الأحد، 17 مايو 2009

يوميات مهرجان كان 4


عرض مساء اليوم الخامس من المهرجان في احدى القاعات الصغيرة المخصصة لعروض السوق الدولية لأفلام الفيلم المصري "دكان شحاتة" للمخرج خالد يوسف.
قابلت المخرج خالد يوسف بالصدفة مع الصديق محمود حميدة والمنتج كامل أبو علي والزميل أحمد فايق وبطلي الفيلم عمرو سعد ومحمد كريم. ودعاني خالد يوسف على العرض الخاص الذي لم أكن أعتزم حضوره ليس كموقف على الاطلاق بل لأنني عرفت مسبقا أن القاعة لا تستوعب أكثر من 35 مقعدا وأعرف أن عرب كان سيتوافدون ويزدحمون، وبالتالي سأصبح عرضة لما يسمى بالعامية الرشيقة "البهدلة"، وسبق أن قلت وكررت أنني لا أجد أي مبرر لأن "يتبهدل" أي ناقد في الدنيا حتى يشاهد أي فيلم، فهو سينتهي وقد أصبح منهكا ولا يستطيع بالتالي الاستمتاع بالفيلم أو حتى ابداء رأي سليم فيه. وقد أخذت أؤكد على خالد يوسف أن يضمن لي مقعدا بشكل كريم مقدما، ولا أدري ما الذي اعتقده خالد الذي ألتقيه للمرة الأولى دون معرفة سابقة بالمناسبة، لكنه على أي حال فهم موقفي ووعد بادخالي بنفسه القاعة.
عدت في الموعد فوجدته مع النجمة الشهيرة هيفاء وهبي التي تقوم بدور رئيسي في الفيلم للمرة الأولى في السينما على الاطلاق. وتبادلت حديثا رقيقا مع هيفاء التي كانت تبدي أيضا اهتماما بالتعرف على الجميع والانصات لهم جميعا بل وتلبية طلب كل من يطلب التصوير معها أيضا وهم كثيرون وكثيرات. وقابلت أيضا رئيس المركز القومي للسينما في مصر خالد عبد الجليل وكنا قد تعرفنا قبل ثماني سنوات أثناء رئاستي جمعية نقاد السينما المصريين، وقبل أن أغادر مصر مرة ثانية إلى بريطانيا.
شاهدت الفيلم في البداية من مقعد على الممر لأنني أكره المقاعد الداخلية، وكنت أجلس بجوار الصديق القديم سعد المسعودي الذي يعمل لقناة العربية الاخبارية ويقوم بتغطية المهرجان للعام الخامس على التوالي لهذه القناة. وسرعان ما توافدت الوفود والأفراد واندفع الجميع حتى ضاقت بهم القاعة، ورأيت الصحفية هدى ابراهيم تضطر للجلوس على الأرض ومعها عدد من علية القوم. وبدأ الخبط والشد والجذب، وملت على أذن سعد أقول متسائلا كيف سيمكننا التحمل. لحسن الحظ خلا مقعد داخلي في الصف نفسه فانتقلت إليه وأكملت مشاهدة الفيلم وأنا أتساءل لماذا لم يستأجر كامل أبو علي قاعة أكبر ونحن جميعا نعرف أن حدثا كهذا يستقطب جميع المهتمين من الصحفيين والنقاد العرب إلى جانب الضيوف من الموزعين أو المشترين المحتملين. وقد فشل نجوم الفيلم في العثور على مقاعد لهم فانسحبوا وأولهم هيفاء وهبي التي بدت أكثر نحافة بكثير عما تبدو في الصور.
رأيت يوسف شريف وزوجته ميرفت الابياري وكانا من أوائل القادمين، ثم حضر فجأة صديقنا انتشال التميمي المدير الفني لمهرجان روتردام العربي، وجاءت الممثلة لبلبة، وحضر ابراهيم العريس وأيضا نقاد آخرون ومهتمون ومرافقون ومرافقات وأشخاص لا علم لي بما يفعلونه بل ولم أكن أعلم بوجودهم في كان إلا في هذه اللحظة!
أما "دكان شحاتة" نفسه، فالدخول إليه ليس كالخروج منه بطبيعة الحال، والتفاصيل في مقال قادم!
* أستطيع الآن أن أقول وأنا مرتاح الضمير أنني شاهدت تحفتين سينمائيتين تتميزان كثيرا على معظم ما شاهدته من أفلام داخل المسابقة هما الفيلم الاسباني الناطق بالانجليزية "أجورا" Agora (عروض خاصة خارج المسابقة)، والفيلم الروسي للمعلم الكبير بافل لونجين "قيصر" (نظرة خاصة). والتفاصيل أيضا في مقال قادم.
* فاجأني صحفي من الذين التقيتهم في كان بقوله إنه اكتشف أخيرا أن السينما يمكن أن تكون "ثقافة" أيضا!
أفضل الأفلام حتى الآن:
* الفيلم البريطاني "حوض الأسماك" لأندريا أرنولد، والفيلم الفرنسي "نبي" لجاك أوديار وكلاهما في المسابقة الرسمية، والفيلم الروماني "الشرطة: صفة" الذي عرض في إطار قسم "نظرة خاصة".
أما أسوأ الأفلام التي شاهدها كاتب هذه السطور حتى الآن فلقب يستحقه عن جدرة الفيلم الأمريكي السخيف جدا "بريشس" أي (ثمين) لكنه اسم فتاة سوداء مصابة بداء السمنة وقدر من البلاهة والكوميديا التي شاهدناها تسخر من تلك الفتاة ومأساتها أو هذا هو ما وصلني!

السبت، 16 مايو 2009

يوميات مهرجان كان 3


على صعيد التجارة السينمائية أي السوق كان أغرب ما وقع أمس أن صدر تهديد عن المشترين الروس أثناء جلسة مناقشة في الخيمة الروسية بسوق كان، لموزعي الأفلام الأمريكية تحديدا.
هذا التهديد مؤداه أنه ما لم يخفض الموزعون الأمريكيون أسعار الصفقات التي تم التعاقد عليها بالفعل قبل وقوع الأزمة الاقتصادية العالمية القائمة، فإن الروس يقولون إنهم لن يحترموا الاتفاقات الموقعة على شراء أفلام لم تكن قد انتهت بعد.
الروس يطالبون الموزعين الأمريكيين بخفض يصل إلى 90 في المائة في قيمة التعاقدات، ويقولون إن مبيعات الاسطوانات الرقمية (دي في ي) انخفضت بنسبة 60 في المائة بسبب القرصنة، كما تناقص الاقبال على دور السينما بسبب القرصنة أيضا، وتناقص شراء محطات التليفزيون للأفلام الجديدة.
الموزعون الأمريكيون قالوا إن الأمر ليس قاصرا على الروس فقط بل يشمل الجميع، أي أن الأزمة تشمل الكل فلم يطالب الروس بمعاملة خاصة هنا، كما أشاروا على الروس بالمساومة للحصول على أسعار أفضل بالنسبة للأفلام التي انتهت فعلا وأصبحت جاهزة، لأنها في تلك الحالة تكون ملكا للمنتج ولا يكون قد تبقى عليها قروض للبنوك. أنا شخصيا لا أفهم كثيرا في عمليات التمويل وتعقيداتها والدروب الخاصة بعالم الصفقات، لكني أشم رائحة أزمة ما!
في عالم المشاهدة السينمائية كان أغرب ما وقع معي خلال الأيام الماضية أن جاء شابان أمريكيان بينهما واحد من أصول صينية واضحة، يفترض ان الاثنين ناقدان، وقد جلسا بجواري مباشرة في قاعة ديبوسيه المخصصة للعروض الصحفية. وبمجرد أن بدأ عرض الفيلم أخذ الأخ الصيني الأمريكي يسعل باستمرار، وبين آونة وأخرى، يصدر صوتا حادا من أنفه كما لو كان يسلك أنفه بقوة. وتكرر هذا الأمر عشرات المرات دون أن يشغل بال الأمريكي الآخر (الأصلي) الجالس بجواره و القادم بصحبته. ولكن الموضوع كله عكر علي كثيرا جدا صفو المشاهدة، فما هذا؟ وما معنى هذه الأصوات والسعال؟ كنت أود أن أهمس في أذنه ببساطة: أنت في حاجة إلى رؤية طبيب ياعزيزي.. فارحم نفسك وارحمنا فنحن في زمن أنفلونزا الخنازير!
ولو فعلت لقامت القيامة طبعا، فستكون تهمة الاعتداء العنصري على الحرية الشخصية جاهزة على الفور. ما حدث أنني أصبحت أراقب نفسي جيدا ولحسن الحظ لم تظهر علي أي أعراض بعد. هل كانت هذه حالة عصبية التي أصيب بها الناقد الصيني-الأمريكي ربما من فرط الهلع في التسابق على مشاهدة الأفلام في كان؟ ربما!
أخيرا تمكنت من مشاهدة الفيلم اليوناني "زمن الغبار" للمخرج الكبير ثيو أنجلوبولوس ضمن عروض السوق الدولية للأفلام وهو ما كان يسألني عنه باهتمام صديقنا محمد هاشم الذي ترجم كتابا كاملا عن أنجلوبولوس وسينماه الشاعرية ذات البصمة الخاصة، وهو أساسا أيضا من المهتمين بالسينما الفنية. لكن لعل محمد لا يشعر بنوع من الاحباط إذا ما قل له إنني وجدت- لدهشتي الشديدة- أن الفيلم أقل أفلام مخرجه تألقا حتى الآن. نعم هناك الحركة البطيئة المميزة للكاميرا، والإيقاع التأملي البطيء، والاعتماد على التداخل بين الماضي والحاضر، وعلى استدعاء الذاكرة، والبطل الذي يرغب في تصفية حساباته الشخصية مع ماضيه ومع عالمه، لكن أنجلوبولوس فقد شيئا مهما هنا ربما يكون المدخل الخاص الجديد للموضوع، وغرق في الانتقال بين عدد كبير من الشخصيات، ومزج بين الانجليزية واليونانية، واستخدم طاقما تمثيليا "دوليا" متنافرا مثل وليم دافوي وميشيل بيكولي وايرين جاكوب وبرونو جانز وغيرهم.
الأحداث أيضا كثيرة ومتلاحقة، والشخصيات تتحرك كالعادة في التاريخ، من وفاة ستالين حتى استقالة نيكسون. وتنتقل بين أماكن ومدن مختلفة. فيلم محير ومربك بل ومرتبك في بنائه، واعتماده على الحوار التقليدي بين شخصين في لقطات قريبة ومتوسط وعلى القطع المتبادل، يحد كثيرا من استمتاعك به.
ماذا يحدث للسينمائيين الكبار عندما يشيخون أو يكبرون؟ هذا السؤال أيضا يراودك وأنت تشاهد فيلم "نجمة لامعة" لمخرجة جين كامبيون التي أتحفتنا هنا في كان بفيلم "البيانو" عام 1993. هذا الفيلم أثار سخط الجميع بسبب بطئه ولغته الأدبية العقيمة، حتى بدا أنه يعكس تراجعا إلى سينما عفا عليها الدهر خاصة وأنه يتناول موضوعا لا جديد فيه من أي ناحية، يدور حول العلاقة العاطفية بين الشاعر الانجليزي جون كيتس وفاني براون، وكيف انتهت حياة الشاعر مبكرا، وترك فاني التي أحبته بصدق وحيدة تبكي حبها المفقود.
فيلم رومانسي يعتمد أساسا على الحوار واستخدام القصائد الشهيرة للشاعر، ولكن ليست وظيفة السينما قراءة الشعر ولا ترجمة قسم من حياة أي إنسان، بل البحث في قيمة جديدة ورؤية خاصة معاصرة لما يكمن في الماضي.. أليس كذلك!

الخميس، 14 مايو 2009

يوميات مهرجان كان 2

لقطة من فيلم "حوض الأسماك"


الغرق في "حوض الأسماك" والخروج من "دمية الجنس"

المسابقة الرسمية بدأت تقوى وتشتد مع عرض الفيلم البريطاني المنتظر "حوض الأسماك" The Fish Tank للمخرجة أندريا أرنولد، وهو فيلم يستلهم أجواء المخرج مايك لي الواقعية. أعجبني الفيلم أكثر كثيرا مما أعجبني فيلمها الأول الذي عرض في دورة 2006 "الطريق الأحمر" The Red Road.
فيلم شديد القسوة والقتامة لكنه صادق تماما في تناول موضوعه المعاصر الذي يعكس صورة لما يحدث في المجتمع الانجليزي اليوم في أوساط الطبقة الهامشية اتي تعيش خارج دورة المجتمع، من خلال فتاة مراهقة ضائعة لا تجد من يأخذ بيدها.
ممثلة جديدة شابة جدا (17 عاما) ربما ستتفوق على كيرا نايتلي بأدائها الواثق. كيتي جارفيس إسم سيبقى طويلا في الذاكرة لإحدى نجمات المستقبل.
فيلمي الثاني اليوم كان الفيلم الإيراني للمخرج الكردي بهمن قبادي (صاحب "زمن الجياد السكرانة" The Time of the Drunken Horses و"نصف القمر") لكنه هذه المرة يخرج من جلده أي يتخلى عن التصوير في كردستان ويصور للمرة الأولى في طهران فيلما سيرضي الكثيرين في الغرب سياسيا لأنه يدين بقسوة وبلا أي مواربة، لكن هل نجح قبادي في نسج موضوع فيلمه دون أن يأتي ممطوطا؟ وهل نجح في جعل فيلم عن موسيقيين شباب يريدون الخروج من ايران لتقديم الطبعة الايرانية من أغاني وموسيقى الروك والراب، عملا يتسم أيضا بروح امرح كما أراد؟ الإجابة على هذاالسؤال تستلزم العودة إلى تحليل الفيلم فيما بعد.
شاهدت أيضا فيلم "دمية الجنس" Air DOLL الياباني الذي يدور حول فكرة الخلق والتمرد على حدود الخليقة، والبحث عن مغزى للحياة من خلال حكاية الدمية التي تتخذ لنفسها مسارا "إنسانيا" وتشعر بطعم الاشياء، فيكون هذا بداية لدمارها.
أما فيلمي الرابع اليوم الخميس فكان فيلم "تيترو" Tetro لفرنسيس فورد كوبولا الذي استقبل استقبالا حافلا في افتتاح تظاهرة "نصف شهر المخرجين" وإن تأخر عرض الفيلم عن موعده المقرر نحو 40 دقيقة، فالافتتاح عادة مثل العرس، تتوه فيه أم العروسة بل وتنسى نفسها أيضا. ولنا عودة للفيلم بالتفصيل قريبا. لكن أكتفي بالقول أن عشاق كوبولا المبهورين بأفلامه القديمة سوف لن يعثروا هنا على بغيتهم، فهذا عمل جديد تماما لا علاقة له بأفلامه الأخرى بل ويمكن القول إنه أيضا أقرب إلى التجريب في الشكل وإن كان في إطار الميلودراما الكاملة التي تسير حسب الكتاب!
توجهت في العاشرة مساء لمشاهدة فيلم "ابراهيم الأبيض" ثاني أفلام مروان حامد الروائية الطويلة في السوق الدولية للأفلام. وقابلت الصديق أحمد عاطف الذي تكرم يالحصول لي على بطاقة دعوة لكننا اضطررنا للانتظار طويلا، ثم سمح لنا بالصعود لكي أجد أنني أقف على منتصف السلم بعد أن امتلأت القاعة عن آخرها وأصبح الاحتمال الأكبر أن أشاهد الفيلم واقفا في نهاية يوم طويل حافل ومرهق للغاية.. أعدت بطاقة الدعوة إلى أصحابها شاكرا، ثم غادرت وأنا أردد لنفسي"الحق على كوبولا أكيد"!

الأربعاء، 13 مايو 2009

يوميات مهرجان كان 1


حمى الأبعاد الثلاثة وبداية المارثون في كان

وصلت بعد ظهر الثلاثاء إلى كان قادما من لندن، وكان أمامي وقت طويل للتأهب والاستعداد بل والاستكشاف أيضا: كيف تبدو المدينة، وما الذي تغير، وماذا سيحدث؟
للوهلة الأولى وأنا مازلت في مطار نيس، أقرب مدينة "حقيقية" إلى كان "الأسطورية"، لاحظت الزحام الكبير في أعداد القادمين.
وبعد وصولي كانت الاستعدادات على قدم وساق للافتتاح المنتظر مساء الأربعاء. كانت المدينة ترتدي أبهى حلة لديها استعدادا للعرس السينمائي الكبير. لم يكن هناك شيء نشاهده كما اعتدنا من قبل، ففيلم الافتتاح لن يعرض قبل صباح الأربعاء للنقاد والصحفيين في عرض خاص لاتاحة الفرصة للكتابة عنه، فالعرض الرسمي في الافتتاح كما هو معروف، يقتصر على الضيوف والشخصيات السينمائية اللامعة والنجوم.
المشهد العام حول قصر المهرجان صباح الأربعاء يختلف تماما عنه في المساء لحظة صعود النجوم السلالم فوق البساط الأحمر، تقليعة كان التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة إلى عدد كبير من المهرجانات خاصة مهرجانات الدول الفقيرة في الإنتاج السينمائي، فماذا تبقى لها سوى البساط الأحمر. وأصبحا "صرعة" البساط الأحمر مجالا للحديث والأخذ والرد والتباهي من جانب مدير مهرجانات الدويلات "محدثة النعمة" التي قفزت من داخل "القفة" إلى السلالم الحمراء مباشرة، ومن على رأسه بطحة سيتحسس رأسه على الفور، والقاريء يفهم ما نقصده بغير معاناة!
فيلم الافتتاح "إلى الأعالي" Up.. أي أعالي الجبال، هو الفيلم الأول من نوعه الذي يفتتح به مهرجان كان في تاريخه كما هو معروف وكما نشرنا قبل أكثر من شهر قبل أن يصبح الخبر "مشاعا". فالفيلم من أفلام الرسوم المصنوعة بتقنية الأبعاد الثلاثية. وكان لابد أن نرتدي نظارات خاصة للتمكن من مشاهدته والاستمتاع به.
ودونما حاجة إلى استطرادات كثيرة يمكنني القول أن الفيلم تحفة حقيقية وعمل فني رفيع من جميع النواحي. ولم أدهش إذا ما حقق في عروضه العالمية عشرات الملايين، فهو "تجربة" فريدة في المشاهدة، ليس فقط لأنه مصور بتقنية اصورة المجسمة بل لأن حجم الخيال فيه يفوق كل ما عرفناه من قبل، ودقة التصوير واستخدام الزوايا لتقديم أكبر جرعة من الاثارة والمتعة بما يتناسب تماما مع الرؤية المجسمة من أكثر ما يميز هذا الفيلم.
خيال سيريالي وحشي جامح، هذه المرة بطله رجل عجوز متقاعد، أي نقيض البطل التقليدي، يصادق طفلا يافعا من المتطوعين لمساعدة المسنين، يهرب من قضية تورط فيها، بمنزله بعد أن يربطه بآلاف البالونات، فيصبح المنزل طافيا في الفضاء ينتقل من بلد إلى آخر إلى أن يصل إلى بقعة شديدة التوحش في أعالي جبال أمريكا اللاتينية، يعتبرها البطل-اللابطل بمثابة "الجنة" المنشودة.
مع بطليه من البشر هناك الحيوانات الذكية المتكلمة مثل الكلب والبجعة وعشرات الكلاب الأخى التي تسخر قواها الخاصة في خدمة الشخصية الشريرة قبل أن تتحول في النهاية إلى جانب الخير.

الفيلم تكلف 150 مليون دولار وثورة الديجيتال المجسم ستمتد على استقامتها دون شك في عدد كبير من الأفلام الأخرى القادمة التي يستعد لإخراجها بعض الأسماء الكبيرة في عالم السينما على رأسها ستيفن سبيلبرج.
شاهدت فيلمين في السوق الدولية للأفلام التي تعرض أكثر من ألف فيلم هذا العام أولهما "الرسول" The Messenger وهو فيلم أمريكي للمخرج أورين أوفرمان، وبطولة وودي هارلسون وجينا مالون، وهو عن مأساة أسر الجنود الأمريكيون الذين يفقدون حياتهم في العراق من زاوية جديدة تماما.
والفيلم الثاني "الخسوف" The Eclipse وهو فيلم ايرلندي من اخراج كونور ماكفرسون، وهو من نوع الدراما النفسية إذا جاز التعبير، وفيه بعض الرعب وبعض الرومانسية، واخراجه متقن للغاية، وبطولة ممثلة عبقرية الأداء لم يسبق أن رأيتها من قبل هي الدنماركية إيبين جيجل!
أما الفيلم الأول في المسابقة الذي عرض مساء الأربعاء فهو الفيلم الصيني "حمى الربيع"The Spring Fever للمخرج لو يي الذي شاهدنا فيلمه السابق هنا في مسابقة كان 2006 وهو فيلم "القصر الصيفي"The Summer Palace الذي منعته السلطات الصينية لأنه كان أول فيلم يخرج من الصين، يصور بالتفصيل قمع انتفاضة ساحة تيانامن في بكين 1989. وقد منع المخرج من العمل لمدة خمس سنوات إلا أنه استطاع تحرير نفسه من العمل مع المؤسسات الرسمية في بلاده، وتحرر بالتالي من القيد الذي يحد من حريته بعد أن عثر على تمويل فرنسي ومن هونج كونج لصنع فيلمه هذا الذي يقتحم منطقة شديدة الخطورة في السينما الصينية، ففيلمه عن علاقة جنيسة متشابكة ومعقدة بين شابين ويحتوي على مشاهد تفصيلية صادمة حتى بالمقاييس الأوروبية للجنس المثلي.
والحديث عن "حمى الربيع" لا يصلح من خلال هذه اليوميات بل سأعود إليه فيما بعد عندما أتناول أفلام المهرجان بالنقد والتحليل في موضع آخر.
ولعل ميزة اليوميات أنها تحررني من قيود النقد الصارمة، والتغطية الصحفية المحددة الهدف، وتصبح سباحة في الدنيا وتحليق حر في السينما والحياة، باعتباري هاويا قديما للسينما أساسا وقبل أي شيء آخر!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger