الأربعاء، 18 فبراير 2009

عن أفلام الرسوم: هل هي للصغار فقط؟



((تلقيت قبل أيام الرسالة التالية التي الهمتني كتابة الموضوع الذي يعقبها والذي أثاره الرد على الرسالة التي تعكس شغفا حقيقيا بنوع من السينما أهملناه)).
أخي العزيز:
أراسلك بخصوص فرع من فروع السينما الحالية ألا وهي الرسوم المتحركة .
أخي العزيز: الرسوم المتحركة هي أكثر العناصر ظلما في السينما حسب رأيي المتواضع واطلاق الأحكام عليها ومعاملتها بطريقة مجحفة جعل منها عنصرا منبوذا في كثير من الأحيان خصوصا هنا في عالمنا العربي .
كثيرا ما تُعامل على أنها موجهة للأطفال ولا أعلم ما هو السبب. ربما تكون النشئة هي ما خلق ذلك التفكير ففي بدايات قيمها تزعمتها الولايات المتحدة بانتاج توم وجيري مما جعل هذه الرسوم ذائعة الصيت في العالم ككل والعالم العربي خصوصا نظرا للآلة الاعلامية وتوجه أنظار العالم كله نحو الولايات المتحدة على أنها الوجه الجديد والمثير لكل شيء فقدمت لنا تلك النماذج ودعمتها بكثير من الجوائز لخلق الجو المناسب لتسويقها .
في اعتقادي أن ما حث أمريكا على القيام بذلك هو رؤية سياسية بحته ليس أكثر، تقديم هذا المنتج الجديد بشكل مثير ويجلب الانتابه العالمي نحوه، تقديم الجوائز لهذا الوجه الجديد لتعيم تواجده في أوساط العالم، والاعلام المسلط على الولايات المتحدة وجميع ما تفعله. جميع هذه العناصر أعطت أمريكا تصريحا بالتصرف بهذا النوع الجديد من الفن كما يحلو لها، والتوجيه صار يتم على يدها، والمضمون والمحتوى صار يوضع على ما تريد، وهي التي قررت لنا إلى من سيكون هذا الفن الناشئ، نعم انه الفن الموجه للأطفال .
عندما تقرر إلى من سيكون له هذا الفن تقرر توجيه بناء على مصالح سياسية بحته، وصرنا نرى ما يلمع صورة الانسان الغربي في كل لقطة، وصرنا نرى الاساءة للثقافات الشرقية في كل لحظة، صرنا نرى تبريرا لكل ما يريده ويدعو له الانسان الغربي المتحضر في كل حين. وبذلك حكموا على ذلك الفن بالخروج من دائرة الانسان إلى الساحات السياسية والتوجهات التي تخدمها نظرا لكونها وسيلة تم الترويج لها مسبقا على أنها ملك لأمريكا ولها الحق في توجيهها أينما تريد .
الاشكالية أن تلك الحركة أتت ثمارها هنا في عالمنا العربي فنشأ لدينا جيل من السينمائيين ونقادهم لا يعرفون شيئا عن الفن المسمى بالرسوم المتحركة، كل ما هنالك أنهم اكتفوا بما قدم لهم في صورة مسبقة بأنه فن موجة للأطفال ووقفوا على ذلك، كثيرون ممن تحدثت مهم عن هذا النوع من الفن استوقفوني بأنه غير مثير للاهتمام وبأنه لا يعدو كونه موجه للنشئ فقط، لا أعلم هل هذا الحكم ناتج عن تفكير مسبق أم ماذا ؟ أليس هذا الفن يستوجب لوجوده على أرض الواقع مخرج وسيناريو وجميع عناصر الفن السينمائي ؟ أليس يوجد في السينما ما هو عار ان يسمى فيلما كأفلام إد وود وهلم جرى؟ إذا الفن هو من يخرجه وبفكر من يخرج وليس بالصور المسبقة التي طبعت عنه. الفن قابل للتمدد ليشمل جميع الأطياف الانسانية ويستطيع أن يقدم لهم جميعا ما يريدون، ومن يحدد توجه الفن هو الانسان لأنه صنع له وليس من يصنعه، معيار الجودة الفنية هو من يقدمها وليس من حكم عليها مسبقا بتصور موجه بفكر سياسي أوما شابه. في مقابل ذلك التوجه الذي كان ينتج لنا توم وجيري كان هناك توجه لم يكن يملك تلك الصورة الاعلامية التي كانت لدى الولايات المتحدة، كان فن يخرج لنا روائع كانت مجهولة ومنكرة في عالمنا العربي نظرا لكونها تخالف التوجه السائد الذي كان ينظر للفن نظرة منكرة. كان هناك الروائع من أمثال قبر اليراعات وجون حافي القدمين وسبيرتد أوي. كان هناك مخرجون من أمثال هياوا ميزاكي وأيزاوا تاكاهاتا وساتوشي كون وغيرهم ممن قدموا لنا أعمال تأرخ لهذا الفن الجميل. لا أعلم من يحكم على ذلك الفن بالطفولي كيف يستطيع أن يحكم على قبر اليارعات بذلك وهو المثقل بالحس الانساني والأعاجيب السينمائية الكثيرة. لا أعلم من يحكم على ذلك الفن بالطفولي كيف يحكم على جون حافي القدمين بذلك وهو مثقل بالهم السياسي ويخرج لنا بتريحات لا يستطيع اخراجها الكثير في فيلم حي لا أعلم من يحكم على هذا الفن بالطفولي كيف يحكم على همس القلب بالطفولي.. والقائمة تطول.
أتأسف للإطالة لكنها مشاعر متدفقة لم أستطع كفها ولك تحياتي.
منصور الحقيل- نجد- السعودية

ردا على رسالة الأخ منصور، أود أولا أن أشكرك على مبادرتك بالكتابة في هذا المجال ومحاولة لفت الأنظار إلى أهميته وتأثيره الكبير. وأتفق معك فيما ذهبت إليه من أن الولايات المتحدة أولا حاولت تسويق ذلك الفن باعتباره "أمريكيا" ومنحته الصبغة الأمريكية وجعلته تعبيرا عن نمط الحياة الأمريكية وقوالبها وقيمها. وهذا طبيعي، فالفنان يعبر عن بيئته. أما الاستخدام السياسي فأيضا ليس بعيدا عن اهتمامات صناع هذا النوع من الأفلام. وهذا أيضا طبيعي. والطبيعي أيضا أن يتجه أصحاب الثقافات الأخرى إلى الاهتمام بهذا الفن وجعله وسيلة للتعبير عن مفاهيمهم الثقافية، لكن هذا لم يحدث في عالمنا العربي، بل ان ما ظهر من محاولات كانت ساذجة وكانت، كما أشرت أنت بوضوح، موجهة أساسا للأطفال، وتريد أن تصور لنا هذا النوع من أفلام الرسوم (التي يطلق عليها البعض أفلام التحريك على أساس أنها لا تقوم فقط على الرسوم بل على تحريك النماذج المجسدة أيضا) على أنها أفلام للأطفال فقط.
غير أن اليابانيين مثلا بدأوا منذ نهاية الستينيات في صنع أفلام رسوم للكبار وليس للأطفال فقط، وهناك أفلام شهيرة في هذا المجال مثل "أكيرا" لكاتسوهيرو أوتومو، وفيلم "شبح في القوقعة" لمامورو أوشي. لكن المشكلة أن الأفلام اليابانية لم تنجح في الوصول إلى العالم بسبب تحكم شركات التوزيع الأمريكية الكبرى في السوق العالمية، وبسبب سيادة وشيوع اللغة الانجليزية في عدد كبير من البلدان وتفضيلها. وخلال السنوات الأخيرة فرضت أفلام الرسوم اليابانية نفسها في الأسواق الأوروبية بعد ما حققته من نجاح كبير في المهرجانات السينمائية الدولية. وقد عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي الأخير (2008) فيلمان من أفلام الرسوم اليابانية وهو حدث نادر من نوعه. وتحول فيلم "أكيرا" الياباني إلى أحد أكثر أفلام الرسوم المصنوعة للكبار رواجا وانتشارا.
وكان مهرجان فينيسيا قد منح المخرج السينمائي الياباني هاياو مازاياكي Hayao Miyazaki جائزة الأسد الذهبي عن إنجازه السينمائي طيلة حياته، وكانت تلك المرة الأولى التي يحصل فيها مخرج لأفلام الرسوم المتحركة على جائزة على هذا المستوى الرفيع. ومازيايكي معروف بأسلوبه الذي يمزج بين الطابع الرومانسي والطابع الإنساني، وتبحث أفلامه مواضيع موجهة للكبار أساسا تتناول علاقة الانسان بالطبيعة وبالتكنولوجيا ومن أفلامه البارزة "الأميرة مونونكي" و"القلعة المتحركة" و"حورية على ربوة بجوار البحر" والأخير كان أحد الفيلمين اللذين عرضا في مسابقة مهرجان فينيسيا الأخير كما أشرت، وكان مرشحا بقوة للفوز بالجائزة الكبرى، وقد منحه النقاد الحاضرون في المهرجان المرتبة الأولى وأكثر الافلام التي استمتعوا بها طوال المهرجان.
هناك مشكلة تتمثل في أن فيلم الرسوم يتكلف ميزانية طائلة قد تتجاوز المائة مليون دولار بعد اضافة تكاليف الدعاية. ويجب أن تضمن شركات الإنتاج تحقيق أرباح، أو أنها على الأقل لا ترغب في المغامرة بصنع أفلام للكبار لا يقبل عليها لا الكبار ولا الصغار. فلابد من توفر موضوع مثير جاد، ليس بالضرورة خياليا مطلقا لكي يشد الكبار أيضا.
وقد ظهرت محطات تليفزيونية متخصصة في عرض أفلام الرسوم منها محطة Cartoon Network التي خصصت مساحة لعرض أفلام رسوم للكبار تقوم بانتاجها علما بأن الانتاج للتليفزيون أقل تكلفة بكثير من الانتاج للسينما في حالة أفلام الرسوم تحديدا.
إحدى المشاكل، التي ربما تكون أنت قد أشرت إليها في رسالتك، هي أن النظرة السائدة لأفلام الرسوم باعتبارها موجهة فقط للأطفال تعود إلى أن معظم هذه الأفلام تفضل الإغراق في الخيال المطلق أو الفانتازيا، بينما هناك أفلام تصلح دون شك للكبار والصغار وقد حققت نجاحا مدويا منها على سبيل المثال فيلم Lion king أو الأسد الملك الذي حقق أرباحا طائلة، وهناك أيضا الفيلم التشيكي العظيم "أليس" Alice للمخرج الشهير في مجال الرسوم يان سفانكماير Jan Svankmajer الذي شاهدته قبل عشرين عاما ولا أستطيع نسيانه حتى اليوم.
وقد ابتكر ماكس فليشر طريقة عرفت باسم rotoscoping تتلخص في تصوير الفيلم أولا باستخدام شخصيات وحركة حقيقية تماما، ثم يقوم الرسامون بالتلاعب في الأشكال والصور وتحويلها - صورة صورة- إلى رسوم بالرسم فوقها عن طريق جهاز خاص يعرف بالـ rotoscope. وقد استخدم المخرج الأمريكي ريتشارد لينكلاتر هذه الطريقة في فيلميه Slacker و"حياة تسير" Walking Life وهي أفلام مختلفة تماما في رسومها وأسلوبها.
ولم يعد الأمر يقتصر على المواضيع الفانتازية أو المغرقة في الخيال فقط بل إن فيلما مثل الفيلم الإسرائيلي الحديث "الرقص مع بشير" Waltz with Bashir يقدم عملا "وثائقيا" باستخدام الرسوم، وهو بالتالي موجه للكبار، فهو فيلم جاد تماما يدور عن تجربة الجيش الإسرائيلي في الحرب على لبنان عام 1982. أما موضوع الفيلم وتفسيره فموضوع آخر تناولته من قبل في هذه المدونة وساعود إليه لاحقا لأهمية الجدل الدائر حوله.
وهناك أيضا فيلم "برسيبوليس" Persepolis للمخرجة الإيرانية ماريان ساترابي مع الفرنسي فنسنت بارونو (دائما ما يغفل اسمه لأسباب سياسية) على عدة جوائز عالمية، وهو فيلم جاد تماما، يروي قصة حياة فتاة منذ نشأتها في طهران حتى هجرتها من البلاد.
ولعل غياب الاهتمام بأفلام الرسوم في بلادنا العربية وغياب النقاد الذين يفهمونها ويحللونها كما أشرت أنت، يرجع إلى غياب هذا النوع من الأفلام أصلا عن السينما التي تنتج في البلدان العربية، وإذا وجدت فهي لا تعرض سوى على شاشة التليفزيون وللأطفال أساسا وبطريقة تعليمية أو بهدف تربوي مباشر. أما دور العرض فهي لا تغامر كثيرا بعرض أفلام الرسوم حتى المخصصة للكبار منها لأنها تخشى الخسارة، فالبعض يرى أن كل أفلام الرسوم متشابهة، فلماذ نضيع الوقت في مشاهدتها أصلا!
وفي النهاية أرجو أن أكون قد أجبت عن بعض تساؤلاتك، وإن لم يكن فعلى الأقل، نكون، انت وأنا، قد نجحنا في لفت الأنظار إلى أهمية هذا الخيال السينمائي الجميل.

الأحد، 15 فبراير 2009

قتل السينما

يساهم الكثيرون، سواء عن وعي أو غير وعي، في قتل السينما واغتيالها والتسبب في الأضرار بها بشتى السبل عندما يقيمون عروضا منظمة وتظاهرات بل ومهرجانات تقوم بالكامل على عرض أفلام منسوخة على شرائط فيديو أو على اسطونات رقمية (دي في دي) بدعوى أن هذه هي السينما الآن، وأن امكانياتهم لا تسمح سوى بذلك، وهي كلها ذرائع غير مقنعة.
وفضلا عما في ذلك من تدمير لفكرة السينما والفيلم السينمائي كفيلم، صوره مصوره على أساس العرض بمناسيب معينة، على شاشة كبيرة وبعمق محدد في المجال، وبإضاءة وظلال وكتل يريد التركيز عليها وابرازها بشكل محسوب، فإن في الفكرة أيضا نوعا من الاستنطاع بل والسرقة الواضحة أيضا، فهذه الشرائط وتلك الاسطوانات لم تصنع أصلا بغرض العرض العام بل لغرض العرض المنزلي فقط، وهناك قوانين تنظم ذلك.وربما يمكن فهم كيف تسطو جماعات كثيرة على الأفلام المطبوعة على شرائط واسطوانات وتقوم بعرضها عروضا عامة، لكن من غير المفهوم على الإطلاق أن تلجأ جهات رسمية يفترض أنها موقعة على اتفاقات دولية، مثل المجلس الأعلى للثقافة في مصر ومكتبة الاسكندرية، بتنظيم أسابيع ومهرجانات مزعومة، باستخدام هذه الشرائط والاسطوانات "المنزلية" أيضا.
وعندما يقولون لك "مهرجان لأفلام المرأة" فانت تتخيل أنهم تمكنوا من الحصول على نسخ 35 مم وأدخلوها من مطار الدولة البوليسية، وشاهدتها الرقابة المتعفنة وأقرتها، بينما لا يعدو الأمر بعض "الفهلوة" واستخدام مجموعة الاسطوانات الخاصة المتوفرة لدى منظم المهرجان اياه!
ونحن هنا لا يهمنا الجانب المتعلق بمخالفة الرقابة، فلسنا فقط مع ضرب عرض الحائط بكل قوانين الرقابة في كل مكان لأنها ليست سوى وسيلة للقمع، إلا أن الخوف كل الخوف يكمن في احتمال اندثار الفيلم السينمائي نفسه كعمل مرئي مطبوع على شرائط السليولويد، وهي تقنية لا تضاهيها حتى الآن أي تقنية رقمية. والعمل المستمر والمنظم والدءوب على استبدال "الفيلم" بشريط فيديو أو باسطوانة رقمية، يدمر فكرة السينما من الأساس، وينسف قيمة الفيلم كفن مصور له مناسيبه وجمالياته، بل ويشجع الجهات الرسمية التي تبني القصور والمؤسسات على تجاهل اقامة قاعات للعرض السينمائي التي نود أن نراها تمتد إلى المدارس والجامعات، فما لزوم هذه القاعات إذا كان بوسعنا أن نعرض على حائط من جهاز متخلف بدائي عتيق صورا باستخدام شريط فيديو أو أسطوانة.. مشروخة!

السبت، 14 فبراير 2009

فاروق حسني: نعم أدخلت المثقفين حظيرة وزارة الثقافة وأنا باق إلى ما شاء الله


عندما كتبت عن وزير الثقافة المصري فاروق حسني وقلت إنني أعارض ترشيحه أو وصوله لرئاسة اليونسكو، ونشرت مبرراتي في هذه المعارضة، قال لي بعض الأصدقاء: لماذا تبالغ ياأخي في معارضتك للوزير وهو "راجل كويس"، وهل أنت واثق أنه قال فعلا ما نسب إليه مثل ادخال المثقفين إلى الحظيرة وما شابه، وما دليلك على أنه يستخدم سياسة العصا والجزرة، ويمارس شراء المثقفين.
وعندي بالطبع عشرات الأسانيد والحجج الموجودة في أرض الواقع التي يمكن لأي كاتب لم يقرر بيع قلمه أو توظيفه في خدمة الوزير أو أتباع الوزير، أن يراه ويتحقق منه، ولكن هناك أيضا وثائق من كلمات الوزير نفسه ومن إخراجه وتلحينه.
الصحفي المعروف بانتهازيته التي تزكم الأنوف المدعو عبد الله كمال، وقد كان نكرة في الماضي القريب، كان قد أجرى حوارا مع الوزير "الفنان" كشف فيه الفنان عن رقته ورهافة حسه باستخدام أبشع الألفاظ بل والحديث بالأسماء عن المثقفين وكأنه اشتراهم ودفع لهم ثمن التزامهم بخط الدولة والعدول عن المعارضة بعد أن أصبحت "الفلوس أكثر" حسب تعبيرات الوزير الذي يصح أن يقال عنه الوزير "الحشاش" بدلا من الفنان بسبب طريقته الفظة في الكلام خصوصا عندما يظهر على شاشة التليفزيون، ويعوج رأسه ويغمض نصف عينيه ثم يأخذ في ترديد كلمات يرددها عادة بائعو الحشيش في حي الأنفوشي بالاسكندرية حيث نشأ وتربى السيد فاروق حسني، بل إنه يعرف أيضا كيف يهدد ويتوعد، ويلوح بقدرته على سجن من لا يعجبه من الكتاب المعارضين، ويصف الكاتب الكبير صنع الله ابراهيم بأنه مريض نفسيا وهو وصف يمكن أن يعرضه لطائلة القانون، هذا إذا كان قد ظل في "المحروسة" قانون غير قانون الفوضى والتهريج.
إليكم هنا نص حديث الوزير مع الصحفي الوصولي الذي تولى بعد ذلك منصب رئيس تحرير مجلة "روز اليوسف" إحدى أعرق المجلات الأسبوعية والتي عرفت بطابعها اليساري المعارض فحولها إلى بوق للنظام. وقد نشر الحديث بتاريخ 23 نوفمبر 2003).
======================================================
لست متأكداً هل سيغضب فاروق حسني، الإنسان والفنان، من نشر هذا الحديث المتفجر أم لا. ما أعرفه ـ سواء رضي فاروق حسني أو غضب، وحتى لو تراجع الوزير الفنان، ورأى أنه تسرع في الإدلاء بهذا الحديث ـ فإن رأيي فيه لن يتغير . أنا أعتبره، ومعي أغلب المثقفين غير المتشنجين، ولا الضالين، أفضل وزير ثقافة في تاريخ مصر. وهذا إقرار مني بذلك أمام الله والتاريخ وشرف الكلمة.

* ليس في استطاعتنا أن نبحر معاً ـ يا معالي الوزير ـ وسط هذه الأمواج الهادرة دون التوقف أولاً عند قضية الساعة.
هكذا بدأت أنا الكلام. وفوجئت بالوزير يقاطعني : أظن أنك ستسألني عن صنع الله إبراهيم. أليس كذلك؟ هناك في الحياة أشياء كثيرة أهم. صدقني. والغريب أن البعض لا يرونها.

* سألته : ما صحة هذه المقولة الشهيرة المنسوبة لك؟ هل قلت حقاً أنك أدخلت المثقفين في حظيرة وزارة الثقافة؟؟؟ هل قلت هذا حقاً يا معالي الوزير؟

* بالطبع قلت. ولمعلوماتك، قلت أشياء أخرى أجمل بكثير، فلماذا الإصرار على استحلاب جزئية كهذه بالذات؟ أنا أقول لك : لأن البعض يريدون إخافتي، وأنا أقول لهم لست هذا الشخص. أنا لست الوزير الذي يمكن أن تخيفه مجموعة من عشاق الجلوس على المقاهي. وماذا أقصد بهذه المقولة التي يبدو أنها غاظتهم كثيراً؟ المعنى واضح. قمت بإدخال المثقفين في حظيرة وزارة الثقافة. ومالها حظيرة الوزارة؟ عيبها أيه هذه الحظيرة السخية معهم؟ أليست هي التي تدفع لهم الأموال وتفتح بيوتهم؟ أليست هي التي تعطيهم النقود التي يشترون بها أقلاماً يستخدمونها في الهجوم علينا؟ كيف كانوا سيحصلون على ثمن الورق الذي يملؤونه بالنقد الهدام للوزير وكل الأنشطة التي لم يسبق أن قام بها أحد والحظيرة التي يأكلون منها؟ وقل لي أنت : من يدفع نفقات التفرغ؟ الحظيرة. ومن يتحمل تكاليف سفرهم ومؤتمراتهم ومعارضهم ونشر كتبهم وشراء مسرحياتهم وموسيقاهم
واستعراضاتهم؟ من؟ الحظيرة. ولو قمنا بإغلاق هذه الحظيرة، لكانوا أول من يطالبون بإعادة فتحها. لأن فتحها يعني فتح بيوتهم، والعكس معناه أن يعودوا لأيام زمان، ولا أريد أن أذكرهم بأيام زمان، وأنا أعرف أكثر مما يتصورون عن أيام زمان قبل هذه الحظيرة. كانت جائزة الدولة التشجيعية أيام زمان خمسمائة جنيه لا غير. فكيف أصبحت؟ خمسة آلاف جنيه. جائزة الدولة التقديرية أيام زمان كانت 2500 جنيه. والآن يرفض واحد مبلغ مائة ألف جنيه هي قيمة جائزة الرواية. إذن، فلقد ارتفع مستوى المعيشة بالنسبة للمثقفين. وبدلاً من أن يشكروا ربنا، ها أنت ترى.

* لأول مرة، أراه بهذا التوتر. ومع ذلك، أسأله : ما الذي تعنيه حين قلت أنك ستقوم بتوعية وتقويم صنع الله إبراهيم؟ البعض فسر الأمر باعتباره نوعاً من تحويل الحظيرة إلى سجن : إصلاح وتهذيب؟

* سأقول لك : صنع الله إبراهيم عاش حياته كلها في الظل. لا يتحدث عنه أحد. لا يذكره أحد. فجأة، صار موضوع الحديث المفضل على المقاهي. هذا بفضل المؤتمرات التي يشتمها. وبفضل الديمقراطية التي سمحت له بأن يقول كل هذا الكلام. ونحن نعرف أن صنع الله عاش في الظل خائفاً من اعتقاله مرة أخرى. وهذا واضح منذ روايته ( تلك الرائحة ) ومن أعماله وسلوكه عموماً. ولولا ثقته في أننا لن نعتقله، وأننا نعيش أزهى عصور الديمقراطية، لما صعد على المنصة، ليهاجم النظام والبلد والأمة العربية بأسرها. وأنا أعني أننا حين نقول له : لا تخف، فلن يعتقلك أحد، إنما نحن نعالجه من مرض الخوف، ونلعب في حياته دور التوعية والتقويم. وما نشره د. جابر عصفور ومفيد فوزي ومثقفون كبار، كسليمان فياض، هذا أيضاً نوع من التوعية والتقويم. وما يقدمه صلاح عيسى في جريدة القاهرة كل أسبوع، أنا أسميه توعية وتقويماً. وانظر كم واحد أصبحوا الآن أفضل. خذ عندك : أحمد بهجت، كامل زهيري، ومحمد السيد سعيد، وخيري شلبي، ووحيد عبد المجيد، ومحمد عمارة ومحمود السعدني، والسيد ياسين، وغيرهم وغيرهم، ما تعدش. كلنا نصبح أفضل حين ينشر لنا ونأخذ نقوداً خيالية، بالقياس لأيام زمان، مقابل ما نكتبه.

* وماذا عن المستقبل؟
* زي الفل. بكرة تشوف .

* ولم يكن في إمكاني أن أنهي الحوار دون أن ألقي عليه سؤال يردده الكثيرون : هل صحيح أنك مرشح لمغادرة الوزارة في أول تعديل؟
* قال ضاحكاً، وقد هدأت قسمات وجهه التي اضطربت خلال الفترة الأولى : أنا لا يستطيع أحد أن يغيرني. أنا واجهة النظام في الغرب. الشيء المشرف. الأمل في أن تصبح مصر عصرية. والاحتمال الوحيد لتغييري حين تتخلى القيادة عن هذا كله.

* عدت أسأل : معنى ذلك أنك باق في الوزارة إلى الأبد؟
* إجابته أذهلتني : لا. طبعاً لا. سأغادر الوزارة فقط عندما ينزل المتربعون فوق قمة الهرم من مكانهم هناك. وهذا شيء غير وارد حالياً. نحن في مركب واحد. لماذا لا تخبر أنت الحاقدين بذلك ليريحوا أنفسهم؟ أنا على قلبهم لطولون.

* وبقي سؤال : هل يقول ذلك لأن هذه هي الحقيقة أم لأنه يائس من الاستمرار هذه المرة
في موقعه؟ هذا ما سوف تثبته الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة.

الخميس، 12 فبراير 2009

توثيق تجربة الاعتقال وتدمير جنوب لبنان


جوانا حاجي توماس وخليل جريج مخرجان من لبنان، يعملان معا في وحدة سينمائية واحدة، ليس فقط بحكم أنهما متزوجان، بل بحكم الاهتمامات المشتركة والهم الواحد بل والانتماء لجيل واحد ايضا (كلاهما من مواليد 1969).
وقد أخرج الثنائي (جوانا- خليل) حتى الآن عددا من الأفلام الروائية والوثائقية القصيرة، كماأخرجا فيلما روائيا طويلا واحدا هو "في يوم ممتع" In a Perfect Day عام 2003. وكان فيلمهما الوثائقي الأول "خيام" عام 2000.
وقد عادا أخيرا وقاما بمد تجربة فيلم "خيام" (المصور بكاميرا الفيديو) على استقامتها، فصورا جزءا ثانيا من الفيلم يستكمل الصورة التي يعرضها، ويبحث في دلالاتها. وقد عرض الفيلم الجديد الشامل في الدورة الأخيرة من مهرجان روتردام السينمائي التي انتهت مطلع الشهر الجاري، تحت عنوان "خيام 2000- 2007".
"خيام" هو اسم المعتقل الكبير الرهيب الذي أقامته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان واستمر من 1982 إلى حين انسحاب تلك القوات في عام 2000، وكان يشرف على إدارته مع الإسرائيليين جنود فيما عرف باسم جيش لبنان الجنوبي أو الميليشيا الموالية لإسرائيل والتي تم تفكيكها بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، كما تم تصفية المعتقل.
كان هدف صانعي الفيلم في البداية تصوير الواقع داخل المعتقل في عام 1999، إلا أنهما لم يتمكنا من تحقيق ذلك، ولذا لجآ إلى الاستعانة بستة من المعتقلين السابقين (3 نساء، و3 رجال) في الجزء الأول من الفيلم الذي صور في 2000، لكي يروون قصتهم مع المعتقل، تجربة العيش داخل الأسر الطويل.
والشخصيات الست التي تظهر في الفيلم تمثل تنوع الانتماءات السياسية في لبنان، لكنها تجتمع في أتون تلك التجربة المريرة، أي تجربة الاعتقال، التي يتفق الجميع على أنها كانت تخص الجميع أيضا ولا يجب أن ينسبها حزب سياسي معين إلى نفسه، أي لا ينبغي التأكيد على ما قدمه أفراد ينتمون لحزب سياسي معين من تضحيات في المعتقل الرهيب، ويغفلون ما قدمه الآخرون.
وهنا إشارة واضحة إلى حزب الله اللبناني الذي يسيطر على المنطقة التي انسحبت منها إسرائيل في الجنوب، ويتحكم اليوم، كما يتردد في جزئي الفيلم، في كل ما يتعلق بالمعتقل وتاريخه، بل إن بعض الشخصيات الست تقول مباشرة: طبيعي أن يكتب الطرف المنتصر تاريخ ما وقع بما يتلاءم مع رؤيته.
التجربة المشتركة
الشهادات التي قدمها المعتقلون السابقون الستة في الجزء الأول، تهدف إلى رواية تاريخ جزء من تاريخ المقاومة اللبنانية، وتؤكد على التجربة المشتركة، وعلى التضحيات التي قدمها الجميع، ومنهم فتيات كن في غرة الشباب وتعين عليهن قضاء عشر سنوات أو نحو ذلك في السجن، جزء منها أيضا في الحبس الانفرادي.
إلا أن الشخصيات التي نراها أمام الكاميرا، رغم مرارة التجربة وأثرها العميق على حياتهم، نضجت تجاربهم في ضوء تجربة الاعتقال، وربما أيضا بسبب تقدم وعيهم السياسي أصبحت لديهم القدرة على تحليل وفهم ماحدث لهم، واستيعاب التجربة دون أي رغبة في نسيانها بل وفي الجزء الأول نستمع إلى تجربة معظمهم في العودة إلى المعتقل بعد الانسحاب الاسرائيلي، ورغبتهم في أن يتحول إلى متحف للذاكرة.

أما الجزء الثاني المصور في 2007 فيقدم صورة مختلفة حتى للشخصيات الست نفسها التي بدا عليها تقدم العمر والأثر الفادح الذي تركته التجربة القاسية على ملامح الوجوه.
وفي الشهادات الأخيرة لهم يتحدثن بمرارة عن كيف تحول مكان المعتقل إلى بضعة خرائب الآن بعد أن كان من أهداف الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006، تدمير المعتقل ومحو آثاره حتى لا يبقى شاهدا على تلك التجربة لدى عموم اللبنانيين.
ويتحدث بعضهم كذلك عن إهمال الحكومة اللبنانية للمكان، الذي كان يتعين ضرورة إحياؤه بشكل ما، كما يقولون، وجعله دائما تذكرة لما فعله الاحتلال، وشاهدا على الثمن الذي كان يتعين دفعه من أجل إجلاء الاحتلال.
قوة الشهادة المباشرة المصورة هي الجانب الأكثر بروزا في الفيلم الذي يستغرق عرضه 105 دقيقة. فأنت تترك كمشاهد، أمام الشخصية التي تتكلم وتعبر في إطار لقطة متوسطة أو لقطة قريبة للوجه، بحيث تظهر الملامح والانفعالات بوضوح، كما لا يتدخل أي عامل خارجي في إضافة أي تأثير على الصورة.
خلفية مجردة
ويعمد المخرجان إلى تصوير الشخصيات الست التي تظهر في الجزء الأول، أمام خلفية مجردة لا تدل على المكان، وفي الجزء الثاني، يدور التصوير في مكان خارجي في بعض الأحيان، نعرف ذلك من خلال ضجيج المكان الخارجي، دون أن نرى تفاصيله.
ولا يخرج الفيلم إلى الخارج بوضوح إلا في المشهد الاخير منه حينما تتابع الكاميرا بالتفصيل أطلال المعتقل وما حل به من دمار.
وربما يكون المخرجان قد لجآ إلى هذا الأسلوب (التوثيقي) الجاف، بدلا من تصوير الشخصيات داخل المكان، وكان هذا ممكنا في الجزء الأول الذي صور قبل تدمير اسرائيل للمعتقل، أو في أطلاله في 2007، لكي يكون التركيز هنا على الإنسان، في تجربته المباشرة، لكن المؤكد أيضا أن العمل كان سيصبح أكثر حيوية ويتخلص من الطابع الجامد للصورة التي تتطلب جهدا كبيرا من المشاهدين في التركيز، لاستيعاب كل ما يتردد من تفاصيل حول التجربة.

بدي أشوف
أما الفيلم الثاني لنفس المخرجين (جوانا وخليل) فهو بعنوان "بدي أشوف" (76 دقيقة)، ويوثق بكاميرا الفيديو أيضا، الزيارة التي قامت بها الممثلة الفرنسية الشهيرة كاترين دينيف (سفيرة النوايا الحسنة للأمم المتحدة) إلى جنوب لبنان لكي تتفقد آثار ما حل بالجنوب من دمار بعد الحرب التي شهدتها المنطقة بين إسرائيل وحزب الله في صيف 2006.
ويبدأ الفيلم من بيروت، مع وصول دينيف واستقبالها ثم تخصيص مرافق لها، هو الممثل اللبناني ربيع مروة، الذي يقود السيارة التي تقلها ويصاحبها ويتبادل معها الحديث بفرنسيته المحدودة طيلة الوقت.
لغة الفيلم
ويختلف أسلوب الفيلم تماما عن أسلوب الفيلم السابق في اعتماده على التصوير الخارجي المباشر، وعلى تحريك الكاميرا، وخلق تكوينات موحية للصورة، والاستخدام المؤثر للقطات "الكلوز أب" أو اللقطات القريبة، والتمكن من اقتناص الكثير من اللحظات التلقائية المؤثرة كما نرى عندما تضل السيارة طريقها وتدخل منطقة مليئة بالألغام الأرضية في جنوب لبنان، ويتعين على طاقم الفيلم اللحاق بالسيارة وايقافها ثم اعادتها إلى الطريق الآمن.
تقوم دينيف أولا بزيارة الضاحية الجنوبية من بيروت حيث يتركز أنصار حزب الله، وتستعرض الكاميرا الآثار الهائلة لما لحق المنطقة من دمار، وترصد الكاميرا تأثير ذلك على وجه دينيف التي تعجز احيانا عن الحديث أمام ما تراه، وترتبك، وتبدو خائفة، تريد أن تنسحب بسرعة.
وعندما يتوجه الاثنان إلى الطريق المؤدية إلى جنوب لبنان، تقول لمرافقها إنها نسيت وضع الحجاب لتغطية رأسها، فيقول لها ربيع: لا يهم، على أساس أنها شخصية أجنبية معروفة.
في الجنوب الملصقات التي تحمل شعارات حزب الله وصور مقاتليه الذين قتلوا خلال الحرب تملأ الطريق في كل مكان، وأطلال المنازل والبنايات تصنع كتلة سيريالية من اللامعقول المعماري لدرجة أن ربيع الذي يتوجه للبحث عن بيت جدته لا يمكنه حتى التعرف على الموقع الذي كان البيت يشغله، ولا على أي أثر يشير إلى ما تبقى منه.
لا تتحمل دينيف أيضا قسوة المشاهد التي تراها، ولا يمكنها أن تخفي علامات الخوف على وجهها. وعندما يسألها ربيع ما إذا كانت ستعود مرة أخرة إلى لبنان لا تجيب.
وينتهي الفيلم بحفل على شرف دينيف تقيمه السفارة الفرنسية في بيروت، حيث تجد دينيف نفسها تبحث بانفعال حقيقي دون وعي منها، عن ربيع إلى أن تراه فتبتسم ابتسامة الاطمئنان.
وإلى الخارج تخرج بنا الكاميرا، إلى الشوارع وإلى حركة البشر والسيارات في بيروت، دلالة على استمرار الحياة.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger