الثلاثاء، 10 فبراير 2009

"المليونير الصعلوك": يكسب الفلوس والبنت الحلوة، ويفوز بكل الجوائز!



لم أكن في يوم من الأيام منساقا وراء ما يكتبه النقاد في الغرب، أتبنى ما يكتبونه إشادة أم ذما في الأفلام، بل كان لي رأيي الخاص الذي يعبر عن رؤيتي وثقافتي الخاصة، ولعل هذا قد اتضح تماما عند تناولي لأفلام مثل "سكر بنات" و"زيارة الفرقة" و"الجنة الآن" و"الرقص مع بشير" وغيرها.
وسأغامر هنا مجددا بالسباحة عكس التيار السائد الذي يكيل المديح شرقا وغربا للفيلم البريطاني "المليونير الصعلوك" وكأننا أصبحنا أمام فتح جديد في عالم السينما بينما يمكن أن يزعم المرء أن في سينمانا الكثير من الأفلام التي تتجاوزه في الفن (وربما ليس في الحرفة أو الصنعة) دون أن تنال أي قسط من هذا الاهتمام المثير للريبة قبل أن يكون مثيرا للاهتمام!
وعادة ما تتفق الأوساط السينمائية الغربية كل عام على الوقوف وراء فيلم معين يحولونه إلى أيقونه ويجعلون منه ظاهرة، تنتقل من هنا إلى هناك، وتحصل على الجوائز في كل تظاهراتهم السينمائية سواء بالحق أم بالباطل. و"المليونير الصعلوك" هو فيلم الفترة الحالية على صعيد الأفلام الشعبية الناطقة بالانجليزية، وفيلم "الرقص مع بشير" الإسرائيلي هو معادله "العبري"أي الفيلم الناطق بغير الانجليزية، والمطلوب أيضا تسويقه في العالم كنموذج على "كيف تتمكن إسرائيل من تطهير نفسها بالنقد".. وبالها من دولة تملك أن تحارب ثم تعترف بالذنب، وليس لأنه تحفة زمانه ومكانه بالطبع رغم أنني لا اقلل من قيمته الفنية، لكن ليس هذا هو ما يهم نقاد الغرب (وتوابعهم العرب) الذين يزفونه بالطبل وبالمزمار، ولكن هذا موضوع آخر ربما عدت إليه فيما بعد.
هناك ترجمات عربية متعددة للفيلم البريطاني Slumdog Millionaire فالبعض يترجمه "مليونير أصله فقير" والبعض الآخر "مليونير أصله صعلوك" أو "المليونير الصعلوك وأخيرا هناك من ابتكر اسما يتسق تماما مع واقعنا ويتسق مع أفلام العشوائيات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، عن سكان العشوائيات وأطفال الشوارع، فأطلقوا عليه "مليونير العشوائيات" وهي تسمية مناسبة تماما في الحقيقة. ولعل وجود كلمة dog أي "كلب" في تركيب الكلمة الثانية من عنوان الفيلم أثار بعض الالتباس (فقد فهم أن المقصود "كلب العشوائيات المليونير") حتى أنه وقعت بعض الاحتجاجات العنيفة في أوساط سكان العشوائيات في بيهار بالهند، كرد فعل على العنوان الذي اعتبروه مهينا، بل إن بعضهم قاموا بحرق دمية للمخرج "داني بويل" في 56 عشوائية هناك. واعترض سكان العشوائيات في مومباي (حيث صور الفيلم) على العنوان أيضا واضطر المخرج وفريق الفيلم إلى الرد على تلك الاحتجاجات بتوضيح أن العنوان لا يقصد منه الاهانة. والغريب بعد ذلك أن أحد الصحفيين العرب كتب عن الفيلم بعد أن أطلق عليه اسم "المليونير الكلب ابن الأحياء الفقيرة"!
أما الفيلم نفسه فقد أحيط بهالة من الأضواء والتقدير والاهتمام الإعلامي لم يحدث أن حظى بها فيلم منذ فترة طويلة خاصة بعد فوزه بالجولدن جلوب أو الكرة الذهبية، ثم بافتا البريطانية وينتظر أيضا حصوله على الأوسكار.
وربما ترجع أسباب الاهتمام الكبير إلى كون الفيلم يجمع بين الشرق والغرب، بين موضوع يدور في الهند بل وينطق في بعض أجزائه باللغة الهندية، وأسلوب سينمائي أو بالأحرى "صنعة" سينمائية غربية متقنة إلى حد كبير، بين قصة بسيطة ذات طابع ميلودرامي، وبين أسلوب يعتمد على الإيقاع السريع والمزج بين الأزمنة خلافا للسينما الهندية بالطبع التي تميل إلى الإيقاع البطيء والإطالة والاستطرادات والمبالغات وإن كان هذا الفيلم لا يخلو من بعض هذه الجوانب أيضا.
أولا: يتعين علينا أن نعرف أن منتج الفيلم هو نفسه صاحب حقوق البرنامج التليفزيوني الشهير "من يريد أن يصبح مليونيرا؟" (وهو برنامج انجليزي أساسا بيعت طبعاته العربية والهندية وغيرهما)، ولاشك أن الفيلم يعد على نحو ما، نوعا من الترويج والدعاية للبرنامج الشهير.
ثانيا: تحتوي قصة الفيلم على عناصر درامية وميلودرامية وعاطفية رومانسية وكوميدية، ولذلك يرضي الفيلم الكبار والصغار، ويبدو مصمما في بناء السيناريو، الذي يعتمد على رواية صدرت قبل ثلاث سنوات في الهند وحصدت رواجا كبيرا، بحيث لا يقتضي من المتفرج جهدا كبيرا في الإلمام بأطراف الموضوع أو التفكير والبحث عن دلالات للأشياء.
أما قصة الفيلم فلاشك أنها أصبحت معروفة الآن على نطاق واسع، ومع ذلك فأساس حبكتها أن صبيا مراهقا يتمكن من الفوز بعشرين مليون روبية في برنامج "من يريد أن يصبح مليونيرا؟" رغم أصله المتواضع وأنه لم يكمل تعليمه فيقبض عليه رجال الشرطة الذين يشكون في أنه حصل على إجابات عن أسئلة البرنامج عن طريق التحايل والغش، ويقومون بتعذيبه بوسائل بدائية لمعرفة كيف حصل على الإجابات الصحيحة.
ويتعين على هذا الصبي (واسمه جمال مالك وهو من مسلمي الهند) أن يفسر تمكنه من الإجابة عن كل سؤال على حدة، وفي كل مرة يعود بنا الفيلم في "فلاش باك" أي عودة في الزمن إلى جانب من حياة "جمال" المأساوية كطفل من أطفال الشوارع تعرض للكثير من المحن وفقد صلته بشقيقه "سليم" الذي أصبح يعمل في خدمة أحد كبار المجرمين في مومباي، كما فقد الصلة مع "لتيقة" (أو لعلها "لصيقة") الفتاة التي ارتبط بحبها منذ الطفولة.
ما يحدث على مسار الفيلم بعد ذلك يمكن متابعته باسترخاء ودون أي مجهود، لأنه متوقع في سياق "الحبكة" التي تفقد أي نوع من الإثارة بعد مضى الثلث الأول من الفيلم، فكل ما يقع من تطور للفتاة (تصبح عشيقة بالإكراه للمجرم) واستتابة سليم بعد فوات الأوان، وإنقاذه للفتاة ودفع الثمن حياته على أيدي أفراد العصابة، تقليدي وسبق أن شاهدناه في الكثير من الأفلام المصرية القديمة التي ربما كانت أكثر إقناعا. والنهاية السعيدة التي ينتهي إليها الفيلم بالتوفيق بين "جمال" و"لتيقة" متوقعة أيضا وطبيعية في فيلم من هذا النوع. وفي الوسط هناك مشاهد اختطاف الأطفال وإحداث عاهات بهم لدفعهم للعمل كشحاذين لحساب عصابات متخصصة، وهي "تيمة" سبق أن شاهدناها أيضا في الكثير من الأفلام المصرية القديمة بشكل أفضل كثيرا خاصة في فيلم "ملك الشحاتين" وبشكل أكثر خفوتا في "زقاق المدق" عن رواية نجيب محفوظ الشهيرة التي تتفوق على الفيلم في تناولها الموضوع بشكل أكثر عمقا منذ أكثر من خمسين عاما!
ويمكن القول إن سيناريو الفيلم هو سيناريو "بدائي" بالمعنى الحرفي، أي أنه يلتزم بالقواعد الأولية في البناء الدرامي وبناء الشخصيات ودفع الأحداث، دون أي محاولة للتعمق في الدوافع والخلفيات الشخصية وسبر أغوار فكرة الحلم بالثراء ومغزى الصعود في مجتمع يعاني من الفقر المدقع، وتقديم صورة حقيقية من الداخل لمجتمع العشوائيات بعيدا عن تلك الأنماط السطحية التي خبرناها مرارا في الأفلام المشابهة: الزحام الهائل، المستنقعات وقنوات المياه الراكدة التي تغسل فيها النساء الملابس، القطارات المختنقة بالبشر، مظاهر الفقر المدقع، وغيرها.
ولعل ما أوقف هذا السيناريو البسيط لحد البدائية على قدميه، هو الإخراج المتمكن الواثق للمخرج الإنجليزي داني بويل صاحب "قبر سطحي" "رصد القطارات" والذي لم يحقق نجاحا منذ هذين الفيلمين كما حقق في "المليونير الصعلوك" رغم أنه أخرج 11 فيلما روائيا طويلا للسينما حتى الآن بعد ان عمل لسنوات لحساب التليفزيون.
نجاح الإخراج يتمثل في السيطرة على إدارة التصوير والتحكم في إيقاع المشاهد خاصة تلك التي تدور في الأماكن الطبيعية، والتحكم في أداء الممثلين، وفي الإيقاع العام للفيلم والإبقاء عليه سريعا لاهثا مع خلفية موسيقية تتناسب مع أجواء الميلودراما. لكن المشكلة أن بويل يراهن على استخدام طريقة "المونتاج المتوازي"، أي تصوير حدثين يتقاطعان في وقت واحد، كوسيلة للإثارة ولكن بدون نجاح في الثلث اأخير من الفيلم، فالمشاهد يعرف منذ بداية الفيلم أن "جمال" سيفوز بمسابقة برنامج "المليونير"، وكان استخدام أجواء الإثارة والترقب التي تتولد من طريقة تقديم البرنامج، التي يحفزها جمهور المشاهدين عن ظهر قلب، طريقة مفتعلة ومستهلكة ولا تثير أي اهتمام لأننا نعرف مسبقا النتيجة. والغريب أنه يجعل جمال يتوجه لاستكمال البرنامج في الليلة الثانية بعد أن تعرض لأشكال من التعذيب الرهيب، دون أن يبدو عليه أي انهاك بل يبدو وقد تحسنت صحته وازداد رونقهّ!
ولكن لاشك في التصويرالبارع للفيلم، وفي نجاح المصور في اقتناص الكثير من اللقطات الخارجية، وخلق صور تنبض بالحياة والحرارة كما في مشاهد الأحياء الفقيرة في مومباي، والابتكار في زوايا التصوير وتنويعها واختيارات الألوان التي تتناسب مع ألوان الهند حتى لتكاد تشعر بحرارتها، وهو إنجاز في مجال الصورة لاشك أنه يستحق التقدير.
لكن لاشئ يبقى في النهاية من هذا الفيلم الذي أثيرت ولاتزال تثار من حوله ضجة صحفية وإعلامية هائلة، تتجاوز كثيرا أهميته وحجمه، سوى دقة "الصنعة" وتمكنها، أما ماعدا ذلك، فكله سيذهب هباء بعد أن ينتهي موسم الجوائز، وبعد أن يحصد "المليونير الصعلوك" كل الجوائز بعد أن فاز بالمال ونال الفتاة الحلوة أيضا!

الاثنين، 9 فبراير 2009

جائزة بافتا لأحسن فيلم لـ"المليونير الصعلوك"


البريطانيون يحاولون سباق الأمريكيين، فبعد أن كانت جوائز السينما البريطانية المعروفة باسك "بافتا" (الحروف الأولى من الأكاديمية البريطانية لعلوم وفنون السينما والتليفزيون) تعلن بعد الأوسكار فأصبحت تسبقها، بل وتتنافس معها على نفس الأفلام والترشيحات.
مساء الأحد أعلنت جوائز بافتا التي لم تشكل أي مفاجآت من أي نوع. فقد حصل الفيلم البريطاني "ميلونير أصله صعلوك" لداني بويل على جائزة أحسن فيلم كما نال جائزة أحسن مخرج.
أما جائزة أحسن فيلم بريطاني فذهبت إلى فيلم "رجل على السلك". وحصل ميكي رورك في "المصارع" على جائزة أحسن ممثل، كما حصلت كيت ونسيلت على جائزة أحسن ممثلة عن دورها في فيلم "القارئ".
وحصل الراحل هيث ليدجر على جائزة أحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم "فارس الظلام"، والممثلة بنيلوب كروز على أحسن ممثلة مساعدة عن دورها في فيلم "فيكي كريستينا برشلونة" لوودي ألين. وفاز فيلم الرسوم "الحوت" بجائزة أحسن أفلام الرسوم متفوقا على "الرقص مع بشير" الإسرائيلي، و"برسيبوليس" الفرنسي الإيراني. ولا مفاجآت في جوائز بافتا إلا أن جائزة أحسن فيلم بريطاني أثارت جدلا فلماذا لم يفز بها فيلم "المليونير" الذي يبدو أنه اصبح أيقونة العام الجاري لأسباب لم يدرسها أحد بعد، فما السر الذي يجعل الغرب يهتم كثيرا بقصة ولد من عشوائيات الهند؟ ولماذا لا تنجح الأفلام المشابهة الميلودرامية العاطفية التي تنتج في بوليوود في الغرب؟ سؤال كبير لم يجب عليه أحد. ربما تكون لدينا اجابة بعد مشاهدة هذا الفيلم- الظاهرة الذي بات من المؤكد أنه سيفوز بالأوسكار أيضا فهذه هي "الموضة" السارية هذه الأيام!

كيت ونسليت في فيلم "القاريء"

الجمعة، 6 فبراير 2009

رسائل الأصدقاء

* الصديق العزيز المخرج رشيد مشهراوي أرسل يقول إنه أنهى تصوير فيلم وثائقي جديد يعنوان "الحمالون" حول أطفال العراق أثناء الحرب على أطفال غزة.
* وصلتني رسالة من القارئ محمد مفتاح من ليبيا يقول فيها إنه لا يعرف لماذا توقفت مجلات السينما في العالم العربي هل لأنه ليس هناك جمهور لها أم لأنها لم تكن ناجحة، وكيف يمكن أن تنجح"؟رأيي الشخصي المتواضع في هذا الموضوع المحير أن جمهور السينما في عمومه لا يقرأ، والجمهور الذي يقرأ لا يشاهد السينما لأنه يعتبرها أدنى من الأدب مثلا، ولكن السبب الأهم يرجع إلى أن القطاع المهتم من الجمهور يمكنه حاليا الحصول على ما يرغب عن طريق الانترنت ولا حاجة به لشراء مجلات (ورقية)، بل وقد اصبحت هناك كتب متوفرة أيضا على شبكة الانترنت سواء بشكل قانوني أو غير قانوني في معظم الأحيان، فما حاجتنا إلى مطبوعات!
هذه وجهة نظر لا أتفق معها بالطبع لأني شخصيا لا أنشر كل شئ عندي في هذه المدونة بل أحتفظ بالغالبية العظمى من كتاباتي لكتب أرجو أن أتمكن من إصدارها.
* رسالة أخرى من القارئ سامح علاء من مصر يقول فيها:"في البداية احب ان اشكرك علي المدونه الرائعة ، اني متابع لها بشكل يومي. كنت اريد ان اسألك بعض الأسئلة: من اين يمكنني شراء كتاب السينما كفن تخريبي والمصباح السحري لبيرجمان مع العلم اني اعيش في القاهرة، والسؤال الثاني اين مقالاتك عن جان لوك جودار وجلوبر روشا، والسؤال الثالث هل يوجد كتب لجان لوك جودار في القاهرة؟ . و شكرا".
واضح طبعا أن صديقنا سامح من المهتمين بالقراءة في السينما، وبقراءة الكتب بوجه خاص، والكتب المتخصصة أيضا وليست العمومية عن النجوم والسينما الشائعة الأمريكية. وهذا يثبت أن القارئ المتخصص موجود.
أما بخصوص شراء كتب السينما وغيرها فأنا شخصيا أعتمد على مؤسسة أمازون في شراء معظم ما يلزمني منها. ويمكنك مخاطبتها عن طريق الانترنت بشرط أن تكون لديك بطاقة دفع الكترونية. واليك العنوان http://www.amazon.com/وعليك البحث في قسم الكتب عن كتاب السينما كفن تخريبي Film As a Subversive Art وكتاب The Magic Lantern للراحل العظيم برجمان. وجدير بالذكر أن كتاب "السينما كفن تخريبي" كان قد ظل لسنوات منشورا على الانترنت في موقع http://www.subcin.com/subindex.htmlإلا أن المسؤولين عن الموقع، نزولا على رغبة المؤلف آموس فوجل، رفعوا الكتاب تمهيدا لإعادة إصداره عن طريق دار للنشر في الولايات المتحدة. وعموما يمكن الدخول إلى هذا الموقع للتعرف على محتوياته لهواة وعشاق ما يمكن أن اطلق عليه "السينما المتطرفة".. في جمالياتها طبعا!
أما بخصوص مقالاتي عن جودار فهي مقالات منشورة منذ سنوات لأن جودار لم يقدم فيلما جديدا منذ عدة سنوات، ولكني أستعد مستقبلا لإعداد كتاب كامل عن أعمال جودار وجمالياتها أعيد فيه مراجعة أفلام هذا السينمائي الذي غير تاريخ السينما، وأشرح تحديدا كيف كان تأثيره علينا عندما كنا صغارا نبحث في العلاقة بين السياسة والسينما. أما جلوبير روشا البرازيلي المؤسس لحركة السينما الجديدة في البرازيل في ستينيات القرن الماضي، وصاحب نظرية "جماليات الجوع" فهو يستحق أيضا تسليط الأضواء عليه لمن لا يعرفه، وأعد بأنني سأفعل بل أنا سعيد لأن سامح حدد هوية هذه المدونة بشكل دقيق عندما طرح تساؤلاته حول هذين المخرجين تحديدا.
أما السؤال الثالث المتعلق بتوفر كتب في القاهرة عن جودار فلا أظن أن أحدا أصدر أي كتاب عن جودار لكن بعض الكتب (منها كتاب لمدكور ثابت) تناولت بعض أعماله. وسؤالك بالفعل يفضح هشاشة وسطحية وانتقائية حركة ترجمة الكتاب السينمائية في مصر والعالم العربي، وربما يكون موقف المؤسسات الرسمية التي تنشر الترجمات تخشى الاقتراب من جودار تحديدا لأسباب يطول شرحها هنا.وبعد أن كتبت هذا الرد وصلتني رسالة من الصديق العزيز الأستاذ خالد السرجاني يلفت انتباهي إلى أن ترجمة لكتاب "السينما كفن تخريبي" صدرت باسم "السينما التخريبية" عن دار الحصاد فى سوريا فى منتصف التسعينات.
================================================

تصويب:
في نطاق تصويب ما يتوالد في الصحافة العربية من معلومات خاطئة أود أن أشير إلى أن الناقد السينمائي سمير فريد كتب في عموده اليومي باحدى الصحف في إطار عرضه لترشيحات الأوسكار فقال إن فيلم "فروست/ نيكسون" عرض للمرة الأولى في ختام مهرجان سالونيك باليونان (23 نوفمبر 2008)، وقد نقل عنه زميل آخر وكرر نفس الخطأ، ولم أفكر في تصحيح ما نشر إلا بعد تكراره واستنساخه دون تدقيق.
والصحيح أن "فروست/ نيكسون" عرض للمرة الأولى في العالم أي قبل عرضه في الولايات المتحدة (بلد الإنتاج) ليس في "مهرجان متوسط" كما قال سمير فريد، يقصد "متوسطي" هو سالونيك بل في افتتاح مهرجان لندن السينمائي في 15 أكتوبر 2008 ونشر مقالي عنه في موقع بي بي سي في اليوم التالي مباشرة أي في 16 أكتوبر. ولذا لزم التصحيح.

هل امتد التأثير الإيراني للسينما الجزائرية؟


الفيلم الإيراني "كن هادئا وعد إلى سبعة" هو الفيلم الروائي الأول لمخرجه راتمين لافافيبور، وهو أيضا أحد الأفلام التي حصلت على تمويل من مشروع "هيوبرت بالس" المخصص لدعم التجارب الطليعية في سينما العالم في إطار مهرجان روتردام السينمائي.
وشأنه شأن معظم أفلام السينما الإيرانية "الجديدة" أي تلك الموجة من الأفلام التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، يمزج هذا الفيلم بين الروائي والتسجيلي، ويبتعد عن المدينة إلى قرية على الساحل، ويجرد موضوعه بحيث لا تصبح له ملامح إيرانية محددة بل يكتسب بعدا كونيا في المطلق، ويجعل بطله طفلا ينضج على نار التجربة قبل الأوان، وكلها عوامل مشتركة في معظم نتاجات السينما في إيران.
دور الصورة
هذه الملامح التي تعلي بلا أدنى شك، من دور الصورة على حساب الممثل، ومن دور المفردات الشعرية الخالصة على حساب الحبكة، هي أيضا نتاج لمنهج وطريقة المخرج عباس كياروستامي الذي يعد الأب الروحي للسينما الإيرانية الجديدة.
ولكن المحصلة السلبية لهذا الاتجاه أنه لا يعرف كيف يتطور، ولا كيف يخرج من الشكل النمطي المألوف الذي حبس نفسه فيه، ولا كيف يقيم علاقة حقيقية مع جمهوره في الداخل بعيدا عن جمهور المهرجانات السينمائية الدولية (الأوروبية أساسا) من الراغبين دائما في رؤية "المختلف" و"الغريب" و"المثير" exotic و"الغامض" في ثقافة الآخر الذي يعتبر مختلفا حتى بمقاييس الحضارة الحديثة.
خطورة هذه النظرة "الأوروبية" الأبوية للسينما التي تأتي من إيران، أنها تجعل البؤس "الجميل" إذا جاز التعبير، موضوعا في حد ذاته، وهذا تحديدا موضوع هذا الفيلم.
بطل الفيلم طفل لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، يعيش في قرية من قرى الصيادين الفقيرة على الساحل في جنوب إيران.
ومع تدهور أحوال الصيد يتجه سكان القرية إلى كسب عيشهم من التهريب، أوبالأحرى، المساعدة في تهريب البضائع التي تأتي عن طريق البحر في قوارب عديدة تهبط فجأة فيهرع العشرات من سكان القرية، وخصوصا نساؤها اللاتي يغطين وجوههن، لحمل الصناديق التي تحوي السلع ونقلها إلى بيوتهن حين يتم تحميلها فيما بعد على ظهر شاحنة يقودها وكيل المهربين في المنطقة.
الصبي "موتو" يعيش مع والدته وشقيقته، ويبذل كل جهده في العمل لكي يعيل الأسرة بعد أن غاب والده في رحلة صيد ومضت عدة أيام دون أن يرجع.

غير أن "موتو" يملؤه اليقين بأن أباه سيعود، ولكن مع استمرار غياب الأب، وبعد أن تمر سبعة أيام على غيابه يريد موتو أن ينتقل إلى الجانب الآخر من البحر لكي يتحقق من الأمر: هل مات والده، فهناك يمكن رؤية جثث الغرقى الذين يلقي بهم البحر.
لكن الحياة ليست سهلة، فتدريجيا ينغمس موتو في مساعدة المهربين، بل ويعرض أن يقوم أيضا بتهريب البشر، ويظل يبحث دون كلل، عن اللؤلؤ داخل قواقع البحر التي يصطادها ويشقها، إلى أن يعثر بالفعل على واحدة يجد داخلها لؤلؤة صغيرة.
مقابل اللؤلؤة يحصل من المهرب على معطف لوالدته، وقميص يحمل رقم عشرة واسم لاعب كرة القدم الأرجنتيني الشهير رونالدينو.
تستمر الحياة على ايقاعها، الجميع فيها أشقياء: الأهالي الذين يسعون للتغلب على شظف العيش بالمشاركة في التهريب، ورجال الشرطة المكلفين بمطاردتهم والقبض عليهم، ولذا فإنهم يغلبون روح التضامن الإنساني على التمسك بأداء المهمة.


الطابع التجريبي
ما الذي يحدث بعد ذلك؟ لا شئ.. فالمخرج يغلف اللقطات الخلابة للشاطئ والبحر والقوارب التي تندفع بقوة فوق سطح الماء، بسحر المكان، ويستخدم أحيانا الكاميرا المهتزة المحمولة لخلق تكوينات بصرية متنوعة تعبر عن قسوة حياة البشر، في لغة سينمائية يغلب عليها الطابع التسجيلي، ويتراجع فيها الموضوع أو يصبح مجردا على نحو يردنا إلى فيلم "العداء" The Runner (1984) للمخرج أمير ناديري الذي كان أول فيلم يلفت الأنظار إلى السينما الإيرانية في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية.
هذا الطابع "التجريبي" الذي يقوم على التلاعب الدائم في الشكل، يفترض أن يكون مقصودا من أجل أن يوصلنا إلى شئ ما، إلى اكتشاف جوهر السينما والتعامل مع عالمنا وأناسه من خلال خصوصيته أيضا، لا أن يتركنا دائما عاجزين عن القبض على زمام الأشياء، ورد الأمور إلى مسارها الطبيعي الأرضي، أي تحديد دور الإنسان فيها بوضوح بدلا من الهرب إلى التجريد المطلق.

داخل البلاد
التجريب الإيراني في السينما أثبت نجاحه في أوساط السينما الغربية التي تنبهر عادة بالغريب وغير المألوف، ترحب بالسهل والبسيط والتجريدي والأحادي البعد و"الإكزوتي" في صوره ولقطاته، وبالتالي بتحويل الإنسان إلى مجرد صورة شاحبة غير محددة المعالم، وكأن الإنسان لم يصنع تلك الحضارة الهائلة التي تمتد إلى آلاف السنين، بل لايزال شبحا هائما يتبدى ويختفي حسب الحالة النفسية والمزاجية.
هذا "المفهوم" للسينما امتد أيضا إلى الفيلم الجزائري "داخل البلاد" Inland للمخرج طارق تقية.

"داخل البلاد" (أو قِبلة Gabbla) فيلم يمتد 137 دقيقة، صوره مخرجه أساسا بكاميرا الفيديو الرقمية قبل أن يحوله إلى شريط سينمائي، وهو من التمويل الفرنسي وإن كان قد صور بأكمله في الجزائر.
بطل الفيلم مهندس يرسل في مهمة إلى منطقة نائية في أعماق الصحراء، لمد خطوط الطاقة الكهربائية.
هناك يبدو بطلنا هذا "مالك" وكـأنه مقطوع الصلة تماما بالعالم. لكن الأمر ليس كذلك، فهو يسمع أصوات انفجارات قريبة ليلا لا يعرف مصدها. ثم يجد نفسه محل شك من رجال الشرطة الذين يتشككون فيه وفي طبيعة مهمته في تلك المنطقة، فالمناخ العام مناخ شك وريبة.
وفي الجزء الأول من الفيلم ينتقل المخرج على شكل "فلاشات" سريعة لمشاهد تجمع عددا من الأصدقاء في المدينة يتناقشون في كل شئ ويعبرون عما يشعرون به من إحباط بسبب عجز السياسات، وفشل مشروع الدولة المدنية الحديثة، وظهور الإرهاب.
هناك أحاديث مباشرة حول الديمقراطية والعنف والسلطة والثورة والحداثة ولكن من خلال لغة خطابية مباشرة تتناقض تماما مع الصور الممتدة الصامتة التي سننتقل إليها مع انتقال البطل إلى تلك البقعة المجهولة.
لكنها ليست مجهولة تماما، فبطلنا يكتشف أنها بمثابة معبر للهجرة من الجنوب إلى الشمال، من افريقيا إلى اسبانيا. ويلتقي ذات يوم بفتاة افريقية سوداء، جاءت على ما يبدو من النيجر تريد الفرار من هذا الجزء من العالم بأي ثمن.
غير أن الحوار بين مالك وهذه الفتاة حوار صعب فهي تتكلم الانجليزية التي لا يفهمها، ويكلمها هو بالعربية، لكنه يفهم ويرى أنها خائفة، لا تريد العودة، وهو لا يعرف ماذا يخيفها إلى هذا الحد.
يؤويها عنده بعض الوقت، ثم يقرر مساعدتها في قطع الطريق الشاق، إلى الحدود الجنوبية الغربية ومن ثم يمكنها أن تجد طريقها إلى الساحل.
وطوال الرحلة يتأمل مالك، ونحن معه، في البشر وفي الطبيعة ويدرك كيف يذوب الإنسان في الطبيعة، وكيف يصبح جزءا منها.

تدريب خاص
معظم لقطات الفيلم صامتة. والإيقاع العام بطئ ويحتاج من المشاهد إلى تدريب خاص على هذا النوع من السينما، والصورة تتبدل في ألوانها أحيانا داخل المشهد الواحد، وتنتقل من الظلمة إلى النور، ومن العتمة التي تغلفها حبيبات التراب، إلى الشمس التي تخلق تكويناتها السرابية الخاصة.

وفي الفيلم تكرار مقصود للعديد من اللقطات، ومن الزوايا نفسها. وإن كان هناك دون شك، حس تشكيلي رفيع يتبدى في التكوينات داخل اللقطات الثابتة والمتحركة.
ولاشك أن الخلفية الشخصية للمخرج طارق تقية الذي جاء أساسا من التصوير الفوتوغرافي وراء اهتمامه الكبير بالصورة.
لكن هناك أيضا تأثرا واضحا بأسلوب أنطونيوني الإيطالي: في جعل اللقطة تصبح مشهدا، وفي اللغة غير المباشرة التي تصور شيئا وتقصد شيئا آخر، والإغفال المتعمد لقيمة الحوار، الذي يصبح وسيلة أقل أهمية للتواصل.
لغة من الخارج
لكن مشكلة هذا الفيلم أن الأسلوب فيه ليس أصيلا، بل يبدو مفتعلا وشديد الاصطناع، وشديد المبالغة في الاهتمام بالصنعة، وبالرغبة في الإدهاش وفي استخدامه الإيقاع الطويل المجهد، واللقطات الطويلة الممتدة التي لا يبدو أن لها نهاية.
وينتقل المخرج أحيانا من الصورة الناطقة إلى الصورة الصامتة تماما فيلغي المؤثرات الصوتية الطبيعية (صوت القطار مثلا) لكن كل هذه الطرائق والألاعيب الشكلية، مع تكرارها بدون ضرورة درامية تبدو مفروضة من خارج الفيلم، كما تبدو مقصودة فقط لذاتها، ومن أجل التجريب للتجريب، وهو ما يزيد كثيرا من عزلة المشاهدين عن الفيلم بدلا من أن يقربهم من عزلة أبطاله.. عن بعضهم وعن عالمهم. أليست السينما في النهاية فن للتقريب بين البشر!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger