الثلاثاء، 13 يناير 2009

ناقد سينمائي ظلمه التاريخ

من فيلم "شيء من الخوف"



سعد الدين توفيق


سعد الدين توفيق اسم كبير لناقد سينمائي تعلم جيل كامل من السينمائيين والنقاد على يديه معنى السينما واهميتها وعرفوا الكثير عن تاريخها من خلال مقالاته التي كانت تنشر في الستينيات اسبوعيا في مجلة "الكواكب" الأسبوعية، في عصرها الذهبي عندما كانت المجلة الفنية والسينمائية الأولى في العالم العربي، وشهريا في مجلة "الهلال" التي كان يكتب فيها كبار الكتاب والنقاد والمفكرين والفلاسفة من أبناء عصره.
وكان يتميز بأسلوبه الجذاب، ولغته المتألقة، وكان يحلل الأفلام بعمق وبساطة ولم يكن يتردد أو يتراجع أمام انتقاد أفلام لكبار السينمائيين إذا ما وجد أنها لا ترقى إلى مستوى سمعة هؤلاء السينمائيين.
وقد أصدر سعد الدين توفيق عدة كتاب من أهمها "قصة السينما في مصر" الذي يعد أول محاولة جادة لكتابة تاريخ السينما المصرية، كما ضمنه فيلموجرافيا أولية استعان بها فيما بعد الكثير من النقاد وقاموا بتطويرها.
إلا أن دور وتاريخ سعد الدين توفيق تم تجاهله تماما، بل ويتجنب "نقاد المؤسسة" الذين تحتفل بهم المؤسسات الرسمية في مصر وغيرها، خلال تصريحاتهم حول تاريخ النقد أي ذكر لسعد الدين توفيق، بل إن البعض تجرأ على الحديث عن حركة النقد فقال كلاما يعني أنه وأبناء جيله هم المؤسسون الحقيقيون للنقد الحديث وإنه قبلهم لم يكن هناك من يمكن أخذ ما يكتبه على محمل الجد، وهو ما يعكس مستوى ما وصلت إليه الأمور من مهازل!
ترجم سعد الدين توفيق كتاب "قصة السينما في العالم: من الفيلم الصامت إلى السينيراما" لآرثر نايت وهو مرجع هام في تاريخ السينما العالمية.
وكان أول ناقد يصدر كتابا كاملا عن مخرج سينمائي مصري هو كتاب "فنان الشعب صلاح ابو سيف" تناول فيه كل أفلام أبو سيف حتى وقت صدور الكتاب كما استعرض تفصيلا حياة المخرج الراحل الكبير.
إلا أن سعد الدين توفيق لم يكن من الجيل الذي انضم للجمعيات السينمائية مثل جمعية السينما الجديدة، كما لم يعرف عنه تبعيته لاتجاه سياسي معين من الاتجاهات التي كانت سائدة في عصره والتي ساهم أصحابها في "تلميع" صورة بعض النقاد الذين ظهروا بعده وأتاحوا لهم الفرصة للسفر إلى المهرجانات السينمائية الدولية بينما لم يسافر سعد الدين توفيق خارج مصر كثيرا ربما باستثناء ذهابه إلى مهرجان موسكو.
وقد توفي سعد الدين توفيق مبكرا عن 57 عاما بنوبة قلبية في السبعينيات.
ولم يحصل سعد الدين توفيق رغم تميزه ورغم دوره الريادي في النقد السينمائي، على أي تكريم، ولم تطبع أي جهة بما في ذلك دار الهلال التي عاش ومات وهو يعمل لحساب مطبوعاتها، كتاباته ولم تصدرها في كتب أسوة بنقاد آخرين، كما لم يتذكره القائمون على المهرجان القومي للسينما المصرية في أي دورة من الدورات الماضية ولو حتى بإصدار كتيب عنه. وهكذا يكون سعد الدين توفيق قد ظلم حيا وميتا.
ملحوظة: بكل أسف فشلت في العثور على أي صورة للناقد سعد الدين توفيق وهو ما يؤكد أنه عاش ومات والتجاهل يلاحقه!

صلاح أبو سيف

الجمعة، 9 يناير 2009

الواد سيد الشغال يتدخل في غزة!



إذا كان عادل إمام قد اكتفى بالقيام بأدوار كوميديا التهريج الرخيص في السينما المصرية، كان من الممكن قبوله والاقتناع به، تماما كما تعايشنا وقبلنا مهرجين آخرين تطول قائمة أسمائهم في تاريخ السينما المصرين، وإن كان بعض أصحاب الأذواق المتدنية يجدونهم مضحكين ومسلياتية.. لكنه – بكل أسف- صدق نفسه، وصدق ما يخلعه عليه بعض أصحاب الأقلام المتهافتة من أوصاف ومبالغات، وتصور أنه يستطيع القيام بدور سياسي في الواقع أيضا تحت راية "الزعيم" والبطل و"الواد الجامد" أمام الكاميرات بالطبع.. وما إلى ذلك.
غير أن المشكلة الحقيقية التي تغيب عن بال عادل إمام، بثقافته المحدودة جدا ووعيه البدائي البسيط الذي ينحصر في الحصول على أكبر قدر من المنفعة الشخصية في كل الأحوال والعهود، أن الدور السياسي الحقيقي الذي يمكن أن يلعبه فنان أو ممثل أو سينمائي أو رجل مسرح، ليس هو دور الممالئ للسلطة أيا كانت، ولا دور المهرج الذي يقلد المسؤولين في جلساتهم ويضحكهم على أنفسهم، كما فعل ويفعل عادل إمام منذ "مدرسة المشاغبين" أي منذ أن تحول إلى القيام بدور واحد طوال الوقت هو "مسلياتي أصحاب السعادة"، بل دور المعبر بحق عن ضمير الشعب وعن آمال وآلام هذا الشعب وكل شعوب الأرض.
لكن لا مانع من أن يتظاهر عادل إمام بالنقد السياسي، بل وبالرفض السياسي أيضا فربما سهل له بذلك إرضاء نرجسيته التي تصور له- أمام الناس- أنه بالفعل أصبحت له كلمة فوق كلمة السلطان، ولكنه يعلم الحقيقة ويعلم محدودية دوره وشأنه لدى أصحاب السلطان، وانهم يستخدمونه فقط للتنفيس والتمرير الزائف بل وأحيانا، للسخرية من الناس أيضا والإساءة إليهم كما في "الإرهاب والكباب" مثلا. وربما يكون فيلمه الشهير "السفارة في العمارة" أكثر أفلامه شعبوية وضحكا على ذقون السذج والجهلاء من أصحاب الذوق السقيم الذين أمكنهم ابتلاع أكذوبة أن عادل إمام يعارض التطبيع مع إسرائيل، بينما الفيلم في الحقيقة يسخر من القوى الوطنية المصرية ويعرض بها تعريضا سمجا ثقيل الظل، ويخدم كل أغراض وسياسات الحكومة بل ويخلع على ضباط الأمن صفة شديدة الرونق والإنسانية.
اعتاد عادل إمام على التعامل مع كتاب سيناريو "خصوصيين" منهم وحيد حامد الذي ظل كاتبه الملاكي لسنوات، ثم تضاءلت قيمة الذين يكتبون له الآن وهبطت إلى مرتبة الكاتب الإذاعي "الفوري" غير الموهوب يوسف معاطي، الذي لا يجد لديه متسعا من الوقت لكتابة ما تتطلبه ماكينة أفلام عادل إمام فيلجأ أيضا إلى "الشطارة" و"الفهلوة" وأشياء أخرى تُنظر فصولها حاليا أمام القضاء.
إن ممثلين في حجم شارلي شابلن وفانيسا ريدجريف ومارلون براندو وجليندا جاكسون، اكتسبوا قيمتهم الحقيقية من الوقوف مع الناس، مع جمهورهم الحقيقي من الطبقات الفقيرة والمتوسطة واتخذوا من المواقف ما يشعل هذه الجماهير بنور المعرفة والتنوير وتصدوا للمؤسسة القمعية وكان يتعين على البعض منهم ايضا أن يدفع الثمن، ولم يقفوا إلى جانب المؤسسة الحاكمة.
لقد آثر عادل إمام الذي لم تعرف عنه أي اهتمامات سياسية تتجاوز السائد المبتذل في الإعلام الرسمي، ألا يكتفي بدوره المناسب تماما وهو "الواد سيد الشغال" بل خرج علينا أخيرا لكي يعلق ويحلل ويعلن موقفا يتطابق مع الموقف الرسمي المتخاذل للمؤسسة وللإعلام الرسمي في مصر، وهو الموقف الذي يبرر لإسرائيل هجمتها الأخيرة، ويلتمس لها الأعذار، دون أن يبدي أي نوع من التعاطف الإنساني حتى مع الضحايا الذين تسيل دماؤهم أنهارا في غزة اليوم.
وقد بلغ سقوط عاد إمام أنه أخذ أيضا يدين مظاهرات الغضب التي اندلعت في بلده احتجاجا على ما يجري من مذابح جماعية في غزة. وهو موقف يرد عليه موقف الفنانين والمثقفين البريطانيين الذين يتظاهرون يوميا وأسبوعيا في العاصمة البريطانية ضد البربرية الإسرائيلية التي لا يمكن لأي إنسان يعمل في مجال الفنون والثقافة، ولا لأي امرء مهموم بقضايا الإنسان في كل مكان، أن يتجاهلها أو يقف إزاءها ساكنا صامتا.. وكان يجب أن يعرف عادل إمام أن التظاهر السلمي شكل أصيل من أشكال التعبير الديمقراطي عن الرفض والغضب والاحتجاج. لكن عادل إمام لم يكتف حتى ولو بالصمت بل نطق كفرا، وكان عليه بالتالي أن يواجه غضب جمهوره وإزدراء التاريخ.
ولابد في النهاية أن الجمهور الذي سبق أن رفعه إلى ذروة النجاح وأتاح له تحقيق الثروة والجاه، سيتخلى عنه الآن، بل وقد آن الأوان لأن يضعه أيضا في المكان الذي يستحقه أمثاله.. وليبق عادل إمام "الواد سيد الشغال في خدمة الحكومة.. فهذه حقيقته، وهذا هو حجمه الحقيقي!

الخميس، 8 يناير 2009

مخرجون ونقاد

من أسوأ ما يمكن أن يتعرض له ناقد أن يلح عليه مخرج صديق أو غير صديق، على مشاهدة فيلمه، بل وربما يرسله أيضا إليه، ويظل يطارده بإلحاح، لكي يعرف رأيه فيما شاهده. وهو أمر مشروع تماما.. غير أن الناقد عندما يقول رأيه الحقيقي في العمل الذي شاهده، وبذل جهدا لكي يكون رأيا علميا موضوعيا تفصيليا لا يتوقف عند باب الانطباع الشخصي السريع والعابر فيه، سيفاجأ في أغلب الأحيان بأن المخرج لا يرضى عن رأيه، بل إن هذا الرأي إذا كان سلبيا في الفيلم المقصود، سيغضبه أيضا، بل وربما يرد عليك قائلا ببساطة مثيرة للدهشة والعجب: هذا الفيلم الذي لم يعجبك أعجب آخرين!
والحقيقة أن المرء يحتار كيف يرد على قول مثل هذا، هل يقول مثلا: ولكني لا أعبر عن رأي الآخرين بالطبع بل أعبر عن رأيي الشخصي الذي يعكس فهمي ورؤيتي وتحليلي بل وثقافتي الخاصة ايضا.. سواء أعجبك هذا الرأي او لم يعجبك!
والحقيقة الثابتة أن الناقد الجاد لا يمكنه أن يخرج مباشرة من أي فيلم برأي تفصيلي عميق ونهائي، بل يقتضي الأمر منه العودة إلى تأمل الفيلم واستدعائه مرة أخرى في عقله وذهنه، وربما أيضا مراجعة الملاحظات التي دونها عنه أثناء مشاهدته قبل أن يبدأ في الكتابة عنه. غير أن الأمر المخزي حقا أن المخرجين في بلادنا العزيزة، تربوا على أن يخرج النقاد اياهم من عروض الأفلام لكي يشدوا على أيديهم ويقبلونهم ويقولوا لهم "مبروك" وهو تقليد "بلدي متخلف" مستمد من الأفراح والموالد وحلقات الاحتفال بالمواليد والأعياد وما إلى ذلك!
وربما يضطر المرء أحيانا.. عندما يجد مخرج الفيلم واقفا على باب الخروج في نهاية العرض.. لأن يقول له كلمة مشجعة على سبيل المجاملة، وربما ايضا يقول له "سأكتب عنه" أو "ستقرأ مقالي عنه" كما أفعل أنا شخصيا أحيانا، ولكن ليس معنى هذا أن الناقد عندما يذهب للكتابة عن الفيلم بشكل تحليلي تفصيلي لابد أن يشيد به..
ماذا يتوقع أن يقول الناقد وهو يجد امامه مخرجا يسد منفذ الخروج أمامه مثلا؟ هل يقول له مثلا: فيلمك فشل في إقناعي لأن الإخراج فيه ينقصه كذا وكذا والتمثيل غير متجانس مع الموضوع والصورة ينقصها الوضوح والإضاءة لا تتناسب مع طبيعة الفيلم والتناقض المفتعل بين شريطي الصوت والصورة يشتت الذهن. وغير ذلك.. أم يقول له: سأفكر في فيلمك.. ثم أكون رأيا خاصا تفصيليا بعد ذلك.
رأيي الشخصي أن من الأفضل في هذه الحالة عدم حضور العروض الخاصة على الإطلاق.
وشخصيا أفضل كثيرا مشاهدة الفيلم بعيدا عن مخرجه، خاصة إذا كان يعتبر من "الأصدقاء".. بعد أن خسرت الكثير جدا من هؤلاء الأصدقاء بسبب رأيي في أفلامهم، فهو يتوقعون أن تشد على أيديهم وتشيد بأفلامهم، في كل الأحوال سواء أعجبتك أم لم تعجبك. وأن يمتد اعجابك إلى كل ما يصنعونه حتى ما لا يعجبك منه، وهو منطق عصابات في الحقيقة وليس منطق أصدقاء. ولكنه، أساسا، مأزق ثقافة تعاني من انعدام الثقة في النفس، واهتزاز الرؤية، وانعدام القدرة على التفرقة بين الاشياء وتحديد الوظائف والأدوار!

الثلاثاء، 6 يناير 2009

كلاسيكيات حديثة: لغز كاسبار هاوزر.. لغز الوجود

يعد الفيلم الألماني "لغز كاسبار هاوزر" The Enigma of Kaspar Hauser للمخرج الشهير فيرنر هيرتزوج – أحد أهم أفلام بحركة السينما الألمانية الجديدة في السبعينيات، تلك الحركة التي قدمت أسماء لمخرجين موهوبين أصبحوا فيما بعد من كبار السينمائيين في العالم، مثل فيم فيندرز وفولكر شولوندورف ومرجريتا فون تروتا وراينر فيرنر فاسبندر.
أخرج هيرتزوج فيلمه "لغز كاسبار هاوزر" عام 1975 استنادا إلى حادثة حقيقية، ففي عام 1828، عثر في الساحة الرئيسية بمدينة نورمبرج على شاب في السادسة عشرة من عمره، لا يقوي على الكلام، يقف بصعوبة وفي يده خطاب.
حاول المارة التحدث معه، لكنهم فشلوا تماما في فهم الغمغمة التي صدرت عنه، اعتقد البعض أنه قد يكون مخبولا أو ثملا، فاقتادوه إلى ضابط الشرطة، فأخذ الفتى يردد أمامه عبارة واحدة هي"أريد أن أصبح فارسا مثل أبي".
مستوى معرفة الصبي وطريقته في الحديث توحي بأن تكوينه العقلي متوقف عند عمر ثلاث أو أربع سنوات فقط.الخطاب الذي يحمله موجه لصانع أحذية في المدينة من عامل قال إنه ظل يحتفظ بالولد منذ أن كان عمره 3 سنوات داخل غرفة لم يغادرها قط.
يقول العامل إنه نظرا لفقره الشديد ولأنه يعول عشرة أطفال فلم يد قادرا على تحمل كفالة الصبي لذا فقد أرسله إلى صاحبنا. وينصح الرجل بالإبقاء عليه أو ضربه حتى الموت أو شنقه في المدخنة!
دروس في التحضر
ينتقل كاسبار هاوزر إلى كفالة رجل دين، يؤويه ويقدم له ثيابا نظيفة مهندمة، ويقدم له الطعام، ويبدأ في تعليمه اللغة، والأهم- تلقينه مبادئ "الحضارة" حسب المفهوم الشائع.
بعد عامين يتمكن كاسبار من الحديث، معبرا عن أحاسيسه واستجاباته لأسئلة الآخرين: إنجاز كبير دون شك لراعيه الذي يشعر بالفخر بإنجازه!يقوم بتقديمه إلى المجتمع الراقي، فيبدي أرستقراطي انجليزي الرغبة في استضافته ورعايته. يقوم بتعليمه الموسيقى، وخاصة العزف على البيانو، والتصرف بطريقة "متحضرة".
يبدي الفتى اهتماما لا بأس به بتعلم الموسيقى والعلوم والمنطق ومعانى الأشياء، إلا أنه يفهم الأمور والمعاني بطريقته الخاصة، بقدر كبير من البراءة في مواجهة محاولات صارمة من الطرف الآخر لفرض مفاهيم خاصة متزمتة تنتمي للثقافة السائدة في ذلك الوقت، في عصر التقسيم الفكري: ما بين متفوق وأدنى.
كاسبار هاوزر يبدو وحيدا كأنه خرج لتوه من رحم أمه وألقي به في العالم الرحب، لكي يصطد بقوانينه وقوالبه الخاصة.
يسأله معلمه وراعيه عن الفرق بين ثمار الطماطم التي كانت حمراء ناضجة في العام الماضي، والثمار الجديدة الخضراء الصغيرة الحالية، فيقول إن الثمار تعبت وتحتاج للراحة، فيقول له معلمه إن الثمار لا تتعب وليست لها استقلالية خاصة عن الإنسان بل هي رهن مشيئته، فيرفض كاسبار تصديق ذلك ويصر على أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء بعيدا عن سيطرة الإنسان.

لغز الوجود
جوهر الفكرة التي تتجسد في مشهد شديد الحيوية والقوة، يدور حول ماهية الوجود نفسه: هل الكينونة منفصلة عن الخالق أو مرتبطة بمصير يتحدد سلفا.
لذلك فإن كاسبار هاوزر يقبل على تعلم معظم المعارف إلا أنه يجد التلقين الديني داخل الكنيسة صعبا على أفهامه، ويشكو من أن الغناء الجماعي داخل الكنيسة يعوي في أذنيه، فيفر خارج المكان.
هناك تعارضات مقصودة في هذا الفيلم البديع بين البراءة والكهولة الفكرية، بين التعلم الحر المفتوح، والقوالب الجاهزة التي يريد البعض أن يفرضها علينا فرضا باسم العلم والمعرفة الإنسانية بل والحضارة، بين الطفولة البشرية التي تتعرض للاعتداء الفظ عليها من جانب المجتمع، وبين مجتمع لا يجد غضاضة حتى في استخدام تلك "الطفولة"- أو ذلك "الرجل/ الطفل" كسلعة في جذب المتفرجين داخل خيمة الاستعراض الذي يقترب من عالم السيرك.

إن هذا المشهد الذي يدور داخل الخيمة، حيث يستعرض المشرف على العرض كل عجائب القرن التاسع عشر بما فيها "كاسبار هاوزر" نفسه، يذكرنا على نحو ما بمشهد آخر شديد الدلالة في فيلم ألماني آخر ينتمي لنفس المدرسة، هو فيلم "الخوف يأكل الروح: أو كل الآخرين اسمهم علي" للمخرج الكبير الراحل فاسبندر.
هذا الفيلم الذي كان أساسه العلاقة بين الشرق والغرب، بين الأوروبي (المتحضر) والآخر (العربي) من خلال العلاقة العاطفية بين المهاجر العربي "علي" وامرأة ألمانية تجاوزها الشباب، تشعر بالاحتياج إليه، إلا أنها تريد أن تحوله إلى نموذج متحضر.

وهي تستعرض في مشهد طريف أمام صديقاتها عضلات علي وتطلب منه أن يفتح فمه لكي تريهن كيف يعتني بنظافة أسنانه!

نحن والآخر
عودة إلى "لغز كاسبار هاوزر"، نرى أن الفيلم رغم ما فيه من سحر خاص يرتبط بالغموض المحيط بالشخصية، هو في حقيقة الأمر ليس فيلما عن كاسبار هاوزر بقدر ما هو عن أنفسنا، عن نظرتنا للآخر "المختلف"، عن شئ ما داخل النفس البشرية المقولبة يرفض ويتعالى ويحتج ويتعصب ويريد أن يفرض مفهومه هو، وعندما يفشل يلجأ إلى العنف.

النبيل الإنجليزي الذي يتبنى كاسبار هاوزر يكتشف ذات يوم- بعد أن تصور أنه قطع شوطا طويلا في "تحضير" كاسبار- أي منحه دفعة حضارية إلى الأمام خاصة بعد أن يقدمه وهو يعزف على البيانو لضيوفه إحدى مقطوعات موتسارت، قد ارتد إلى تخلفه مجددا.
إنه يراه وقد تخلى عن سترته الأنيقة وعاد سيرته الأولى أي غير قادر على ترديد الكلمات المنمقة التي علموه اياها، وأصبح يفضل العزلة عن المجتمع.
ربما يكون كاسبار قد أدرك وحشية المجتمع وفضل الابتعاد عنه باتخاذ مثل هذا الموقف الرافض للتواصل معه.جزاء كاسبار على أي حال، يكون الضرب والاستبعاد والنبذ، أما مصيره فينتهي قتلا داخل زنزانته في جريمة تظل مجهولة حتى اليوم.
من الذي قتل كاسبار هاوزر ولماذا وما هو الخطر الذي كان يمثله هذا الشخص المسكين على المجتمع حتى يتم التخلص منه؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة على شتى الاحتمالات. ولكن دون حقيقة "يقينية" بعد أن أضحت كل الحقائق نسبية على أي حال!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger