الخميس، 11 فبراير 2016

صبحي شفيق الذي غادرنا








توفي مؤخرا عن 84 عاما، الناقد والمخرج السينمائي المصري صبحي شفيق، أحد رواد النقد السينمائي العربي من جيل العمالقة الذين أسسوا في الخمسينات والستينات مدرسة النقد السينمائي العلمي الذي يقوم على تحليل العناصر الفنية للفيلم والإلمام بتاريخ السينما.

كان الراحل الكبير ناقدا مثقفا كثير الإطلاع، وكان بحكم معرفته باللغة الفرنسية، ودراسته في باريس ومعاصرته لحركة "الموجة الجديدة" في الخمسينيات، قد أصبح في وقت ما من أوائل الستينيات "نبي السينما الجديدة" في مصر.

كنا نستمع إليه عادة في "البرنامج الثاني"، وهي الإذاعة التي كانت مخصصة للثقافة في مصر، يصول ويجول، يحدثنا عن التيارات الجديدة في السينما العالمية، وعن العلاقة بين السينما والأدب الجديد الذي كان أحد رواده وقتها آلان روب غرييه. 

وكان أيضا يكتب في الملحق الثقافي في "الأهرام"، وقت أن كان يكتب فيه عمالقة الكتاب في مصر مثل الدكتور لويس عوض، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، حسين فوزي، زكي نجيب محمود، عائشة عبد الرحمن، يوسف إدريس، وغيرهم.

وعندما أصدرت وزارة الثقافة مجلة "المسرح والسينما" عام 1968 كان صبحي شفيق أحد أعضاء هيئة تحرير قسم السينما فيها. وقد اطلعنا على كتاباته وترجماته ومنها دراسة حول بدايات الموجة الجديدة وأصول نظرية "الكاميرا- قلم"، و"المخرج- المؤلف" لألكسندر أستروك، المنظر والمخرج السينمائي الفرنسي الذي كتب عنه صبحي شفيق الكثير، وشرح نظريته بطريقة جذابة وممتعة، واعتبره الأب الروحي الحقيقي للموجة الجديدة الفرنسية. وقد ترجم صبحي شفيق ونشر في هذه المجلة، سيناريو فيلم "عاشت حياتها" لغودار، وقدم له تقديما مثيرا للانتباه. إلا وقد أراد صبحي شفيق، الناقد، أن يحقق نظريته الخاصة في السينما، وأن يسير على درب مخرجي "الموجة الجديدة"، الذين تحولوا من النقد إلى ممارسة الإخراج السينمائي، فأخرج فيلمه الروائي الطويل الوحيد "التلاقي" عام 1973، وكان يدور فكرة التدهور الاجتماعي ويقدم إدانة سياسية لمجتمع الهزيمة، وقد منع من العرض وظل ممنوعا ربما حتى يومنا هذا، وكان- للمفارقة- من إنتاج مؤسسة السينما التابعة للدولة، أي أن الدولة أنتجن ثم منعت!

وقد أدى شعور صبحي بالاضطهاد في مصر إلى أن غادر البلاد في منتصف الثمانينيات إلى باريس، حيث قضى هناك نحو عشر سنوات، عمل خلالها في مجلة "جون أفريك"، وقدم بعض التجارب السينمائية القصيرة. وعندما عاد إلى مصر، كانت الظروف قد تغيرت تماما، وأصبح صبحي خارج "التركيبة" بالكامل، إلا أنه التحق بتدريس التليفزيون، في إحدى الجامعات الاقليمية.

وقد تعاونت مع صبحي شفيق عندما أصدرنا من جمعية نقاد السينما  التي رأستت مجلس إدارتها في 2002 مجلة "السينما الجديدة"، ثم تعاونا معا في الكتاب الذي أعددته عن "كلاسيكيات السينما التسجيلية" وكتب صبحي دراسة طويلة عن الفيلم التسجيلي الحديث في عصر الكاميرات الرقمية، وكان شديد الاهتمام عموما بالتركيز على جماليات الصورة، وكثيرا ما كان يأتي الى جمعية النقاد ويتحدث بحماسة شديدة، عن الصورة ومكوناتها، وينتقد شباب المخرجين الذين يتعاملون بدون وعي كاف، مع الكاميرا، وكان له أيضا تشبيه طريف لمن يفرطون في تحريك الكاميرا باستخدام عدسة "الزووم" إلى الأمام وإلى الخلف، فكان يشبههم بالفلاح الذي يستخدم ما يسمى بـ "الطلمبة" اليدوية التي يحركها الى أعلا وأسفل لاستخراج الماء من باطن الأرض!

كان صبحي خلال السنوات الأخيرة، يقضي الليل بأكمله يبحث، ويدرس وينقب عن المعلومات الجديدة في مجال السينما ووسائل الاتصال عوما. ورغم أنه ينتمي إلى جيل قديم إلا أنه تمكن بفضل دأبه الشخصي، من تطوير قدراته وأدواته، وتعلم كيف يتعامل مع اجهزة الكومبيوتر وشبكة الانترنت، كما درس الكاميرات الرقمية وامكانيات عملها، وكان يستعين باحدى هذه الكاميرا وهو يقوم بالتدريس لطلابه.

رحم الله صبحي شفيق الذي تعلمنا على يديه كيف نفكر سينمائيا!


0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com