ألم تكن عقول شبابنا الضائع فى القرى والنجوع أولى بهذه الملايين.. ألم تكن قصور الثقافة المظلمة أولى بهذه الأموال.. وكيف يترك مسئول شئون ثقافة دولة عامين كاملين بحثـا عن منصب خارجى لم يحصل عليه؟
أين هذا المشروع الثقافى والدولة المصرية لم تحتفل بجوائزها 17 عاما.. لم تشهد القاهرة كما كانت تشهد يوما احتفالا بالمبدعين من أبنائها توزع فيه جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية وجائزتى مبارك والتفوق.. كانت وزارة الثقافة تقيم مهرجانات للسينما رغم عدم وجود أفلام مصرية وتقيم مهرجانات للمسرح رغم عدم وجود مسرحيات ويموت المبدعون المصريون الكبار ويتسلم الورثة شهادات التقدير وميداليات الجوائز لأن وزارة الثقافة قررت ألا تحتفل بأحد منهم.. هل يعقل ألا توزع جوائز الدولة 17 عاما فى بلد يدعى أنه الدولة العظمى فى الثقافة والفكر والإبداع؟.. عن أى مشروع ثقافى نتحدث وفى كل يوم لا تخلو صحيفة مصرية من كشف جريمة تهريب أو إتجار أو تخريب فى الآثار المصرية.. والغريب فى الأمر أن ندفع مئات الملايين فى المنشآت بينما التخريب العلنى يدور فى كل المواقع سرقة وتهريبا.

ثقافة العقول وثقافة المبانى
كان الاهتمام الأكبر طوال خمسة وعشرين عاما من عمر الثقافة المصرية يتجسد فى المنشآت والمبانى والمقاولين وتلال الحديد والأسمنت رغم أن المبانى فى كل بلاد الدنيا لا تمثل الرصيد الثقافى الحقيقى.. فما أكثر المسارح فى دول كثيرة ولكن المهم ماذا يقدم عليها من الإبداع الجميل.. ما قيمة المئات من دور السينما وهى تعرض أفلاما رخيصة ساقطة.. ما قيمة مكتبات لا يدخلها أحد ومطبوعات لا تجد من يقرؤها.. إن خطورة هذه السياسة وهذا الارتجال أنه كلف ميزانية الدولة مئات الملايين من الجنيهات ولم يحقق هدفا ثقافيا.. هناك منشآت كثيرة ولكنها افتقدت روح الثقافة والفكر والإبداع.. احترق المسرح القومى أكثر من مرة وهو الآن يعاد إصلاحه بعد أن أكلته النيران.. وما حدث فى محرقة بنى سويف كان مأساة إنسانية دامية قبل أن يكون حدثا ثقافيا مروعا.. فلو أن شهداء هذه المحرقة وجدوا مسرحا يقدمون عليه إبداعهم ما حدثت الكارثة.. ولكننا ننفق الملايين على أسفار المسئولين فى وزارة الثقافة ولا نقدم الملاليم لإصلاح مسرح هنا أو هناك..

كان من الخطأ الجسيم أن ننزع مصر من عمقها الثقافى العربى وأن نتصور أن عرايا المسرح التجريبى وأفلام المقاولات والجرى وراء الموضات سيكون بديلا عن دورنا الثقافى وهو دور تاريخى وحضارى بكل المقاييس. لا أعرف شيئا عن آخر وفد مصرى سافر إلى الجزائر.. أو آخر كوكبة فنية زارت السودان أو آخر لقاء أدبى بين أدباء مصر وأدباء سوريا أو لبنان..
إن غياب مصر عن الساحة الثقافية العربية طوال ربع قرن من الزمان كان جريمة تاريخية ندفع الآن ثمنها سياسيا واقتصاديا وإنسانيا.. وإذا تركنا ذلك كله واتجهنا لنراجع إنتاجنا الثقافى إبداعا وفكرا فسوف نشعر بالخجل أمام ما نرى من ألوان الإبداع المترهل الساذج.. وبعد ذلك كله نتحدث عن مؤتمر للمثقفين المصريين لوضع برنامج للإصلاح الثقافى والفكرى والحوار حول مستقبل الثقافة المصرية.. هل يستطيع أحد من حظيرة المثقفين أن يناقش بوضوح وصراحة كل هذه القضايا.

هل يستطيع أحد أن يسأل المسئولين فى الدولة كم أنفقت مصر على المؤسسات الثقافية طوال خمسة وعشرين عاما وما العائد الذى تحقق على المستوى الثقافى والحضارى والإنسانى.. هل يستطيع أحد فى هذا المؤتمر أن يتحدث عن كارثة مسرح بنى سويف والعشرات الذين ماتوا فى الحريق.. هل يستطيع أحد أن يتحدث عن سوء اختيار القيادات الثقافية ودورها فى تشوية وجه مصر الثقافى.. هل يمكن أن يناقش المؤتمر جرائم الفساد فى وزارة الثقافة ابتداء بحوادث السرقة ونهب المال العام وانتهاء بالرشوة..

ماذا بعد السنوات العجاف ؟

هل يستطيع أحد أن يتساءل عن انهيار المستوى الثقافى للمواطن المصرى ودور الأجهزة الثقافية فى ذلك.. هل يستطيع أحد أن يدين انقسام المثقفين المصريين وتوزيعهم ما بين حظيرة الدولة الثقافية ومواقع المعارضين.. إذا كان من الممكن أن يناقش المؤتمر هذه القضايا بلا حساسيات.. وإذا كان من الممكن أن نطرح كل هذه المشاكل والأزمات.. هنا يمكن أن نخرج من المؤتمر بأشياء مفيدة.. إن السنوات العجاف فى تاريخ الثقافة المصرية وقد طالت حرمت مصر من أبرز مبدعيها وتركت الكثيرين منهم يعانون الجحود والمرض والفقر بينما فتحت خزائنها لحملة المباخر والباحثين عن المناصب والمصالح والمؤتمرات واللجان.. ومن هنا كان تفسخ النسيج الثقافى الوطنى هو أفدح الخسائر وأغلاها ثمنـا. هل يستطيع هذا المؤتمر أن يعيد للمثقفين المصريين توحدهم وإحساسهم بالمسئولية ورغبتهم فى تعديل المسار.. هل يمكن أن تعود مواكب الثقافة المصرية لتضىء القرى والنجوع بعد أن ملأت الخفافيش عقول أبنائنا.. هل تعود الثقافة المصرية إلى ريادتها فى الوجدان والعقل العربى بالإبداع الجميل والفن الصادق.. ليست عندى أى تحفظات على هذا المؤتمر لأن فيه رموزا كثيرة أقدرها وأحترم دورها ولكن المهم أن يكون الهدف إنقاذ الثقافة المصرية وتأكيد دورها ووجودها أما إذا كان الهدف فتح أبواب أكثر لدخول أفواج جديدة إلى حظائر الدولة الثقافية فيكفى ما كان.

(جريدة الشروق المصرية- عدد الأحد 17 يناير)

الخميس، 14 يناير 2010

فيلم "الريل" لسعد سلمان



وثيقة بصرية صادمة


يعتبر فيلم "الريل" (أو القطار) (55 دقيقة) للمخرج العراقي سعد سلمان، تجربة فريدة في تصوير الأفلام، فهو يدور داخل قطار يتجه من بغداد إلى البصرة، يصور ركاب القطار الذين يمثلون الشرائح الاجتماعية المختلفة، بأسلوب سينما الحقيقة cinema- verite،أي من خلال كاميرا تسجل وترصد وتتوقف أمام الشخصيات ربما دون أن يشعروا أصلا بوجودها، بعد أن يضع بينهم خلسة ودون أن يدركوا، اثنان أو ثلاثة من الممثلين، يمتزجون معهم، يحاولون التعرف على أكبر عدد من راكبي القطار، يتبادلون معهم الأحاديث بطريقة تلقائية ومن خلال سيناريو غير مكتوب في معظم الأحوال.
وتكشف هذه التجربة البصرية الشجاعة التي استخدمت في تصويرها كاميرا الفيديو (الرقمية) الصغير، بشاعة مجتمع العراق فيما بعد الحرب.. والآثار النفسية العميقة التي تركتها على نفوس العراقيين، نوع من الضياع والتشتت والمعاناة المستمرة في مجتمع عراق ما بعد صدام.
صحيح أن البعض يضحك، والبعض الآخر يبدو سعيدا بما جرى، إلا أن مظاهر الخراب العام التي ترصدها كاميرا سعد سالمان، على طول الطريق من بغداد إلى البصرة، تكشف لنا كيف أصبح العراق، وما حل به، وما حل بالإنسان العراقي البسيط أيضا، الذي يرغب في الإحساس للمرة الأولى منذ عقود طويلة، بأنه يعيش في بلده عيشا كريما آمنا.
الأحاديث التلقائية غير المعدة سلفا التي يجريها ممثل أساسي في الفيلم، يقدم نفسه باعتباره نحاتا، تكشف لنا أيضا عمق التناقضات التي برزت من تحت السطح، ومدى العجز عن تصور أي مستقبل للعراق ولو بعد 4 آلاف سنة كما يردد أحد الذين يتحدثون في الفيلم من ركاب القطار.
ولعل من أهم سمات هذا الفيلم القدرة الكبيرة على التعامل مع الكاميرا، من زوايا مختلفة، وبحيث لا يشعر ركاب القطار بوجودها. وتتوقف الكاميرا أمامهم وتصورهم في لقطات يغلب عليها اللقطة المتوسطة والقريبة، ووسط الأحاديث التي تدور، يختطف سعد سالمان لقطات اخرى عابرة لكثير من الوجوه، وجوه العراقيين بكل ما تحمله من هم أو وجيع أو إحساس بالاغتراب والغربة والتشتت. صورة صادمة لمجتمع لايزال يتطلع إلى الاقتراب من منطقة الأمان.
"الريل" تجربة جريئة تمثل امتدادا لتجارب سعد سالمان الشجاعة في الإنتاج المستقل، وهي تجربة تكشف عن كم هو مسكون سعد سالمان ببلده وما حل به من دمار وتفتت وصراعات، بعد كل ما سمعه العالم عن "التحرير".

الأحد، 10 يناير 2010

بريد الأصدقاء: عن السيناريو والارتجال والمونتاج

تحياتي لك وشكرا جزيلا على المجهود الذي تبذله في هذه المدونة الفريدة.

لدي سؤال يشغلني لأني اريد ان اصور فيلما بكاميرا الديجيتال أرجو أن أعرف هل يمكن عمل أفلام بدون سيناريو، كما أقرأ كثيرا، وهل صحيح ان المونتاج هو الذي يأتي بالنتيجة النهائية لأي فيلم؟

محمد مرادالقاهرة

* للاجابة على هذا السؤال المركب اقول بالنسبة للشق الأول منه: عن إمكانية اخراج فيلم بدون سيناريو.. لا أظن على الإطلاق أن هذا صحيح. البعض يردد أحيانا ذلك بالفعل، لكنه عادة ما يكون قصده أنه يدخل التصوير بدون سيناريو تفصيلي مكتمل ونهائي، أي احيانا يكون لدى المخرج وريقات تحتوي على الخط الرئيسي للفيلم كما يتصوره، لكنه يترك المجال مفتوحا أمام الارتجال والتطوير حسبما يسير العمل مع الممثلين. وليس بالضرورة أن الفيلم الذي يبدأ تصويره بدون سيناريو نهائي يكون أفضل من غيره، لكن الأمر يحتاج لعبقريات خاصة للعمل بمنطق الارتجال لكي تخرج في النهاية بفيلم له أهمية، مثل جان لوك جودار وأمثاله، ليس لأنه لا يفكر في الفيلم قبل تصويره، أو يدخل (ورزقه على الله).. بل لأنه مثقف كبير، تدور في رأسه الفكرة عشرات المرات قبل أن يبدأ التصوير دون ان تكون مكتوبة تفصيلا على الورق. أما المخرج المغامر الذي يعتمد فقط على ما يأتي به الواقع فهو مجرد مصور تلقائي ربما ينتهي عمله إلى الغرق في الوحل، فلابد أن يدرك المرء قدراته الحقيقية، وألا يسرف في التفاؤل. والمنطق الذي تعلمناه هو ضرورة أن تقوم بواجبك المنزلي، أي تدرس وتفكر وتخطط وتكتب بالتفصيل بقدر الامكان.* أما بالنسبة للمونتاج ودوره في تشكيل الصورة النهائية للفيلم، فهذا صحيح اذا كان الفيلم من تلك التي يلعب فيها المونتاج دورا بلاغيا، أي يعيد ترتيب اللقطات داخل المشهد او تترك الحرية للمونتير بالاتفاق مع المخرج، في الحذف واعادة ترتيب بعض المشاهد ايضا، أو استخدام مساحات صامتة، ولكن ليس المونتاج الذي يقوم على القطع بين شخصيات تعبر عن نفسها بالحوار طوال الوقت، فهذا النوع مونتاج "آلي" ليس فيه أي ابداع حقيقي بل هو مجرد "صنعة" أو حرفة لضبط الايقاع واحكام الانتقالات.. وهذا هو المونتاج السائد في الكثير من الأفلام (العربية على وجه الخصوص المتأثرة بمسلسلات التليفزيون).

وتحضرني في بيان قدرة المونتاج الإبداعية تجربة خاصة، فعندما التحقت بالعمل في تليفزيون بي بي سي (عام 1994) كنا نتدرب على تقديم تحقيقات أو أفلام تسجيلية قصيرة جدا (3 دقائق مثلا) نقوم أولا بكتابة سيناريو بسيط جدا، ثم نذهب للتصوير ونأتي بكل ما نتصور أنه يفيد العمل من لقطات ومقابلات، ثم نبحث في الأرشيف عن وثائق قديمة أو لقطات سابقة يمكن استخدامها لتدعيم الموضوع، ونقوم بعد ذلك بعمل المونتاج للصور فقط، دون أن يكون هناك أي تعليق صوتي عليها أو موسيقى مصاحبة، أي مونتاج صامت تماما للصور فقط.. وفي النهاية يمكن أن نبدأ في كتابة التعليق المناسب للصورة، ونبحث عن الموسيقى التي نضعها في مقاطع معينة من العمل. وكان هذا كله يتم في يوم واحد فقط. في نهاية اليوم يتعين عليك تسليم شريط مصور صالح للعرض.هذه الطريقة لاشك في صعوبتها، لكن لاشك أيضا في انها شديدة الجاذبية وتمثل تحديا كبيرا أمام صانع أي فيلم، أن يكون بمقدوره التحكم في الصور واللقطات والايقاع لكي يجعل هذه العناصر كلها تروي موضوعا، قبل أن يكتب له تعليقا صوتيا مصاحبا أو ربما حتى بدون أي تعليق مصاحب. إنه بلاشك تدريب شديد الفائدة لكل دراسي السينما والتليفزيون. أرجو أن أكون قد أجبت عن سؤالك كما ينبغي.

الجمعة، 8 يناير 2010

مع ميشيل وعمر

جلسة رائعة جمعتني في لندن أخيرا رغم البرد القارص، والأشغال الشاقة التي أقوم بها هذه الأيام، مع صديقين من أصدقاء الزمن الجميل: المنتج السينمائي الفلسطيني عمر قطان، والمخرج المعروف ميشيل خليفي.
تمكنت من إيجاد فسحة من الوقت للخروج من العمل لقضاء أكثر من ساعة مع الصديقين في مقهى مجاور من مكاتب بي بي سي حيث أعمل، في ريجنت ستريت بوسط لندن.
جاء ميشيل من بلجيكا التي يقيم بها إلى لندن حيث يقيم منتج فيلمه الأخير عمر قطان، لبحث بعض الأمور الفنية معه على ما يبدو.
أهديت نسخة من كتابي الجديد "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب" إلى ميشيل، ففوجئت بأنه يعرف الشيخ إمام معرفة ربما تفوق معرفة الكثيرين من عشاقه بل والمتخصصين فيه أيضا. وروى لي ميشيل كيف أنه زاره مع رفيقيه أحمد فؤاد نجم ومحمد علي، في البيت القديم الذي كانوا يقيمون فيه جميعا في "حوش قدم" بحي الحسين الشهير في القاهرة عام 1982. وقضى ميشيل وقتا طويلا في صحبة الشيخ إمام، وظل يتردد عليه كثيرا بعد ذلك، بل وأدهشني عندما قال لي إنه المسؤول عن إدخال شرائط الشيخ إمام إلى فلسطيني عام 1982 لكي يغني هناك.. وهي دون شك قصة تستحق أن تروى ون تسجل. وقال إنه استخدم نغمة أغنية "إذا الشمس غرقت في بحر الغمام" في أول أفلامه "الذاكرة الخصبة"، وأظهر معرفة هائلة بالكثير من أغاني الشيخ إمام التي يحفظها عن ظهر قلب ليس فقط بكلماتها بل بألحانها، كما أنه يحفظ الكثير من أشعار الفاجومي (نجم)، ويتذكر محمد علي (ضابط الإيقاع) والرسام الذي رحل عن عالمنا قبل أشهر معدودة، ولم يكن ميشيل يعلم برحيله. وروى لي كيف أنه عندما التقاه سأله: هل انت الفنان التشكيلي، فرد عليه محمد بسرعة بديهة وخفظ ظل قائلا على الفور: لا أشكيلك ولا تشكيلي!
كنت قد التقيت ميشيل أخيرا في مهرجان دبي السادس الشهر الماضي، بعد غياب دام ربما أكثر من عشر سنوات (فراقات عشاق السينما فراقات معذبة فعلا.. تصوروا مثلا أنني لم أكن قد التقيت بالعزيز الناقد عدنان مدانات منذ منتصف التسعينيات إلى أن قابلته أخيرا في مهرجان أبو ظبي السينمائي في أكتوبر!)..
مقالي عن فيلم "زنديق" أحد أفلام ميشيل خليفي الذي حصل على ذهبية مسابقة المهر للأفلام العربية الروائية الطويلة، أعجب ميشيل كثيرا.. وقال لي إنه وجد فيه الكثير مما كان في ذهنه فعلا أثناء كتابة وتصوير الفيلم، فقلت إنني لا أعرف ما إذا كان هذا حقيقيا أم لا ولكني عادة ما أعبر عن "رؤيتي" الخاصة للعمل السينمائي، واستقبالي الشخصي له، دون أي محاولة لتجميع "معلومات" مسبقة عن ظروف صنع الفيلم، وإنني آمل دائما أن يكون المقال النقدي تعبيرا عن علاقتي بالفيلم، وأن يكون أيضا قطعة "أدبية" لا تقل أهمية عن الفيلم نفسه، بل تتماهى معه وتدخل أحيانا أيضا، في سجال وجدل مع أفكاره.
حديثنا عن الفيلم والمقال لم يستغرق ثلاث دقائق انتقلنا بعدها إلى السينما ومهرجاناتها وأحوالها في العالم العربي، وإلى اوضاع النقد والنقاد، وناقشنا أيضا بعض الأفكار التي تصلح للتحول إلى سينما.. وكان عمر قطان يصغي باهتمام، وكنت قد تعرفت على عمر للمرة الأولى في مهرجان فالنسيا السينمائي عام 1991 (على ما أتذكر)، وكان موجودا هناك .. شابا يافعا.. جاء لعرض فيلمه الأول كمخرج وهو بعنوان "أحلام في الفراغ"، وقد كتبت عنه في صحيفة "القدس العربي" التي كنت أعمل بها في ذلك الوقت. وهو أصلا من دارسي السينما في بلجيكا، وأظنه تتلمذ على يدي ميشيل خليفي الذي يقوم بالتدريس منذ سنوات طويلة، في معهد السينما البلجيكي الذي تخرج منه. وكان فيلم ميشيل الأول "الذاكرة الخصبة"(1982) إعلانا قويا عن موهبة كبيرة حقا، وعن تيار حداثي بارز في السينما الفلسطينية.
معا.. ضحكنا ونحن نتذكر تلك الايام، ونتذكر ما دار من معارك بعد ذلك حول الكثير من القضايا والمواضيع، وتطرقنا إلى السفه الذي تمارسه بعض المؤسسات في العالم العربي بدعوى الاهتمام بالسينما فيما هي مهتمة أساسا باستعرض نفسها، والغرق في مستنقع الفساد.. والعياذ بالله!
ولا أريد أن أطيل عليكم.. فسأذهب لتناول الشاي الساخن الآن لعله يمنحني بعض الطاقة في هذا البرد المقيم.. وآخر الأنباء عندنا هنا في لندن، تقول إننا سنشهد هطول الثلوج هذه الليلة بحيث نستيقظ صباحا لنجد المدينة وقد غرقت في كتل الثلج الأبيض.. أي تحولت إلى قرية كبيرة تتعطل فيها حركة المركبات الحديثة، حيث لا يصلح في هذه الحالة ربما سوى ركوب الدواب ذات الحوافر التي تغرز في الثلج، للانتقال، على طريقة الاسكيمو.. ولكن من أين نأتي بها.. عندي قطة واحدة، لا اظن أنها تستطيع القيام بالمهمة!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger