الخميس، 23 فبراير، 2017

الاحتفاء بالنقد العربي في برلين






أقام مدير مهرجان برلين السينمائي ديتر كوسليك، حفلا خاصا لتكريم الناقد السينمائي المصري الكبير سمير فريد، تقديرا لمسيرته في النقد السينمائي العربي عبر نحو 52 عاما من العطاء، من خلال الكتب والمقالات والدراسات والندوات وتأسيس الجمعيات واكتشاف المواهب الجديدة والترويج للسينما المصرية والعربية في المهرجانات الدولية.
أسعدني بوجه خاص تكريم سمير فريد الذي عرفته وزاملته في جمعية نقاد السينما المصريين منذ السبعينات حتى الآن، وقد استمرت العلاقة الشخصية بيننا قائمة على الود والتقدير، رغم بعض الاختلافات أو الخلافات في وجهات النظر- سواء حول ما يتعلق بالقضايا السياسية الرئيسية في بلادنا والموقف الذي ينبغي اتخاذه منها، أو ما يتعلق بالنظر إلى بعض الأفلام وتقييمها والمدخل إلى تقويمها، وهي خلافات مشروعة وصحية بين المشتغلين بالنقد والفكر.
الاحتفاء بسمير في صحبة مجموعة ممن عرفوه منذ سنوات بعيدة، سواء من السينمائيين والنقاد الأجانب أو العرب، ومنحه كاميرا "البرلينالي" التي تمنح للشخصيات التي تركت بصمة واضحة في علاقة مهرجان برلين بالسينما في بلادهم، أسعدني كثيرا- ليس فقط لأنه جاء تقديرا لناقد كبير كرس حياته للسينما والبحث في قضاياها واشكالياتها، وسلط الأضواء على الكثير من منعطفاتها، بل أساسا- لأنه احتفاء بالنقد السينمائي عموما، وهو ما أمارسه ويمارسه غيري ولا يلقى أي نوع من الاهتمام من جانب مهرجانات السينما التي تقام في العالم العربي. فعادة أن تحتفي هذه المهرجانات بالممثلات والممثلين من المشاهير، سواء من أضافوا من خلال أفلامهم الكثير للفن السينمائي، أو من لم يضيفوا شيئا، ومعظمهم ممن يرتبطون بعلاقات مصالح مع تلك المهرجانات، أو يأتي تكريمهم استجابة لرغبة الجهات الممولة ومسؤولي البلديات والمحافظات والوزرات الذين عادة ما يرحبون بمجالسة ومصادقة بعض مشاهير السينما ممن قد لا تكون لهم بصمة واضحة على فن السينما، بل تكفي في هذه الحالة شهرتهم. وهي شهرة يتصور القائمون على تلك المهرجانات أنها كفيلة بجذب الجمهور.
المشكلة أن النقد السينمائي الحقيقي ثقافة، والسينما بطبيعتها تتأرجح بين الفن والتجارة والصناعة وبعض الثقافة، ولذلك يصبح الناقد المثقف غريبا عن "الوسط" إلا إذا قبل أن يخضع كتاباته لقواعد "السوق"، يجامل المنتجين والمخرجين والممثلين، وفي هذه الحالة لا يصبح ناقدا بل مروجا، ويخرج من باب الثقافة ليدخل من باب الدعاية.
أما مهرجانات السينما الدولية الكبرى فتعتبر أن الثقافة تمثل جانبا أساسيا من وظيفتها، لذلك تحتفي بالنقاد وهم مازالوا على قيد الحياة، أما مهرجانات العالم العربي والجزء الجنوبي من العالم عموما، فهي قد تتذكر الناقد فقط بعد وفاته، ولكنها تنساه تماما في معظم الأحيان، فمن النادر أن تخصص جوائز للنقد، بل ولا تستعين بالنقاد سوى في القليل النادر، في لجان التحكيم،  وإذا كانت هناك جوائز من الدولة للكتاب إلا أن مؤلف الكتاب السينمائي يظل خارج المنافسة مع الشاعر والروائي والرسام.
إذا كان تكريم سمير فريد في برلين قد لقي كل ما لاقاه من اهتمام في الصحافة المصرية والعربية ومواقع التواصل الاجتماعي، فربما يكون هذا حافزا للمهرجانات العربية للاهتمام قليلا بنقاد السينما الذين تعرف مهرجانات الغرب والشرق أنه من دونهم لن يكون لها وجود، ومن دون كتاباتهم لن يمكن للسينما أن تتطور، ولن يتمكن العالم من التعرف على منجزات جديدة سواء من الأفلام أو من المواهب السينمائية.
سمير فريد علم كبير من أعلام النقد السينمائي العربي بما أنجزه، وبما أضافه إلى معنى النقد السينمائي والإعلاء من دور الناقد والتطلع إلى مساواته بنقاد الأدب والشعر والفن التشكيلي والمسرح. وهو ما نكافح منذ سنوات، من أجل إرسائه، ربما دون أن ننجح حتى الآن إلا على نطاق محدود. لكن جيلنا حاول ونال شرف المحاولة، وعلى الأجيال التالية أن تكمل المحاولة.
مبروك التكريم والاحتفاء.. لسمير، ومبروك لنقاد السينما العرب جميعا.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com