الاثنين، 31 أغسطس، 2009

مهرجان فينيسيا 2009: ملف خاص


((هذه هي متابعتنا خلال الشهرين الأخيرين لكل أخبار وبيانات ومعلومات مهرجان فينيسيا السينمائي من الأقدم إلى الأحدث المنشور اليوم (الاثنين) قبل يومين من الافتتاح الرسمي للدورة السادسة والستين يوم الأربعاء 2 بتمير، مع تعليقاتنا عليها. هذا الملف نقلناه إلى متن المدونة لكي يبقى في الأرشيف كمرجع للمعلومات مستقبلا)).
"الحرب العظمى" قبل الافتتاح

قرر مهرجان فينيسيا أن يعرض فيلما كلاسيكيا شهيرا في اليوم السابق للافتتاح الرسمي في الأول من سبتمبر سيكون هو فيلم "الحرب العظمى" (1959) للمخرج الإيطالي الكبير ماريو مونتشيللي، وهذا الفيلم يعد إحدى التحف التي أخرجها مونتشيلي والذي سيحضر، وقد بلغ الرابعة والتسعين من عمره الآن، عرض فيلمه الذي تمكنت ستديوهات مدينة السينما في روما أخيرا من استعادته وانقاذ الأجزاء التالفة منه، بمساعدة مصوره العظيم جيوسيبي روتونو الذي تمكن بفضل التقنيات الحديثة في مدينة السينما، من استعادة الطابع الخاص للصورة، والرونق القديم الساحر للأبيض والأسود.

وكان هذا الفيلم، الذي يقوم بدوري البطولة فيه ألبرتو سوردي وفيتوريو جاسمان، قد حصل مناصفة، على جائزة الأسد الذهبي قبل خمسين عاما في مهرجان فينيسيا (1959) مع فيلم "الجنرال فيلا روفييري" للمخرج الكبيرالراحل روبرتو روسيلليني الذي يعد رائد الواقعية الجديدة في السينما الايطالية.مهرجان فينيسيا عقد أيضا اتفاقا مع مجلة "فاريتي" الأمريكية الشهيرة المتخصصة لتغطية نشاطات صناعة السينما في العالم، وعلى اصدار طبعة خاصة يومية طوال أيام المهرجان، باللغتين، الإيطالية والإنجليزية.
وهذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها المجلة بصفة يومية من فينيسيا. وكان المهرجان قد تعرض لانتقادات شديدة العام الماضي بسبب ردءاة اختيارات لجان المشاهدة خصوصا فيما يتعلق بأفلام المسابقة، وأعرب كثير من النقاد والسينمائيين عن سخطهم، كما وجهت انتقادات عنيفة لمدير المهرجان ماركو موللر الذي تعد السنة الجارية السادسة له في ادارة المهرجان.

فيلم مرزاق علواش في "أيام فينيسيا


"أعلن برنامج "أيام فينيسيا" الموازي لمهرجان فينيسيا السينمائي (ويعرف أيضا بأيام المؤلفين أي فناني الفيلم أصحاب الرؤى على غرار "نصف شهر المخرجين" في مهرجان كان) أعلن برنامج عروضه التي ستبدأ في الثالث من سبتمبر أي بعد يوم من الافتتاح الرسمي للمهرجان.ويشمل البرنامج (الذي تأسس قبل ست سنوات) للاحتفاء بالإبداع السينمائي ويسلط الأضواء على مواهب جديدة ويعيد تقديم الكثير من المواهب الراسخة، عرض عدد من الأفلام منها 17 فيلما سيشهد الجمهور عرضها للمرة الأولى على الساحة العالمية، و6 أفلام وثائقية، من ألبانيا والجزائر وفرنسا وألمانيا وايطاليا وهولندا وصربيا واسبانيا والسويد والولايات المتحدة.الفيلم الجزائري (من الإنتاج المشترك مع فرنسا شأن معظم الإنتاج السينمائي المغاربي عموما) هو الفيلم الجديد للمخرج المعروف مرزاق علواش (صاحب أفلام مثل عمر قتلاتو، مغامرات بطل، حومة باب الواد، العالم الآخر، تمنراست). والفيلم بعنوان "حراقة"Harraga ويعني أولئك الذين يحرقون وثائق سفرهم في إشارة إلى المهاجرين غير الشرعيين، الذين يحاولون العبور من شمال افريقيا إلى اسبانيا. ويتابع الفيلم قصة مجموعة من هؤلاء تسعى للهجرة من الجزائر عبر جبل طارق إلى اسبانيا، وما يحيط بها من مآس.

فيلم صيني في الختام
فيلم الختام في مهرجان فينيسيا السينمائي سيكون الفيلم الصيني "شينجدو.. أحبك" وسيعرض خارج المسابقة، وهو من إخراج فروت شاين وكوي جيان نجم موسيقى الروك الصيني، وسيعرض بعد إعلان جوائز المهرجان في 12 سبتمبر.وتقول مجلة "سكرين" إن الفيلم يروي "قصة حب تدور من الماضي إلى المستقبل" وأيضا "أول فيلم من نوع الخيال العلمي" ينتج في جمهورية الصين الشعبية، وإنه بمثابة كوميديا ساخرة تقع أحداثها في 1976 بعد الزلزال الذي ضرب منطقة طانجشان، قبل أن ينتقل الفيلم إلى الوقت الحالي في 2009، في نسيج أقرب إلى فيلم "ماتركس" يدور في الصين المعاصرة.
وفي الوقت نفسه أعلن المهرجان أنه سيمنح جائزة لأحسن فيلم رسوم ثلاثي الأبعاد (مجسم) من بين كل الأفلام التي عرضت في الفترة من سبتمبر 2008 حتى أغسطس 2009. وستمنح الجائزة لجنة مكونة من ناقدين أمريكيين وسينمائية ايطالية.وجدير بالذكر أن المهرجان سيمنح جائزة "الأسد الذهبي" للإسهام الفني المتميز إلى جون لاسيتر مدير شركة ديزني بكسار لأفلام الرسوم وسيعرض المهرجان فيلم "إلى أعلى" Up الذي أنتجته الشركة وعرض في افتتاح مهرجان كان في مايو الماضي.


5 أفلام عربية في فينيسيا



أعلن ماركو موللر مدير مهرجان فينيسيا السينمائي يوم الخميس 30 يوليو أن فيلم "المسافر" وهو الفيلم الأول للمخرج المصري أحمد ماهر سيعرض في المسابقة الرسمية للمهرجان، كما أعلن أن فيلم المخرج يسري نصر الله من مصر سيعرض في برنامج أفلام خارج المسابقة الذي يشمل أيضا عرض الفيلم الجديد للمخرج الكبير ستيفن سودربرج، ومن مصر أيضا سيعرض فيلم "واحد صفر" للمخرجة كاملة أبو ذكري في قسم "آفاق" الموازي لقسم "نظرة خاصة في مهرجان كان، أي خارج المسابقة. في حين يعرض الفيلم الجديد للمخرج المثير للجدل أوليفر ستون "جنوب الحدود" ضمن برنامج سينما الحاضر.

ويعود واحد من أهم وأعظم السينمائيين في إيطاليا والعالم هو جوليانو مونتالدو (79 سنة) إلى المهرجان بفيلمه الجديد "ساعة كوبا" الذي سيعرض ضمن قسم "سينما الحاضر" أيضا وهو قسم جديد مستحدث هذا العام.الملاحظ أن البرنامج الرسمي جاء خاليا من فيلم "مستر فوكس الخرافي" أو Fantastic Mr Fox أول فيلم رسوم من إخراج ويس أندرسون الذي أعلن مهرجان لندن السينمائي قبل 24 ساعة أنه سيكون فيلم الافتتاح في دورته القادمة (14- 29 أكتوبر).
بعد الإعلان الرسمي تأكد الآن وجود ثلاثة أفلام من مصر داخل وخارج المسابقة وهو ما لم يحدث من قبل في دورة واحدة، وفيلم يمثل الجزائر هو فيلم مرزاق علواش الجديد في قسم "أيام فينيسيا"، وفيلم من تونس هو "أسرار دفينة" للمخرجة رجاء عماري، أي 5 أفلام عربية، وهو عدد غير مسبوق من الأفلام العربية في فينيسيا مقابل فيلم واحد إسرائيلي (في المسابقة) بعنوان "لبنان" وفيه يروي مخرجه تجربته الشخصية ودوره ويسترجع تفاصيل غزو إسرائيل للأراضي اللبنانية عام 1982.
وكان ماركو موللر مدير مهرجان فينيسيا اعترف في مقابلة أجريتها معه العام الماضي بوجود نوع من التقصير فيما يتعلق بالأفلام التي تنتج في "المشرق" العربي وتحديدا في السينما المصرية ووعد بتحسين الوضع، وذلك بعد أن وجهت له انتقادات تتعلق بالاهتمام فقط بالأفلام المغاربية من الإنتاج المشترك مع فرنسا وتجاهل سينمات أخرى عريقة في المنطقة. وهذا الموضوع موثق في المقابلة المنشورة مع موللر والمتاحة عبر هذه المدونة.
هنا ننشر القوائم الكاملة للأفلام التي ستعرض في كل أقسام المهرجان (بعد ترجمتها للعربية) لأن هذه هي اللغة التي نكتب بها ونتوجه بها للقاريء العربي ومن يرغب في معرفة الأسماء الأصلية للأفلام عليه الاستعانة بما هو متاح في الموقع الخاص بالمهرجان. وعند تناولنا لأي من هذه الأفلام بالنقد والتحليل مستقبلا سنذكر الإسم باللغة الأصلية واللغة العربية.اتضح الآن أن الفيلم السويدي الذي حظر عرضه في البرنامج الرسمي للمهرجان وهو فيلم "فيديوقراطية" للمخرج إريك جانديني، سيعرض مرة واحدة فقط (دون معظم أفلام المهرجان) ضمن برنامج "أسبوع النقاد" فقط. ومعروف أن الفيلم يوجه انتقادات لاذعة لرئيس الحكومة الايطالية بيرلسكوني.

أفلام المسابقة (25 فيلما)
1- باريا- جيوسيبي تورناتوري (إيطاليا) - فيلم الافتتاح
2- مطبخ الروح- فاتح أكين (ألمانيا)
3- الساعة المزدوجة- جيوسيبي كابونوندي (إيطاليا)
4- حادث- تشينج بو سوي (الصين- هونج كونج)
5- الاضطهاد- باتريس شيرو (فرنسا)
6- الفضاء الأبيض- فرنشيسكا كومنشيني (إيطاليا)
7- المادة البيضاء- كلير دينيس (فرنسا)
8- السيد المجهول Mr No Body- جاكو فان دورميل (فرنسا)
9- رجل أعزب- توم فورد (أمريكا)
10- لاوردز- جيسيكا هاوزر (النمسا)
11- اللفتنانت السيء: محطة نيو أورليانز- فيرنر هيرتزوج (أمريكا)
12- الطريق- جون هيلكوت (أمريكا)
13- بين عالمين- فيموختي جايوسوندارا (سيري لانكا)
14- المسافر- أحمد ماهر (مصر)
15- لبنان- شاموئيل ماعوز (إسرائيل)
16- الرأسمالية: قصة حب- مايكل مور (أمريكا)
17- نساء بلا رجال- شيرين نشأت (ألمانيا)
18- الحلم الكبير- ميشيل بلاسيدو (ايطاليا)
19- 36 منظر لسان لوب- جاك ريفيت (فرنسا)
20- الحياة في زمن الحرب- تود سولوندز (أمريكا)
21- رجل الرصاص- شينيا تسوكاموتو (اليابان)
22- أمير الدموع- يونفان (الصين- تايوان -هونج كونج)
23- نجاة الموتى- جورج روميرو (أمريكا)
24- لولا- بريلانتي ميندوزا (الفلبين)
25- يابني.. يابني: ماذا فعلت؟- فيرنز هيرتزوج (أمريكا)

بهذا تكون هناك ستة أفلام أمريكية في المسابقة، و4 أفلام من ايطاليا الدولة المضيفة، و4 أفلام من فرنسا، وفيلمان من ألمانيا كلاهما لمخرجين غير ألمان (تركي وايرانية)، وفيلمان من الصين، وفيلم واحد من كل من مصر واليابان وسيري لانكا والنمسا وإسرائيل. ولايزال ماركو موللر مصرا على عرض فيلم "مفاجأة" لن يعلن عنه إلا وقت عرضه داخل المسابقة ليصبح العدد الكلي 24 فيلما وهوعدد من الأفلام قد يكون غير مسبوق في مسابقة فينيسيا منذ سنوات طويلة.

أفلام خارج المسابقة

* "تسجيل 2"- ياكو بلازا خاوم (اسبانيا)
* "الثقب"- جو دانتي (أمريكا)
* "شنجدو- أحبك"- فروت تشان وكوي جيان (الصين)- فيلم الختام
* "الرجل الذي يحدق في الماعز"- جرانت هيسلوف (أمريكا)
* "إحكي ياشهرزاد"- يسري نصر الله (مصر)
* "يونا يونا بنجوين"- رينتارو (اليابان)
* "المرشد"- ستيفن سودربرج (أمريكا)
* "الأيام الخضراء"- هانا مخملباف (ايران)
* "الزواج"- بيتر جريناواي (بريطانيا)

برنامج سينما الحاضر
* نابولي نابولي نابولي"- أبيل فيرارا (إيطاليا)
* "آني لوس"- فرنشيسكا مازيللي (إيطاليا)
* "ساعة كوبا"- جوليانو مونتالدو (إيطاليا)
* "بروفة لتراجيديا صقلية"- رومان باسكا وجون تورتورو (إيطاليا)
* "جنوب الحدود"- أوليفر ستون (أمريكا)

عروض منتصف الليل
* "غولال"- أنوراج كاشياب (الهند)
* "ديف دي"- أنوراج كاشياب (الهند)
* "أروع ما في بروكلين"- أنطوان فاكوا (أمريكا)
* "دلهي 6"- ميرا راكيش أومبراكاش (الهند)
* "صعود فالالا"- نيكولاس ويندنج ريفن (الدنمارك)
الفيلمان الأمريكيان لجون لاسيتر المحتفى بهما في فينيسيا وهما من أفلام الرسوم المجسمة:
Toy Story2
Toy Story 3

قسم آفاق (23 فيلما)

وهو قسم يوازي "نظرة خاصة" في مهرجان كان ويشمل عرض 23 فيلما بالاضافة إلى لعبة ماركو موللر الطفولية التي تتمثل في عرض فيلم "مفاجأة" لا يعلن عنه الا في حينه وهو ما يخالف كل الأعراف السينمائية الدولية، فالمفترض أن يكون هذا النوع من المفاجآت خارج أي تنافس لا في المسابقة ولا في "آفاق".. حتى تتوفر المساواة بين الأفلام في العلانية والمعرفة المسبقة ودون أن يحاط أي فيلم بهالة خاصة تجعل منه "حدثا" استثنائيا مما قد يؤثر على لجان التحكيم.. عموما الأفلام الـ23 المعروف هي:

1- "فرنشيسكا"- بوبي بانيسكو (رومانيا)
2- "واحد صفر"- كاملة أبو ذكري (مصر)
3- "أسرار دفينة"- رجاء عماري (تونس)
4- "طفيليات رقيقة"- كريستيان بيكر وأوليفر شاوب (ألمانيا)
5- "طاف"- بوي تشاك ثويين (فيتنام)
6- "ريبو تشيك Repo Chick – ألكس كوكس (أمريكا)
7- "سحق" Crush - خمسة مخرجين (روسيا)
8- "زير النساء وقصص أخرى"- أميت دوتا (الهند)
9-"باريازو"- هيكتور جالفيز (بيرو)
10- Engkwentro – بيبي ديوكنو (الفلبين)
11- "أنا الحب"- لوكا جوادانينو (ايطاليا)
12- "بقرة"- جوان هو (الصين)
13- "قاضي"- ليو جيو (الصين)
14- "نعناع"- بيبيلوتي ريست (سويسرا)
15- "ثلاث نساء وملابس زفاف"- فنسنزو تيراشيانو (ايطاليا)
16- "1428" تسجيلي- دو هابين (الصين)
17- "أرحل لأني أعتقد أنه يتعين علي أن أرحل، وأعود إليك لأني أحبك"-تسجيلي- مارسيللو جوميز وكريم عينوز (البرازيل)
18- "كان ياما كان بروليتاري: 12 قصة لدولة"-تسجيلي- غيو تشياولو (الصين)
19- "فيلالوبوس"-تسجيلي- رومولد كارماكار (ألمانيا)
20- "لون العفو"-تسجيلي- ماركو سيمون يوتشيوني (ايطاليا)
21- "شخص وحيد تماما"-تسجيلي- فرانك شيفر (هولندا)
22- "توتو"- تسجيلي- بيتر شراينر (النمسا)
23- "ضربة شمس"- فيليب خيرش ودانييلا توماس (البرازيل)

برنامج "أيام فينيسيا"

قسم موازي للمهرجان الرسمي ينظمه اتحاد المخرجين الايطاليين على غرار "نصف شهر المخرجين" في مهرجان كان. وهذه هي الدورة السادسة له، فقد بدأ نشاطه عام 2004:
1- المياه النابحة- ستيرلنج هارجو (أمريكا)
2- "الزنزانة 211"- دانييل مونزون (اسبانيا)
3- "أيام إيما بلانك الأخيرة"- ألكس فان ورمردام (هولندا)
4 - "بعض ما تعرفه عني"- فاليريو جالونجو (ايطاليا)
5- "السمنة"- دانييل سانشيز أريفالو (إسبانيا)
6- "حراقة"- مرزاق علواش (الجزائر)
7- "أشهر العسل"- جوران باسكاليفيتش (صربيا)
8- "بائع الملابس" 1959- فرنشيسكو روزي (ايطاليا)
9- "أنا سعيد أن أمي على قيد الحياة"- كلود وناتان ميللر فرنسا)
10- "الحب وكفى"- ستيفانو كونسيجليو (ايطاليا)
11- "القطيع"- يانيك دهان (فرنسا)
12- "قصائد الشعر التي حمتني"- مترينا سبادا (ايطاليا)
13- "إذا واحد صمد سيتبعه الآخرون.. أصوات صامتة"- لي فيهنر (فرنسا)
14- "فتيات.. الحياة تهتز"- باولا سنجيوفاني (ايطاليا)
15- "عن الحب والجنس"- سين بومان (لاتفيا- ايطاليا)
16- (فيتوريو دي"- ماريو كنالي وأناروزا موري (ايطاليا)

أسبوع النقاد
1- "كافيه نوار" أو قهوة سوداء- يونج سونج إيل (كوريا الجنوبية)
2- "حل معقول"- يرجن بيرجمارك (السويد)
3- "هيمنة"- باتريك شيها (فرنسا- النمسا)4
4- "صباح الخير، أمان"- كلاوديو نوس (ايطاليا)
5- "مثل الغربان"- ايليا ديميتشي (روسيا)
6- "ذئاب"- ميرا فوماي (تشكيا)7
7- "غداء"- نادر مومايون (ايران)
8- "فيديوقراطية"- إيريك جانديني (السويد)
9- فيلم الافتتاح: "متروبيا" -طارق صالح (السويد)
10- فيلم الختام: "حفرة"- علي كريم (ايران)


لجنة تحكيم المسابقة الرسمية
* المخرج التايواني الكندي أنج لي (رئيس اللجنة)
* ليليانا كافاني (مخرجة ايطالية)
* جو دانتي (مخرج أمريكي)
* ساندرين بونير (ممثلة فرنسية)
* أنوراج كاشياب (مخرج هندي)
* لوتشيانو ليجاوب (مخرج ايطالي)
* سيرجي بودروف (مخرج روسي)

لجنة تحكيم قسم "آفاق"

هايلا جيريما- مخرج اثيوبي (رئيس اللجنة)
رامين بحراني – مخرج إيراني أمريكي
جياني دي جريجوريو- مخرج ايطالي
أنطوان فوكوا- مخرج أمريكي
سام تايلور وود- مخرج بريطاني

عروض الأفلام المصرية في فينيسيا


تقرر عرض فيلم "إحكي ياشهرزاد" للمخرج يسري نصر الله (مصر) المشارك خارج المسابقة في مهرجان فينيسيا السينمائي في قصر المهرجان(صالة جراندا) في الساعة الرابعة و45 دقيقة يوم الخميس الثالث من سبتمبر بحضور مخرجه وأبطاله. وهذا العرض يعد العرض الجماهيري المفتوح للجمهور العام ويأتي عادة بعد العرض الصحفي للفيلم الذي يقتصر على النقاد والصحفيين السينمائيين.فيلم "واحد صفر" سيعرض في الرابعة والنصف يوم 9 سبتمبر بقاعة دارسينا، أما فيلم "المسافر" فسيعرض عرضا عاما يوم 10 سبتمبر على الساعة الرابعة و45 دقيقة في قصر المهرجان بحضور مخرجه وطاقمه الفني المشارك في المهرجان.

هذه الدورة

واضح من البرامج المختلفة لمهرجان فينيسيا السينمائي في دورته القادمة (السادسة والستين، والسنة الثامنة والسبعين منذ تأسيسه) من 2 إلى 12 سبتمبر، أن ماركو مولر، مديره الفني، يعود لكي ينتقم لما حدث في العام الماضي من تراجع أثر على سمعة المهرجان، بعد ما يمكن أن نطلق عليه "الدورة الكارثية" التي شهدت مستوى من الأفلام جعلت النقاد يضربون كفا على كف، ويتساءلون ما الذي أتى بهذه الأفلام للعرض داخل مسابقة هذا المهرجان العريق!الواضح أن موللر حشد في هذه الدورة، التي يمكن من الآن أن نطلق عليها "دورة التحدي"، أكبر عدد من الأفلام عرفته دورة واحدة على الأقل منذ أن بدأت أنا أتابع هذا المهرجان في منتصف الثمانينيات الماضية، كما جعل المسابقة تتجاوز، في عدد ونوعية المخرجين المشاركين بأفلامهم فيها، كل ما شهدناه خلال العقد الأخير. فهي تضم 23 فيلما مرشحة لأن تصبح 24، وفيها أسماء ريفيت وهيرتزوج وفان دورميل ومايكل مور وكلير دينيس وشيرو وتورناتوري وبلاسيدو وأكين وهيلكوت وغيرهم.
ثانيا: أصبح المهرجان في تقسيماته وبرامجه المختلفة، للمرة الأولى، واضحا محددا: المسابقة، وخارج المسابقة، وقسم آفاق، وعروض السينما الايطالية (يضم أفلاما حديثة وافلاما كلاسيكية بعد ترميم نسخها واستعادة رونقها القديم)، وأيام فينيسيا، واسبوع النقاد. ويندرج ما يسمى برنامج "سينما الحاضر" و"فينيسيا منتصف الليل" في إطار برنامج العروض خارج المسابقة. لكن قسم "آفاق" (الذي سيعرض 23 فيلما) يتسع هذا العام ليضم ايضا ما أطلق عليه "أحداث آفاق" أو Horizons Events وتشمل ثلاثة برامج مختلفة يعرض خلالها 17 فيلما.
وهناك بعد هذا كله بالطبع مسابقة الأفلام القصيرة.وسوف لن نلزم أنفسنا هنا بالتشبث برقم ما محدد لكل الأفلام التي ستعرض في المهرجان، فمهما بذل هواة تحويل النشاط السينمائي إلى مجرد أرقام، ولا هم لهم سوى القيام بعمل جداول وتوافيق وتباديل واحصائيات وتقسيمات (دون أن يشاهدوا بعد ذلك من أفلام المهرجان نفسها سوى خمسة أو ستة أفلام وكفى الله المؤمنين شر السينما!).
أقول مهما بذل هؤلاء من جهد في التسجيل والتوثيق فسوف يأتي المهرجان دائما ويخذلهم بإضافة أفلام جديدة لم تكن مدرجة أصلا كما يحدث دائما في كل المهرجانات بما فيها كان، خصوصا في العروض التي تتم في القاعتين الصغيرتين "فولبي" و"بازينيتي"، حيث يعرض الكثير من أفلام الديجيتال والريتروسبكتيف (الأفلام القديمة).برنامج العروض الصحفية ينشر اليوم 21 أغسطس، وكان برنامج العروض الرسمية قد نشر منذ نحو أسبوع.. فهل تتعلم المهرجانات العربية شيئا من هذا، وهم عادة ما يبدأون في التحرك لعمل المهرجان نفسه قبل شهر واحد من تاريخ انعقاده.
وكنت قد شهدت أخيرا بنفسي على أن مهرجانا عربيا معينا أعلن في مؤتمر صحفي أنه سيعقد دورته الجديدة، وذلك قبل ثلاثين يوما بالضبط من انعقاد هذه الدورة بعد أن تصور البعض أنه قد توقف وانتهى أمره. وكنت إذا دخلت على الموقع المخصص لهذا المهرجان على شبكة الانترنت تجد كل المعلومات المتوفرة فيه تنتمي لدورة العام الماضي، في انتظار أن يعقد المسؤول مؤتمره الصحفي المنتظر (يسمونه في العالم العربي رئيس المهرجان أما المدير الفني فهو عادة أقرب إلى "شيال شنطة" للسيد الرئيس، الموظف، البيروقراطي الكبير، الذي يوقع الأوراق فقط، ويظهر في الصور التذكارية مع النجوم، ويلقي الكلمات أمام الوزير)!ولكن لماذا نطالب مهرجانات السينما العربية بأن تسبق الواقع، أي أن تكون في طريقة عملها أفضل من مؤسسات الدولة الأكبر وربما الأهم مثل وزارات الخارجية وغيرها بل ومؤسسات إدارة الحكم والدولة؟ أليس التخلف أصلا لا يتجزأ كما اتفقنا من قبل. (رجاء: لا أحد يوقظني أريد أن أنام لمدة 28 سنة)!

لجنة تحكيم "محترمة" في فينيسيا

على العكس من الاختيار الرديء من جانب إدارة مهرجان كان السينمائي هذا العام، اختارت إدارة مهرجان فينيسيا لجنة تحكيم (حقيقية) يمكن الثقة بأحكامها وقراراتها. في كان رأينا لجنة كانت ترأسها ممثلة (إيزابيل أوبير) ومعظم أعضائها من الممثلات الصغيرات، وهن عادة ما يركزن على الأداء بالدرجة الأساسية، ولهن أيضا ذوق خاص في الحكم على الأفلام من زاوية واحدة.أما مهرجان فينيسيا فقد اختار لجنة كل أعضائها من المخرجين والمخرجات باستثناء ممثلة واحدة هي الفرنسية ساندرين بونير، وهي ممثلة متميزة صاحبة خبرة طويلة في العمل مع عدد من أهم السينمائيين في السينما الفرنسية.رئيس اللجنة هو المخرج الكندي من أصل تايواني المشهود له أنج لي (حاصل على الأسد الذهبي مرتين متتاليتين)، وتضم في عضويتها المخرجة الإيطالية الكبيرة ليليانا كافاني إحدى أعظم السينمائيات في عصرها، وتتميز بجرأتها الشديدة في اختيار موضوعات أفلامها وبأسلوبها القريب من لغة بازوليني، وإن كانت تعمل منذ سنوات بشكل أساسي للتليفزيون. وكنت قد شاهدت لها العام الماضي فيلم "أينشتاين" التليفزيوني على جزأين في ثلاث ساعات. وقد عرفت بأفلامها الجريئة مثل "الحارس الليلي" و"الجلد".
وهناك أيضا المخرج الروسي الكبير سيرجي بودوروف الذي يقدم عالما مميزا خاصا في أفلامه (منغولي، البحار السكير وغيرهما). وهناك المخرج الأمريكي جو دانتي (اشتهر مع فيلم Gremlins أو الكائنات الغريبة، وهو مخرج متميز حرفيا) والهندي أنوراج كاشياب والإيطالي لوتشيانو ليجاوب. وهذا التنوع لاشك أنه سينعكس على نتائج اللجنة، التي ربما يقصها فقط وجود ناقد سينمائي يحافظ على توازنها، فالنقاد عادة هم الأقدر على التقييم الشامل للأفلام من كل الزوايا، بينما قد يميل المخرجون إلى تفضيل ما يتماثل مع رؤياهم وطريقتهم في العمل. لكن المخرج بكل تأكيد أقدر على الحكم على الأفلام من الممثلة، خصوصا في عالمنا العربي، حيث يمكن أن تلعب طرز الملابس النسائية وألوانها في أي فيلم الدور الحاسم في قرار الممثلة، ولكن الغريب أن المهرجانات الدولية العربية لاتزال تفضل الممثلات في عضوية لجان التحكيم التي تقوم بالحكم على الأفلام الأجنبية أيضا، حتى من تعرف منهن بجهلها التام باللغات الأجنبية، ومنهن من بدأت حياتها الفنية "مونولوجست" تقلد المشاهير، ثم أصبحت ممثلة دون أي تدريبات على الأداء ودون أن تقرأ كتابا واحدا في السينما أو في غير السينما!يجب أن أشير هنا أيضا إلى أن لجنة تحكيم قسم "آفاق" مكونة من خمسة مخرجين مرموقين على رأسهم السينمائي الاثيوبي الكبير هايلي جيريما.

حنا مخملباف في فينيسيا
كما سبق أن أشرنا لا يوجد برنامج مغلق بشكل نهائي في أي مهرجان سينمائي دولي، خاصة عندما يكون المجال متاحا للحصول على سبق ما خاص أو عمل جديد ينتهي ويصبح جاهزا في اللحظات الأخيرة.وقد أعلن مهرجان فينيسيا أنه سيعرض الفيلم الجديد لحنا مخملباف (21 عاما) وعنوانه "الأيام الخضراء" Green Days الذي يتناول مظاهرات الاحتجاج التي أعقبت اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز الرئيس أحمدي نجاد بفترة رئاسة ثانية، وما شابها من اعتقالات.
وتقول الأنباء إن الفيلم عبارة عن دراما تسجيلية ينتقل من مظاهرات الاحتجاج في ايران، إلى تصوير ما تتعرض له المرأة الإيرانية من قمع اضطهاد ومعاناة، من خلال مشاهد درامية. ومن المقرر ان يعرض الفيلم خارج المسابقة الرسمية ومسابقة "آفاق".
وتقوم حنا مخملباف، إبنة المخرج الشهير محسن مخملباف، حاليا باستكمال العمليات الفنية النهائية للفيلم قبل أن تشارك به في فينيسيا. وسبق أن شاركت في المهرجان العريق عام 2003 بفيلمها الأول "حلاوة الجنون" الذي أخرجته وهي لم تتجاوز بعد الخامسة عشرة من عمرها.

الكشف عن فيلمين من أفلام المفاجآت!

أعلن مهرجان فينيسيا اسمي اثنين من الأفلام الأربعة المقرر عرضها في اطار "لعبة" أفلام المفاجآت التي يهواها ماركو موللر وكانت قد بدأت في مهرجان لندن السينمائي عام 1984 عندما تولى ادارته الفنية الناقد ديريك مالكولم.
الفيلمان هما فيلم حنا مخملباف الذي سبقت الاشارة إليه بعنوان "الأيام الخضراء" الذي يروي قصة تتقاطع مع مظاهرات الغضب والاحتجاج على نتائج الانتخابات في طهران.
ويعرض هذا الفيلم ضمن أفلام "خارج المسابقة"، والثاني يعرض ضمن قسم "آفاق" وهو فيلم أمريكي للمخرج جو دانتي (عضو لجنة تحكيم المسابقة الرسمية) بعنوان غريب هو "الحفل السينمائي الصاخب- النسخة النهائية" أو شيئا من هذا القبيل The Movie Orgy- Ultimate Version ويبلغ طوله 280 دقيقة (أي 4 ساعات و40 دقيقة) وهو فيلم قديم لم يسبق عرضه، أخرجه دانتي عام 1968 في 7 ساعات عندما كان طالبا في الثانوي، ويجمع مواد مصورة من السينما والتليفزيون تعكس الأجواء السائدة في تلك الفترة من خلال وعي المخرج وقتذاك.
وأعلن المهرجان كذلك اضافة فيلمين إلى برامجه، واحد خارج المسابقة هو فيلم "الزواج" (40 دقيقة) للمخرج البريطاني الكبير بيتر جريناواي، والثاني وثائقي (90 دقيقة) ويعرض ضمن قسم "أحداث آفاق" بعنوان "مخرجون عظام" Great Directors للمخرجة اليونانية أنجيلا اسماعيلوس التي تعيش وتعمل في نيويورك.
مازلنا في انتظار الكشف عن فيلمين من أفلام المفاجآت أحدهما الفيلم المفاجأة الذي سيعرض في المسابقة الرسمية، وهو أمر أراه غريبا أشد الغرابة لتناقضه مع فكرة التسابق المعلن والمساواة في التعامل مع كل الأفلام وعدم اخفاء أحدها أو احاطته بهالة خاصة!
الأفلام الأربعة التي سبقت الإشارة إليها أعلاه تعرض للمرة الأولى عالميا وبذلك يبلغ عدد الأفلام التي تعرض للمرة الأولى عالميا في فينيسيا 75 فيلما، وكانت ادارة المهرجان قد أعلنت أن لجان المشاهدة شاهدت هذا العام 3859 فيلما من 74 دولة منها 2519 فيلما طويلا.
مهرجان فينيسيا وسياسة التوازن
تفتتح غدا الأربعاء الدورة السادسة والستين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الذي تأسس عام 1932 بفيلم "باريا" للمخرج الايطالي الشهير جيوسبي تورناتوري ويعرض داخل المسابقة التي تضم 24 فيلما بينها فيلم مصري (المسافر) وفيلم اسرائيلي (لبنان) طبقا للتوازن السخيف المتعمد الذي يحكم كل الاختيارات الغربية في الثقافة والسينما، وكأن اختيار فيلم من مصر في المسابقة يمكن أن يغضب اسرائيل ويجعلها تتهم المهرجان بعدم الحياد، وهو تصور خاطيء من جانب المهرجان حتى لو افترضنا ان الابتزاز الاسرائيلي يمكن أن يصل إلى هذا المستوى وهو يصل بالفعل على أكثر من صعيد في الكثير من الفعاليات والتظاهرات الدولية، ولذا فنحن نعتبر هذا الموقف من المهرجانات السينمائي (فينيسيا وغيرها) خضوعا لابتزاز كامن يمكن التلويح به في أي وقت، وقد سبق أن اعترضت اسرائيل مثلا على مشاركة يوسف شاهين في لجنة تحكيم مهرجان كان، فاسرائيل تحب أن تكون هي الممثلة لما تطلق عليه "ثقافة الشرق الأوسط، وتقوم بتشويه الثقافات الأخرى في المنطقة بدعوى أنها ثقافة رجعية، اقطاعية، متخلفة، معادية لليهود كيهود، في حين أن يهود المنطقة عاشوا قرونا مع اخوانهم العرب المسلمين والمسيحيين في سلام إلى حين جاءت تلك العصابة لتدعي تمثيلها يهود العالم، ومنذ ذلك الوقت بدأت المشاكل في المنطقة.
في مهرجان كان الأخير كانت هناك ثلاثة أفلام من اسرائيل وفيلمان ينتميان ويعبران عن الثقافة العربية هما "الزمن الباقي"، و"أمريكا". وقد فاز الفيلم الثاني باحدى جوائز النقاد الثلاثة. وفي فينيسيا يتسابق الفيلم الاسرائيلي والفيلم المصري على الأسد الذهبي وغير ذلك من الجوائز.سنشاهد الفيلم الاسرائيلي الذي يدور أيضا حول عقدة "لبنان" الاسرائيلية التي كانت وراء صنع الكثير من الأفلام منذ 1984، وسنرى كيف يعالج مخرجه موضوعه، وسنشاهد الأفلام العربية الأخرى في المهرجان ونرى كيف تمكن مخرجوها من تجاوز ما يسمى بالأزمة الراهنة في السينما العربية وهي ليست جديدة.ولاشك أن الدورة التي ستنطلق غدا ستكون دورة حافلة على كل المستويات. لكن ربما يكون أهم وأبرز ملامحها أنها أعادت الاهتمام العربي مجددا بما يحدث في جزيرة الليدو.

الجمعة، 28 أغسطس، 2009

الشام : ذهاب ، غياب ، وإياب

((هذا البيان- الرسالة- المقال التفصيلي وصلني من الصديقة الشاعرة ظبية خميس عن تجربتها الأخيرة في محاولة حضور "مهرجان" أدبي في سورية، أنشره هنا كاملا كشهادة من مثقفة عربية بارزة على ما وصل إليه الحال الثقافي في بلادنا من تدهور وصراعات شخصية سخيفة))




بقلم: ظبية خميس


ثمة تحولات اليوم في الأماكن والأفراد تدعو للذهول. ولا ثبات للحال. فما بالك لو طال الغياب لربع قرن أو أكثر عن المكان وناسه .. لابد آئنذاك أن يكون التحول أعمق من إدراك المرء لتفاصيله.
غبت عن الشام لزمن طويل .. وهي البلاد التي شاهدتها لأول مرة مع عائلتي في طفولتي .. ولطالما زرتها خلال النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين وخالطت أدباءها وأهلها وتمتعت بأنس بلادها ورقي مثقفيها وأدباءها.
ذلك الإخضرار الذي جعلها جنة صغيرة في عين إبنة الصحراء برمانة والزبداني وبلودان ومياه بردي التي كان الدراق والبطيخ واللوز الأخضر يوضع في سلال ليبرد تحت شلالات مائه في عز القيظ. وإخضرار الروح الذي رافق مراهقتي وأنا أقرأ كتب غادة السمان وأشعار نزار قباني وروايات كوليت خوري. ثم ذلك الزمان القصير الذي إمتد إلى ما بعد وأنا أقرأ كتب محمد الماغوط ، وممدوح عدوان ، ونزيه أبو عفش ، وإحسان مراش، وسعد الله ونوس ، وعلي الجندي وشعراء وأدباء فلسطين الذين أقاموا فيها يحيى يخلف وأحمد دحبور ورشاد أبو شاور وغيرهم. بل أنني إلتقيت في طرقاتها بأدباء لاجئين فيها مثل منعم الفقير آئنذاك قبل أن يهاجر إلى الدانمارك ، وقاسم حول ، بالإضافة إلى أهل السياسية فارين إليها من حركات ثورية كانت آئنذاك من البحرين ، والسعودية ، وغيرها من الدول العربية.
هذه هي الشام التي عرفتها مخلوطة بآثار إبن عربي ، وأبو فراس الحمداني والمعري والنعمان بن المنذر وزنوبيا وحجر أوغاريت والتاريخ الممتد إلى أغوار أغوارها.
العودة إلى الشام بعد غياب هي مثل عودة المرء إلى بيت جده الكبير وتشمم رائحة ثياب جدته .. عودة إلى أصل وجذر.
لذلك وعندما تلقيت دعوة بالبريد الإليكتروني من السيدة رشا عمران لحضور مهرجان السنديان الذي أسس له والدها محمد عمران وهو شاعر قابلته منذ زمن طويل وأكملت هي مسيرته بعد وفاته تحمست للسفر إلى الشام رغم أنها شرحت أنها تعتذر لتأخرها في الدعوة وأنه أول مهرجان أهلي في الشام تقيمه على حسابها ولا قدرة لها على على دفع تكاليف السفر ولكنها تتكفل بالإقامة. وطلبت إستضافتي لمدة تطول عن عشرة أيام من 2 أغسطس وحتى 14 أغسطس في قريتها الملاجة في طرطوس. وذكرت لي أسماء بعض المشاركين فتحمست للمشاركة لأرى الشام أولاً ولأشجعها وأشجع مهرجانها الأهلي ثانياً ولأتعرف على تطورات الجيل الجديد من شعراء سوريا عبر هذا الملتقى وإعتذرت عن تلك الأيام الطويلة وذكرت لها بأنني سأأتي إلى الشام وأقضي ثلاثة أيام في دمشق التي إشتقت إليها ثم فلتستضيفني هي لمدة ثلاثة أيام أخرى في قريتها لأعود بعد ذلك إلى القاهرة. وإتفقنا على اللقاء في دمشق عند وصولي هناك.
لم أكن أعرف رشا عمران ولا عن مهرجانها قبل ذلك. وقرأت لها نصوص نثرية في موقع كيكا الإليكتروني عبرت لها عن إعجابي بها وكذلك قرأت أنثولوجيا عن شعراء سوريا الشباب على موقع جهات الشعر تسببت في خلاف كبير بين عدد من شعراء سوريا وبينها بسبب تجاهلها لعدد كبير من شعراء الشام وإقتصار الأنثولوجيا على معارفها وأصحابها على حد قولهم بالإضافة إلى مشاكل صغيرة حدثت بينها وبين بعض ضيوفها في الماضي منهم أديب سعودي لم أعد أذكر إسمه.
وفي السابع من أغسطس غادرت القاهرة إلى الشام ببهجة كبيرة وشوق عارم. ومن السماء لفت إنتباهي ذلك التصحر الذي أحاط بدمشق وفي المطار لفت إنتباهي كل ذلك السواد من الحجاب والنقاب الذي لف معظم الشاميات في المطار. ألم أقل إنه غياب تجاوز الربع قرن.
إخترت النزول في فندق الشام في قلب دمشق لأنه يذكرني بجلساتي مع محمد الماغوط زمان. وهناك إلتقيت صديقتي الدبلوماسية كوكب الريس شقيقة الناشر رياض الريس التي أتت خصيصاً من بيروت إلى دمشق لترحب بي وتقضي تلك الأيام في صحبتي متجاورتان هي في فندق أمية وأنا في فندق الشام.
وفي مقهى البرازيل في فندق الشام لاحظت التغير ، أيضاً ، فلا وجوه أتذكرها هنا.. ولا رائحة لحوارات المثقفين. سألت عن طاولة محمد الماغوط .. وعن من ما لا يزال يزور المكان من الشعراء فقيل لي لا أحد. وسألت عن الشاعر علي الجندي إن كان ما لا يزال حياً .. لأصعق بخبر وفاته في ليلة وصولي. وداعاً لهم ، إذن ، ذلك الجيل المعتق بالحلم والحبر .. والوصول إلى ما هو أبعد.
سألت عن مقهى أبو علي في الربوة حيث كان الماغوط يحب الجلوس والتأمل نهاراً فقيل لي أنه أغلق وتم هده. سألت عن مقهى اللاتيرنة فقيل إلي أنه تحول إلى ديسكو وقد كان مقهى ومطعم يجمع شمل شعراء وأدباء أيام زمان. إذاً الأشخاص والأماكن المألوفة أيضاً لم تعد هناك.
توجهنا في اليوم التالي لزيارة قبر صلاح الدين الأيوبي والصلاة لروحه .. ثم إلى الجامع الأموي الذي ما أن هممت بدخول بابه حتى أحاط بي الزبالين : غطي يامرة .. غطي يا مرة دون إعطائي فرصة لخلع الحذاء ووضع غطاء على رأسي فقررت عدم دخوله ما دام الزبال هو موجهي لكيفية الخشوع في حوش الجامع. ودلفنا إلى سوق الحميدية المكتظ بالمنقبات والمحجبات ومجلات قمصان النوم الحمراء والشفافة التي نافست ما قد كان منذ زمن محلات للمشغولات اليدوية الشامية.
كنت قد إتصلت برشا عمران حال وصولي للشام يوم الجمعة وقالت أنها ستأتي للسلام علي يوم السبت غير أنها لم تتصل ولم تأت رغم إنتظاري لها طوال المساء وبتكرار الإتصال بها قالت أنها ستأتي يوم الأحد وإعتذرت لإنشغالها.


زرت معرض الكتاب على أطراف دمشق وتجولت بين قاعات الكتب وإشتريت بعض الكتب التي ذكرتني بمن أحبهم وأولهم محمد الماغوط وغادة السمان ومحمود درويش. وفي اليوم التالي أبكرت الإرتحال إلى أديرة وكنائس معلولة وصيدنايا وحضرت قداس الأحد في معلولة وأفطرت من نبت أرضها وكنت أشعر بقداسة تلك الجبال والوديان وأصغيت إلى اللغة الآرامية من حولي.
وفي طريقي بعد الظهر إلى الفندق وجدت إتصالاً من رشا تبلغني فيه بأنها في مقهى البرازيل في الفندق فذهبت للقاءها هي وأصدقائها هناك. ثم إصطحبتها إلى جناحي في الفندق وأهديتها كتبي وهدية لها وأدوية طلبت مني إحضارها لها من أجل أمها. ودردشنا حول الأدب والحياة وتعارفنا قليلاً. وسألتها عن ضيوف المهرجان فقالت أنه لم يصل منهم غير 6 أشخاص فقط وأن بعضهم يصل الليلة وأنها تتصل بالشاعر العماني زاهر الغافري ولا يرد فلعله لن يأتي وأن الشاعر المصري أحمد الشهاوي قد يصل متأخراً للمشاركة في معرض الكتاب وإنه قد لا يتمكن من المشاركة في لقاءها وأن شاعراً إنجليزياً إسمه جيمس يصل الليلة وستذهب للمطار لإستقباله وغير متأكدة أين ستأخذه ليبيت الليلة فهي لم تحجز له فندقاً في دمشق وتلك هي زيارته الأولى إلى العالم العربي.
أخبرتها نصف مازحة بأنني أشتم رائحة عدم تنظيم للمهرجان وأنني إذا لم يعجبني الحال فلن أشارك فأنا لا أحب العشوائية عموماً ولابد أن يكون مكان إقامتي في طرطوس مقبولاً لأقضي تلك الأيام التي دعتني إليها وطمأنتني بأنها قد تبدو غير منظمة لكنها منظمة جداً. ثم مضت رشا لإنشغالاتها.
وفي منتصف الليل فاجأتني بدعوتها لي لأأخذ تاكسي وأنضم إليهم في مطعم "عندنا-شي نو" حيث تحتفل هي وأصدقاءها وجيمس الشاعر الإنجليزي الضيف فذهبت وسهرت معهم حتى وقت متأخر وقبل العودة إلى الفندق سألتها عن موعد السفر غداً إلى طرطوس فأجابت أنها لا تعرف ربما مساءاً .. ربما ليلاً .. ربما بالقطار .. ربما بالباص. فتوجست من ذلك وطلبت عنوان الفندق هناك وأخبرتها بأنني سوف أستأجر ليموزين للسفر إلى هناك والذهاب إلى الفندق مباشرة لأن موعد المغادرة من فندق الشام هو 12 ظهراً فأعطتني إسم الفندق وعنوانه. وللوهلة الأولى كان علي أن أعيد التفكير فإسم الفندق نفسه لا يدعو للطمأنينة. فندق الغابة.
مضيت في الصباح التالي مع السائق أبو إبراهيم إلى الأوتوستراد ومنه إلى طريق طرطوس .. تحيطنا الجبال الجرداء والصحراء والقرى الصغيرة من كل مكان. وتأملت المشهد الذي بقى في رأسي جميلاً رغم كل شيء فتلك الجبال والهضاب الجرداء تبدو لي مغلفة لأسرار التاريخ الطويل الذي شهدته هذه البلاد. ولم نتوقف إلا في بلدة النبك في الطريق .. حيث لمحت ديراً على أطرافها .. وفي داخلها بيوت تبدو معظمها مغلقة ومهجورة ووضح لي السائق أن أهلها معظمهم مهاجرين إلى السعودية وأمريكا اللاتينية وغيرها وتوقفنا في سوقها لشراء الدراق واللوز والفستق والجوز والبندق ثم أكملنا الطريق الذي طال خمسة ساعات قبل الوصول إلى طرطوس.


ولم أر البحر. " يا عم أبو إبراهيم أين البحر ؟ " ..
- " إنه هناك ". وإستدار إلى شواطئ ترتمي عليها أكوام الزبالة وتتزاحم العشش وسفن الميناء. الأبنية القديمة .. وآثار تاريخية متداعية. فأين فندق الغابة ، إذن ؟ سألنا .. ودخلنا إلى أحياء المدينة حتى وصلنا إلى شارع سكني صامت. وفي الزاوية مبنى من عدة أدوار ولافتة صغيرة على الدور الثالث منه تحمل إسم الفندق. طلبت من السائق الإنتظار. ودخلت باب المبنى وسألت فقال لي رجل هناك ، ربما كان الحارس ، إنه في الدور الثالث وبقية الأدوار شركات أخرى ثم سألني إذا ما رغبت في أن يرافقني في المصعد لأن المصعد قد يتوقف بي بسبب إنقطاع الكهرباء المفاجئ والمحتمل.
وصعدت إلى الفندق الذي يشبه غرف مستشفى القصر العيني في القاهرة .. شقة صغيرة وآنسة في زاوية الإستقبال وراء ورود صناعية مغبرة تحمل اللحاف والمخدة وتستقبلني لتريني غرفتي في زاوية وراءها. الغرفة بها حوض إغتسال كأي فندق صغير من فنادق العتبة في القاهرة والشباك يطل على حوائط سد. كيف لي أن أقضي ثلاثة ليالي في مكان كهذا يبعد عن مكان المهرجان حوالي 40 كيلومتراً ؟
إتصلت بي رشا عمران وأخبرتها أنني وصلت إلى طرطوس وإنه يصعب علي قبول النزول في مكان كهذا. أخبرتني أنها لا تزال في دمشق وأنها تقترح علي فندق للمغتربين في ضيعة على مقربة من قريتها ولكنها لن تدفع للفندق وعلي أن أتحمل تكلفة إقامتي هنا وأنها سترسل إلي بقريبها الدكتور ليدلني على ذلك المكان. وبالفعل جاء الدكتور وتبعناه بسيارة الأجرة وهو يرتقي جبال طرطوس ويدور في محاورها وعلى بعد 22 كيلو وجدنا ضيعة صغيرة لا يتعدى سكانها ربما المائة ومبنى صغير يحمل إسم فندق هناك. المصعد خارج المبنى ونصعد به إلى السطح ثم ننزل على الأقدام ليقول لي رجل الفندق أنهم سيرونني أجمل غرفة لديهم – غرفة شهر العسل للعرسان ليفتح الباب فأفاجئ بمشهد من مشاهد سلفادور دالي: مرحاض وبانيو وشطاف وسرير ضخم في غرفة واحدة ونافذة تطل على حائط. ضحكت كثيراً بالطبع فلم يسبق لي أن رأيت مرحاض نوم من قبل وسألته لماذا الغرفة هكذا فأجابني لأن العرسان لا يحتاجون إلى أكثر من ذلك وحمدت الله أنني لست عروساً تقضي شهر العسل في ذلك المكان. إعتذرت عن الإقامة في ذلك المكان وذهبنا بصحبة الدكتور لنشاهد الملاجة وعلى بعد 22 كيلو متر آخر فوق الجبل توقف الدكتور فجأة أمام أحجار مبعثرة وقال أن هذا هو المسرح الذي بنوه بأيديهم وسألته أين القرية فأشار إلى منطقة بعيدة حوالي 10 كيلو مترات بها عدة بيوت على رأس الجبل وقال أنها تلك. وإنه لابد من المضي بالسيارة إليها من هنا. كان المغرب قد إقترب وأردت العودة إلى دمشق وخصوصاً أن هناك سيارة معي يحسب صاحبها ساعاته بالدولارات وهو ينتظر لذلك إعتذرت عن دعوة الدكتور لزيارة منزله لكنني سألته لماذا لا تحضرون ضيوفكم للإقامة في القرية ما دامت بعيدة هكذا بدلاً من تجشم المشقة من طرطوس إلى هنا فرد بأن منازلهم لا تتسع للضيوف لقلتها وضيقها. خمسة ساعات أخرى من الطريق وعدت إلى دمشق في ليلة الإثنين ولم تتصل رشا عمران أبداً بي لا تلك الليلة ولا بعد ذلك وأنا تناسيت الموضوع وقررت أن أكمل تجوالي في دمشق وما حولها رغم إنني مرضت في اليوم التالي ولازمت السرير بسبب إجهاد السفر ذهاباً وإياباً في نفس اليوم إلى طرطوس.
زرت أسواق الحمراء والصالحية وجامع السليمانية ومتحف دمشق وبلودان والزبداني وقبر قابيل على جبال بردى ومنبع بردى وتجولت وتمتعت بصحبة صديقتي كوكب في دمشق. ثم تحضرت لمغادرة الفندق ظهر يوم الجمعة 14 أغسطس وأثناء محاسبتي لفواتير الفندق في الإستقبال فوجئت بالشاعر أحمد الشهاوي آتياً للسلام علي فقد وصل في الليلة السابقة وأخبرني أن وزير الثقافة السوري السيد رياض نعسان الآغا موجود في اللوبي ويود السلام علي فمضيت معه للسلام عليه وخصوصاً إنني أعرفه منذ زمن فقد أجرى لقاءاً تليفزيونياً معي منذ عشرين عاماً وكان سفيراً لسورية في الإمارات فيما بعد ثم وزيراً للثقافة اليوم وهو للحق شخصية دمنة ورجل إعلامي مثقف لطالما أطل على الجمهور العربي وله الكثير من المعارف والأصدقاء في الوسط الثقافي العربي.
وفي اللقاء الخاطف ذلك رحب بي وذكر أنه لم يعرف بوجودي في دمشق وأنه كان سيحتفي بي لو عرف ذلك وسألني عن مهرجان السنديان فذكرت له إنني لم أشارك بسبب عدم وجود مكان لائق للإقامة أثناء فترة المهرجان وإن إنطباعي أن التنظيم ليس جيداً بما يكفي ثم ودعتهم وسافرت إلى القاهرة.
وصلت ليلاً إلى القاهرة وفي منتصف الليل فوجئت بإتصال على الأنسرماشين من رشا ورسالة بأنها زارتني ذلك الصباح في الفندق ولم تجدني. إستغربت بالطبع فهي لم تتصل ولم تسأل منذ الإثنين وها هي ليلة وصولي للقاهرة – الجمعة – تتصل. أرسلت إليها في اليوم التالي بأنني سررت بلقائها وإعتذرت لأن المكان لم يناسبني. وإنهالت علي بعدد من الرسائل والتهديدات بأنها ستكتب في الصحف وبأنني شاعرة فنادق .. إلخ فإضطررت للإتصال بها لإيقافها عند حدها وشرحت لي بأن الوزير ذهب إلى طرطوس وأقام مؤتمراً صحافياً إتهم فيه مهرجانها بأنه مهرجان فقاعات ثقافية. شرحت لها أن هذا أمر داخلي لاشأن لي به فالوزير كي يصرح بمثل ذلك التصريح لابد أنه مبني على أمور تتجاوز قضية إستضافتي وذكرت لها بأنني لا أريد الدخول في معارك إعلامية معها وتمنيت لها التوفيق.
وللحقيقة فقد عدت مريضة من سوريا ولا أزال فقد وقعت طريحة الفراش لمدة أسبوع غير أن ذلك السيل الإعلامي والبيانات التي أصدرتها – رشا عمران مورطة ضيوفها معها فيها ومتهمة إياي بأمور تشوه صورتي وتسيء إلي دعتني لكتابة كل هذه التفاصيل. جزئياً للتوضيح .. وجزئياً لذهولي مما آلت إليه سلوكيات بعض المثقفين والمثقفات العرب في سياق مهرجاناتهم وملتقياتهم وشلليتهم. وأنا أنأى بنفسي عن كثير من الملتقيات لا لشيء سوى أنني أجد معظمها تفتقر إلى أدنى شروط العمق الثقافي وسلاسة التواصل الإنساني وللمتاجرة البينة في أخذ المساعدات أو التلميع الإعلامي سواءاً للجهات الرسمية أو بعض الأفراد القيمين عليها. إنهم يستغلون أسماءنا لا لصنع المزيد من الثقافة ونشرها بل للإتجار بها ضمن منجزاتهم والحصول على المزيد من الأموال التي لا ندري إلى أين تذهب تحت مسميات مهرجانات الشعر والأدب المحلي والدولي. رحم الله الماغوط وونوس وممدوح عدوان وإحسان مراش ومحمود درويش الذي أحب دمشق كثيراً في قصائده ونزار قباني الذي جعلنا نشم رائحة ياسمينها دون أن نزورها وأطال الله في عمر غادة السمان التي لا زالت كتاباتها مضمخة برائحة جدران دمشق القديمة.

ظبية خميس

dhabiya@hotmail.com
القاهرة
20/8/2009

الجمعة، 21 أغسطس، 2009

"أوغاد مجهولون": سقوط تارانتينو



أخيرا بدأت العروض العالمية في أوروبا والولايات المتحدة لفيلم "أوغاد مجهولون" Inglorious Basterds للمخرج الشهير كونتين تارانتينو (افتتح عرضه الجماهيري في لندن في 19 أغسطس الجاري). وكان الفيلم قد عرض في مايو الماضي داخل مسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان كان السينمائي، وحصل بطله الممثل النمساوي كريستوف فالتز على جائزة أحسن ممثل.
هذا الفيلم الذي كان قد أصبح قبل عرضه للمرة الأولى في كان، "الفيلم المنتظر"، جاء مخيبا للآمال إلى درجة أن أصبح الوحيدون الذين احتفلوا به في كان هم أعضاء فريق الفيلم ذاته، فأصبح ينطبق عليهم ما ينطبق على كل "السعداء بأنفسم" أي أولئك الذين لا يسمعون غير صوتهم.
ما هو موضوع الفيلم؟ الموضوع يدور حول "رؤية" خيالية حول كيف تصدى اليهود للألمان النازيين، أو تحديدا كيف تمكن يهود أمريكا من تجنيد مجموعة من القوات الخاصة جدا للقضاء على النظام النازي وإنقاذ أقرانهم اليهود من مصيرهم الأسود، يقود أفراد هذه المجموعة الخاصة المدربة تدريبا عنيفا، ضابط أمريكي (يقوم بالدور براد بيت) تتسلل خلف خطوط الألمان في فرنسا، وتلقي الرعب في قلوب الجنود الألمان بسبب الطريقة القاسية التي يمارس بها أفرادها القتل، ثم سلخ رءوس ضحاياهم على غرار ما كان يحدث للهنود الحمر في أمريكا.
هتلر شخصيا يهتم بأمر تلك المجموعة الخاصة، ويصدر تعليماته للجستابو بضرورة الوصول إليها والقضاء على افرادها.

التأثر بالويسترن
في المشهد الأول من الفيلم، الذي يستغرق نحو 20 دقيقة، ويعتبر بلاشك أفضل ما في الفيلم كله، وهو مشهد يبقى في الذاكرة نرى الضابط النازي "هانز لاندا"- صائد اليهود، الذي يستخدم كل الأساليب للوصول إلى هدفه: يتدرج من الرقة والنعومة والدهاء والمداعبة والتلويح بالمكافأة، إلى الصرامة، ثم العنف البارد كنصل السكين.

هذا المشهد بطبيعة الأداء الذي ينتقل فيه الممثل كريستوف فالتز الذي حصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان- بين اللغات الثلاث: الألمانية والفرنسية والانجليزية، يذكرنا على نحو ما بالمشهد الافتتاحي في الفيلم الكلاسيكي الشهير "حدث ذات مرة في الغرب" لرائد تيار سينما الويسترن اسباجيتي سيرجيو ليوني، بإيقاعه الخاص، وصمته المثير في الخلفية الريفية، بطريقته في تصوير الغريب القادم من الخارج (ذلك الألماني الذي يدخل قرية منعزلة في الريف الفرنسي بحثا عن مجموعة من اليهود يشك أنهم يختبؤون هناك في أحد الأكواخ).. أو ذلك "الميهمن" الذي يقف بنعومته ورقته الظاهرية أمام ضحيته (الفلاح الفرنسي المرتعد)، قبل أن ينفجر طوفان العنف. الضابط يقول إنه لا يريد أن يسبب حرجا للأسرة فيطلب أن يدور الحوار بينه وبين رب المنزل فقط على أن يقف البنات الثلاث وأمهم خارج الباب. وتحاول الزوجة تخفيف حدة الموقف فتسأل الضابط ما إذا كان يريد أن يتناول شرابا، فيطلب أن تأتيه بكوب من الحليب (هنا تبدأ سخريات تارانتينو المألوفة، فبدلا من الويسكي في "الويسترن" يأتي هنا الحليب!).. ثم يبدأ الضابط في سرد قصة ذات مغزى بالألمانية أولا، ثم ينتقل للفرنسية إشفاقا على الفرنسي المتلعثم.. ولكنه ببساطة شديدة، يتطلع إلى الفرنسي بهدوء ثم يقول له: ربما تفضل الحديث بالإنجليزية. هنا تضج القاعة بالضحك، فلاشك أن هذه العبارة موجهة لجمهور الفيلم من الأمريكيين، فهل سيفضل الفرنسي الحديث بالانجليزية.. إنها إحدى معابثات تارانتينو المعروفة لجمهوره!
ينتهي المشهد بأن يعترف الفرنسي وهو يرتجف بوجود اليهود في المكان. أين؟ يطلب منه الضابط استخدام الإشارة.. فيشير إلى أسفل، إلى الأرضية. يطلب الضابط من الجنود المنتظرين في الخارج الدخول، ويشير إلى الأرضية الخشبية، فينهمر الرصاص، يقضي على الجميع فيما عدا طفلة صغيرة تتمكن من الهرب هي التي سنعود إليها فيما بعد في الفصل الرابع من الفيلم (مكون من خمسة فصول على طريقة الروايات الأدبية) وهي فتاة تدعى شوشانا.
مجموعة "الأوغاد" بقيادة الضابط ألدو (براد بيت) تواصل حملتها المرعبة على طريقة فيلم "دستة أقذار" Dirty Dozen (1967) لروبرت ألدريتش، لكن الفيلم ينتقل لكي يدخلنا إلى عالم التجسس والمخابرات البريطانية التي تزرع عملاء لها داخل خطوط الألمان، ومع هؤلاء العملاء ممثلة حسناء مشهورة تدعى بريديجت فون هامر سمارك (ديان كروجر)، وهي ألمانية من أصول أرستقراطية، مقصود بالطبع أن تحاكي شخصية الممثلة الشهيرة في تلك الفترة مارلين ديتريتش.
هنا يفقد الفيلم الخيط الرئيسي، ويدخلنا إلى متاهة تلو أخرى. ويفقد الممثلون السيطرة على أدوارهم، ويختلط الأمر على تارانتينو فلا نعرف ما اذا كان يخرج مسرحية داخل فيلم، أو فيلما على خشبة مسرح: فهناك حوارات لا تنتهي باستخدام اللغات الألمانية والانجليزية والفرنسية والإيطالية، ومشاهد تلعب فيها الحبكة المفتعلة دورا أساسيا في "تخريب" قيمتها الوحيدة التي تجعل السخرية فيها تنبع من ما وراء حداثيتها وتعارضها المقصود مع منطق الأشياء.
أضف إلى ذلك فشل الفيلم التام في التعامل مع شخصيات تاريخية معروفة مثل جوبلز وهتلر وتشرشل وتقديمهم بطريقة أبعد ما تكون، ليس فقط عن ملامحهم الشكلية الخارجية المعروفة لدى المتفرج فهذا أمر قد يكون ثانويا، بل والبعيدة أصلا عن روح المرح والسخرية.
وعندما نصل إلى شوشانا، نخرج من عالم لندخل إلى عالم آخر، فقد أصبحت هذه الفتاة حاليا صاحبة دار للسينما في باريس، يساعدها شاب أسود، تقيم علاقة عاطفية معه. لكن باريس الآن تحت قبضة الاحتلال النازي، وجوبلز يرغب في استخدام تلك السينما للعرض الخاص لأحد أفلام الدعاية النازية الشهيرة (قد يكون فيلم لليني ريفنشتال) والفوهرر (أي هتلر) متحمس لحضور هذا العرض ولابد بالتالي من تأمين دار السينما.
يضع الحلفاء باستخدام فريق "الأوغاد" بالتعاون مع شوشانا وصديقها وعملائهم في الداخل، خطة لتفجير دار السينما بكل من فيها من كبار الشخصيات النازية في الرايخ الثالث.
ولكن ضابط الجستابو الذكي يكشف الخطة، يقتل فون هامر سمارك، وشركائها، ويعتقل ألدو ورفاقه، لكنهم يساومونه على الانضمام للحلفاء بعد أن اقتربت هزيمة ألمانيا، فيوافق، ثم يخدعونه، ويقتلونه، ويتم تفجير دار السينما، وهذكا يحقق اليهود انتصارهم.. من النازية.. على الشاشة!

مشكلة هذا الفيلم
في رأيي أن مشكلة فيلم تارينتينو الأساسيا أنه ذو طابع قصدي من أول لقطة إلى آخر لقطة، أي أن ما سيصل إليه معروف مسبقا للمشاهد، اضف إلى ذلك أنه فيلم فاقد للتحكم في الزمن أو لما يعرف بمبدأ الاقتصاد في السرد (ساعتان ونصف) دون ضرورة درامية ملحة، فأنت تستطيع أن تستغني عن كل تلك الالتفافات والمنعرجات التي يدخلك إليها ويأخذك بعيدا عن الموضوع قبل أن يعود بك، كما يمكنك أن تستغني عن عشرات المشاهد الزائدة، والشخصيات التي لا تضيف سوى مزيد من الحشو، وعن مساحات زائدة من معظم المشاهد تقريبا (باستثناء المشهد الأول الذي لا يضاهيه مشهد آخر في الفيلم) وهذه هي الكارثة الفنية أو "الانتحار" الفني الذي جعلنا جميعا نتوقف مذهولين في "كان" أمام هذا الفيلم الذي عول الكثيرون عليه. وعندما عدت أخيرا لمشاهدته مرة أخرة تأكدت أن شعوري لم يكن نتيجة لكثرة المشاهدات في مهرجان كان (شاهدت هذه المرة 42 فيلما) بل لأن هناك خللا أصيلا في الفيلم رغم كل ما توفر له من إمكانيات هائلة (حوالي 27 خبير في المؤثرات الخاصة فقط إلى جانب عشرات الخبراء في الملابس وتصميم الديكورات والمؤثرات البصرية.. وغيرها).
ونعود لكي نقول ونؤكد أن الأصل والأساس هو في ضعف السيناريو، فكيف يمكن أن يدخل مخرج كبير محترف ميدان العمل بسيناريو مليء بكل هذه الثقوب؟!
والمقصود بالثقوب هنا ليس عدم منطقية الأحداث والوقائع التي يرويها، فهذا أمر مشروع تماما في اطار السياق المعروف الذي يميز أفلام تارانتينو أي أسلوبه الخاص الما بعد حداثي، وإعلائه من شأن اللاعقلانية، وسخريته المريرة من التاريخ الحالي الذي نعيشه، ورفضه التعامل معه على أنه "حقيقة".
أما الثقوب فهي تتمثل كما أشرت في كل هذه الاستطرادات والاطالة والتكرار والشخصيات الزائدة، وهو ما أدى إلى فقدانه السيطرة على الأداء (باستثناء الأداء العبقري الفذ للممثل النمساوي العظيم كريستوف فالتز)، وفقدان الإمساك بالايقاع العام للفيلم، وافتقاده إلى أي مساحات حرة نتوقف أمامها لالتقاط الأنفاس، والعلاقة المفتعلة بين الفتاة اليهودية والشاب الأسود، كذلك سوء اختيار عدد من الممثلين على رأسهم براد بيت نفسه الذي بدا شديد الجمود في دور الضابط ألدو الذي يقود المجموعة اليهودية (وقد تساءل الكثيرون عن حق لماذا يقودهم ضابط ينتمي للجنوب الأمريكي ولماذا لم يكن يهوديا مثلهم).
أما حكاية الهولوكوست وموقف تارينتينو منه، فمن على السطح يبدو هذا هو الأساس الذي حصل تارنتينو بموجبه على تمويل ضخم من ألمانيا على الأقل (هناك تمويل أمريكي وفرنسيا أيضا) لكنه يصور اليهود في صورة لا أظن أنها ستعجب الكثيرين منهم، أي صورة شديدة القسوة والعنف والبشاعة، خاصة في مشاهد سلخ فروات رؤوس أعدائهم، واصرارهم على اعدام جندي استسلم لهم بالفعل ولم يعد يشكل أي خطر بل ظل يستجدي ويستعطف (وهو بالمناسبة مشهد طويل جدا)، ثم خداعهم لضابط الجستابو بعد أن حصل على كلمة شرف من الضابط الأمريكي على أن يلجأ للحلفاء مقابل تسليم كل ما عنده من معلومات وتركه مؤامرة اغتيال هتلر وزملائه تمر.. وهو ما سيسبب للمتفرج، بلاشك، شعورا بأن هؤلاء أناس لا يحترمون تعهداتهم أبدا، بل يبدون مندفعين للانتقام الدموي فقط. ولكن ربما تكون هذه الصورة مقصودة أيضا للتأكيد على أن اليهود لم يخضعوا للنازيين كالنعاج بل قاوموا وتصدوا، وهي صورة سينمائية مزيفة بالطبع، شأن الفيلم كله إذا حاسبناه قياسا إلى مدى واقعيته.

مؤثرات ما بعد الحداثة
لاشك أن شوشانا (تقوم بالدور الممثلة الفرنسية الحسناء ميلاني لورون) رمز للقوة الناعمة اليهودية التي تتحول إلى قوة غاشمة، تستدرج الألمان لتقتلهم بطريقة رهيبة عندما تستخدم، مع صديقها، كل مخزون الأفلام وتشعل النار فيها فتصبح مادة السيولويد مثل قنبلة شديدة الانفجار، بل إنها من البداية ترفض التقرب من جندي ألماني حاول اقامة علاقة عاطفية معها رغم ولعه الشديد بالسينما ورفضه لحياة العسكرية التي لم يكن مؤهلالها وهو ما يجعل المتفرج يتعاطف معه، لكنها رغم رقته البالغة واختلافه عن الآخرين لا تتزرع عن قتله ببشاعة.


الخلط بين الأساليب كما هو معروف، أحد أسس سينما ما بعد الحداثة وسينما تارينتينو بالتالي: الانتقال من أسلوب فيلم الويسترن، إلى الفيلم الحربي، إلى الفيلم الكوميدي على طريقة بستر كيتون وميل بروكس. وهناك أيضا تأثرات واضحة بأفلام قديمة شائعة معروفة مثل فيلم "حدث ذات مرة في الغرب" لسيرجيو ليوني الشهير (يبدأ فيلم تارانتينو بالمناسبة بكتابة على الشاشة تقول: حدث ذات مرة في الريف الفرنسي) وفيلم ليوني الآخر أيضا "مزيد من الدولارات"، وفيلم "دستة أقذار" وغيرهما، وهناك إدخال عالم السينما والشرائط المصورة (هتلر ورفاقه يقضون بينما يشاهدون فيلما طويلا عن أمجادهم)، والتلصص على الجنس من فتحة في الباب (الجنس بين شوشانا وصديقها)، وفكرة السخرية من التاريخ، والاهتمام الكبير بدور المرأة فيه (أساس الموضوع كله هو الطفلة التي تصبح فتاة جذابة مغوية).. هذه كلها من مفردات ما بعد الحداثة البارزة في هذا الفيلم ولكن بدون أن يكون الفيلم بالضرورة قد نجح في استخدامها للتعبير عن موضوعه.
ويبقى السؤال: ما الذي يمكن أن يخرج به المتفرج من فيلم "أوغاد مجهولون"؟
قدر كبير من التشوش الذهني، والتشتت والإحباط بسبب انعدام قدرة المخرج الكبير على استخدام ما يعرف بـ"القطع" في الوقت المناسب، سواء داخل المشهد الواحد وهو أمر ذو علاقة أكيدة بالفشل في السيطرة على ما يعرف بـ"الميزانسين"، أو خلال عملية المونتاج نفسها عند توليف اللقطات والمشاهد أو الجمل السينمائية معا، فلا يمكن أن نظل ساعتين نشاهد ونستمع أو نتابع الترجمات المتعددة أسفل الشريط كما لو كنا نستمع إلى تمثيلية اذاعية، فهناك حوارات طويلة لا تنتهي في هذا الفيلم، بعضها طريف ولكن الكم الأكبر يفتقد لروح المرح، بينما المحيط الطبيعي للفيلم كان يغري بتفجير كل الطاقات السينمائية التي توفرها الكاميرا. "خسارة كل هذه الأموال التي ضاعت هباء".. وخسارة كبيرة موسيقى العبقري الإيطالي إنيو موريكوني الموحية التي تستحق الاقتناء بمفردها.. هذا ما خرجت أنا شخصيا به من هذا الفيلم!

((تحذير: جميع الحقوق محفوظة للناشر))

الأحد، 16 أغسطس، 2009

المعالجات الفيلمية تلتهم بعضها البعض شاء السيناريست أو لم يشأ


توسيع دائرة التشابك بين مريم ومحمود

بقلم: علي عوض الله كرار
((هذا أحد مقالات الكاتب علي عوض الله كرار التي منع صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة "القاهرة" نشرها لديه، وأرسلها لي كاتبها ننشرها كما كتبها احتراما لرأيه ومدخله الخاص للموضوع)).

" أنا شخصيا"ً أكتشفت أن فيلم "واحد صفر" مسروق من ألف فيلم ".. هذا ما قالته كاتبة السيناريو مريم نعوم عن فيلمها فى معرض ردّها على مقال الناقد محمود قاسم الذى أتهمها بالسرقة من فيلم واحد ذكره أسماً وجنسية . وهو معذور، ذلك أن الفساد ومنه السرقة قد شاع أمره فى كافة المجالات ، وعلى كل الاصعدة ، حيث أنه تطور من سرقة الغسيل المنشور على حبال البلكونات ، إلى سرقة ما فى جوف الإنسان من أعضاء حيوية ، ومن سرقة مقال أو قصة أو قصيدة أو رسمة إلى سرقة رسالة دكتوراه ، وهكذا.
على السيناريست مريم أن تعذر الناقد محمود . ألم تسمعى عن التعبير الشائع
فى مصر، منذ سنوات طويلة : ( أصبح الواحد يشك فى نفسه ، مش فى غيره وبس) فما بالنا اليوم ؟ وأيضاً ألم تسمع يا محمود المثل الشعبى المصرى القائل "يخلق من الشبه أربعين" .
ومن ناحية أخرى كنت أتمنى أن يكون خطاب مريم موجهاً للقارئ من خلال ردّها على الناقد محمود ، حتى لأ يُساء فهم هذا التعبير الذى قالته ضمن كلامها ، فالقارئ مشغول بمشاغله ، متعجل ، ليس لديه وقت ليفكر فيما يقرأه ، مُقلباً إياه على كافة وجوهه ، خاصة وأنه مقال فى فيلم أو عنه أو حوله ، وقد درج القراء على أن هذا النوع من الكتابة صدره كظهره كأجنابه ، وبالتالى رأيت أن توضيح عبارتها سالفة الذكر هو الأهم فى الموضوع، والمكسب الذى سأخرج به كقارئ مهتم بالثقافة الشعبية للوجدان ( = السينما ) ، وأيضاً حتى لا تصبح مريم مثل الواثقة من براءتها التى ترد على ضابط المباحث الذى يتهمها بسرقة بنك ، فتجيبه : لا ياسعادة الباشا أنا سرقت ألف بنك ( المبالغة هنا تعنى عدم حدوث سرقة حقيقية أصلاً ) لكن فى حالة الفيلم فهو حقيقة مجازية ، فكل ما يلتهمه المرء ويشربه ويتنفسه ويتعلمه هو وراء كل فتفوتة عمل يقترفها بشكل حسن أو سئ . كما أن هذا الرد فيه استفزاز حتى ولو قيل بشكل ( شيك) ودبلوماسى . إنه مثل رد نبيلة عبيد على ضابط البحث الجنائى فى فيلم ( التخشيبة ) للمخرج عاظف الطيب، فما كان من الضابط سوى أن عاملها كأى متهمة عادية ، وأكمل إجراءاته، ولم يشفع لها كونها طبيبة ذات سمعة مهنية وأخلاقية جيدة .
والآن أدخل إلى ما أراه مهما فى هذا الموضوع :
هناك فيض من أفلام أنتجت خلال 114 سنة تقريباً ، يوازيه فيض آخر من القنوات الفضائية ، وبالتالى أصبح المرء ينام إلى جوار أفلام ، ويصحو على أفلام ، ويفطر مع أفلام ، ويتناول غداءه فيما عيناه تلتهم فاتنات الفيلم وأحداثه المسبوكة.
وبالتالى أصبحت العين مشحونة لآخرها بمكتبة فيلمية متعددة الجنسيات والتوجهات والمستويات الفنية . وفيما العين تجرى مع سيل الأفلام التى لاتتوقف يكتشف المتفرج أنها تشبه البطاطس التى تعُدها له زوجته . مرة : تقدمها له على هيئة أصابع محمرة، ومرة : على هيئة حلقات فى صينية بالفرن ، ومرة : مسلوقة ومهروسة بالزبد والبيض ، ومرة : تسلقها وتهرسها وتفرد نصفها فى الصينية ثم تضع فوقها عصاج اللحم ثم تغطيه بالنصف الآخر ، ومرة تقشرها وتحدث فى وسطها حفرة تملأها بعصاج من اللحم ثم ترصها فى صينية توضع بالفرن ، ولاننسى سلاطة البطاطس والشيبسى وعشرات الأكلات الأخرى التى أبتكرتها كل أمة من الأمم ، ولاننسى أن البطاطس ذاتها عدة انواع ،وهكذا مع المواد الغذائية الأخرى . وإذا كنا نقول أن الطبيخ نََفَس ، فإن العمل الإبداعى رو ح،وليس جسداً ، وهذه الروح تطل علينا من خلال عدة أفلام للمخرج الواحد مثل أفلام عاطف وخيرى وخان وداوود . إن وضعت أفلام كل واحد منهم إلى جوار بعضها تستطيع أن تحس بروح واحدة تجمع تلك الأفلام التى قد تتشابه من الظاهر أو تختلف ، وحتى فيلم ( مستر كاراتيه) لمحمد خان ، رغم ما يبدو أنه الخروج الكبير على مسيرة أفلامه ، إلا أنه بالتعمق فيه لا أرى ذلك . وكذلك ( أيس كريم فى جليم ) لخيرى ، و( مواطن ومخبر وحرامى ) لداوود .
ومن شاهد فيلم (عطر امرأة ) بطولة آل باتشينو، وشاهد فيلم ( الكيت كات ) لداوود، يرى مشهداً متشابهاً : محمود عبد العزيز الضرير يقود موتوسيكلاً ، وآل باتشينو الضرير هو أيضاُ يقود سيارة . فمن سرق الآخر ؟. سؤال ساذج طبعاً . ما المانع فى أن تنتاب أى أعمى ، فى أى مكان، الرغبة فى أن يظهر لآخرين أنه يبصر الدنيا والناس وما يفعلون بأوضح ممن يمتلكون عيون صقر ( 6 على 6 ) ، إنها مثل الرغبة التى تنتاب جائعاً فيرى البصلة خروفاً ، والفول لحماً ، وفيما هو نائم يحلم بسوق العيش ، مثل الرغبة التى تنتاب محروماً فيرى المخدة ليلى علوى ، أو ماشاء من النجمات . إنه إحساس إنسانى ، سوىّ أو مضطرب ، موجود فى كل مكان .
ومرة أخرى هو سؤال ساذج فى هذا المقام الجامع بين فنانين كبار.
ومن ناحية أخرى :
الأفلام تشبه لعبة الميكانو التى تستطيع أن تفكها وتعيد بناءها لتصبح شيئاً مختلفاً ، ثم تعيد الفك والتركيب لخلق أشياء شديدة التباين ، رغم تماثل وتشابه الوحدات المستخدمة . بل أننى أتطرف وأقول أنه يمكن لمخرج مجنون بالسينما ، مخه طاقق بالإبداع ، أن يستولى على فيلم أعجبه ، ويفكه إلى لقطات ، ويُبعد عنه مؤثراته وموسيقاه التصويرية ، بل وديكوراته ، ثم يعيد بنيانه من جديد . فى هذه الحالة هو مخرج عبقرى إذا كان وراء ما فعل فلسفة معينة ، وبالتالى يحُسب له الفيلم ، بالضبط مثلما يذهب الفنان التشكيلى إلى سوق الجمعه بالإسكندرية ، ويشترى أشياء قديمة ( قد يكون بينها رابط أو لايكون ) ومنها يخلق لوحة جديدة ( قد تكون عبقرية ، وقد لا تكون ) .
ومع هذا فإن التشابه هو إشكالية السينما منذ وقت ليس ببعيد ، وقد نجت منها أمريكا لا من خلال نفيها ، بل من خلال تجديد طرائق التعامل معها مستعينة بــ :
* التقدم التكنولوجى فى أدوات السينما ( تصنيع وعرض )
* التعامل مع الأحداث الآنية أولاً بأول ، وقبل أن تصبح تاريخاً ماضياً
* الجرأة التى تزداد عاماً بعد عام فى تناول الموضوعات خاصة فى السياسة والمعتقدات الدينية والجنس بكل أنواعه السويّة وغير السويّة .
وطبعاً لست محامياً للشيطان ، فهناك لصوص ربما يحتمون بكلام مثل الذى قلته ، ولكن سلسلة أفلامهم هى التى ستكشف زيفهم ، حال فقدها للروح الجامعة لها .

الخميس، 13 أغسطس، 2009

الكاتبون للآخرين والأخريات: بين بطش الحكام وإغراء السلطة الناعمة

لا يكتب كبار القادة والحكام والمسؤولين خطاباتهم أو كلماتهم الموجهة لعموم الناس، بل دائما هناك كتاب متخصصون في هذا النوع من الكتابة، توكل إليهم مهمة متابعة الشخصية الكبيرة أينما ذهبت، والاستعداد للحدث الذي ستحضره بتدبيج الكلمات والخطابات التي سيلقيها المسؤول أو الحاكم بل والرسائل التي يبعث بها إلى رؤساء الدول الأخرى في مختلف المناسبات.
هذه هي طبيعة الأمور، فالكتابة ليست مهنة الحكام ولا المسؤولين، خاصة اذا كانوا مثل معظم الحكام العرب أي: إما شبه أميين، ورثوا الحكم في غفوة من التاريخ، أو مجموعة من "الأومباشية" – على حد تعبير الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم- يقصد مجموعة من العسكر غير المؤهلين للاشتغال بالفكر أو بالسياسة ناهيك بالطبع عن فن الكتابة!
وحتى جمال عبد الناصر الذي كان عسكريا متميزا عن أقرانه دون شك بما كان يبذله من جهد منذ شبابه لتثيقف نفسه عن طريق البحث والقراءة ومقابلة شخصيات لها وزنها السياسي وتدوين الملاحظات، كان يعرف حدود قدراته، وأنها لم تكن تشمل القدرة على الكتابة فكان يعهد بكتابة رسائله وبياناته وخطاباته إلى الكاتب والصحفي المعروف محمد حسنين هيكل.
أما خليفته أنور السادات فقد لجأ إلى صحفي من نوعية أدنى هو موسى صبري بعد خلافه مع هيكل. وعندما كان السادات "يخرج عن النص" أي يرتجل في الخطابة، كان يقول أشياء يموت الناس ضحكا عليها وسخرية منها، بل سرعان ما كان الكثير منها يتحول في اليوم التالي إلى نكات يرددها العامة!
مفهوم طبعا أن الحاكم يملك أن "يكلف" كاتبا بكتابة خطاباته، سواء بأمر تكليف مباشر، تحت تهديد الدبابات، أو تحت سطوة "الإغراء" بحكم ما يمكن أن يعود من فوائد على الصحفي أو الكاتب المكلف بكتابة خطابات "الريس" مثلا. ولكن الطريف أيضا أن الحاكم يحب دائما أن يتظاهر أمام الجميع بأنه هو الذي يكتب خطاباته بنفسه، وأن الكلمات الواردة فيها هي كلماته، رغم أنه يبدو أحيانا وكأنه لا يفهم الكثير مما يرد في سياق تلك الخطابات. ومن تلك مثلا أن السادات أخذ يردد في أحد خطاباته التي كتبها له هيكل في بدايات عهده قبل أن يفترق الرجلان، كلمة انجليزية هي catalyst وأخذ يعيد ويزيد فيها كثيرا.. وكلما حاول أن يشرحها ارتج عليه الأمر، وقال كلاما لا يبدو أنه يفهمه تماما فكان يقول إن الكلمة معناها "العامل المساعد واحنا ما في عندنا عامل مساعد ولا catalyst".. وكانت الكلمة قد وردت على لسان مسؤول أمريكي هو وليم سكرانتون مساعد وزير الخارجية روجرز، عندما كان يعرض استعداد بلاده للتوسط أو القيام بدور الـ catalyst في حل أزمة الشرق الأوسط عام 1971!
والطريف أيضا أن خطاب عبد الناصر الشهير الذي أعلن فيه تنحيه عن الحكم بعد هزيمة 1967 أصبح مقررا في العام التالي 1968 على طلاب الثانوية العامة، يدرسونه كلمة كلمة، كمثال على البلاغة اللغوية، باعتبار أن عبد الناصر هو كاتبه، أي صاحب أسلوبه البليغ.. فهل كان أحد يملك الاعتراض!
في المجال السينمائي هناك الكثير من "الناقدات السينمائيات" اللاتي ظهرن فجأة خلال السنوات الأخيرة وأصبحن يرغبن بشدة في الظهور، دون أن تكون "الموهبة" ناهيك عن القدرات، موجودة أصلا لديهن. أليست السينما كتابة عن النجوم والممثلين والمخرجين المشاهير، وتتيح الفرصة لمجالسة هؤلاء والحديث معهم؟
المشكلة أن القدرات أقل كثيرا من الطموحات.. وهنا ظهر من هو على استعداد لأن يكتب لهذه أو لتلك وينشر لها ويساهم في تلميع صورتها خضوعا لتلك "السلطة الناعمة" التي يمكن اعتبارها أحيانا أقوى من بطش كل السلطات!
ولكن لأن الكتابة اليومية والأسبوعية إلى جانب الكثير من الأعباء الأخرى قد تستغرق الكثير من الجهد والوقت، فقد أصبح أولئك الذين يكتبون لبعض الكاتبات في الصحافة المصرية، حكومية كانت أم معارضة، يلجأون أحيانا، بغرض اختصار الوقت، إلى سرقة ما ينشر من مقالات الآخرين أو اقتباس عبارات مما نشر في مقابلات صحفية مرتبة ومنظمة مع كاتب أو ناقد يعرف عادة ما يقول ويحسبه بالكلمة والمسطرة!
وعندما تواجه الكاتبة المسكينة وهي متلبسة بهذا الفعل الفاضح الفادح، تبكي وتنوح، وربما تقسم لك أيضا، أنها لا تعرف كيف وقع ما وقع، وإنها لم تكن تقصد سرقة أي شيء.. وهذا كله مفهوم وواضح، فقد فوجئت المسكينة على ما يبدو بانفضاح الأمر، في حين أنها لم تكتب شيئا بالفعل، بل وأغلب الظن أنها أيضا، لم تقرأ ما كتب باسمها، فيكفي ظهور الإسم لكي تزداد هي نفوذا وحضورا في الساحة ويرتفع سعرها!
زميلنا الكاتب اللامع الساخر سليم عزوز له قول بديع أعجبني كثيرا في هذا المقام. فهو يقول: "عهدي بمن يكتبون للآخرين، أنهم لا يكتبون بجودة عالية، حتي وان كانوا كتابا كبارا يكتبون لكتاب كبار، فضلا عن أن من يكتب للغير سرعان ما يصاب بالملل، لاسيما اذا كانت "المكتوب لها" ليست لها سلطة، ربما سلطة واحدة، إن وجدت، ونحن قوم نتميز بالملل".
صدق سليم عزوز وصدق.. وسنراهن على حدوث هذا الملل فربما توقفوا عن سرقة ما نكتبه لحساب "السلطة الناعمة" على الأقل لحين العثور على غيرها!

الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009

"جرائم الشرف" وغياب العقل: جماعة قتل الزوجات



بقلم: أمير العمري

في الأدب العربي الكثير من النماذج البارزة المحفورة في الذاكرة عن الهوس بالمرأة كهدف للجنس فقط، عن اعتبارها نوعا من الملكية الخاصة للرجل، يفعل بها ما يشاء، يبقيها دائما تحت رحمته، يختار لها كيف ومن تتزوج، ويحدد لها الطريق الذي يجب أن تسلكه، بل ويلقي على عاتقها أيضا بضرورة تحمل ما لا تطيق من أجل إنقاذ العائلة، والحفاظ على "شرف العائلة"، فهذا "الشرف" يرتبط أساسا بتصرفات المرأة، وتقييد هذه التصرفات هو الضمان للحفاظ على هذا الشرف، أما الرجل فله مطلق الحرية بالطبع.
وعندما يبلغ شك الرجل في المرأة مبلغه، يكون قتلها عقابا عادلا لا يحاسب عليه الرجل ولا يجب أن يحاسب، فهو "غسل للعار"، واسترداد للكرامة وشرف العائلة.
هل هو "ميكانيزم" دفاعي موروث، عن نظام القبيلة، أو مداراة ضعف أصيل في هذا النظام الذي انتقل إلى الأسرة في المجتمعات الشرقية، حتى أصبح ذلك العدوان على النساء يتم أيضا بمبادرة وأوامر عليا من المرأة- الأم أحيانا، وليس فقط من الأب- البطريرك.

في الثقافة الأخرى
أعمال أدبية مثل رواية "البوسطجي" ليحيى حقي، و"حادثة شرف" ليوسف إدريس، و"دعاء الكروان" لطه حسين وغيرها، تناولت جوانب من هذا الموروث وصورته.
غير أن الأمر لا يقتصر على ثقافة ذات ملامح محددة هي الثقافة العربية أو الإسلامية كما يشاع، بل تمتد أيضا إلى الثقافة الأخرى، المسيحية، فمن المعروف أن الروائي الكولومبي الشهير جابرييل جارثيا ماركيث، استمد روايته ذائعة الصيت "وقائع موت معلن" من حادثة حقيقية وقعت لصديق له هو جايتيانو جنتيلي في بوليفيا عام 1951. وكان هذا الرجل قد أقام علاقة مع فتاة تدعى مرجريتا شيكا سالاس ثم هجرها. وفي يوم زفافها إلى رجل آخر علم الأخير أن الفتاة التي يوشك على الزواج منها فقدت "عذريتها"، فأعادها إلى أسرتها حيث قام أشقاؤها بتدبير قتل جنتيلي وتمزيق جسده. وقد أرجع ماركيث الجريمة البشعة إلى تسلط الكنيسة الكاثوليكية بمفاهيمها الأخلاقية المتزمتة على مقدرات الناس في تلك البلدان.
سلسلة الجرائم التي تقع وتعرف بـ "جرائم الشرف" لا تعرف حدودا، لا في الزمان ولا في المكان. ففي بريطانيا العظمى، في منطقة ساري القريبة من لندن، وقعت قبل بضع سنوات، جريمة قتل بشعة راحت ضحيتها فتاة كردية شابة تدعى بناز محمد، بعد أن رفضت قبول الزوج الذي أرادت أسرتها فرضه عليها، وأرادت أن ترتبط برجل آخر (كردي، مسلم ايضا) في حين رأت أسرتها ان هذا الرجل "ليس مناسبا". وكان أن أصدر الأب (البطريرك) أوامره بالتخلص منها فقتلها ثلاثة من شباب العائلة.
أما يشو يونس، وهي فتاة باكستانية (16 سنة) كانت تقطن في غرب العاصمة لندن، فقد لقيت مصيرها على يدي والدها بعد ان أقامت علاقة عاطفية بشاب من خارج المجتمع الكردي في بريطانيا، وكان عليها أن تدفع الثمن: حياتها، فقد طعنها والدها 11 طعنة ثم أراد أن ينتحر.
وقضت نوزيات خان، وهي امرأة متزوجة في جنوب لندن، مصرعها على يدي زوجها بعد أن خنقها، لا لسبب إلا لأنها طلبت منه الطلاق بعد أن أصبحت حياتها معه مستحيلة. وقد فر الزوج بعد ارتكابه الجريمة إلى باكستان ولايزال مطلوبا.
وتقدر السلطات البريطانية عدد النساء اللاتي يقتلن في إطار ما يعرف بـ "جرائم الشرف" بأكثر من 5 آلاف امرأة سنويا، أو بمعدل 13 امرأة في اليوم الواحد. هنا يجب أن نعرف أن مجرد أن ترغب المرأة في الحصول على الطلاق لدى معظم الأسر الباكستانية، يعتبر من الأمور الماسة بالشرف.
أما الشك في حمل الفتاة نتيجة علاقة عاطفية خارج نطاق الزواج فهو بالطبع كبرى الخطايا، هنا ربما تكون الأم هي التي تصدر الأمر بالخلاص من العار، أو تشترك بنفسها في الجريمة.
وتقضي شاكيلا ناز حاليا عقوبة السجن المؤبد في باكستان بعد أن اشتركت مع ابنها في قتل ابنتها المراهقة الصغيرة شازاد بعد الشك في أنها أصبحت حامل من علاقة جنسية.
أفكار طارق علي
المفكر اليساري الشهير طارق علي، وهو بريطاني من أصل باكستاني، والذي كان زعيما للحركة الطلابية في بريطانيا في اواخر الستينيات وأوائل السبعينيات والمنتمي لعائلة "أرستقراطية" باكستانية مسلمة، كتب مؤخرا يروي كيف أن حفيدة عمه "زينب" (18 سنة) قتلت بطريقة وحشية في أكتوبر الماضي على أيدي أشقائها بسبب ارتباطها بشاب أرادت أن تتزوجه، رغم معارضة أهلها ولما استمرت في علاقتها به، أطلقوا عليها سبع رصاصات.
يقول طارق علي إن هناك 1262 جريمة من جرائم "الشرف" ارتكبت في باكستان عام 2006 فقط، إلا أن العدد الحقيقي يتجاوز ذلك لأن الكثير من الجرائم لا يتم رصدها أصلا.
ويضيف طارق علي في عرضه للموضوع بالتفصيل على صفحات "لندن ريفيو أوف بوكس": "تخيل المشهد التالي: يحلم رجل بأن زوجته تخونه، ثم يستيقظ من النوم فيجدها نائمة إلى جواره. وفي فورة غضبه يقوم بقتلها. لقد وقع هذا فعلا في باكستان ولم ينل الزوج القاتل أي عقاب".
ويتساءل: "إذا كان الحلم يمكن أن يصبح مبررا لجرائم الشرف فمن من النساء بمنأى عن الاتهام؟ وطالما أن الشرطة والنظام القضائي يعتبران الجرائم التي تقع داخل الأسرة شأنا خاصا فمعظم حالات القتل لا تنظر أمام القضاء حتى بعد أن يتم التحقيق فيها وتسجيلها".
تقرير مركز الأرض الذي نشر في مارس الماضي عن العنف ضد المرأة المصرية تلفت الفقرة التالية فيه النظر:"كشف التقرير عن مقتل 384 امرأة خلال العام الماضي الذي شهد 478 حادث عنف ضد المرأة، ورصد التقرير تنامي ظاهرة جرائم الاختطاف والاغتصاب. وقال التقرير الذي صدر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، إن 145 سيدة لقين مصرعهن نتيجة العنف، و48 تعرضن لحوادث اختطاف واغتصاب، وإن 34 سيدة توفين بسبب العنف داخل الأسرة، فيما توفيت 11 سيدة بسبب الإهمال الطبي، وأضاف أن العام الماضي شهد 23 محاولة انتحار أسفرت عن وفاة 16 سيدة، وأن 23 امرأة لقين مصرعهن في حوادث طرق، ولفت إلي أن 56 حالة وفاة نتجت عن جرائم قتل عمد بينها 33 حالة داخل محيط الأسرة".
كذلك يجب التوقف أمام الفقرة التالية من التقرير: "وتصدرت ربات المنازل قائمة الضحايا بعدد 38 سيدة ثم الموظفات والخادمات والطالبات والعاملات، وكان الجناة في غالبية الجرائم من الأزواج، أو المطلقين أو ممن تم تحريضهم من جانب الزوج، وهذه الجرائم شهدت استخدام وسائل الذبح أو التشويه بمواد حارقة أو الماء المغلي أو الحرق بالكيروسين حتي داخل الأسرة، وشهدت الجرائم كذلك الضرب المبرح أو تهشيم الرأس أو الخنق".

في الغرب
ولا يجب ان يعتقد البعض أن "جرائم الشرف" قاصرة على الشرق فقط، بل إنها منتشرة أيضا بكثرة في الغرب رغم كل ما يقال عن الحريات واللامبالاة الاجتماعية وانعدام فكرة "الغيرة" أصلا في عقل الرجل الغربي.
القانون البريطاني مثلا لايزال يتسامح كثيرا في حالة ما يسمى بـ"جرائم الشرف". وفي 2003 مثلا صدر حكم بالسجن لسبع سنوات على رجل قتل زوجته بعد أن اعترفت بأنها على علاقة بمدرب الكاراتيه الخاص بها، وقد وقعت الجريمة أمام ابنتيهما الصبية عندما أخذ الزوج بوجه لزوجته طعنات متكررة. وقال الرجل في المحكمة إنه أصيب بنوع من العمى من شدة شعوره بالغضب.
ويعتبر القانون البريطاني جريمة الشرف قتلا على سبيل الخطأ، ولا ينال مرتبكها أحكاما مشددة مثل السجن المؤبد مثلا، كما يمكن أن يبرؤه القاضي تماما ويلتمس له العذر.

جرائم العار


في الأدب الغربي الكثير من الأعمال عن "جرائم الشرف" أو العاطفة، والتي يرى المستنيرون أنها تجلب "العار" لا الشرف، وأن الحل الأمثل لما يمكن أن يعتبر مساسا بالشرف في هذه الحالة هو الطلاق.
أما فيلسوف الوجودية الفرنسي الراحل جان بول سارتر فلم يكن يعترف بشيء يدعى "جرائم العاطفة". وفي مسرحية له بهذا العنوان يحول الموضوع من قضية تتعلق بالغيرة الشخصية بسبب الخيانة الزوجية مثلا، إلى الغيرة " السياسية، إذا جاز التعبير، بسبب الانحراف عن الهدف الأيديولوجي. فهو يصور كيف يٌكلف شاب باغتيال زعيم الحزب الشيوعي بعد أن انحرف عن الخط السياسي للحزب. لكن الشاب يصادق الزعيم، ويقترب منه، ويتفهم طبيعة أفكاره، ويتردد يالتالي في تنفيذ ما كلف به، ويصبح مثل "هاملت" حائر بين الواجب والمشاعر. ولكنه يحسم أمره عندما يدخل ذات يوم على الزعيم في مكتبه فيجد زوجته في أحضان الزعيم، فيجذب المسدس ويقتله. ويقضي القاتل فترة في السجن ثم يخرج ويختبيء في منزل عشيقته، ويرسل الرفاق رجلا لتصفيته، وتطلب منه الفتاة أن يفصل بين الشخصي والسياسي، أي أن يعترف بأنه قتل الزعيم انتقاما لشرفه المهدور، لكنه يرفض ويصر على اعتبار ما قام به عملا سياسيا ويخرج لملاقاة القاتل الذي يتربص به وينال منه بالفعل فيموت معتقدا أنه بطل من أبطال الحزب، في حين أن رؤساءه في الحزب يقومون باعتماد الرواية التي يريدون ترويجها والتي تتلاءم مع التوجه الجديد الذي يقضي بتبني الخط السياسي للزعيم الراحل أي يتبنون قصة أنه قتل انتقاما لشرفه.
سارتر يرى أن المغتال لا يحقق شيئا من وراء بطولته الزائفة الانتحارية، وأنه كان مسؤولا عن اختياره وقد دفع ثمن هذا الاختيار، فهو يرى عموما، أن الإنسان مسؤول بالكامل عما يفعل، وليس هناك مجال لتبرير ما يفعله بأنه كان واقعا تحت تأثير الانفعال أو الغضب، كما لا يعترف بتأثير الأحلام على الإنسان لأن الأحلام من خارج الواقع. وكان سارتر يستخدم المسرحية لتجسيد ذلك المأزق الوجودي.
وقد أصر سارتر على أن القصد من المسرحية، التي أغضبت في البداية الحزب الشيوعي الفرنسي، لم يكن إدانة الحزب، بل وحظر سارتر عرضها في أعقاب ما وجه إليه في صحف الحزب من انتقادات، على ألا تعرض إلا بعد موافقة الحزب.
جرائم الشرف كارثة اجتماعية بلاشك، لأنها تلغي الدولة والقانون، وتحكم شريعة القبيلة، وتكتفي عادة بمعاقبة طرف واحد. إنها جريمة لا تخضع أساسا لأي منطق أو عقل. وكما قال ألبير كامي فهناك "جرائم الشرف، وجرائم المنطق".

الجمعة، 7 أغسطس، 2009

من ذاكرة السينما: فيلم "زائر الفجر" لممدوح شكري

عرض فيلم "زائر الفجر" للمخرج الراحل ممدوح شكري في عرض أول قبل العرض التجاري العام في يناير 1973 في جمعية الفيلم ثم عرض في نادي القاهرة للسينما.
في ذلك الزمان، كانت الدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس، والسينما غير السينما أيضا.
في الخارج، أي خارج جمعية الفيلم ونادي السينما، وكانا من أكثر المنابر السينمائية احتراما، وكانا يقدمان التحف السينمائية وفيهما تعلم هواة السينما التفكير والتأمل في السينما وفهم آلياتها ولغتها، كانت الحركة الطلابية في قمة المواجهة مع نظام السادات الذي يتراخى ويتعلل بشتى العلل للتهرب من المواجهة المحتومة مع الإسرائيليين لتحرير سيناء المحتلة. وكانت الحركة الوطنية وقتها، تسعى في الوقت نفسه، إلى الضغط على النظام من أجل تحقيق التحول الديمقراطي المنشود بعد أن ثبت أن سنوات الكبت والحرمان السياسي لم تجلب سوى الهزيمة والتراجع.
وقد ظهر فيلم "زائر الفجر" في تلك الأجواء، وكان يعبر أفضل ما يمكن، عنها، وفيه يصور ممدوح شكري ببراعة وحساسية خاصة، مجتمع الهزيمة من خلال دراما معقدة مدخلها هو التحقيق في مقتل صحفية شابة متمردة – ماجدة الخطيب- كانت تحاول أن تفهم لماذا حدث ما حدث ومن المسؤول عما وصلت إليه البلاد من تدهور على مستوى البنية التحتية، وأصبحت أجهزة الأمن تلقي بوطأتها الثقيلة على حياة الناس، تتجسس عليهم، وتصفي حساباتها وصولا إلى القتل، مع كل من لا يعجبها سلوكه، أو بالأحرى مع كل من يغرد خارج السرب، ويسعى لمعرفة الحقيقة.
وكان المحقق الشريف- عزت العلايلي- يسعى بكل ما يمكنه من جهد، للوصول إلى الحقيقة وراء مقتل الصحفية، رافضا الاتصياع للضغوط التي تمارس عليه من أعلى الجهات.
كان يفترض أن الفيلم يدور في مجتمع ما بعد الهزيمة مباشرة أي في العهد الناصري، وكان يدعو بوضوح إلى التغيير، ويتساءل عن المسؤولين عما جرى، بل ويبدي تعاطفا واضحا مع القوى الثائرة التي تحمل الهم الوطني على عاتقها. وفي الفيلم يقوم شكري سرحان بدور لا يمكن نسيانه أبدا، هو دور المناضل الوطني الذي يعيد إحياء خلية نضالية مع رفاق الماضي من أجل استئناف النضال بعد أن أدرك أن منطق "تفويض الزعيم" نيابة عن الشعب قد فشل ولم يؤد سوى إلى الكارثة التي وقعت.
ولاشك أن الفيلم في بنائه الذي يعتمد على اعادة رواية ما وقع (أي ما وقع للبطلة القتيلة) من وجهات نظر متعددة، كان متأثرا على نحو كبير، ببناء فيلم "زد" Z الذي كان قد ظهر قبل ذلك بفترة قصيرة وحقق أًصداء هائلة ومنعته الرقابة من العرض في مصر تخوفا من تأثيره الكبير على طلاب الجامعة الثائرين.
ولاشك أيضا أن الأصل في هذه البناء المركب، الذي اقتبسه كاتب سيناريو الفيلم رفيق الصبان، واستعادة الرواية من وجهات نظر عدة، هو فيلم "راشومون" Rashmon العظيم للمخرج الياباني الراحل أكيرا كيروساوا.
وقد منع عرض "زائر الفجر" من العرض العام بعد أيام من عرضه بسبب قوة تأثيره وحساسية الفترة واهتزاز الوضع السياسي.
ولم تسمح الرقابة بعرضه إلا عام 1975 أي بعد أكثر من ثلاث سنوات وبعد ان استبعدت منه عشرات اللقطات التي لم يتم أبدا استعادتها بعد ذلك، بل إن الفيلم لايزال ممنوعا من العرض بالتليفزيون المصري حتى يومنا هذا.
ولاشك أن منع عرضه ثم تشويهه، كان ضربة شديدة الوطأة لمنتجته ماجدة الخطيب. وقد تعرض ممثلوه أيضا لنوع من "التحذير" من جانب الأجهزة الأمنية، لأن الفيلم في مضمونه كان "ساخنا" بالفعل، وكانت تتردد فيه عبارات تقول على سبيل المثال: البلد دي ريحتها فاحت.. عفنت.. بقت عاملة زي صفيحة الزبالة.. لازم تتحرق"!
وكان الفيلم ينتهي على طريقة الأفلام السياسية الايطالية التي كانت في قمتها في تلك الفترة، خاصة فيلم "انتهى التحقيق.. إنس الموضوع" للمخرج داميانو دامياني، الذي كان قد عرض في القاهرة ضمن اسبوع الفيلم الايطالي، وأثار اهتماما نقديا كبيرا. وكان ينتهي بصدور أوامر عليا من أعلى مستوى، بنقل ضابط التحقيق وإغلاق الملف، والافراج عن المشتبه فيهم، دلالة على أن النظام أقوى من الأفراد مهما كانوا، وأن محاولة الإصلاح من داخل النظام نفسه لا تجدي.
وكان "زائرالفجر" هو الفيلم الثاني لمخرجه ممدوح شكري بعد فيلمه الأول "أوهام الحب" (1970)، وبعد اشتراكه في اخراج فيلم مكون من ثلاث قصص أخرج منها واحدة أي "ثلث" فيلم. وكان "زائرالفجر" قفزة نوعية كبيرة في الأسلوب واللغة والبراعة الحرفية في تنفيذ المشاهد والسيطرة على أداء مجموعة كبيرة من الممثلين شاركت في الفيلم منهم سعيد صالح ورجاء الجدواي وتحية كاريوكا ويوسف شعبان وعايدة رياض ومديحة كامل وزيزي مصطفى وجلال عيسى بالاضافة بالطبع إلى شكري سرحان وماجدة الخطيب وعزت العلايلي.
كان فيلم "زائر الفجر" أحد الأفلام "الثورية" السياسية النادرة في تاريخ السينما المصرية، وكان منطقه من القوة بحيث خشت السلطات من تأثيره الكبير على الجماهير، بل ولاتزال تخشاه حتى اليوم.
وقد أصاب الاكتئاب ممدوح شكري لفترة جعلته يهمل في صحته مما أدى إلى إصابته بمرض حاد نقل على اثره إلى مستشفى الحميات حيث صعدت روحه إلى بارئها هناك قبل أن يشهد التصريح بعرض فيلمه ولو مبتورا.
وهكذا.. ورغم أن النظام كان يرفع شعارات الحرية والديمقراطية ويدين مجتمع القهر السابق (في عهد عبد الناصر) إلا أن الفيلم كان أقوى كثيرا من أن يمكن استخدامه لدعم مثل هذه الشعارات البراقة التافهة التي لاتزال تتردد.. ويصدقها البعض أيضا!

الأحد، 2 أغسطس، 2009

عام على "حياة في السينما"

لقطة من فيلم "1900" لبرتولوتشي


بقلم: أمير العمري


وُجدت المدونات على شبكة الانترنت لكي يعبر أصحابها عن آرائهم بكل حرية وصراحة وجرأة، ويذكروا الأشياء بأسمائها الحقيقية.
وعندما يكون صاحب المدونة، كاتبا وناقدا محترفا، فهو ينشر كتاباته عادة، في جهات عدة، أو من خلال الجهة التي يعمل لها، وباستخدام كل الأشكال المطبوعة والمسموعة والمرئية المتاحة له. لكن المدونة تظل شيئا آخر، فهي فضاء إضافي للتنفس بعيد عن قيود العمل الصحفي التقليدي وحساباته الخاصة، وخارج حدود المسموح والممنوع في كتابة النقد السينمائي والثقافي عموما.
ولذا أصدرت هذه المدونة قبل عام، لأنني باختصار شديد، لا يمكنني نشر كل ما أريده بالطريقة التي أريدها وعلى المساحة التي أتطلع إليها في الصحف والمطبوعات والمواقع الأخرى التي أعمل أو أكتب لها بشكل احترافي، رغم ما أتمتع به أنا شخصيا من حرية أوسع كثيرا من غيري كوني أعمل لمؤسسة لا تتحكم فيها الرقابة العربية أو الحكومات العربية التي لا تطيق أي معارضة تتجاوز نطاق المسموح من طرف أجهزتها.
ومنذ أن صدرت هذه المدونة قبل عام على وجه التحديد (أي في الثاني من أغسطس 2008) وقد أخذت على عاتقي التطرق، بكل حرية، إلى قضايا الفن والفكر والسياسة والمجتمع والسينما، بعيدا عن إرهاب كل من يلوحون لنا بسيوف القهر كونهم نشأوا وتربوا في مجتمعات القهر، ولم يتخلصوا بعد من عقدة "الرقيب" ورجل الأمن.

وقد نشرت في هذه المدونة ومازلت أنشر، مقالات نقدية، ودراسات، وآراء وتعليقات، ونقد للأفلام العربية والأجنبية، كما نشرت مذكرات وذكريات وتأملات شخصية، بحرية تامة، كما كتبت عن رحلاتي ويومياتي من مهرجانات مختلفة، ونشرت انطباعاتي الخاصة، وصوري وصور أصدقائي من أرشيفي الخاص، وهو ما أرى أنه في صلب فكرة التدوين التي تختلف، كما قلت، عن الصحافة "الموضوعية" العامة المقيدة، سواء أعجب هذا البعض أم أثار غيظه!
وقد تناولنا هنا قضايا السينما والنقد، وتعاملنا نقديا مع عشرات الأفلام والقضايا والظواهر، من تاريخ السينما، ومن حاضرها، من مهرجاناتها الدولية والعربية، ومع كتابها ونقادها وذاكرتها وكتبها وصحفها. ولكننا في الوقت نفسه تطرقنا إلى المؤسسات الثقافية والقائمين عليها مثل الرقابة ووزارات الثقافة والمؤسسات السينمائية وبعض المهرجانات الهزلية التي تسيء إلى السينما في رأيي، أكثر مما تفيدها.
وبكل أسف أقول إن هذه المؤسسات الفاسدة، والتظاهرات المتعفنة، يديرها بالضرورة أشخاص، يتحملون مسؤولية أو وزر ما تجود به علينا، وبالتالي ليس هناك مناص من التعرض لهؤلاء الأشخاص، وذلك في إطار نقد الظاهرة الأشمل وليس اهتماما بالاشخاص في حد ذاتهم. فليست هناك قضية مع أشخاص، وفي اليوم التالي الذي يتخلون فيه عن مسؤولية ما يديرون من مواقع، تنتهي قضيتنا معهم لتبدأ مع من يتولون بعدهم مواقع المسؤولية، فالبحث عن الحق والخير لا يجب أن يتوقف، ومقاومة الاستغلال والانتهازية والتخريب والفساد لا يجب أن تنتهي بل إنها مهمة كل كاتب حقيقي ومثقف حقيقي.
لقد كنا نذكر الأسماء صراحة لكي يعرف كل من يريد أن يعرف، من المسؤول عن تدهور الثقافة واضمحلال السينما، وتفشي الفكر الرقابي البشع، وأيضا انتشار الكتابات التي تدعي التعامل مع النقد في حين أنها لمرتزفة ولصوص مقالات ومزورين، يغذون التخلف القائم بكتاباتهم الهزيلة ويتعيشون عليه، وهؤلاء جميعا، نماذج للمفاهيم والأفكار التي نحاربها منذ أن بدأنا نعي ونكتب وننشر قبل أكثر من ثلاثين عاما.
وربما تكون كتابات نقدية من هذا النوع قد أزعجت بعض من يقرأون هذه المدونة، دون أن تجعلهم يتوقفون عن التردد عليها يوميا، مرات عدة أيضا كما نعرف جيدا، فهؤلاء يعتبرون "الجرأة" في النقد خروجا عن الحدود التقليدية التي درجوا عليها.. حدود الموالاة والانصياع والتبعية لكل مسؤول حتى يتغير ويأتي غيره فيلحقون بذيل القادم الجديد.
وهذه تحديدا هي مشكلة هذا النفر من البشر وليس مشكلتنا، فكما قلت، فإن المدونات والكتابة فيها، وجدت أصلا لتجاوز الأعراف السائدة في التعبير الصريح الجريء عن المواقف والأفكار وليس لمجرد ادعاء القدرة على "تثقيف" الآخرين، فمن حق ناشر المدونة أن يكتب لكي يعبر عن أفكاره ومواقفه وآرائه بكل حرية، ودون أي حجر من أحد حتى لو أزعجت هذه الكتابات البعض وأقلقت مضاجعهم.. بل إن إزعاج هؤلاء وإقلاق مضاجعهم واجب مقدس.
وهنا أود القول إنني لم آت أصلا إلى عالم الكتابة والنقد لكي أرضي المؤسسات السينمائية وغير السينمائية والقائمين عليها، أو الباحثين عن التذيل لها والارتزاق منها، وابتزازها حينا، ثم الممالئة معها حينا آخر. وجزء من مهمتنا تتلخص في فضح مثل هذه المؤسسات والأفراد لذلك كان من الطبيعي أن يغضب علينا هذا الصنف من الكائنات. وغضبهم علينا شهادة لنا بأننا نسير في الاتجاه الصحيح.
لماذا أكتب؟
إنني لم آت إلى عالم الكتابة والفكر لتدليل المخرجين وصناع الأفلام السينمائية وامتداحهم بمناسبة وبدون مناسبة، ولا لكي أكسب رضا وحب منتجي الأفلام في المشرق أو في المغرب، ولا مديري المهرجانات الذين يتصورون أن نقاد السينما يموتون بعيدا عن مهرجاناتهم، في حين أن المهرجانات لا يمكنها الوجود أصلا بدون النقاد كما يجب أن يعرف كل النقاد الذين يحترمون أنفسهم فلا يهينون أنفسهم ويتهافتون ويقدمون من التنازلات ما لا يليق.
لقد جئت أساسا إلى عالم الكتابة، لكي أقلق، وأزعج، وأدعو إلى نسف القديم السائد المتخلف، وإلى تغيير الدنيا والعالم عن طريق الفكر الجديد المتحرر من الأفكار المتعفة الاقطاعية البالية السائدة، وإلى مواكبة التقدم الثقافي الموجود على الساحة العالمية، وإعادة النظر في المسلمات المتخلفة القائمة التي تحكم نظرتنا الثقافية منذ قرون، وتقيدنا وتحول بيننا وبين الانطلاق لكي نصبح جزءا فاعلا من العالم، لا نكتفي بدور المستهلك، أو المتباكي على تاريخه المفقود، والملتحف دائما بلحاف المؤامرة المستمرة ضده وضد وجوده منذ فجر التاريخ حتى الآن.
ومن يريد أن يتفهم هذا ويتعامل معه، فأهلا به إلى هذه المدونة، وسنواصل معا ما بدأناه. أما من يجد نفسه سعيدا في استسلامه للثقافة السائدة، فلديه الكثير جدا من المنابر القائمة التي يمكنه أن يذوب في أحضانها وتذوب هي فيه، فيسعدان ببعضهما البعض.. بعيدا عنا بالطبع.

وأخيرا.. إذا كانت السينما عند البعض، وسيلة للارتزاق والغش والوصولية، فنحن على استعداد لأن نترك لهم تلك السينما.. شريطة.. أن يتركوا لنا الحياة!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com