الثلاثاء، 22 يونيو 2010

صلاح عيسى.. الراديكالي التائب


بقلم" محمد شعير

هل يبرِّر صلاح عيسى للمثقفين المصريين خياناتهم؟ هذا المثقف اليساري البارز الذي قال لنا يوماً إنّه «جاء إلى الدنيا لكي يعترض» بحسب عبارة غوركي الشهيرة المعلَّقة فوق مكتبه. العبارة التي استهلَّ بها كتابه الأشهر «مثقفون وعسكر» (1986)، تغيب روحها عن إصداره الجديد «شخصيات لها العجب» (نهضة مصر)، ليحلّ مكانها اعتذار عمَّا ظنَّه يوماً «خيانة» المثقّفين لمبادئهم... و«لأنّ حماسة الشباب كثيراً ما تعمي البصر»، يعلن الصحافي المصري المعروف أنّه كان مخطئاً في تصوراته السابقة عن شخصيات عامّة كثيرة. هكذا نجده يكتب، بنظرة جديدة، عمن ظنّهم في السابق «مشاغبين متقاعدين»... فهم لم يتقاعدوا بل غيّروا وسائل النضال فقط.أحمد بهاء الدين (1927ـــــ 1996) مثلاً، هذا الصحافي والمفكّر الذي ترأس تحرير مجلّة «صباح الخير» وجريدة «الأهرام»، صار من وجهة نظر صلاح عيسى «منتمياً غير منحاز». يجده لم يعدم الحيل الفنية التي تمكّنه دائماً من إضاءة شموعه بقدر لا يستفز الظلام. لم يكن ذلك سهلاً. الأسهل بحسب عيسى كان أن يقول ما يريده مرة واحدة، ثمّ يحمل حقيبته ويتوجّه إلى أقرب معتقل. كان بهاء يؤمن إيماناً جازماً بأنّ المثقّف في «عصر عرب الحرب الباردة»، لا يستطيع أن يؤثّر بعيداً عن المؤسسة. ليس فقط لأنَّها كانت تحوز من أدوات القهر ما لا يمكن تجاهله، بل لأنَّه ليس هناك تناقض رئيسي بين اقتناعاته وما تمارسه تلك المؤسسة من سياسات وطنية وتقدمية.
«شخصيات لها العجب»، بينها أحمد بهاء الدين، ولطفي الخولي، ونعمان عاشور...
أما لطفي الخولي (1928ـــــ 1999) الكاتب السياسي والمسرحي فحكاية أخرى. «تعلّم جيلنا الثورة والتمرد من الخولي ومن جيله ومن زمنه»، يكتب عيسى. «كنّا ننظر إليه وإلى جيله وزمنه بغضب، لأنّهم ـــــ في ما كنا نعتقد ـــــ كفّوا أن يكونوا ثواراً، وتخلّوا عن قضايا الأمة والوطن والشعب، واستناموا إلى المقاعد الوثيرة التي منحتها لهم السلطة في أحد الجوانب القصية من صالة المسرح. وكما يفعل الأبناء مع الأباء عادةً، اتخذنا منهم شواخص أولى ــــ وأحياناً وحيدة ـــــ لسخطنا. وكان فواراً بمقدار حبنا لهم، وعنيفاً بقدر ما نظن أنّه خديعتنا فيهم. فيما بعد أيقنت أن تلك سنن الله في خلقه وفي كونه». يراجع عيسى مواقفه وسير المثقفين في «شخصيات لها العجب» كشاهد على تحوّلات طاولت جيلاً بأكمله.يخبرنا حين كان مكلَّفاً الاتصال بعدد من المثقفين، يدعوهم للكتابة في جريدة «الأهالي» (يصدرها «حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» أحد أبرز الأحزاب اليسارية المصرية)، اعتذر كثيرون لأسباب واهية، منها مثلاً أنّ الجريدة «أقلّ يسارية مما يجب». أمّا نعمان عاشور (1918ـــــ 1987) الكاتب المسرحي المصري، فقال ببساطة آسرة «إنّه لا يملك شجاعة الكتابة فيها لأنَّه قد أحيل على المعاش، ويتقاضى الفارق بين مرتّبه وتعويض المعاش، مقابل عمود أسبوعي يكتبه في «أخبار اليوم» ويخشى لو كتب في «الأهالي» أن يتعرّض لاقتطاع جزء مهمّ من دخله».
عاشور وفق ما يكتب عيسى «اكتشف مع تعدّد مرات القبض عليه في النصف الثاني من الأربعينيات، أن مكوّناته الذاتية لا تساعده على أن ينغمس في نضال حركي، وأنّه لا يصلح إلّا للانغماس في نضال ثقافي وفكري». ورغم التاريخ النضالي البارز لمثقف مثل محمد سيد أحمد (1926ـــــ 2006)، إلّا أن عيسى لا يتوقف في كتابه إلا عند جملة قالها الراحل في مدخل لشخصيته: «ليست لدي أوهام حول ما قمت به أو قام به جيلي. لقد أخطأنا لكنّ أخطاءنا كانت موضوعية ولم تكن شخصية».ما يدعو إلى العجب فعلاً في الكتاب هو ما كتبه عيسى عن بطرس غالي. وافق هذا الأخير على مهمات وزارة الخارجية خلال مفاوضات «كامب ديفيد»، بعدما استقال وزيرا خارجية احتجاجاً عليها. يعلّق عيسى: «ليس بالاستقالة وحدها يستطيع الإنسان أن يخدم وطنه، كما أنّ الانضمام للعصابات ليس دائماً ضدّ القانون».
لا أحد يعرف السبب الذي دفع عيسى إلى هذه المراجعة اليوم. هل هو يبرّر «توبته» لنفسه وللآخرين؟ كأنَّه يقول لنا إنّ المثقف لا يمكن أن يؤدّي دوره إلا من داخل السلطة، وأنّه لن يغيرها إلا إذا كان جزءاً منها.أما التعليقات القاسية التي يتضمّنها الكتاب، فكانت من نصيب عدد من المثقفين البارزين. الأوّل هو الراحل محمود أمين العالم (1922ــــ 2009) «الشيوعي الأرثوذوكسي» الذي «يكثر من الاستشهاد بالنصوص الأساسية للماركسية، بينما تتسم مواقفه بالمرونة إلى حد ما بالبراغماتية». والثاني محمد حسنين هيكل الذي يراه عيسى ««كاهناً في معبد الفرعون» يصوغ له الخطب والرسائل ويؤلّف له كتاباً في الفلسفة وميثاقاً في العمل الوطني...».قد تزول الدهشة إذا علمنا أن صاحب «تباريح جريح»، كتب معظم مقالات الكتاب في الجريدة التي يرأس تحريرها «القاهرة»، وهي لسان حال «وزارة الثقافة». لهذا ربما اختلفت اللهجة التي يستخدمها في هذا الكتاب، عن مؤلفاته ومقالاته السابقة. هكذا يبدو الفرق شاسعاً بين صلاح عيسى في السبعينيات والثمانينيات وصلاح عيسى اليوم. هو نفسه الفرق بين كتابيه «مثقفون وعسكر» و... «شخصيات لها العجب». إنّها تلك المسافة بين إلقاء القبض عليه بتهمة مناهضة «وزارة الثقافة» والنوم في أحضان الوزارة نفسها بعد ثلاثين عاماً!
((عن جريدة الأخبار اللبنانية))

السبت، 19 يونيو 2010

كتاب أمير العمري "حياة في السينما": الناقد السينمائي شاهدا على عصره

(هذا المقال نشر بصحيفة "القدس العربي" في 17 مايو 2010 وقت أن كنا كلنا مشغولون بمتابعة مهرجان كان السينمائي.. أنشره هنا في إطار التوثيق لاصداء كتابي "حياة في السينما"- أمير العمري)

القاهرة- "القدس العربي"
"حياة في السينما" هو إسم الكتاب الجديد للكاتب والناقد السينمائي المصري أمير العمري المقيم في لندن، وقد صدر مؤخرا عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، في 280 صفحة من القطع الكبير. وهو كتاب يبدو مختلفا، سواء في مادته، أم أسلوبه، أم طريقة عرضه لما يتضمنه من رؤى وشهادات على الكثير من الوقائع والأحداث التي شابت العمل الثقافي في مصر خلال السبعينيات من القرن الماضي، وكان المؤلف شاهدا عليها أو طرفا مباشرا فيها.
والكتاب بهذا المعنى أيضا، يختلف عن سائر ما صدر للمؤلف نفسه من كتب في النقد السينمائي من قبل (9 كتب)، كما يختلف عما يصدر عادة من كتب في مجال النقد السينمائي عموما. فهو لا يهتم بنقد وتحليل الأفلام رغم إشاراته وتوقفه كثيرا أمام عدد من الافلام التي يراها ساهمت في تكوينه الشخصي وتكوين أبناء جيله، بل يقدم فيه العمري سردا يستخدم فيه ضمير المتكلم، كشاهد، يروي ويحلل ويتوقف أمام عشرات الأحداث والشخصيات، التي تمتد متابعة المؤلف لها، إلى زمننا الحالي.
في القسم الأول من الكتاب يتناول العمري بالتفصيل، مدخله إلى الاهتمام بالسينما وعشقه للفن السابع، وكيف يعتبر أن فيلم "الترتيب" لإيليا كازان لعب دورا حاسما في اتجاه انحيازه لنوع معين من السينما التي تحمل نظرة فلسفية ورؤية للعالم تتجاوز حدود القصة وتتعامل مع الفرد ككيان ضمن إطار اجتماعي محدد، كما يعتبر هذا الفيلم نقلة كبرى من حيث الشكل والأسلوب واللغة السينمائية، في مسيرة مخرجه، ومسار السينما الأمريكية عموما في تلك الفترة من أواخر الستينيات حينما كان تأثير السينما الأوروبية الفنية قويا عليها.
وينتقل العمري بعد ذلك لكي يروي للقاريء تجربته في جمعية نقاد السينما المصريين، ونوع المعارك التي كان شاهدا عليها، والتي اصطبغت في تلك الفترة، أي خلال النصف الأول من السبعينيات، بالطابع السياسي. فقد اشتبك السياسي بالثقافي، وفرض نفسه عليه كما يشرح العمري في مقدمة كتابه، خاصة وأن تلك الفترة مثلت مرحلة انتقالية بين نظامين، هما نظام عبد الناصر، ونظام السادات الذي جاء بعده وكانت له رؤية مختلفة في تعامله مع المثقفين والمجلات والجمعيات والكيانات الثقافية. ويتعرض المؤلف في هذا الفصل، وهو مثير وحافل بالكثير من التقلبات، لعدد من الشخصيات العامة من وزير ثقافة السادات يوسف السباعي، إلى الوزير الذي تلاه عبد المنعم الصاوي وطموحاته الشخصية، إلى بعض نقاد السينما والصراعات التي دارت فيما بينهم، والتي كانت أجهزة الدولة تغذيها وتدفعها، وذلك في إطار الصراع السياسي الدائر آنذاك بين خطين: ما يسميه العمري خط الحركة الوطنية الديمقراطية عموما التي كانت تتجه يسارا، وتحالف قوى اليمين مع نظام السادات المدعوم من الإخوان المسلمين في البداية، لضرب التجربة الناصرية.
غير أن الكتاب لا يعد كتابا سياسيا، بل هذا هو الإطار العام الذي تتحدد فيه الأحداث، وتدور الشخصيات العديدة التي يتوقف أمامها العمري، لكن العمري يروي أيضا بعضا من تجاربه الشخصية في العمل الثقافي في محيط ثقافة السينما من خلال محاولاته مع بعض أبناء جيله تأسيس أكثر من جمعية سينمائية، وما تعرضت له تلك التجارب من عمليات إجهاض، أو ربما كانت أكثر طموحا من أن يستوعبها العصر. هنا يتوقف العمري بنوع من الحسرة والأسى وهو يتكلم عن ذلك "المناخ الطارد" الذي أدى بالكثير من المثقفين إلى الخروج من مصر، والهجرة سواء إلى دول عربية أخرى أو إلى أوروبا.
ويروي العمري في فصل ممتع، ذكرياته مع أعضاء ما يعرف بـ"شلة المنيل" ذلك الحي القاهري العريق، وهم مجموعة من الشباب الذين جاء معظمهم إلى القاهرة من مدن أخرى، ولم يدرسوا الفنون، على الاقل في بداية حياتهم بل درسوا الطب والهندسة والحقوق والآداب والصيدلة ودراسات أخرى، لكنهم اختاروا مجال العمل السينمائي فيما بعد، وعلى رأسهم بالطبع المخرج السينمائي الراحل رضوان الكاشف الذي يروي العمري الكثير عن ذكرياته الشخصية معه، دون أن يتوقف عند موهبته وطموحه الفني فقط، بل ويتناول أيضا علاقاته ونوعية شخصيته، مع عدم إغفال المناخ الذي جعله يتصرف كما كان يتصرف.
والحقيقة أن العمري يحاول دائما عبر فصول الجزء الأول من كتابه، على الأقل، أن يضع السلوك الشخصي في إطار الوضع العام. هو مثلا يقول في مجال تناوله للصراعات والتراجعات التي وقعت داخل تجمع النقاد السينمائيين المصريين في السبعينيات: "كان الاتهام بالشيوعية وقتها قد أصبح سائدا، تستخدمه أجهزة الأمن والمتعاونين معها من الجماعات المتشددة في الجامعات، وكلك صحفيو المؤسسات الرسمية الذين أطلق لهم السادات العنان للقيام بحملتهم المنظمة من اجل "تطهير" الساحة من القوى الوطنية بزعم أنها شيوعية تعمل ضد مصلحة مصر".
ثم يمضي قائلا "هذه الضغوط النفسية الشديدة كان لها دون شك، تأثير واضح على عدد من أعضاء جمعية النقاد، فبدا بعضهم يتردد ويتراجع بل وشجعت استقالة السلاموني والبشلاوي من الجمعية آخرين منهم أحمد رافت بهجت، الذي تقدم باستقالة مسببة اتهم فيها الجمعية صراحة بالعمل في اتجاه نشر الشيوعية علما بأن العناصر الاساسية في مجلس الغدارة وقتها لم يكن بينها عنصر واحد من العناصر التي تتبنى الفكر الماركسي..".
في الجزء الثاني من الكتاب يتوقف العمري أمام ثلاث شخصيات متباينة هي المخرج الراحل يوسف شاهين الذي يروي ذكرياته الشخصية معه، والصحفي الراحل عبد الفتاح الجمل الذي كانت تجمعه بالعمري صداقة خاصة وطيدة رغم أن بداية علاقتهما شابها موقف عنيف بل وقطيعة امتدت لفترة طويلة، والمخرج الفلسطيني رشيد مشهرواي الذي كان العمري من أوائل من انتبهوا لظهوره على الساحة في أواخر الثمانينيات، وكتب عنه وعن أفلامه.
والملاحظ أن اللغة التي يستخدمها المؤلف في كتابه هي لغة النثر الأدبي السلس، الذي يتداعى في يسر وجاذبية، مع حبكة تصل في بعض الفصول إلى نوع من الإثارة، خاصة وأنه يستخدم، كما يصف هو في مقدمة الكتاب، "أسلوب التداعيات وتداخل الأزمنة الشهير في السرد السينمائي". ولذا يمكن القول إن كتاب "حياة في السينما" ليس فقط كتابا في السيرة الذاتية، بل جنس أدبي جديد يقوم على التسجيل والسرد الدقيق الممزوج برؤية المؤلف وتجربته الشخصية، وبالتالي فإن الكتاب بأكمله وثيقة مهمة، أو شهادة من ناقد عاصر الكثير من الشخصيات والأحداث، على عصره، وهي شهادة تمتد أيضا إلى تجاربه المثيرة في لجان التحكيم التي يروي منها تجربتين: في مهرجان أوبرهاوزن الألماني، ومهرجان طهران الإيراني. ولا يتوقف خلال سرده المشوق في هذين الفصلين عند ما يدور عادة وراء الكواليس خلال عمل لجان التحكيم، بل يمد التجربة أكثر ليصف لنا تفصيلا الكثير من الجوانب المتعلقة بما يدور في المجتمع، خاصة في حالة تناوله التجربة الإيرانية، ويصف مشاعر عدد من المثقفين الإيرانيين الذين التقى بهم: كيف يفكرون، وكيف يرون التجربة من الداخل، كما يتعرض أيضا للكثير من الجوانب المثيرة للخيال عندما يروي في نوع من أدب الرحلات أيضا، الرحلة التي كان جزءا منها مع أعضاء لجنة التحكيم، إلى مدينة إصفهان.
ويروي الكثير من التفاصيل الداخلية حول ما يحدث في المهرجانات السينمائية الشهيرة، العربية (نموذج مهرجان قرطاج)، والعالمية (نموذج مهرجان البندقية- فينيسيا، ثم نموذج مهرجان فالنسيا الإسباني). لكنه يستخدم أسلوبا جديدا في الكتابة عن هذه المهرجانات هو أسلوب اليوميات التي تحفل بشتى المعلومات، والتأملات الفكرية الشخصية للمؤلف أيضا.
ويختتم العمري كتابه بالعودة إلى بدايات مهرجان القاهرة السينمائي، من خلال توثيقه لموقف نقاد السينما المصريين، وبعض النقاد العرب الذين حضروا ندوة لمناقشة الدورة الأولى من ذلك المهرجان عام 1976، وهي ندوة مثيرة لم تنشر وقائعها من قبل، يضعها المؤلف في ملحق خاص في نهاية الكتاب كوثيقة تذكر بالبداية الخاطئة، وربما أيضا، تصلح دليلا على أن التاريخ يعيد نفسه أحيانا!
والكتاب بوجه عام، ممتع، ومثير للفكر والخيال، وعمل شجاع لأن مؤلفه لا يتردد في ذكر الأسماء الحقيقية للشخصيات التي يتناولها، بما لها، وما عليها أحيانا، وفي أحيان أخرى، يترك الحكم النهائي على الأحداث والشخصيات ومواقفها، للقاريء الفطن الذي يمكنه اكتشاف ما بين السطور.

الأربعاء، 16 يونيو 2010

"الشبح": فيلم من خارج عالم بولانسكي



فيلم "الشبح The Ghostهو اسم الفيلم الأخير للمخرج الشهير رومان بولانسكي في نسخته البريطانية، أو "الكاتب الشبح The Ghost Writer في النسخة الأمريكية، ومعناها الكاتب الذي يتم استئجاره لكي يكتب لغيره دون أي ذكر لإسمه. بهذا الفيلم يعود بولانسكي (76 عاما) إلى أضواء السينما، بعد أن عاد قبل فترة إلى أضواء الحياة في أعقاب إلقاء القبض عليه في سويسرا بموجب أمر قضائي أمريكي في القضية القديمة المعروفة منذ 1978 والتي تصلح ملابساتها وتفاصيلها في حد ذاتها، موضوعا لفيلم سينمائي مثير يكون بطله هو بولانسكي نفسه.

كان السؤال الذي ورد على خاطري بعد أن شاهدت الفيلم هو: ما الذي أعجب بولانسكي ودفعه إلى تحويل رواية الكاتب البريطاني روبرت هاريس إلى السينما؟ وقلت إن الرواية ربما تكون قد أغوت بولانسكي، كونها تدور في أجواء غامضة تنجلي تدريجيا، تتعلق بالفساد السياسي والمؤامرات التي تدبرها قوى كبرى، وتدور أساسا، حول شخصية رئيس وزراء بريطاني (في إشارات واضحة إلى توني بلير تحديدا لدوره في الحرب على العراق). وبولانسكي يجد نفسه عادة وسط أجواء الترقب والقلق، ويتماثل مع شخصية البطل الفرد، الوحيد، الذي يجد نفسه تدريجيا متورطا في بحث يقوده للوقوع في براثن شبكة معقدة من العلاقات والمصالح الكبيرة التي تتحكم في مقدرات البلاد والعباد. إنها تلك الفكرة الكابوسية "الكافكاوية" (نسبة إلى الكاتب التشيكي فرانز كافكا)، التي تكشف كيف أن الإنسان الفرد، أصغر من أن يمكنه تحدي "المؤسسة"، وأن المؤسسة، أي الدولة، أو الأجهزة المهيمنة ومؤسسات المجتمع السائدة عموما، ومصالح متعددة الجنسيات..إلخ، يمكنها دائما أن توفر الحماية لأبنائها المخلصين، وتقهر أي محاولة للتمرد على سلطتها.
ورؤية بولانسكي "التاريخية" من خلال أفلامه القديمة منذ "طفل روزماري" و "قتلة مصاصي الدماء" و"الحي الصيني" و"المستاجر"، كأمثلة فقط، هي رؤية شديدة التشاؤم للعالم، لكنه ذلك التشاؤم الفلسفي، الذي كان يمتزج بالتأكيد، بنظرة ذاتية، تنبع من التجربة الشخصية الخاصة للمخرج، عندما فقد زوجته شارون تيت، في حادث هجوم همجي قتلت فيه عصابة سفاح من عصر الهيبيز، تشارلز مانسون، الممثلة الحسناء وهي حامل، مع عدد من اصدقائها، في منزل بولانسكي في ضواحي لوس انجليس، وقامت بالتمثيل بجثتها وجثث ضحايا المذبحة بشكل بشع. ولا شك أن تلك التجربة الأليمة تركت تاثيرها على بولانسكي حتى يومنا هذا، بالإضافة بالطبع إلى تجربة الهرب المستمر من الملاحقة القضائية في الولايات المتحدة بتهمة ممارسة الجنس مع فتاة قاصر، منذ عام 1978، وهي القضية التي دفعته لمغادرة الولايات المتحدة واللجوء إلى بريطانيا التي لم تقبله، ثم إلى فرنسا التي عاش فيها إلى حين مواجهة المحنة الجديدة الحالية مع تحليق شبح التسليم للسطات الأمريكية لقضاء عقوبة تصل إلى أكثر من 70 سنة في السجن!

ولعل بولانسكي أراد أيضا أن يصنع فيلما يلقى إقبالا واهتماما من جانب جمهور السينما في بريطانيا وأوروبا عموما، في وقت كنا على أعتاب موسم الانتخابات العامة في بريطانيا. وهو أمر نستطيع أن نرى آثاره بوضوح في الاقبال الكبير على الفيلم في عروضه اللندنية في تلك الفترة، وتربع الفيلم على قائمة الأفلام العشرة الأكثر جماهيرية، رغم أنه ليس من نوع الأفلام الخرافية الشعبية الشائعة، بل ويمكن القول أيضا إنه ليس من نوع الدراما المشوقة التي تجذب عادة المشاهدين من الشباب، فهو فيلم تتضح أجواؤه السياسية من أول لقطة فيه وحتى آخر لقطة، وحديث السياسة وعالمها وما يدور فيها الحديث عادة، لا يبدو مرغوبا فيه من جانب أغلبية الشباب الذين يفضلون الثقافة الهروبية.


والموضوع يدور حول رئيس سابق للحكومة البريطانية اسمه آدم لانج، المعادل الدرامي لشخصية توني بلير، بعد أن أصبح يعيش حاليا معزولا عن العالم، يدون مذكراته، داخل منزل كبير حديث في جزيرة نائية بالقرب من نيويورك، في ضيافة ناشره الذي ينتظر أن يجني الكثير من وراء نشر المذكرات.لكن لانج لا يمكنه كتابة مذكراته بنفسه، لذا يستعين بكاتب محترف لكي يضفي على المذكرات الاحترافية والمصداقية المطلوبتين. وهكذا تدخل شخصية الكتاب- الشبح إلى الفيلم، لكي يعرف أنه سبقه في القيام بالمهمة، كاتب آخر فقد حياته غرقا في ظروف غامضة. ويبدأ الكاتب- الشبح، الذي لا نعرف اسمه أبدا، في السعي لمعرفة كيف قتل سلفه، ويتوصل إلى الكثير من المعلومات التي تؤدي إلى اكتشاف أن لانج الذي أصبح حاليا ملاحقا قضائيا في بلاده بتهمة ارتكاب جرائم حرب في العراق وترحيل أشخاص للتعذيب في السجون السرية الأمريكية، ليس إلا عميلا للمخابرات المركزية الأمريكية منذ أيام الدراسة في كمبردج، بل إن زوجته "روث" التي تعادل شخصية شيري (زوجة بلير) هي التي قامت أساسا، بتجنيده.
هذه الحبكة تأتي بكل أسف، مفتقدة إلى العنصر الأساسي في أي حبكة لفيلم من هذا النوع، أي من خلال الكشف التدريجي الدقيق عن خيط يقود إلى خيط آخر، والابتعاد عن عنصر الصدفة، الأمر الذي لا يتوفر لهذا الفيلم، فالنصف الأول منه، يمضي بطيئا رتيبا، يعرض للشخصية الرئيسية، أي شخصية الكاتب، وكيف أنه متردد، وجل، ولكن دون الكشف عن تضاريس بارزة في شخصيته، تجعله على سبيل المثال، يضاهي في بروزه شخصية المفتش جيتس في "الحي الصيني" Chinatown (1974).
وعندما يبدأ الفيلم في الكشف عن خيوط القصة فإنه يكشفها بالجملة، وفي تداخل مربك للشخصيات والوقائع، بل إنه يعتمد أيضا على سلاح "الانترنت" ومحرك البحث "جوجل" للكشف عن أهم الغاز الفيلم، وهو أن صديقا لآدم لانج من أيام أن كان طالبا في الجامعة، هو عميل قديم للمخابرات الأمريكية، وإنه مقيم في نيويورك، وهو ربما المسؤول عن مقتل الكاتب السابق، بل إنه يهدد الكاتب الجديد بطريقة مكشوفة أيضا، ويطلق خلفه رجلان في سيارة للفتك به. وتبدأ المطاردات، وهي عديدة في الفيلم، في المعدية، وعلى الطرق السريعة بالسيارات، وداخل الغابة، وتحت الأمطار، ولكن لا شيء يحمل الطابع المميز لأفلام بولانسكي. فالمتفرج يفتقد هنا لأهم ما يميزها، أي علاقتها ببولانسكي نفسه، وعلاقة الفيلم بعالمنا فيما لو تجاوزنا موضوع مطابقة شخصياته لبعض الشخصيات الحقيقية القريبة من الذاكرة.


ولعل هذه النقطة الأخيرة هي أضعف نقاط الفيلم، فلو أننا تخيلنا عدم تطابق شخصية آدم مع بلير، وشخصية روث مع شيري، وشخصية ريتشارد ريكارت مع روبن كوك، وزير الخارجية البريطانية السابق الذي أصبح قبيل وفاته معارضا متشددا لسياسة بلير، لما بقي الكثير من أهمية هذا الفيلم ومصدر الاهتمام به.

بالإضافة إلى هذا، لا أظن أن اختيار الممثلين كان مقنعا، وخصوصا إيان ماكريجور في دور الكاتب، الذي بدا مضطربا في مشاعره بطريقة تدعو إلى الحيرة، ومع ذلك، يقدم على ممارسة الجنس مع زوجة آدم، روث، بلا مبالاة، ولا أعرف ما الذي يضيفه هذا المشهد أصلا إلى الفيلم، ولا إلى شخصية روث التي تظهر كضحية لتصرفات زوجها وحماقاته السياسية بل وخياناته لها أيضا، ولكنها لا تزال صامدة، تمده بالنصح فيما يتعين عليه القيام به في مواجهة العاصفة التي انفجرت في وجهه في الوطن، وأصوات المحتجين الذين يطالبون بترحيله من جزيرتهم الهادئة.

ولم يكن بيرس بروسنان موفقا في دور آدم لانج رئيس الوزراء السابق، بل بدا مضطربا في دوره، يمثل بلا حماس، بل أحيانا يخلط بين دور "الولد السيء"، ودوره المعروف في أفلام جيمس بوند!

في الوقت نفسه، ينتابك إحساس وأنت تشاهد الفيلم، بأن هناك ما يقرب من 15 دقيقة على الأقل، زائدة عن الحاجة في هذا الفيلم، مما ساهم في بطء الإيقاع وترهله خاصة في النصف الأول منه، بل ولم أجد أن نهاية الفيلم أيضا تتوافق، مع نهايات أفلام بولانسكي المميزة. وياله من اكتشاف كبير أن تصبح "روث"، زوجة لانج، هي التي قامت بتجنيده أصلا، وأن تتطاير صفحات مخطوطة المذكرات بعد أن نشرت في كتاب بالفعل لتملأ سماء الشارع بعد خروج الكاتب مندفعا من حفل تدشين الكتاب الذي يحضره المسؤول عن تجنيد روث في المخابرات الأمريكية. فهل انتصر الكاتب الشبح على المؤسسة، وتمكن من فضحها، أم أنه قام بمهمة "قذرة" تتمثل في تجميل مذكرات مجرم حرب!

الجمعة، 11 يونيو 2010

"خارج عن القانون": فيلم يشوه الثورة الجزائرية!

((ملحوظة: هذا المقال نشر أولا في موقع "الجزيرة الوثائقية"- الرابط هنا))

بداية يجب أن أؤكد على نقطتين:
الأول: أنني من المعجبين كثيرا بالموهبة السينمائية الكبيرة للمخرج الجزائري رشيد بوشارب، الذي يقيم ويعمل في فرنسا، فقد أثبت بوشارب عبر أفلامه الستة الروائية الطويلة، مهارة وحنكة، وبرع في التعامل مع الممثلين بوجه خاص، كما أثبت قدرته على التحكم أيضا في المونتاج بحيث يبقي المشاعر الجياشة التي تفيض بها أفلامه، "تحت السيطرة"، أي يحول بينها وبين الانحراف في اتجاه الميلودراما التي تعتمد على المبالغات العاطفية مما يمكن أن يؤدي إلى خروج الفيلم عن مساره "العقلاني".
وقد بلغ بوشارب قمة سيطرته كمخرج على كل جوانب فيلمه، في فيلم "البلديون" (أو أيام المجد) الذي عرض في مسابقة مهرجان كان عام 2006. وقد كتبت عنه في ذلك الوقت، وقلت بالحرف: "جاء عرض فيلم "البلديون" الجزائري، مفاجأة حقيقية لعشاق السينما في مهرجان كان السينمائي. المفاجأة أننا أمام فيلم كبير وعميق وراسخ، سواء في موضوعه أو في طريقة تناول الموضوع".
وكتبت أيضا: "ولعل من أهم ما يميز الفيلم، تركيزه الكبير على موضوع الهوية، أي هوية أبطاله. إننا نراهم هنا دائمي التأكيد على هويتهم، تارة من خلال الملابس التي يرتدونها حتى تحت القبعات الحربية، أو تبرز من تحت قمصانهم.
أما النقطة الثانية التي أود التأكيد عليها فهي أن قراءة الأفلام وفهمها، لا يعتمد على قراءة النوايا، ولا استنادا إلى ما يظهر من "كتابات" رسمية دعائية مصاحبة للأفلام تصدرها جهات "صاحبة مصلحة"، بل على تحليل الصور ودلالاتها، وتحليل الشخصيات وبنائها وكيفية تجسيدها في الفيلم.
"خارج عن القانون"
تكلف إنتاج الفيلم الجديد "خارج عن القانون" لرشيد بوشارب الذي شارك في مسابقة مهرجان كان (ونحن نعتمد هنا اسم الفيلم كما ظهر على الشريط نفسه باللغة العربية) 20 مليون دولار، جاءت أربعة ملايين دولار منها من الجزائر (ساهمت شركة سوناطراك للمحروقات بجزء منها)، وساهم المنتج التونسي طارق بن عمار بثلاثة ملايين دولار، وساهمت جهات الإنتاج الفرنسية بالباقي، أي بثلاثة عشر مليونا من الدولارات.
يطمح بوشارب هنا أيضا، إلى تحقيق فيلم ملحمي epic كبير، يمضي منتقلا عبر فترات زمنية متعددة، يروي بطريقة مجازية، قصة ولادة الثورة، ولكن بتركيز خاص على دور الجزائريين في فرنسا تحديدا.
ويبدأ الفيلم عام 1925، في إحدى قرى ولاية سطيف، حينما تأتي فرقة من العسكر الفرنسيين يتقدمهم رئيس البلدية (ينادونه سي القايد) لمصادرة أرض يملكها مزارع جزائري، ويخرجونه وأسرته من أرضهم لكي يستولي عليها المستوطنون الفرنسيون. ويراقب الإبن الأكبر عبد القادر، في انفعال وألم ما يحدث لأبيه.
ويمضي الزمن إلى 8 مايو عام 1945، وفي أسلوب وثائقي تقدم الأحداث: مباراة ملاكمة تدور في حلبة جهزت في ساحة شعبية في مدينة سطيف، بين ملاكم جزائري وملاكم فرنسي. فجأة مجموعة من المستوطنين يطلقون النار من الشرفات على جموع الجزائريين المارين في الطريق، وتحضر قوات الشرطة لتطلق الرشاشات على الجزائريين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم. مباراة الملاكمة تتوقف ويتفرق الحشد. آلاف الجثث ترقد في الشوارع.
وننتقل إلى عام 1953، ونرى مسعود، الإبن المتوسط للأسرة، وقد أصبح جنديا في الجيش الفرنسي ضمن قوات المظلات، المتجهة إلى جزر الهند الصينية. وإلى عام 1954، على أحد مقاهي سطيف فرنسيون يجلسون. شاب جزائري يطلق النار عليهم. وعبد القادر يتجه إلى "سي القايد" يغرز سكينا في قلبه، جزاء خيانته لأبناء جلدته.
الإبن الأصغر (سعيد) يقنع والدته بعد ذلك بضرورة التوجه إلى فرنسا، على أساس أن مسعود سيلحق بهما هناك، وفي انتظار خروج عبد القادر من السجن حيث يقضي عقوبة على جريمة القتل.
في باريس 1955، داخل السجن، نرى عبد القادر وسط السجناء الجزائريين السياسيين الذين يرددون الأناشيد الوطنية (لقد بدأت حرب التحرير). ويشهد عبد القادر بعينيه عملية قطع رقبة أحد الثوار بالمقصلة. ويتأثر كثيرا.

وفي إحدى ضواحي باريس (نانتير)، تنتشر أكواخ بدائية جرداء يقطنها المهاجرون الجزائريون وبينهم سعيد ووالدته. أكواخ لا يمكنها أن تقيهم برد الشتاء القارص، بينما الثلوج تغطي المنطقة. تقوم الأم بزيارة ابنها عبد القادر في السجن، وتشد من أزره وتشجعه على الصمود.
سعيد يتعرف على رجل جزائري يعلمه مهنة القوادة في حي بيجال حيث يستغل فتاة جزائرية ويقوم بتشغيلها في الدعارة. يحضر عبد القادر لكي يأخذ منها ما ربحته من مال ويناولها رغيفا تتناوله بشراهة. وبعد مرور ستة أشهر يكون قد أصبح لديه بعض المال، يحاول أن يعطي شيئا منه لامه لكنها ترفض في استنكار وتعنفه على ما يقوم به من عمل.
في السجن، عبد القادر يُجند لحساب العمل في خدمة الثورة بقيادة جبهة التحرير الوطني. رفيقه الذي يتولى تجنيده يقول له إن الحرب شر لابد منه، لكنها تخدم قضيتنا.
يغادر عبد القادر السجن، ويتمكن من الحصول على عمل بمصانع سيارات رينو التي يعمل فيها الكثير من الجزائريين. لكنه يأخذ في تحريض العمال على الانضمام للعمل السري في فرنسا مع جبهة التحرير "لأن المفاوضات لن تحقق شيئا". مجموعة من الجزائريين من حزب الحركة الوطنية الجزائرية (حزب مصالي الحاج) الذي تنافست معه جبهة التحرير وكان ينادي بالاستقلال عن طريق التفاوض مع فرنسا، يعتدون على عبد القادر بالضرب المبرح، ويهدده زعيمهم، بالقتل إذا لم يتوقف عما يقوم به.
في هجوم مضاد، يعود عبد القادر مع شقيقه مسعود الذي عاد أخيرا من الهند الصينية، إلى ذلك القيادي في حزب الحركة الوطنية ويقوم عبد القادر بخنقه بحبل، بعد أن يقرا عليه حكم الإعدام الذي أصدرته الجبهة باعتباره خائنا.
مسعود يتزوج من "زهرة" الفتاة اليتيمة التي ترعاها والدته. سعيد يعطيه بعض المال كهدية لزواجه. ليلة حفل الزفاف والجميع يحتفلون بالرقص والغناء في الأكواخ البدائية، تحضر الشرطة الفرنسية للقبض على عبد القادر ورفاقه. الشرطة تعتقل أعدادا كبيرة من الجزائريين. يستغل عبد القادر الفرصة ويأخذ في تحريض الجزائريين على الانتفاض ضد الفرنسيين، ويتمكن من تجنيد أعداد كبيرة منهم في الجبهة.
الجبهة تفرض ضرائب إجبارية على كل الجزائريين العاملين في فرنسا لتمويل النشاط المسلح، وتحظر عليهم التدخين وتناول الخمر.

عام 1957 تبدأ حملة تبرعات مالية لصالح الجبهة من بين الجزائريين في فرنسا، بمساعدة أعضاء في الحزب الشيوعي الفرنسي من الفرنسيين المتعاطفين.. مسعود يحاول التقريب بين أمه وسعيد. رجل جزائري يدعى عمر، اختلس اشتراكات الجبهة، يقوم مسعود بقتله خنقا بيديه مع عبد القادر.
عبد القادر يحل محل مسؤول الجبهة الذي ينتقل إلى جنيف حيث قيادة الجبهة في المنفى. يأمره الرجل بترك العمل في المصنع. سعيد أصبح الآن صاحب كباريه يطلق عليه "كباريه القصبة" في حي البيجال. مسعود يزوره هناك، ويطلعه سعيد على ما أسسه في مجال تبني شاب جزائري وتدريبه لكي يصبح أول ملاكم جزائري، يعده لكي يصبح بطلا من أبطال الملاكمة يحصل على بطولة فرنسا، يقهر الفرنسيين، وربما يصل أيضا إلى بطولة العالم. سعيد يدفع قسطا من المال تبرعا لتمويل الجبهة لكنه غير مرتاح لهذا "الفرض". مسعود ينبهه غلى أن التدخين محظور بينما سعيد مستمر في تدخين السيجار الضخم مثل أي رجل أعمال.
الشرطة الفرنسية بقيادة الكولونيل فايفر تغرق بعض النشطاء الجزائريين في النهر. ارتفاع وتيرة العنف الفرنسي في مواجهة عمليات المقاومة. عبد القادر ومسعود يهددان جزائريا يعمل ضابطا في الشرطة الفرنسية متزوج من فرنسية، لكي يسلم لهما خريطة بتفاصيل مقر الشرطة. اختطاف الكولونيل فايفر. وتهديده ثم الافراج عنه. عبد القادر يأمر سعيد بالغاء مبارة الملاكمة المنتظرة التي اعد لها طويلا لأنهم يريدون تجنيد كل الجزائريين وراء الإضراب العام الذي دعت إليه الجبهة في فرنسا. سعيد يرفض، وعبد القادر يهدده ويتوعده بالقتل. مسعود يبدو حائرا. يعترض على هذا الجنوح في العنف.
مدير الشرطة يشكل منظمة اليد الحمراء لاغتيال الثوريين الجزائريين والتنكيل بهم. تصفيات عنيفة بالرصاص. انفجارات مروعة في الأكواخ ومقتل العشرات. الثوار يهاجمون قافلة للشرطة، عبد القادر ومسعود يتمكنان من النجاة لكن مسعود يصاب ويموت.
ديجول يتعهد بإحلال السلام ويدعو إلى وقف العنف خلال رحلته إلى الجزائر. سعيد يرضخ علىمضض لتهديدات عبد القادر بإلغاء مباراة الملاكمة رغم وجود الجمهور بكثافة حول الحلبة وغضب الملاكم الجزائري الشاب. تهاجم الشرطة المكان لاعتقال عبد القادر الذي يهرب ومعه سعيد. في المترو سعيد وعبد القادر وسط مجموعة من الجزائريين الذين يهتفون "تحيا الجزائر". عندما ينزل الإثنان من عربة المترو تطلق الشرطة الرصاص فيقتل عبد القادر وينجو سعيد. الكولونيل فايفر يتوقف أمام جثة عبد القادر ويقول له: لقد انتصرت. لقطات تسجيلية لمظاهرات الفرح بالاستقلال في يوليو 1962.
تحليل الفيلم
أراد رشيد بوشارب أن يروي نحو أربعين عاما من تاريخ النضال الجزائري المسلح من خلال متابعة قصة أسرة جزائرية يستعرض من خلالها المراحل المختلفة من نضال نشطاء جبهة التحرير على الأراضي الفرنسية تحديدا، على أساس أن هذا الموضوع لم يتم التطرق إليه من قبل في السينما. والفكرة في حد ذاتها ممتازة، ويمكن أن تجد اهتماما بها في فرنسا، خاصة وأن التوزيع الأساسي للفيلم سيكون في السوق الفرنسية. ولكن كيف عالج بوشارب الفكرة والموضوع؟
أولا: اختار بوشارب ثلاث شخصيات ينتقل فيما بينها لكي يجسد من خلالها دراما النضال الجزائري في فرنسا: المتطرف، والوسطي، والمعتدل، أو بالأحرى: المناضل الأيديولوجي المتشدد (عبد القادر)، والمقاوم ذو النزعة الإنسانية (مسعود)، والقواد صاحب النزعة التي تميل إلى الاندماج مع الآخر والاستفادة من الوضع الراهن، ويرفض النضال المسلح (سعيد).
في أحد المشاهد يقول سعيد لشقيقه مسعود: دعك من الحرب التي لا فائدة منها.. تعالى انضم لي واعمل معي..
وهو يكرر أكثر من مرة لأمه قوله إنه يرفض حياة الضعة والفقر والهوان، كما يرفض منطق عبد القادر في أن الحرب هي وسيلة الحصول على الحرية، لأنه يجد ببساطة أنه "قد تحرر بالفعل" ألم يعد بمقدوره أن يفعل ما يشاء، وأن يحقق أحلامه في الثراء.
عبد القادر في الفيلم، شخصية جافة، متزمتة، عنيفة، فولاؤه الايدويولوجي يجعله لا يمانع حتى من قتل شقيقه سعيد. ونراه يقتل بيديه في مشهد بشع، عن طريق الخنق، كما يبرر القتل الجماعي، وهو ايضا بيوريتاني متشدد، يرفض الحب، ويعزف عن نداء الجسد، تحاول رفيقة فرنسية من رفيقات القضية أن تقيم معه علاقة عاطفية لكنه ينبذها أكثر من مرة بفظاظة. إنه نموذج "غير إنساني" فهو مثل "الروبوت" المبرمج لأداء وظيفة لا يمكنه أن يحيد عنها. وطبيعي أن شخصية بهذا التكوين، ستحدد نظرة الجمهور الأوروبي في الوقت الحالي، المشبع بكل تراث الأفلام التسجيلية والشرائط الإخبارية والإعلام السائد، وينظر إليه كصورة نمطية لـ"إرهابي" يقر بوضوح إن "المفاوضات غير مجدية" والعنف هو الحل، ويقتنع بأن "الحرب تخدم قضيتنا"، بل ويحكم بالإعدام شنقا، على منافسه السياسي في حزب الحركة الوطنية، في إطار الصراع بين الحزبين على جمع الأموال من الجزائريين العاملين في فرنسا في تلك الفترة.
هذا "الاستقبال" لشخصية عبد القادر ليس إسقاطا من عندي، بل هو ما تشي به قراءة تكوين الشخصية دراميا حسبما يعرضها الفيلم: في سلوكياتها وسيكولوجيتها، بغض النظر عن كونه ينتمي إلى حركة تستخدم "العنف الثوري". فالنظرة السائدة اليوم في فرنسا وأوروبا إلى "كارلوس" مثلا (الذي شاهدنا فيلما عنه في مهرجان كان الأخير أيضا) هي أنه "إرهابي" كان يقتل الشرطة ويقاوم الدولة "القمعية"، في حين أن كارلوس يرى نفسه "مناضلا" كان يخدم القضية الفلسطينية العادلة منطلقا من قناعات أيديولوجية. إذن ليس المهم هو ما تقوله عن نفسك، بل المهم كيف يراك الآخرون من خلال ما يعرض عليهم. وهنا، أي في فيلم "خارج عن القانون" يبدو عبد القادر كأنه "خارج عن القانون" أي قانون المجتمع (لاحظ أنه جاء من الجزائر إلى فرنسا، ولم يمارس العنف في الجزائر حيث الاستعمار المباشر) وهي نقطة أخرى ضد الفيلم. بل إن اختيار عنوان كهذا للفيلم يضر بالفيلم نفسه، ويحوله إلى نوع من الإدانة. وهو يموت في نهاية الفيلم، ولا يعيش لكي يرى بلاده تتحرر كما كان يحلم، في إشارة واضحة على أنه نموذج مدان ومرفوض.
إذن الشخصية "الثورية" التي تتعاطى الإرهاب الثوري، وتخلص لقضية الثورة حتى النهاية، وتثير وجدان الجزائريين بالشعارات والهتافات التي تتردد كثيرا في الفيلم، هي شخصية سلبية مقضي عليها بالموت.
أما مسعود، فهو المحارب السابق، الذي يبدو أنه خبر الحروب، وأدرك معاناتها، لكنه يجد نفسه تحت تأثير الدافع الوطني، يوظف خبرته، في خدمة قضية يراها بالتأكيد عادلة. لكنه لا يبدو منسجما مع كل هذا التشدد: إنه يعترض على رفض أمه لسوكيات سعيد شقيقه، بل ولا يمانع من الحصول (هو وعبد القادر) على أموال الدعارة، لتمويل النشاط الثوري، يتقيأ بعد أن يخنق رجلا اتهم بسرقة أموال الجبهة بيديه، وهو أيضا يرغب في العيش الهانيء المستقر، ويتزوج وينجب، لكنه يموت في النهاية ميتة عبثية دون أن يحقق نصرا.
أما الوحيد من الأشقاء الثلاثة، الذي يبدو الأكثر منطقية وقبولا، بل وأكثر "إنسانية"، ضمن السياق العام للفيلم، فهو "سعيد" القواد، صاحب الكباريه، معتنق المنطق المادي النفعي (البراجماتي) وليس الثوري، الرافض للنضال المسلح ولفكرة الثورة، الداعي إلى التحرر عن طريق العمل الحر وكسب المال، الذي يبني ويؤسس في المهجر، كيانا يمكن أن يستمر، والذي يصنع أيضا (وهذا مهم رمزيا) بطلا من ابطال المستقبل "الجزائري" أي بطل الملاكمة (الذي سيكون أول ملاكم يرفع علم الجزائر- كما يقول حرفيا في الفيلم). وسعيد هو الذي يساعد بالمال: الشقيق، والجبهة، وبطل المستقبل. وهو الذي يريد انتشال الأم من وهدة الفقر والفاقة، وهو الوحيد من بين الثلاثة الذي يجعله صانع الفيلم يعيش ويبقى لأنه الوحيد الذي دعا إلى "الاندماج" مع الواقع، والاستفادة من النظام الرأسمالي.
الناحية السينمائية
كان هذا من ناحية البناء وتكوين الشخصيات كما صنعها رشيد بوشارب وزميله في كتابة السيناريو أوليفييه لوريل. ولكن من الناحية السينمائية، كيف تعامل بوشارب مع تلك الشخصيات وما هي الأجواء التي وضعها فيها وكيف أدارها؟
من عنوان الفيلم وملصقه السينمائي يمكن للمشاهد أن يدرك أنه مقبل على مشاهدة فيلم من أفلام الجريمة.
يرتدي الأبطال الثلاثة بل والكثير من شخصيات الجزائريين في الفيلم، القبعات طوال الوقت، حتى في المشاهد الداخلية التي لا يكون معتادا فيها ارتداء القبعات (إلا في أفلام العصابات).
وتدور المعارك والمطاردات على طريقة أفلام "الأكشن" الأمريكية، وباستخدام الرشاشات الطويلة، ويكفي مثالا أن نتأمل في طريقة وأسلوب إخراج مشهد اقتحام مقر الشرطة: تمهيد من زوايا متنوعة، إيقاع سريع، لقطات قريبة، كاميرا مهتزة، إضاءة معتمة، عنف بالغ، بل إن المشهد منفذ بتأثر واضح من بناء مشاهد اتصفيات العنيفة في فيلم "الأب الروحي" The Godfather
إن الفيلم يختصر نضال الثوريين الجزائريين في فرنسا في أنماط من هذا النوع، ويصورهم في أجواء أفلام العصابات، كما لو كانوا يقومون بانتقام شخصي مباشر (لاحظ مثلا كيف يعود عبد القادر ورفيقه مباشرة إلى القيادي في حزب الحركة الشعبية لكي يشنقه في مشهد بشع مقزز مثير للاستنكار). وعندما يبتعد الفيلم عن مشاهد القتل والعنف والاعتداءات والابتزاز والتهديدات، فإنه يكتفي بأن يصور لنا المناضلين وهم يرددون الهتافات والشعارات. إن المجموع هنا، يختصر في شرذمة من الأتباع الذين لا دور لهم سوى ترديد الشعارات كما في مشهد المترو.
وتأكيدا على طابع أفلام العصابات، نرى كيف يهدد عبد القادر رجلا جزائريا يبدو مسالما تماما (ضابط شرطة واضح أنه يعمل في الجانب المدني) يصوره وهو يقضي عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته وطفلته في حديقة عامة، زوجته الفرنسية الجميلة الوديعة الوجه تتطلع إليه في حب وثقة، يتبادل نظرات الود والمحبة مع ابنته الطفلة البريئة في الحديقة. هنا لابد أن يتعاطف المتفرج مع تلك الأسرة المسالمة. وفجأة يظهر عبد القادر ومسعود في معطفيهما وقبعاتيهما: يلوحان له بما يمكن أن يصيب تلك الأسرة من ضرر إذا رفض أن يتعاون معهم، فلا يملك الرجل سوى الرضوخ لتفادي القتل. هل مثل هذا المشهد يخدم صورة الثوار الجزائريين؟
ويصور بوشارب كيف يقوم مسعود بخنق "عمر" الذي يختلس بعض أموال تبرعات الجبهة لكي يشتري ثلاجة لأسرته، وذلك بدون شفقة أو رحمة أو محاكمة أو حتى مجرد الاستماع لتبريره، ألا تجعل هذه الصور كلها، جمهور المشاهدين ينفر من تلك الشخصيات، ويتماثل فقط مع شخصية القواد؟ وألا تعد هذه إساءة- من الناحية الفكرية والفنية- للثورة الجزائرية؟
أسلوب الإخراج الذي يستخدمه بوشارب هو تارة أسلوب أفلام العصابات gangsters الأمريكية تحديدا، مع بعض لمسات ما يعرف بـ"الفيلم نوار"، وتارة أخرى أسلوب أفلام الغرب الأمريكي أو الويسترن، مع مزيج من أسلوب الفيلم الوثائقي السياسي الذي يستخدم الوثيقة أحيانا ولكن بدون تحليل وفي سياق يشوهها تماما أو يكتفي بجعلها مجرد خلفية للحدث، غير أن الطابع الغالب على الفيلم هو طابع أفلام العصابات، وهو أسلوب مقصود تماما، وليس من الممكن أن يتبنى مخرج هذا الأسلوب في التعامل مع شخصيات فيلمه وأحداثه إلا إذا أراد أن يدينها، ويشوهها، ويحرفها عن الصورة المستقرة التقليدية عن "البطولة" و"الثوار"، بل ويجعل من "أبطاله" معادلا بصريا ودراميا لرجال المافيا الأمريكية، يتحركون بطريقتهم، ويتصرفون مثلهم.
"خارج عن القانون" ليس نموذجا للفيلم الثوري، فيلم البطولة الجماعية الذي يجسد حركة الناس، ويحلل، بصريا وذهنيا، كيف ينحاز البسطاء مع قضيتهم، لا بدافع الانتقام الفردي، بل من أجل قضية كبيرة.
كان هذا ما رأيناه في فيلم "معركة الجزائر" لبونتيكورفو، الذي يظل أعظم ما ظهر من أفلام عن الثورة الجزائرية حتى يومنا هذا. وكان الفيلم يعتمد على تحليل الصور من خلال مونتاج يعتمد على المختزن في الذاكرة الجماعية، كما يعتمد على إعادة تركيب وبناء وتجسيد الأحداث الكبيرة في الصراع من خلال الإيجاز والتوظيف المقتصد للسرد، بعيدا عن الرغبة المراهقة في "الإبهار" أو ذلك الميل الواضح هنا إلى الاستطرادات والثرثرة ،بل وربما تكون نمطية الشخصيات هي التي أضعفت من أداء مجموعة الممثلين الذين سبق أن تفوقوا كثيرا في فيلم "البلديون".
إن فيلم "خارج عن القانون" في المحصلة الأخيرة، سواء عن وعي أو عن سذاجة في الطرح والمعالجة، يشوه نضال الشعب الجزائري ويجعله مجرد صراع طويل بين عصابتين، أو مجموعتين من الأشرار.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger