السبت، 27 يونيو، 2015

عن النقد السينمائي والصحافة والسيميائيات







منذ أن وعينا على الكتابة وعالم النقد السينمائي، ونحن نرى ونسمع ونقرأ ويمر علينا بين كل يوم وآخر، من يخصصون وقتهم لنقد النقاد العرب، والتقليل من قيمة ما يكتبونه.
وبدلا من أن يركز هؤلاء جهودهم على تطوير مناهجهم ولغة كتاباتهم ويتوسعون في الإطلاع على أعمال السينما العالمية ويعودون للقراءة في شتى مجالات المعرفة خصوصا التاريخ والفلسفة والأدب، يأتي هؤلاء ليعطونا دروسا في النقد، مع إبداء الازدراء للنقد القائم بل والشطب عليه بالكامل، أو إعتباره مجرد "مراجعات" سينمائية وليس نقدا. وعادة ما تتم أيضا مقارنته مع النقد الغربي (خصوصا الفرنسي) الذي أصبح "كعبة" لدى البعض ممن يدورون في فلك تلك الثقافة الأخرى.
ينسى هؤلاء أو يتجاهلون عمدا، أن هناك مستويات للنقد، وأن ما يمكن نشره في مقال من 1000 كلمة مثلا في صحيفة ما، يختلف بالضرورة عن دراسة منهجية عميقة من عشرة آلاف كلمة مثلا، أو عن كتاب متخصص في موضوع واحد، فليس من الممكن أن يحتوي مقال من هذا النوع على ما يريدونه من "تنظير"، لكن الأهم أن يكون مستندا إلى منهج واضح في فهم وقراءة وتفكيك العمل وتحليل العلاقات بين الصور في داخله، من دون تقعر، وفي حدود المساحة التي يتحملها "القاريء المتوسط" الذي يتوجه إليه الناقد بل ويجب أن يكون توجهه الأساسي إليه، كما أن مقالا كهذا من الممكن أيضا أن تتحمله الصحيفة أو المطبوعة أو الموقع، خصوصا إذا لم يكن من النوع المتخصص في النقد السينمائي.
يتصور البعض أن "النقد العلمي" الصحيح يجب أن يعتمد على السيميائيات أو علوم السميوطيقا، أي التحليل الذي يرتبط بنظريات ظهرت في عالم نقد النصوص واللسانيات، وتهتم بنظام الإشارات والعلامات الكامنة داخل النصوص الأدبية وبالعلاقات التي تربط بين المفاهيم والعلامات والأفكار. وكلها يمكن أن يشملها المقال النقدي من دون أن يتباهى بالإشارة إلى أنه يعتمد على "السيميائيات" أو يردها إلى أساتذتها الغربيين الذين يغرم كثير من مثقفي العرب بذكر أسمائهم في ثنايا مقالاتهم حتى يضفوا عليها نوعا من الأهمية، أمثال فردينان دو سوسيور ورولان بارت وكلود ليفي شتراوس وغيرهم. كما أن هناك أيضا من يعتقدون أن ذكر اقتباسات (عادية تماما) من أقوال سينمائيين معروفين عالميا، يضفي على مقالاتهم أهمية خاصة رغم أن الناقد يمكنه أن يعبر عن المعنى ذاته دون أن يشير إلى اقتباسه من مخرج معين، لكنها تلك الحالة من الدونية التي تسيطر على الكثير من الكتاب!
لاشك أن منهج البنيوية والتفكيكية الذي يرتبط بالأبحاث السيميائية التي تهتم أساسا باللغة وتدور في دائرة "فلسفة اللغة"، قد أضافت إلى علوم النقد الأدبي والسينمائي أيضا، لكن بعض الأساتذة العرب من القادمين إلى نقد السينما من أجناس أخرى، يميلون إلى الاعتقاد ان النقد السينمائي الوحيد الصحيح هو النقد الذي يقوم على السيميائية، وماعداه لا يعد نقدا بل مجرد انطباعات صحفية، وذلك لاضفاء العظمة على ما يقدموه من دراسات، معظمها مكتوب بلغة لا يفهمها القاريء العربي بحكم أن معظمها ترجمات واقتباسات اجتهد الكاتب أو الباحث في نقلها عن لغات أجنبية لا يجيدها عادة ولم يدرسها في بلادها الأصلية لكي يدرك مغزى تلك المصطلحات والكلمات في إطار تطور ثقافتها ولغتها.
يعتقد كثير من المغرمين بتلك النظريات أن الفيلم السينمائي مثله مثل الكتاب أو الرواية، أي مجرد نص يمكن تفسيره طبقا لعلوم اللسانيات، وهو نزوع متعسف لا يؤدي سوى إلى تضليل القاريء، بل إنك حينما تطبق المنهج البنيوي مثلا على فيلم بسيط من الأفلام التي يخرجها الشباب العرب هنا أو هناك، ستبدو كما لو كنت تطبق بهيكل عملاق على صدر كائن هش ضعيف يهتم بالوصف أكثر من اهتمامه بالتفلسف والتأمل والإحالات المعقدة كونه نابعا من بيئة ثقافية محدودة للغاية. وتكون النتيجة تدمير الكائن الهش، وانهيار الهيكل العملاق!
من المهم أن ينفتح الناقد على كل المذاهب والاتجاهات النقدية ويستفيد منها، غير أن من الخطأ أن يغلق نفسه على مذهب واحد يعتبره "مقدسا" فيصبح مثله مثل عبيد الأيديولوجيا، الذين يرفضون الاستفادة من أي مذهب خارج نطاق أيديولوجيتهم التي يعتقدون أنها تقدم تفسيرا شاملا للعالم.
والمشكلة أن من يكتبون هذه الانتقادات يكتفون عادة بالتنظير والاكتفاء بنقد النقد، ولدون أن يتصدوا لنقد الأفلام بينما الوظيفة الأساسية لأي ناقد سينمائي هي "نقد الفيلم". وإذا كان من الممكن تطبيق أرقى النظريات النقدية على الأفلام الفلسفية التي تبتكر وتطور أساليب سينمائية مركبة مثل أفلام جودار أو ديفيد لينش أو جريناواي، فليس من الممكن تطبيق المنهج السيميائي على كل ما هو شائع من أفلام تجارية بسيطة التركيب، وإلا فلماذا لا يكلف أحد من هؤلاء الناقدين نفسه تقديم تحليل سيميائي مثلا لفيلم لأفلام "تتح"  و"سالم ابن أخته" و"الألماني" و"صنع في مصر"!

إن النقد السينمائي الذي ينشر في الصحافة أكثر تأثيرا على القاريء- المشاهد للأفلام، من النقد الأكاديمي الذي يعتمد على النقل من المراجع الأجنبية ويكتب عادة في استطرادات طويلة مليئة بالألفاظ الاستعراضية. فكيف سيفهم القاريء المتوسط  كلمات مثل "التمفصلية" و"الابستمولوجية" و"الظاهراتية" و"المتغيرات الدلالية" و"المدلول التجاوزي"؟!
خارج الصحافة لا وجود للنقد السينمائي ولا تأثير له، فالدراسات والأبحاث التي تنتج لكي ينال أصحابها الدرجات العلمية، تظل عادة حبيسة الأدراج، وإذا صدرت في كتب فهي لا تنتشر بل تصدر في طبعات محدودة للغاية، كما أنها لا تصل إلى القاريء المتوسط الذي يحجم عنها لتعقيدها واستغلاقها عليه سواء من ناحية المادة أو اللغة.
حري بنا أن نطالب الصحافة بالاهتمام بتخصيص مساحات أكبر للنقد السينمائي، وباصدار المطبوعات والمواقع الالكترونية المتخصصة في النقد السينمائي (وليس في نشر أخبار النجوم والفضائح) بدلا من أن نشطب على النقد الذي ينشر في الصحف والترويج لمنهج واحد ووحيد سيظل للأسف، يُتداول داخل دائرة محدودة من المتخصصين دون أن يكون له تأثير حقيقي على تطور السينما والجمهور وصناع الأفلام، وهم- في النهاية- الهدف الأساسي للنقد.
 

الأربعاء، 3 يونيو، 2015

حول إيقاف مهرجان أبوظبي السينمائي







مهرجانات السينما في العالم تتوسع، في برامجها وأقسامها وطموحاتها بل وتتجه أيضا إلى عرض الأفلام في مدن أخرى غير المدينة التي يقام فيها المهرجان، ومهرجانات السينما تنشر الثقافة السينمائية وثقافة الصورة، وتساهم في محاربة الفكر المتطرف، وتلعب دورا حضاريا من خلال عرض أفلام العالم، من تواصل بين الثقافات. وهي ليست فقط مناسبات احتفالية بانجازات الفن السابع، لكنها أرضية صلبة للمناقشة والبحث وأساس حقيقي لدعم صناعة السينما في البلد الذي يقام فيه المهرجان.
وقد جاء خبر إيقاف مهرجان أبوظبي السينمائي مفاجئا وصادما لكل عشاق السينما ليس فقط في العالم العربي، بل في العالم. فهذا مهرجان أثبت خلال ثماني دورات، أنه ولد ليعيش ويستمر، وقد لعب بالفعل دورا رائدا في دعم الإنتاج السينمائي العربي من خلال المنح المالية والفنية التي يقدمها "صندوق سند" الذراع الإنتاجية التابعة له. وكان من المدهش أن يصدر بيان من الجهة التي تنظم المهرجان يقول إن إيقاف المهرجان جاء بسبب الرغبة في التركيز على نشاط "صندوق سند" ونظام دعم الأفلام!
فهل كان وجود المهرجان عائقا أمام نشاط صندوق الدعم (سند) أم أن "الصندوق" كان يستند عمليا إلى كيان المهرجان ويحقق ما يحققه بفضل ما اكتسبه المهرجان من سمعة دولية بفضل جهود عشرات الأشخاص الذين عملوا في إدارته وعلى رأسهم المخرج الإماراتي الشاب علي الجابري، الذي أدار الدورات الثلاث الأخيرة، ومن قبله المدير الأمريكي بيتر سكارليت،. والغريب أن إيقاف المهرجان يأتي بعد أن كان قد أصبح حدثا سنويا راسخا متميزا ببرنامجه وأفلامه وندواته ومطبوعاته، على نحو لا يتوفر لكثير من المهرجانات السينمائية التي تقام في العالم العربي.
لقد توقف مهرجان دمشق السينمائي منذ فترة بسبب الأوضاع المضطربة في سورية، ووصل مهرجان قرطاج العجوز إلى حالة من الإرهاق والتعب أصبح يحتاج معها الى دخول "العناية المركزة"، وتوقف مهرجان ترايبكا – الدوحة بعد فشل التجربة التي حاولت استنساخ تجربة المهرجان الأمريكي الشهير في نيويورك، غافلة عن طبيعة المنطقة التي يقام فيها المهرجان، ودوره الأساسي في جمع شمل السينمائيين العرب والأجانب معا، كما توقف منذ العام الماضي مهرجان أفلام الخليج، ولم يعد هناك سوى مهرجان دبي السينمائي الذي شهد خفضا في ميزانيته من العام الماضي بنسبة كبيرة أدت إلى الغاء بعض أقسامه وإلغاء السوق الدولية التي كانت تقام على هامشه.
لم يعد يقام في المنطقة حاليا سوى مهرجان القاهرة السينمائي الذي يكافح من أجل استعادة دور سابق له كان قد ولى بعد ذلك التراجع الكبير في مستوى السينما المصرية بشكل عام والثقافة السينمائية في مصر بوجه خاص، وفساد المؤسسات الرسمية على أكثر من صعيد. كما يستمر مهرجان آخر ولد ميتا في مصر هو مهرجان الاسكندرية السينمائي، ويحاول مهرجان مستجد هو الاقصر للسينما الإفريقية أن يعلب الدور الذي كان لمهرجان قرطاج في الماضي ولكن في ظروف متغيرة عسيرة.
يأتي توقف مهرجان أبوظبي يأتي في الوقت الذي كان قد بدأ يصبح نافذة مهمة للأفلام التي تظهر في المنطقة بل وفي الإمارات أيضا حينما عرض في افتتاح دورته الماضية فيلما إماراتيا روائيا طويلة من "من ألف إلى باء" يعتبر رغم أي ملاحظات سلبية عليه، خطوة إيجابية على طريق التأسيس لسينما روائية في الإمارات. كيف يمكننا أن نستوعب فكرة أن إيقاف مهرجان أبوظبي يمكن أن يخدم ويفيد المؤسسات الإنتاجية التي تركز أساسا على دعم مشاريع الأفلام سواء من خلال "سند" أو الأفلام الأجنبية التي تصور في الإمارات وتمولها شركة "إيماج نايشن" الإماراتية؟
كيف يصدر قرار كهذا في وقت تشهد المنطقة هجمة من التطرف السياسي باسم الدين، بينما يمكن أن تصبح السينما حاجزا منيعا في وجهه؟ وهل من الممكن إعادة النظر في هذا القرار الذي أرى صادقا- أنه يؤدي إلى خسارة فادحة بالنسبة لدولة الإمارات، وهي في النهاية خسارة تتجاوز كثيرا أضعاف ما كان ينفق من مال على إقامة المهرجان!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2015- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com