الفيلم المغربي "زمن الرفاق" للمخرج الطموح محمد الشريف الطريبق، يعود بنا إلى زمن السينما السياسية المباشرة بمفهومها اليساري "المؤدلج" التقليدي ولكن من خلال "رؤية" تمزج الواقع بالخيال، والدراما السياسية بالكوميديا السوداء.
الزمن بداية التسعينيات في الجامعة المغربية.. عندما كان الاتحاد السوفيتي على وشك السقوط، وكان المد اليساري الكاسح في الجامعات المغربية، يكاد ينحسر مفسحا الطريق أمامه لزحف التيارات التي تسمى بـ"الإسلامية" أو بالأحرى التيارات التي يطلق عليها الفيلم عن حق "التيارات الظلامية" التي نجحت باستشرائها في المجتمع وتغلغلها بل ونفاذها عبر أنظمة الشرطة والقضاء والتعليم في مجتمعاتنا عموما، في العودة بنا إلى الوراء عشرات السنين، لكي نبدأ مجددا في مناقشة الكثير من الأمور التي كنا نتصور أنها حسمت في بداية القرن العشرين.
طبيعي أن يكون فيلم "زمن الرفاق" منحازا وليس موضوعيا تماما، فهو يتكلم من منظور رؤية شخصية أو تجربة خاصة بمؤلفه عزيز قنجاع الذي كتب المذكرات التي بني عليها سيناريو الفيلم. وطبيعي أن تكون هذه الرؤية متسقة مع تصورات ومفاهيم وأفكار المخرج وكاتب السيناريو (الطريبق) في رغبته في التعبير عما كان يشغل رفاق جيله حتى لو لم يكن قد قضى هو شخصيا في الجامعة كل تلك السنوات التي يكثفها في فيلمه. فهو منحاز للتيار الذي ارتبط به سواء داخل الجامعة أم خارجها، وهو وإن لم ينجح تماما في التعبير عن تلك الرؤية السياسية بطريقة فنية تخلو من المباشرة، إلا أنه يحسب له كونه أحد تلك الأفلام العربية القليلة بل والنادرة التي تتجرأ على التطرق لهذه الفترة ولهذا الموضوع.
وقد شهدت مثلا الجامعات المصرية سجالا طاحنا قبل الفترة التي يعالجها الفيلم المغربي بنحو خمسة عشر عاما، أي في منتصف السبعينيات بعد أن بدأت الدولة للمرة الأولى في تاريخها تتبنى الجماعات "الإسلامية"، فأخرجت رموزها من المعتقلات وبدأت تمدها بالدعم بل وتزودها بالسكاكين والسلاسل الحديدية لكي ينقض "أزلامها" (ومنهم من أصبح اليوم في موقع القيادة لا يكف عن التشدق بكلام أجوف عن إيمانه الديمقراطية.. ديمقراطية السكاكين للمعارضين لهم بالطبع!) على قوى اليسار لضربهم وتحطيم اراداتهم بل وتعاونوا مع قوى الأمن في مطاردتهم وتشريدهم والقبض عليهم في حملات مشهودة تحفظها أجهزة أمن نظام السادات جيدا. ومن بين أدران تلك الفترة المظلمة خرج أيمن الظواهري وأتباعه وولد فيما بعد التنظيم الدولي المعروف بـ"القاعدة".
موضوغ فيلم "زمن الرفاق" سياسي في المقام الأول، وهو ما دفعني هنا للعودة إلى تلك التداعيات لكي أشير فقط إلى أهمية فتح تلك الملفات الملتبسة على الكثيرين، ولأشير أيضا إلى أنه رغم كل ما كتب في مصر من مذكرات وكتب حول فترة الحراك الطلابي وما واجهه من قمع في السبعينيات إلا أن السينما المصرية لم تتجاسر على تناول هذا الموضوع حتى الآن، فالرقابة المفروضة لن تسمح، والمنتجون المهيمنون يرغبون أساسا في اتقاء شر جماعات الشر!
عودة إلى "زمن الرفاق" الذي بدا لي أنه أقرب في بنيانه وأرضيته إلى الفيلم السياسي "الرومانسي" ليس فقط لأنه يعتمد على المزج بين قصة حب بين طالب جامعي (سعيد) وطالبة حسناء (رحيل) وبين المواجهات بين من يطلق عليهم في الفيلم "القوى الظلامية" وعناصر اليسار من أجل السيطرة على الاتحاد العام لطلاب المغرب، بل لأنه يتبنى أيضا تصورا شديد التبسيط أي يخلو من التعقيدات الدرامية الضرورية لتكثيف العمل الفني، في تعامله مع الموضوع من كل زواياه وجوانبه، أي من زاوية حركة المجتمع ككل بما في ذلك موقف السلطة أيضا.يقوم البناء كما أشرت، على المزج بين العام والخاص، وبين العاطفي والثوري، لكنه إذا كان قد نجح في تقديم الجانب الرومانسي العاطفي (ثلاثة شبان يتصارعون على قلب فتاة تميل هي إلى سعيد) لكنه لم يوفق في التعبير عن تطور شخصية سعيد لكي يسير في طريق الانتماء الكامل ويصبح أحد زعماء الحركة الطلابية. فقد اعتمد على تصوير مشاهد طويلة تسودها الخطابة والاستخدام الانشائي للعبارات اللفظية، وتعاني من محدودية المكان وعدم القدرة على الانتقال في الزمن بحيث يكتفي المخرج بالإيحاء أكثر من الافصاح، وبالاشارات أكثر من الوعظ المباشر. وهذه هي آفة الفيلم السياسي "المؤدلج" رغم كل ما يتمتع به من حسن نوايا.
هناك الكثير من مشاهد الاضرابات والمسيرات التي تؤرخ لأحداث سياسية شهدتها الساحة العربية في تلك الفترة، وتجاوب طلاب الجامعة معها. وهناك إشارة إلى عدم اكتمال الأشياء بل وانحسار الفكر الثوري الغاضب من خلال عدم اكتمال العلاقة نفسها أو جعل الفتاة تغادر الجامعة وتتخلى عن الحلم الرومانسي.. في اشارة إلى نهايته، لكن موضوع زحف التيار البديل (الظلامي) كان يقتضي التعامل السينمائي معه بطريقة أكثر جدية، وأكثر إيجازا في الوصف، وكثافة في الصور السينمائية واستخدام لغة التعبير المرئي.
لكن الفيلم بشكل عام يكشف عن ثقة مخرجه في التعامل مع الممثلين، وفي كونه التزم بالبناء الكلاسيكي ولم يشطح في ترهات تحطيم الشكل كثيرا في أولى تجاربه في السينما الروائية الطويلة، فربما يكون من المطلوب أن يتعلم السينمائي أولا كيف يسيطر على أدواته التقليدية قبل أن يتطلع إلى تحطيمها وتجاوزها.
ولاشك أنه يستطيع عن طريق التحرر أكثر عند ترجمة المعاني إلى لغة سينمائية مستقبلا، أن يمد تلك التجربة على استقامتها وأن يقدم لنا عملا أكثر جمالا.

من الأفلام الممتعة التي تناولت العلاقة بين الأديان البلغاري "العيون المسروقة" Stolen Eyes من إخراج رادوسلاف سباسوف Spassov.


