الأحد، 10 مايو 2009

كان 2009 قبل رفع الستار: عمالقة السينما ورعب أنفلونزا الخنازير

لقطة من فيلم "نجمة ساطعة" للمخرجة جين كامبيون (في المسابقة)

كثيرون راهنوا على تراجع الدورة الجديدة، الثانية والستين، لمهرجان كان السينمائي بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية الطاحنة التي ألقت بظلالها على صناعة السينما.
غير أن المظاهر البادية حتى الآن تشير إلى أن المهرجان سيشهد منافسة شديدة بين عدد كبير من عمالقة الإخراج السينمائي في العالم، سواء داخل أم خارج المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة.
وفي كان ثلاث مسابقات: مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة قسم "نظرة خاصة"، ومسابقة الأفلام القصيرة. وهناك بالتالي ثلاث لجان تحكيم لمنح الجوائز التي تنحصر في حالة المسابقتي الثانية والثالثة في جائزة واحدة لأحسن فيلم، اما في حالة المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة فتمنح اللجنة إضافة إلى جائزة أحسن فيلم (السعفة الذهبية) عدد آخر من الجوائز منها أحسن ممثل وممثلة وإخراج.
وهناك بالطبع لجنة التحيكم الدولية التي يشكلها الاتحاد الدولي لنقاد السينما (الفيبريسي) التي تمنح ثلاث جوائز لأحسن الأفلام في المسابقة و"نظرة خاصة" وأسبوع النقاد الذي يعرض سبعة أفلام لمخرجين جدد. وسأكون مشاركا في هذه اللجنة التي ستعلن جوائزها في 23 مايو أي قبل يوم واحد من إعلان الجوائز الرسمية.
وعادة ما تستقطب المسابقة التي تتنافس أفلامها على السعفة الذهبية الشهيرة اهتماما كبيرا من جانب النقاد ورجال الصناعة الحاضرين في كان. وجدير بالذكر ان عروض المهرجان ليست مفتوحة أمام الجمهور العام كما في مهرجانات أخرى بل قاصرة على أهل المهنة فقط باستثناء تظاهرة "نصف شهر المخرجين" وهي تظاهرة موازية شديدة الأهمية لها اخيتاراتها الخاصة.
الأسماء الكبيرة حاضرة هذا العام سواء في المسابقة أم خارجها. في المسابقة هناك أفلام لألمودوفار الأسباني، ولارس فون ترايير الدنماركي، ومايكل هانيكه النمساوي، وألان رينيه أسطورة الموجة الجديدة الفرنسية (في الثمانينيات من عمره)، والبريطاني الذي تجاوز السبعين وإن كان لايزال أكثر الجميع شبابا- كن لوتش، والأمريكي الذي يثير ضجيجا كبيرا بأفلامه أينما حل، كوينتين تارانتينو بفيلمه الجديد "صعاليك مجهولون"، والنيوزيلاندية جين كامبيون الحاصلة على السعفة عام 1992 عن "البيانو"، والعملاق الإيطالي ماركو بيللوكيو الذي تربينا على أفلامه الملهمة في طفولتنا "الأيدي في الجيوب" و"الصين قريبة"، وأنج لي صاحب الأفلام الصادمة مثل "جبل بروكباك" و"شهوة وحذر".. الذي سيقدم فيلمه الجديد "تحرير وودستوك".. ماذا أيضا يريد مجانين السينما الفنية (غير التقليدية)؟
خارج المسابقة هناك إسمان من أكبر الأسماء في تاريخ السينما المعاصرة: الأسطوري فرنسيس فورد كوبولا (صاحب ثلاثية الأب الروحي) بفيلمه المستقل الجديد بعد انقطاع طويل قطعه قبل عامين بفيلم لم يبق في الذاكرة، وها هو يعود بفيلم مستقل يبدو شديد الحماس له، والأمريكي الشارد بعيدا عن أمريكا بأفلامه الغرائبية المثيرة للفكر والخيال تيري جيليام بفيلم الجديد "خيال الدكتور بارناسوس" (آخر ما شاهدته له كان في مهرجان فينيسيا 2006 وهو فيلم "الاخوان جريم").
للمرة الأولى في تاريخ المهرجان وأي مهرجان دولي كبير يفتتح "كان" هذا العام بفيلم من أفلام الرسوم (او التحريك حسب موقفك الشخصي من الفن.. فهل الفن لديك مجرد تحريك أو تعبير بالرسم!). والفيلم هو Up أي "إلى أعلى" أو باختصار وبعيدا عن التحذلق اللغوي "فوق".
وللمرة الأولى سيرتدي الصحفيون والنقاد في "كان" نظارات خاصة توزع عليهم لمشاهدة الفيلم الذي أنتج بتقنية الأبعاد الثلاثة. وستكون تجربة غريبة ومثيرة بلاشك تستحق التسجيل!
هناك بالمناسبة فيلم من المكسيك بعنوان "دانييل وأنا" للمخرج دانييل فرانكو في "نصف شهر المخرجين".. وإذن سيكون هناك وفد من المكسيك، بل ومن كل الدول التي تشهد انتشارا شبه وبائي لفيروس أنفلونزا الخنازير.. ولا أعلم حتى الآن أي احتياطيات اتخذتها إدارة بلدية مدينة كان وإدارة المهرجان الشهير لتفادي انتقال العدوى خصوصا أن العروض تتم داخل قاعات مغلقة وممتلئة بالبشر من شتى أرجاء المعمورة.. ولا يخلو الأمر طوال الوقت من العطس والسعال!
لا أظن أن الأمر سيكون سهلا.. ولكن دعونا نقدم التفاؤل ونأمل في أن السلطات واعية بحجم الخطر المحتمل، وأنها استعدت لمواجهة أي اشتباه على الفور والتعامل معه لحصره حتى لا يعكر صفو الاحتفالات المستمرة ليلا ونهارا في عيد السينما السنوي على شاطيء الكروازيت.
ستوزع على النقاد نظارات لمشاهدة فيلم الرسوم، فهل ستوزع عليهم أيضا كمامات واقية!

برامج وأقسام مهرجان كان 2009

من فيلم "الأحضان المهشمة" لألمودوفار

أفلام مسابقة مهرجان كان
تشمل مسابقة المهرجان 20 فيلما روائيا طويلا هي:


* "صعاليك مجهولون"- كوينتين تارانتينو (أمريكا)

* "نقيض المسيح"- لارس فون ترايير (الدنمارك)

* "نجمة لامعة"- جين كامبيون (نيوزيلاندا)

* "ما يبقى من الزمن"- إيليا سليمان (اسرائيل- -فرنسا- بلجيكا-ايطاليا)

* "عطش"- بارك تشان ووك (كوريا الجنوبية)

* "حمى الربيع"- لو يي (الصين)

* " تحرير وودستوك" -أنج لي (أمريكا)

* "وجه"- تساي مينج لينج (ماليزيا-فرنسا)

* "عناقات مهشمة" - بيدرو ألمودوفار (اسبانيا)

*"البحث عن إريك"- كن لوتش (بريطانيا)

* " حوض الأسماك"- أندريا أرنولد (بريطانيا)

* "الشريط الأبيض"- مايكل هانيكه (ألمانيا-النمسا-فرنسا)

* "الانتصار" -ماركو بيللوكيو (إيطاليا)

* "الحشائش البرية"- آلان رينيه (فرنسا)

* "نبي" - جاك أوديار (فرنسا)

* "في الأصل" - زافيير جيانوللي (فرنسا)

* "إدخل إلى الفراغ" - جاسبار نويه (فرنسا)

* "انتقام"- جوني تو (هونج كونج)

* "شؤون عائلية" Kinatay - بريلانتي ميندوزا (الفليبين)

* "خريطة أصوات طوكيو" - إيزابيل كواكسيه (اسبانيا)

* فيلم الافتتاح (13 مايو): "إلى أعلى" Up- بيتر دوكتر وبوب بيترسون (أمريكا)

* فيلم الختام (24 مايو): "كوكو شانيل وايجور سترافنسكي" للمخرج يان كوينن من هولندا. والفيلمان خارج المسابقة.

قسم "نظرة خاصة"
يعرض داخل هذا القسم التالي في أهميته بعد المسابقة 20 فيلما هي:

* "شمشمون ودليلة"- وارويك ثورنتون (استراليا)

* "عائم" – هيتور داليا (البرازيل)

* "رحلات الريح"- سيرو جيرا (كولومبيا)

* "غدا بعد الظهر" Demain des l'aube - دينيس ديركور (فرنسا)

* "إيرين"- آلان كافالييه (فرنسا)

* "دمية الجنس"- هيروكادو كوريدا (اليابان)

* "الاستقلال"- رايا مارتن (الفليبين- فرنسا- المانيا)

* "والد أبنائي"- ميا هانسون لوف (فرنسا-ألمانيا)

* "سن الكلب" Dogtooth – لورجوس لانثيموس (اليونان)

* "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية"- بهمن قوبادي (إيران)

* "عيون مفتوحة على اتساعها"- حاييم تاباكمان (إسرائيل)

* "الأم"- بونج جون هو (كوريا الجنوبية)

* "الجيش الصامت"- جان فان دي فيلد (هولندا)

* "يموت كرجل"- جواو بيدرو رودريجيز (البرتغال)

* "الشرطة.. صفة"- كونيليو برونبو (رومانيا)

* "حكايات من العصر الذهبي"- خمسة مخرجين (رومانيا)

* "حكاية في الظلام"- نيكولاي خوميركي (روسيا)

* "القيصر"- بافل لونجين (روسيا- فرنسا)

* "مهووسة جنسيا"- راتانا روانج (تايلاند)

* "بريشس"- لي دانييلز (أمريكا) خارج المسابقة

خارج المسابقة:
* " خيال الدكتور بارناسوس"- تيري جيليام (كندا- فرنسا)
* "جيش الجريمة"- روبير جيديجيان (فرنسا)
* "أجورا"- اليخاندرو أمينبار (اسبانيا)
عروض منتصف الليل
* "بلدة تدعى فزع"- ستيفان أوبييه وفنسنت باتار (بلجيكا)
* "لا تعودي"- ماريان دو فان (فرنسا- بلجيكا- لوكسمبورج- ايطاليا)
* "إجذبني إلى الجحيم"- سام ريمي (أمريكا)عروض خاصة
* "التماس"- تشاو ليانج (الصين)
عروض خاصة
* "من ي Min ye"- سليمان سيسي (مالي)
* "يافا"- كيرين يدايا (إسرائيل)
* "مانيلا"- أدولفو الكس ورايا مارتن (الفيلبين)
* "جاري.. قاتلي"- آن أجيون (أمريكا)


برنامج نصف شهر المخرجين
* "فيلم الافتتاح: "تيـترو"- فرنسيس فورد كوبولا (أمريكا)

* فيلم الختام: "عجمي"- اسكندر قبطي ويارون شاني (إسرائيل)
* "الأولاد الحلوين"- رياض سطوف (فرنسا)
* "أمريكا"- شيرين دابس (أمريكا- كندا- الكويت)
* "كاراكاس"- دينيس كوتيه (كندا)
* "دانييل وأنا"- مايكل فرانكو (المكسيك)
* "عائلة فولبرج"- أكسل روبرت (فرنسا)
* "إذهبي هاتي حاجة ياروزماري"- بني وجوش صفدي (أمريكا)
* De Helaasheid der dingen - فيلكس فان جروننجن (بلجيكا)
* "هنا"- تسو نين هو (سنغافورة)
* "أحبك يافيليب موريس"- جلن فيكارا وجون ريكوا (أمريكا)
* "قتلت أمي"- زافيير دولان (كندا)
* "كاريوكي"- تشانج فوي تشونج (ماليزيا)
* "نافيداد"- سبستيان ليلو (تشيلي)
* "لا يغير شيئا"- بيدرو كوستا (البرتغال)
* "أوكسهيد 2"- ليو جيا ين (الصين)
* "الخيمة"- تيزا كوفي وراينر فريمل (النمسا)
* "بوليتكنيك"- دينيس فولينيف (كندا)
* "ملك المراوغة"- آلان جيرودي (فرنسا)
* "أرض الجنون"- لوك موليه (فرنسا)
* "لوكي ونينا"- نوبيرو سوا وإيبوليت جيرادو (فرنسا- اليابان)

برنامج أسبوع النقاد
* فيلم الافتتاح: "لا يوجد أفراد"- ماتياس جوكييب (فرنسا)


* فيلم الختام: "فيلم الأب الروحي"- هييرو دو جاب إيبانيز (اسبانيا)

أفلام الاسبوع:
* "هواتشو" Huacho- اليخاندرو فرنانديز ألمندراس (تشيلي- فرنسا-ألمانيا)
* "أناس عاديون"- فلاديمير بريستش (صربيا- فرنسا)
* "منطقة المفقودين"- كارولين ستروب (بلجيكا)
* "الوداع ياجاري"- نسيم عموش (فرنسا)
* "يوم سيء للذهاب للصيد"- ألفارو بريخنر (أوروجواي-اسبانيا)
* "همس مع الريح"- شهرام العيدي (العراق)
* "ألتيبلانو" Altiplano- بيتر بروسس وجيسيكا وودورث (بلجيكا-ألمانيا-هولندا)

لجان التحكيم في مهرجان كان
* لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية
رئيسة اللجنة: الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير
الأعضاء:
آسيا أرجنتو: مخرجة وكاتبة وممثلة (إيطاليا)
نوري بيلج سيلان: ممثل وكاتب سيناريو ومخرج (تركيا)
لي تشانج جونج: كاتب ومخرج (كوريا الجنوبية)
جيمس جراي: كاتب ومخرج (أمريكا)
حنيف قريشي: كاتب سيناريو (بريطانيا)
شو كي: ممثلة (تايوان)
روبين رايت بن: ممثلة (أمريكا)
شارميلا طاغور: ممثلة (الهند)

* لجنة تحكيم الأفلام القصيرة:
جون بورمان: مخرج ومنتج وكاتب سيناريو (بريطانيا)
برتران بونيللو: مخرج (فرنسا)
فريد بوغدير: مخرج (تونس)
ليونور سيلفييرا: ممثلة (البرتغال)
تشانج زيي: ممثلة (الصين)

* لجنة تحكيم النقاد
تتكون لجنة التحكيم التي يشكلها الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (الفيبريسي) التي تمنح 3 جوائز لأحسن الأفلام المشاركة في المسابقة وقسم "نظرة خاصة" و"إسبوع النقاد" من 9 أعضاء هم:
مايك جودريدج (أمريكا)
نجيون ترونج ينه (فرنسا)
يانوس فروبلوفسكي (بولندا)
مايك نافس (هولندا)
دومنيك وايدمان (فرنسا)
أمير العمري (مصر)
ألينن تاشيان (تركيا)
أحمد جمال (بنجلاديش)
إيما جراي (السويد)

السبت، 9 مايو 2009

فلسطين وإسرائيل وإيليا سليمان


لا أفهم إصرار ناقد، يكتب عمودا يوميا في صحيفة مصرية يومية، على اعتبار فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان المشارك في مسابقة مهرجان كان فيلما إسرائيليا. فهو يكرر ويعيد ويزيد يوما بعد يوم، أن فيلم "الزمن المتبقي" أو "ما يتبقى من الزمن" (في انتظار أن نرى العنوان العربي للفيلم كما سماه مخرجه) هو فيلم إسرائيلي، في حين أن إسرائيل موجودة في الفيلم بحكم الاستعانة بشركة تقديم خدمات إنتاجية قد تكون لا علاقة لها على الإطلاق بالسياسة الرسمية الإسرائيلية بل وقد تكون مناهضة لها.
في الوقت نفسه الفيلم يحمل أسماء شركات أو جهات إنتاجية ساهمت في إنتاجه من كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا فلماذا إذن لا يقال إنه فيلم "إيطالي" أو "فرنسي" أو "بلجيكي" كما يقال إنه فيلم "إسرائيلي"!
هل هي محاولة للتأكيد على أن إسرائيل دولة تتمتع بديمقراطية حتى في التعامل مع أعدائها الفلسطينيين، وأنها تتيح لهم بالتالي، فرصة تحقيق أفلامهم وعرضها في المهرجانات الدولية أيضا؟
هل هي محاولة للانتقاص من جهود إيليا سليمان والتقليل من شأن ما يفعله، أم للقول إنه يحقق ما يحققه بفضل "إسرائيل"!
الحقيقة أن الأمر يبدو محيرا بالنسبة لي، فلا أفهم تماما ما يرمي إليه هذا الناقد ولا غيره ممن يصرون على استخدام نفس التعبير. فهل كون إيليا سليمان يحمل جواز سفر من إسرائيل بحكم انتمائه للأرض التي سلبها الإسرائيليون من الفلسطينيين، يتيح أن نصفه هو أيضا بأنه "إسرائيلي"؟ وبهذا المعنى، هل كان محمود درويش شاعرا إسرائيليا؟ وهل كانت أشعاره التي طبعت في "إسرائيل" أشعارا إسرائيلية؟
قلت من قبل وأكرر اليوم أن أعلام الدول التي تحملها الأفلام لم تعد لها أهمية كبيرة كما يعتقد صديقنا الناقد إياه، ومهرجان كان على أي حال كف منذ سنوات طويلة عن أن يكون "مهرجان دول" بل أصبح بحق مهرجان مخرجين، وخصوصا بعد أن تعددت جهات الإنتاج وتشابكت بصورة محيرة. المهم هو الهم والهاجس الثقافي ولغة التعبير والموضوع الذي يعالجه ومن أي أرضية ينطلق في معالجته.
إن لصق كلمة "إسرائيل" بالفيلم في تصوري لا علاقة لها سوى بأن المخرج "إسرائيلي الجنسية" وكان حريا القول إنه فلسطيني لولا خشية إدارة مهرجان كان من رد الفعل الإسرائيلي الذي لا يعترف بـ"فلسطين"، وربما يتغاضى عن تعبير "أراضي السلطة الفلسطينية" لكنه لا يسمح أن يكون ما تعتبره "مواطنا" إسرائيليا ممثلا لفلسطين!
ونحن لم نر الفيلم بعد ولا نعرف عما يتكلم سوى من خلال الأسطر القليلة المنشورة هنا وهناك.
المؤكد في النهاية أن إيليا سليمان ينتمي "ثقافيا" إلى العالم العربي، وإلى الثقافة العربية، وقبل هذا وذاك، إلى فلسطين وثقافتها.

الجمعة، 8 مايو 2009

"وودستوك" وهيباتيا والاسكندرية

لا أعرف لماذا يصر معظم من يكتبون التقارير الصحفية في الغرب على أن هناك فيلما واحدا يمثل السينما الأمريكية في مسابقة مهرجان كان السينمائي الثاني والستين الذي سيفتتح في الثالث عشر من مايو.
كل التقارير والبيانات التي تنشر في صحف ومجلات محترمة ومعروفة تتباكى على قلة الأفلام الأمريكية في المسابقة وتركز كلها على فيلم المخرج كوينتين تارانتينو المغرم بألاعيبه الشكلية المتحذلقة وابتكاراته في تصوير العنف والمغالاة في ذلك.
الجميع يتوقف طويلا عند فيلمه الذي تسبقه كلمة (المنتظر) وهو بعنوان "صعاليك مجهولون" (أو على نحو اكثر دقة "أولاد زانية شائنون") رغم ان موضوعه على ما يبدو، يعود إلى الماضي، على الحرب العالمية الثانية، ويدور حول مقاومة مجموعة من المتطوعين (بينهم بعض اليهود) ضد النازية.
لكن هناك فيلما ثانيا أمريكيا في المسابقة لا يشير إليه أحد هو فيلم "تحرير وودستوك" للمخرج الأمريكي من اصل تايواني أنج لي. ولا أفهم لماذا لا يعتبره بعض كتاب تلك التقارير الصحفية فيلما أمريكيا رغم أن موضوعه أكثر أمريكية بكثير من موضوع فيلم تارانتينو الذي لا أتوقع منه كثيرا شخصيا. ففيلم أنج لي يدور في اجواء تلك "الثورة" الخطيرة التي عرفتها أمريكا في الستينيات ووصلت إلى ذروتها في 1968 في "وودستوك" وشارك فيها ملايين الشباب الذين أعلنوا تمردهم على القيم الاجتماعية المتخلفة القديمة، ورفضوا الخضوع للتجنيد في حرب فيتنام، وتحدوا المؤسسة القائمة العتقية: الأسر، والدولة، والكنيسة، والجيش.
من ناحية أخرى سعدت سعادة شخصية بتحول موضوع "هيباتيا" إلى فيلم سينمائي سيعرض خارج المسابقة بعنوان Agora وهي كلمة يونانية معناها "الساحة" التي كان يجتمع فيها المثقفون والشعراء والعلماء في أثينا القديمة أو في الاسكندرية (في هذه الحالة تحديدا). وهيباتيا هي العالمة الاغريقية الأسطورية التي اثارت سخط الكنيسة القديمة التقليدية، كنيسة الاسكندرية، بسبب نبوغها العلمي وتأثيرها الكبير في المجتمع رغم كونها "وثنية" رفضت الانصياع للتعاليم الجامدة للكنيسة في تلك الفترة من القرن الرابع الميلادي.
وهيباتيا إحدى الشخصيات الرئيسية في رواية "عزازيل" العظيمة للكاتب يوسف زيدان الفائزة بجائزة بوكر العربية لعام 2009 (سبق أن نوهت بأهميتها في هذه المدونة)، وهي التي ينتهي مصيرها بالقتل بطريقة تقشعر لها الأبدان، على أيدي المتعصبين، الذين يبيحون قتل الآخرين باسم الدين، بل ويحرقونوها وهي مازالت حية. وقد قدم زيدان في روايته وصفا تفصليا أدبيا رفيعا لحادث اغتيالها في "الساحة" الرئيسية بمدينة الاسكندرية وهي في طريقها لالقاء محاضرة على جمهورها.
وهيبا- من هيباتيا- هو الإسم الذي أطلقه بطل الرواية، الراهب المصري الذي جاء من الصعيد إلى الاسكندرية للتزود بعلوم اللاهوت، وبدلا من ذلك انساق وراء التعلم من تجارب الحياة ذاتها. وقد تسمى باسم هيبا تحية وإعجابا بالعالمة اليونانية العظيمة التي راحت ضحية التعصب والتزمت والجهل. ألا يعيد التاريخ نفسه اليوم ولكن على شكل مهزلة، كما كان قال كارل ماركس!
"أجورا" Agora فيلم للمخرج الاسباني أليخاندرو أمينبار جرى تصويره في جزيرة مالطا، حيث شيدت ديكورات هائلة لمدينة الاسكندرية القديمة. ونحن في انتظاره بترقب لنعرف ما اذا كان سيرقى إلى مستوى التوقعات.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger